هت

فليس من شروط المواطنة الاتفاق في الرأي او الاشتراك في الدين او المذهب او القومية. ان مفهوم المواطنة يستوعب كل هذه التعدديات والتنوعات، ويجعل المناخ السياسي والثقافي والاجتماعي مؤاتياً لكي تمارس كل هذه التعدديات دورها ووظيفتها الحضارية والوطنية في اثراء الواقع الوطني ومده بأسباب الاستقرار والانسجام الاجتماعي.

وترتكب جريمة كبرى بحق الوطن (أي وطن)، حينما يتم التعامل مع مفهوم المواطنة على مقاس واحد وفي حدود الاشتراك في أحد العناوين السالفة.

فالمواطنة كمفهوم واجراءات وحقائق، هي الابداع الانساني الدستوري الذي يضمن لجميع المكونات والتعبيرات المشاركة في ادارة الشأن العام واثراء الوطن على مختلف الصعد والمستويات.

فالوطن الذي تتعدد انتماءات مواطنيه، لا خيار أمامه لضمان الوحدة والاستقرار إلا تأسيس الأوضاع القانونية والسياسية على مبدأ المواطنة ومقتضياتها الدستورية والسياسية. بحيث تكون مؤسسة الدولة محايدة تجاه انتماءات مواطنيها.. بمعنى ان انتماء المواطن الديني او القومي او العرقي، لا يزيد من فرصه ومكاسبه وامتيازاته، كما انه ليس سبباً لانتقاص حقوقه او فرصه في المشاركة في الحياة العامة.

فالتعدد لا يمكن أن يدار في الإطار الوطني إلا بمواطنة تضمن للجميع حقوقهم، وتفسح المجال أمامهم للالتزام بواجباتهم والقيام بمسؤولياتهم.

وبهذا المنظور تتجلى حقيقة لا لبس فيها وهي: ان المواطنة ليست شعاراً مجرداً عن حقائق ووقائع الحياة. وإنما هي منظومة قيمية وادارية وسياسية، تتجه بكل امكاناتها لمنح المواطن كل حقوقه، وتحفزه للالتزام بكل واجباته ومسؤولياته


ما هي المواطنة ،هل نستطيع أن نطبق هذا المفهوم في مجتمعاتنا التي ما زالت ولاءتها متبلورة حول العرق والجنس والأثني والقومي والديني ،مبتعدين كل البعدعن مفهوم المواطنة والتي تنطوي تحت مفهوم الانتماء للدولة وليس لشيء آخر.

مفاهيم المواطنة و الهوية الوطنية و علاقتها بالإنتماء

 : 
1 – شرط الدولة الوطنية : وما يستتبع ذلك من إقامة مجتمع وطني يقوم على اختيار إرادة العيش المشترك بين أبنائه . 

نتماء زائف :
هو ذاك الانتماء المبني على وعي زائف ، بفعل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي قد تشوه حقيقة الواقع في عقول المواطنين ، وبالتالي قد تصبح رؤيتهم للأمور والمواقف غير حقيقية وغير معبرة عن الواقع الفعلي، ومن ثم يصبح الوعي والإدراك لهذا الواقع وعياً مشوهاً وبالتالي ينبثق عنه انتماء زائف ضعيف .
3) انتماء لفئة بعينها :
وهنا يعمل الفرد على مصالح الفئة التي ينتمي إليها دون سواها من الفئات داخل المجتمع الواحد ، وبالرغم من أن وعيه بها وعي حقيقي وانتماءه لها انتماء حقيقي ، إلا أنه قياساً على انتمائه للمجتمع ككل فهو وعي غير حقيقي وانتماء غير حقيقي ، لأنه يعمل وينتمي لجزء من الكل فقط ، فلا يعي ولا يدرك ولا يعمل إلا لصالح هذا الجزء ، ويترتب على ذلك آثار وخيمة من تفتيت لبنية المجتمع وربما كان سببا لوجود الصراع بين فئاته ، ويزداد حدةً كلما ازدادت الهوة بين هذه الفئات والمحصلة النهائية تدهور المجتمع وتفككه ، إذ ستعمل كل فئة في الغالب الأعم لصالحها هي فقط ، ولو على حساب غيرها من الفئات .
إن التأصيل النظري لمفهوم المواطنة والانتماء يبين أن المواطنة هي الدائرة الأوسع التي تستوعب مختلف الانتماءات في المجتمع كما أنها تضع من المعايير التي تلزم الأفراد بواجبات والتزامات معينة تحقق الاندماج والتشاركية في تحقيق مصالح الأفراد والوطن من ناحية ، ومن ناحية أخرى تسم المواطنة وسبل تكريسها بالمسؤولية العامة والأهداف الوطنية التي يمكن تحقيقها من خلال أطر رسمية وبنية وعي مخطط لها ويتم الإشراف عليها وتقييمها من قبل أجهزة الدولة والمحاسبة على الإخلال بمبادئها من خلال مؤسسات الدولة كل حسب تخصصها وطبيعة عملها ، في حين أن الانتماء يلعب الدور الأساس في تشكيله العديد من القوى الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية التي قد لا يمكن السيطرة عليها ، إذ يتم ذلك في الأسر والقبائل والعشائر ، و من خلال الدوائر الفكرية والدينية الأخرى التي ربما تفضي في بعض الأحيان إلى ممارسات مناوئة لمبدأ المواطنة ذاته .
ومن ثم تعد المواطنة هي البوتقة التي تضمن انصهار جميع الانتماءات لصالح الوطن ضمن أطر نظامية ومن خلال الالتقاء على أرضية المصلحة الوطنية العامة، ويتم ذلك بناء على معطيات الفكر العالمي اليوم والتي يروج لها في ساحاتنا الفكرية ومنتدياتنا الثقافية من خلال الأبعاد التالية :
1) الهوية .
2) الانتماء .
3) التعددية وقبول الآخر .
4) الحرية والمشاركة السياسية .

المكارثية هي فكر محافظ تبناه السناتور الجمهوري جوزف مكارثي في الفترة ما بين العام 1947 والعام 1957، وهي الفترة التي شهدت تصاعد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفياتي. فما هي المكارثية؟ وما هي طريقة عملها؟ وما هي الآثار التي تركتها في المجتمع الأميركي؟

يعتبر السناتور جوزف مكارثي الواجهة الأمامية للحزب الجمهوري وجماعة المحافظين الذين ارتبطت أفكارهم برفض التجديد ومبادئ العدالة، ووجدت فيه قوى الضغط والنفوذ ضالتها لمواجهة منافسيها في الداخل والخارج.

أهداف المكارثية:

– مكافحة الشيوعية في المجتمع الأميركي بتبني المعتقدات الآتية:

أ – كثير من المواطنين الأميركيين شيوعيون ومشكوك في ولائهم.

ب – تصنيف كثير من الموظفين في الأجهزة الحكومية بحسب معايير مغلوطة، فهم إما: جواسيس للاتحاد السوفياتي، أو شيوعيون، أو متعاطفون مع الشيوعية. لقد تلبس مكارثي بعقدة الشيوعية فعمل على محاربتها بعدة أساليب منها:

– تشكيل لجان تحقيق لطرد العناصر المشكوك في ولائها من الأجهزة الحكومية.

– استحداث ملفات وإعداد تقارير لتحديد نسبة ولاء الموظفين.

– وعلى المستوى الوطني ارتكزت المكارثية على عقدة الشك، فالمواطن مشكوك في ولائه، لذلك وجب تكثيف أجهزة الرصد وغرس عقدة الخوف من خطر داخلي وخارجي. وامتدت ملاحقاته إلى رجال الكنيسة البروتوستانت متهما إياهم بالشيوعية، وشكل لجان تحقيق لمساءلة كبار ضباط الجيش، متهما وزير الدفاع في عهد ترومان وهو جورج مارشال بالخيانة ومساندة الشيوعية. ومن المعروف أن مارشال قد حاز جائزة نوبل للسلام لكونه مهندس مشروع مارشال الشهير. كما اتهم الرئيس الأميركي هاري ترومان بالتحالف مع الشيوعيين، واتهم الحزب الديمقراطي بالخيانة. وحتى عندما فاز الرئيس الجمهوري آيزنهاور بالرئاسة العام 1952 لم يتورع مكارثي عن اتهام الحكومة بإيواء عناصر غير موالية في أجهزتها.

الأدوات المكارثية لتحقيق الأهداف:

– تضخيم الخطر وصناعة الخوف (SCAREMONGERING):

إن التعاطي مع هذا الأسلوب يؤسس لثقافة الخوف (Fear Culture). ويرجع المختصون أهداف هذه السياسة للتأثير على طريقة تعاطي الأفراد مع بعضهم بعضا، ويعتبرونها سياسة متعمدة ذات أبعاد تاريخية.

يقول نعوم شومسكي إن صناعة الرعب لا تخرج عن نطاق الرغبة في السيطرة على المجتمع باستغلال مصادر المعلومات لتبرير سياسات داخلية وخارجية لتشتيت تفكير الناس عن قضايا ملحة كالفقر والبطالة والتلوث وانتشار الجريمة والفساد. ولنشر ثقافة الخوف، كما يرى الخبراء، عدة أدوات ووسائل منها:

أ‌ – تزوير المعلومات ونشر الشائعات، كالشائعة التي انتشرت لدينا أخيرا عن معسكر للتدريب على أعمال الإرهاب في مزرعة بني جمرة ومخازن الأسلحة في المآتم.

ب‌ – تحويل حادث فردي وتصويره وكأنه وباء اجتماعي (Social Epidemic).

ج‌ – وصم الأقليات أو فئات معينة في المجتمع بصفات غير محببة كنعت فئة من المواطنين بالصفوية أو وصم المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية بالإرهاب.

د‌ – تلفيق كامل للحقائق والوقائع كاتهام مكارثي لرجال الكنيسة البروتوستانتية بالشيوعية أو الحديث عن هلال شيعي، أو إطلاق كلمة شهيد على دكتاتور غزا جيرانه وحرق آبار النفط وأطلق الصواريخ على من عاضدوه في وقت الشدة، ونقل بلده إلى العصر الحجري، واعتبار ذلك من إنجازات عهده التي يستحق الثناء عليها.

هـ – احتضان العناصر المحافظة التي ترفض مبادئ التسامح والعدالة وترفض التغيير، وتسهيل أحكام سيطرتها على السلطة التشريعية والمصالح الرئيسية والمؤسسات الحكومية كما فعل مكارثي بتشكيل لجان تحقيق لكبار المسئولين في الإدارة الحكومية المعارضين لسياسته لإزاحتهم وإحلال المحافظين محلهم، وكما عمد المحافظون الجدد في إدارة الرئيس ريجان والرئيس الحالي جورج بوش للسيطرة على الكونغرس والإدارة الحكومية، وتعاون الإدارة الأميركية مع طالبان في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي. وهناك مؤشرات قوية على تعاونها مع قوى الإرهاب والقتل في العراق.

و ‌- اعتماد أسلوب التشهير بالمعارضين، ووصف الكونغرس حملات التشهير التي اعتمدها مكارثي بالكارثية لأنها دمرت الحياة الوظيفية لكثير من المواطنين حتى تردت الأوضاع في أجهزة الدولة التي تدهور أداؤها وانحدرت معنويات العاملين فيها، وقد وصف مسلسل تلفزيوني وثائقي العام 1954 المكارثية بما يأتي:

صناعة عقدة الشك:

– المعنى اللغوي للعقدة (Complex) هو التداخل العشوائي للأجزاء لدرجة الإرباك وصعوبة متابعتها وفهمها. والشك نقيض للثـقة، والثـقة كما يقول جيري مون في محاضرته بعنوان «الثـقة والشك في الحياة السياسية»، هي رديف للتسامح والمساواة السياسية التي تعتبر ضرورية للحياة لأنها تعطي الفرد الأمل وتجنبه القلق من تهمة عدم الولاء أو الخيانة. فالانغماس في الشك يعني التدقيق المكثف والمستمر في خلفية الغير وخصوصياته قبل الدخول معه في عقد اجتماعية. ويضيف مون أن عقدة الشك مرتبطة بالشعور بالحرمان حين تتمتع مجموعة معينة في المجتمع بمزايا كثيرة تفوق استحقاقاتها، فتشعر الفئة المنقوصة حقوقها بالتهميش لوجود معايير معينة يشجعها رجال السياسة لغرض الحصول على اتباع ومناصرين. من هنا تكون الثـقة سهلة الكسر (Fragile) تحت سطوة السياسين، ويحفز فقدان الثقة الدعوة لنيل المساواة والمطالبة بالحقوق ضمن عقد اجتماعي. ويربط البرفسور مون بين الثـقة والشفافية، فالثـقة تتعزز عندما تتضح الحقائق للرأي العام في حين يتعزز الشك بالغموض وغياب الحقائق. ولولا الشفافية والمكاشفة وحرية التعبير لما انحسر زيف المكارثية. وبالمثل فإن الانفتاح الذي تمخض عنه مشروع الإصلاح في مملكة البحرين أناط اللثام عن كثير من التجاوزات والانتهاكات والملفات الرامية إلى تشطير المجتمع وتخريب نسيجه.

المكارثية الجديدة

على رغم انحسار المكارثية وانحصارها في بلد منشئها لحين من الزمن فإن المحافظين الجدد عملوا على تصديرها إلى دول أخرى مستغلين الفراغ السياسي وفجوات الاختلاف ونزعة التطرف وغياب التسامح لدى البعض، ليجعلوا الجار يغزو جاره لتنفيذ مخططات التقسيم. ويجند المحافظون الجدد مراكز البحوث التي يحلو للبعض منا تقليدها بابتذال وسذاجة. ومن هذه المراكز معهد أميركان انتربرايس والتي ننصح اليائسين والمخدوعين من مواطنينا بالنأي بأنفسهم عنها مهما بلغ بهم اليأس. فدور هذه المعاهد لا يخرج عن أهداف المحافظين في نشر ثقافة الشك والخوف تمهيدا للاحتراب والتقسيم والهيمنة.

إن المكارثية تطل علينا برأسها بين فئة وأخرى وفي كثير من بقاع العالم. ونتائجها واحدة وهي نشر البلبلة والفوضى وثقافة الخوف وتمزيق نسيج المجتمع.

وفي منطقتنا تطل علينا أفكارا وممارسات تلبسها مس من المكارثية ولكن بشكل جديد، فنراها تستحضر الجانب السلبي من تاريخنا وتضخم أخطارا من هنا وهناك وتخرج لنا بتوصيفات جديدة، وتنشر أفكار ومقولات أعداء الأمة على رغم ادعائها محاربتها، وتدعو الله أن تنشب حربا في منطقتنا متقمصة بذلك روح شمشون الجبار، وتتاجر بتقارير تسميها استراتجية وذلك في هلوسة فاقت أفكار وممارسات غلاة المكارثية الأوائل.

لقد هلك مكارثي بعد أن أدمن الخمر وتخلى عنه حلفاؤه ومعاونوه، وبعد أن استنفذ أغراضه. إلا أن عناصر المحافظين الجدد في كل بقعة من بقاع الأرض مازالت تتقمص روحه الشريرة التي تحوم كالأطياف حولنا، وتساعد بجهل على تمزيق أواصرنا وتمكنه من مستقبلنا وحاض

Students finance

18104063

 نتابع هذا النتاج الثر، لكوكبة  هي معنية بالسؤال و إعادته ،،، في زمن هو الآخر مختلف، بالطبع ليس زماننا. زمن، أنحن فيه ضائعون أم هو ضائع فينا ،حقيقة يحزنني، آني تشابهت علي الأشياء لحد بعيد، حتي  المفردات و الدلالات و إن إختلفت القوالب و المواضيع ، في كلية او جزئية المعالجة. الثابت، أن تلكم” القراءات”،  إجتهدت في توصيف حالة إنسانية ما ،شكلت مع مرور الزمن،” ملهاة”، في جغرافيا تسمي السودان ، و الذي هو المتخيل. لا يهم ،فلحت أم لم تفلح ! ،،،،،،طريق ثالث، لقراءة هذه القراءات من جديد، في بحث، لإبداع و إنتاج مغاير، عله، يحفز في المضي إلي الأمام و يناكف لفعل إنتصار ثورة البقاء
بعيدا عن اللافتات السياسية لأطراف المعارضة التي قد تلتئم في ” أديس أببا” بداية الأسبوع المقبل،أعتقد الملتقي يشكل سانحة سياسية مهمة تدفع بصياغة مواقف ” جديدة” تعبر عن تطلعات كتلة دارفور الوطنية – رغم زغاويته- ضمن المنظومة السياسية الجديدة في البلاد، فضلا عن ذلك، الملتقي يمثل مساحة  لجس نبض القوى الحليفة الأخرى، عبر رصد لمواقفها و فرزها، بعيدا عن فنون التعاطف و التضامن ” الإنساني” التي تبديها هذه القوى ببرغماتية عالية ،  لا تتجاوز كونها تداعيات حرب و حالة إنسانية، إن كشف إستعداد/ أو فضح هذه القوى علي حتمية شراكة حقة و فاعلة للشأن العام عبر تغيير منظومة القيم القديمة  و وسائل عملها و إنتاجها و مراكز حواضنها الثقافية و الإجتماعية لبناء مداميك وطنية جديدة تؤسس علي التوافق ،هو معطي في غاية الأهمية،،،،،في إعتقادي، هذا، هو المدخل الموضوعي لمعالجة عطب إكراهات” الهوية الثقافية”، معمل الإنتاج، و من ثم فحص المبادئ التي تصاغ عليها  المواطنة ، الدين ، التعدد،بأسس أقلها توافقية / عقلانية.،،،،المعركة مع هؤلاء، هي أولى معارك الحوار الوطني،إن كان في الامر نصيب. رغم ان وسائل هذا النصيب غير متوفرة بشكل كامل كما يريده” المقرر” !!

  1. ى رحابة صدر الاستاذ سعيد يقطين لأقول إنّ ما قتل الإبداع العربي وأثار فيه الفوضى هو أقوال مثل قوله (إن غياب النظرية، وعدم الخضوع للقواعد، وتغييب الميثاق الروائي، كل ذلك ساهم بدور كبير جدا في تحول الرواية إلى عالم غير محدد ومضبب وغير دقيق)، الإبداع يا أستاذ سعيدلا يحتاج إلى نظرية لتُصادق على إبداعيته، الإبداع لا يزدهر إلا في عالم غير محدّد ومضبّب وغير دقيق”، بل إن النظرية تأتي بعد الإبداع وتحتاج إليه لتُثبت صدقيتها. وإني أضيف إلى هذا قولي إنّه لئن كان قَدَرُ النصّ الإبداعي ألاّ يُنظر إليه إلاّ من جهة انتمائه إلى جنسٍ أدبيٍّ أو نوع ذي شروط مرسومة سلفا، وهو قَدَرٌ فرضه نُقّادٌ ذوو وعيٍ تجميعيّ مدرساني يحكمه واجب ردّ المفرد إلى الجماعة وتذويبه فيها (وهذه قضية تتجاوز الأدب لتُلقي بظِلالها وضَلالها على مسائل فكرية كثيرة)، فإنّ الجنس الأدبيّ لا يوجد في النص إطلاقًا، ولا توجد فيه القِيَمُ الإنسانية والمعاني التي يتغيّى النص إبلاغها للقارئ، وإنما هو يوجد بالنصِّ، لأنّه كلٌّ مكوَّنٌ من صفات أجزائه، ومن ثمة فلا يوجد في النصّ إلاّ النصُّ الفردُ/نصُّ الفردِ الذي له كينونته الثقافية الخاصّة. وإذا كان يصعب الحديث عن جنسٍ أدبيّ دون نصوصٍ يُبنى عليها وتُردُّ إليه، فإنه من الممكن أن نتحدّث عن نصٍّ دون ردّه إلى جنسٍ مّا، ذلك أنّ أكبر النصوص هي تلك التي اخترقت جدران أجناسها وأنواعها وتحرّرت منها، ذلك أن وظيفة الجنس الأدبيِّ ليست إلاّ تدجينَ النصِّ وتطويقه (الخضوع للقواعد كما يقول الاستاذ سعيد) ، بينما من وظائفِ النصِّ أن يُغني الجنسَ الأدبيَّ وأن يحلم بالتمرّد عليه في الآن نفسه. ووفقا لهذا الأمر وجب على القراءة تخفيف ثِقَلِ نظام الجنس على رعاياه النصوص، بل لعله وجب عليها هدم الأجناس على حدّ قول بارت في حديثه عن نظرية النص، والانصباب على النصّ بحثا فيه عن قِيَم الإنسان في تواصله مع ذاته ومع الآخر بعيدا عن إكراهات التقعيد وشكلياته. شكرا لرحابة صدرك أستاذي.

    Reply

  2. من المصادفات الغريبة أني كنت مع أحد الزملاء في لكلية أمس نتحدث في هذا الموضوع وتفريعاته كما عرضها الدكتور هنا وكنت أهم بكتابة مقال عنه.. جميل ومهم ما يطرحه الدكتور يقطين.

    د. ثائر العذاري

    Reply

  3. مقالة جديرة بالقراءة حقاً : بشكل عام فإنّ النصّ السردي القصصي كنوع من الجنس الأدبي يعني القصّة الشفوية أوالمكتوبة ؛ والتي تقوم بنيتها العامة على سرد حكاية ؛ تقدّم على أنها متخّيلة ؛ أو أنّ أحداثها واقعية…فهوخطاب لغوي مداره على السرد النثري ؛ ووظيفته المرجعية تظلّ هي الغالبة على النصّ…بسبب حركية الشخصيات الرّوائية ضمن سيرورة الزمان والمكان…فهي الأقرب إلى السيرة الذاتية ضمن الميثاق المرجعي.أما الميثاق السردي فهونوع من العلاقة الصريحة أوالضمنية التي تعقد بين المؤلف الكاتب والقاريء الواعي ؛ وبين الرواي والمرويّ له من جهة أخرى.من هنا نفهم الميثاق الرّوائي الذي أشرت إليه سيدي الدكتورسعيد يقطين؛ ففيه تأكيد على انتماء النصوص إلى الرّواية ؛ ورفض اعتبارها سيرة ذاتية…وبالتالي يكون الميثاق الرّوائي غيرمباشرفي تقريريته…ومن هنا أيضاً فإنّ أهمّ مكوّنات الميثاق الرّوائي خلوه تماماً من ( المونولوج ) السردي بصيغة ضميرالمتكلم…والمونولوج على حدّ تعبيرالمدرسة الرّوائية الروسية ؛ هوالصوت الداخلي للرّواية ؛ متى ما استيقظ بنشاط الهمّة ؛ استيقظت جميع الأدوات للعمل السردي ؛ من دون كسل التنابلة.مع التقديرلكاتب المقالة

  4. كتب أحمد ضحية – لا يمكننا – في ظني الخاص- الحديث عن :”ثورة السودان المرتقبة” , دون التعرض لمصدر إلهام أساسي  للثورات السودانية, كالمصدر الذي  مثلته ثورة علي عبد اللطيف ورفاقه , الموسومة ب: اللواء الأبيض أو ثورة 1924,أي بعد ثورة سعد زغلول في مصرعام 1919بخمسة سنوات فقط!.

    وهنا في سيرة مصر ,لابد من الإشارة إلى شعار وحدة وادي النيل, في سياق الحديث العام – الذي سيأتي لاحقا -عن ثورة اللواء الأبيض , إستنادا لرؤية دكتور محمد سعيد القدال في كتابه : “تاريخ السودان الحديث”.

    لكن – إبتداء تجدر الإشارة هنا إلى ما أسترعى إنتباه – دكتورة يوشيكو كوريتا  وهي تتوقف طويلا أمام دلالة اللون الأبيض, وما تمثله بالنسبة لحركة اللواء الأبيض ,التي أتخذته شعارا لها, بما يمثله من إلتباس وتعقيد, لا يقل عن إلتباس وتعقيد شعار”وحدة وادي النيل” .

    في السياق نفسه نؤشر على  دراسة أخرى مفيدة , هي دراسة دكتور الباقر العفيف:”متاهة قوم سود في ثقافة بيضاء”,والتي إهتمت في أحد جوانبها ,بالبحث في النظام الدلالي العربي ,حيث ركز العفيف على دلالتي أبيض وأسود, لفهم  – في التحليل النهائي – طريقة عمل العقل السوداني بمعنى (مجموعة تيارات الفكر  والثقافة الأساسية وروافدها) .

    فثورة اللواء الأبيض بهذا المعنى, هي محاولة للتخلص من أزمة الهوية الوطنية , كما هي الجذر  العميق لثورة أكتوبر 1964وأبريل 1985 , بل ولا نبالغ إذا زعمنا أنها تتصل بظروف السودان الحالية ,التي أفضت إلى إنفصال الجنوب, لذلك يبقى الحديث عن أي ثورة مرتقبة , رهين إستيعاب متناقضات هذا التاريخ الممتد من 1924 حتى الآن , والإجابة عن تساؤل: هل تجاوزنا فعلا كسودانيين متناقضاتنا المتعلقة بالهوية,أم بعد لازلنا نراوح مكاننا؟!.

    فهذا هو الأفق الإستشرافي العام – حسب فهمي – ,لما أشارت إليه الباحثة اليابانية  يوشيكو كوريتا  في كتابها :”علي عبد اللطيف وثورة 1924- بحث في مصادر الثورة السودانية- مركز الدراسات السودانية ,القاهرة,1997″. وهو أفق إستشرافي ,لم يغب عن ورقة الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي “الإنتفاضة المصرية وعيوب معارضتينا القديمة والجديدة” رغم إختلاف المنطلقات ..

    إذن أشارت كوريتا في هذا الكتاب إلى ثلاثة قضايا : 1- مفهوم الوطنية عند علي عبد اللطيف.2- دور العناصر الزنجية المنبتة قبلياً ,في المجتمع السوداني بين عشرينات وأربعينات القرن العشرين .3-  حياة علي عبد اللطيف نفسه.

     ويشير هنا دكتور محمد سعيد القدال في تقديمه لكتاب يوشيكو كوريتا إلى أنه :” يجب أن نبدأ من إدراك تناقض الحركة الوطنية,وليس فقط بتمجيدها, إذا أردنا التفكير بجدية, في مسألة الوطنية”.

    وتشير كوريتا والقدال, أن عناصر حركة اللواء الأبيض , بإعتبارهم: ينحدرون من العناصر الزنجية.. أولئك الذين تحرروا من الرق، والذين تعود جذورهم إلى قبائل جنوب السودان وجبال النوبة – وربما هوامش السودان الأخرى- و استقروا في مجتمع شمال السودان ,بعد أن فقدوا جذورهم القبلية الأصلية ,من طول إغترابهم في الشمال، فلا روابط قبلية, ولا تقاليد ولا مهن يركنون إليها.. تكوّن لديهم حس قومي , ولذلك عندما أحس البريطانيون أن جرثومة القومية السودانية ,موجودة بين تلك العناصر، بينما الإنتماء القبلي بين أهل الشمال يصطدم بشكل مباشر, مع المشاعر القومية، ويقف حجر عثرة, أمام إنصهار أهل السودان في بوتقة الأمة. فأتخذوا على هذه الخلفية – الإنجليز – الكثير من الإجراءات ,التي عقدت مشكل الهوية في السودان,فيما بعد.

    يحاول  القدال أيضا لفت الإنتباه :إلى ما أثار إهتمام الباحثة  اليابانية يوشيكو كوريتا ,بعلي عبد اللطيف ورفاقه. مشيرا إلى ممارسات الإحتلال البريطاني , الذي كان يعاقب بالجلد  كل من “يكتب في شهادة ميلاده أنه “سوداني” ,ومع ذلك لعبت تلك العناصر ذات الأصل الزنجي, دوراً قيادياً وبطولياً في أحداث 1924م، مثل علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ وزين العابدين عبد التام”.

    تقصت كوريتا إذن دور هؤلاء “المنبتين”, في المجتمع السوداني ,وصولا إلى ظهور الكتلة السوداء ,فى أربعينيات القرن العشرين، وتواصل جهدها إلى إنفجار مشكلة السودان في الجنوب ,بشكلها الدرامي المأساوي!.ليعاد إنتاج نفس المشكلة السودانية في دارفور,لاحقا!

     تكمن أهمية بحث يوشيكو كوريتا في ثورة 1924 في كونها” أخرجت القضية (قضية الزنوج السودانيين,هؤلاء الذين يعج بهم الهامش)من هامشيتها الإجتماعية , الى مركز الصراع الاجتماعي. وكما يشير القدال أنه ليس بالإمكان, أن ينصهر السودان ليصبح أمة، ما لم يتلاش الحاجز ,الذي يطل من فوق أبراجه العالية, أهل الشمال على العناصر الزنجية, بإعتبارهم عبيداً، بينما العبودية عبر التاريخ في مفهومها :”وضع اقتصادي اجتماعي وليست صفة عرقية ملازمة للعناصر الزنجية”.هذا الفهم الإجتماعي الشمالي – بالطبع دون تعميم – المتخلف .هو ما دعا أحد قادة الإسلام السياسي في الخرطوم يقول ما معناه :أنه من الشرف للغرابية أن يغتصبها جعلي – هذا ليس إغتصاب.. عندما أتهمت الحركات المسلحة في دارفور , جيش شمال السودان بإغتصاب النساء , فمرجعية الرجل هنا : ما ملكت إيمانكم ,التي تضرب بجذورها في الوجدان الثقافي العربي, و التي إنبنت على السلب والنهب والغزو,كسلوكيات إجتماعية سابقة للإسلام)

     تحدثت الباحثة  يوشيكو كوريتا أيضا ,عن بروز تيارين بين دعاة الوطنية السودانية الأول : بقيادة الزعماء الدينيين وزعماء القبائل، وهم الذين قوّى البريطانيون من شوكتهم، فملكوا الأرض وارتبطوا بمشاريع القطن، وقالوا بتفويض السودانيين للبريطانيين للتحدث بإسم السودان.

    وقادت جمعية اللواء الأبيض التيار الثاني. ومن أجل فهم هذا التيار، ترى الباحثة اليابانية يوشيكو كوريتا ضرورة تحليل العلاقة بين جمعيتي الاتحاد السوداني واللواء الأبيض. وناقشت في هذا السياق, الأسباب التي أدت إلى إنقسام جمعية الإتحاد السوداني، وبروز جمعية اللواء الأبيض، وإختلاف وجهة نظر الجمعيتين بشأن وحدة وادي النيل. وخرجت من تناولها عن ما كان سائداً حول ذلك الخلاف.

     ثم تناولت مفهوم الوطنية عند علي عبد اللطيف. ولأنه من أصل غير شمالي، فقد كان حريصاً على أن تكون الأمة السودانية موحدة, تضم أهل الشمال والجنوب. وترى أن هذا الفهم يطرح سؤالاً حول قبول علي عبد اللطيف في جمعية الاتحاد السوداني, التي يقودها عبيد حاج الأمين كممثل لتيار عروبة السودان وتوحيده مع مصر,بشكل من الأشكال.

    وقبيل استقلال السودان وجد التعبير السياسي ,لتلك العناصر آخر مظهر له, في جمعية الوحدة السودانية (1942)، ثم خلفتها الكتلة السوداء (1948) وتحولت تلك العناصر بعد ذلك, لتصبح جزءاً من الطبقة الوسطى في المدن.

    ومنذ بداية الخمسينات من القرن العشرين، إنتهى دورهم كقوة مؤثرة سياسياً، وتحوَّل الصراع إلى صراع بين الشمال والجنوب. وتواصل بروز هذه الكتلة السوداء ,خلال الأنيانيا , وغيرها من القوى الجنوبية, وصولا إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان.. كما برز أيضا هذا التواصل خلال الحركات الدارفورية : سوني,اللهيب الأحمر ونهضة دارفور, وصولا للحركات الدارفورية الراهنة.. مثلما تواصل مع حركات جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق,إلخ..

    ثورة  اللواء الأبيض إذن: تمثل وعيا جنينيا بالهوية الوطنية والقومية السودانية , التي تطلعت إلى ما فشلت فيه المهدية, كثورة دينية تتسم بضيق الأفق بسبب دعاويها , فبعد إنتصارات الثورة المهدية تحول الجهادية السود, الذين كان قد إسترقهم الأتراك والمصريون, وكونوا منهم قوة عسكرية , إنضم هؤلاء الى الصفوف المقاتلة للثورة المهدية , ولعبوا دوراً حاسماً في حروبها الداخلية والخارجية. لكن مع ذلك ظلت علاقة المهدية بالقبائل الزنجية غائمة ,وتأرجحت بين ما سماه دكتور محمد سعيد القدال : «الإنتماء والإغتراب». (في دراسته عن علاقة الدولة المهدية بجنوب السودان في كتاب “الإنتماء والإغتراب”.

    نلاحظ هنا أن تناقض المهدية, تمت إعادة إنتاجه في العلاقات الداخلية للحركة الإسلامية – مثلما تمت إعادة إنتاجه من قبل في العلاقة ما بين كيان الأنصار وحزب الأمة ,او الختمية والحزب الإتحادي , من جهة الطائفة وكذلك داخل الحزب بأشكال مختلفة – لكن ما يهمنا هو الموقف المعاد إنتاجه في الحركة الإسلامية .. أعني موقف الشماليين داخلها من الدارفوريين ,الذين لعبوا دورا حاسما في حربها ضد الجنوب ,والتمكين لأركان المشروع الحضاري, ومع ذلك ظلت علاقة الشماليين داخل التنظيم وفي أجهزة الدولة, علاقة مرضية يشوبها الكثير من الإستعلاء والتهميش والصلف ,ما ترتب عليه بالنتيجة المفاصلة الشهيرة و قرارات 4 رمضان. ونهوض عدد من الحركات المسلحة في دارفور, التي لأول مرة بعد الحرب الأهلية في  ثمانينيات القرن الماضي تجترح أفقا ثوريا جديدا  يتجاوز أفكار الأهلية والقبلية والإسلام السياسي , كما هو الحال في حركة  داؤود يحى بولاد التي إرتبطت بالحركة الشعبية . كحركة دارفورية ذات وعي مبكر ,يتجاوز أسوار العنصرية والقبلية والإستعلاء,مرورا – لاحقا – بحركة عبد الواحد محمد نور, فخليل إبراهيم .

    ونلاحظ هنا أن تجربتي بولاد وخليل , إنتقلت من خانة الحركة الإسلامية,إلى خانة الحركات المسلحة, إنتقال علي عبد اللطيف من الإتحاد السوداني ,وهي تجارب تتقاطع بدورها مع تجربة الزعيم قرنق ,فهؤلاء جميعهم يشتركون في أفريقيتهم السوداء,المنبنية على الحقيقة والمصالحة,والمشاركة في وطن واحد موحد,تحكمه المواطنة التي تجمع فسيفساء تنوعه , وتعدده , وتباينه في إطار واحد .

    خلاصة القول هنا , يتمثل في أن أي ثورة مرتقبة, مالم تصلب تناقضاتها الذاتية كمشروع ثوري ,يتجاوز سجون القبلية والعرقية والطائفية والمذهبية والإسلام السياسي والحزبية, هي ليست ثورة بقدر ما هي إعادة إنتاج ,لأزمات السودان , في الوقت الذي يتجاوز فيه المجال الثقافي العربي – الذي ينتمي إليه جزء مقدر من شعبنا السوداني  – الآن هزائمه التاريخية , ليتمخض عن روح ثورته العربية القديمة !..

     في تقديري لو أعدنا قراءة تاريخنا منذ ثورة 1924 حتى الآن, ربما سيكون بإمكاننا إنجاز ثورة لا تشوبها أمراض ثوراتنا السابقة , التي كما يؤكد الصاوي نفسه , أن صناعها  – اي صناع أكتوبر وأبريل , وازيد هنا صناع الإستقلال نفسهم – هم من إنقلب على معني الإستقلال ومعنى الثورة .

    ثورتي: أكتوبر 1964- أبريل1985:

    ثورة أكتوبر  لا تختلف كثيرا عن ثورة أبريل, في الأسباب والمآلات  أوالمصائر , فالأولى منذ نشوبها حتى الآن ,ظلت مصدر خلاف كبير في تقييمها , بسبب الإنجازات الإقتصادية للفريق عبود ,وهي إنجازات ينطبق مثلها على حكم النميري , في الوقت الذي تفتقر فيه الحكومات التي ترتبت على ثورة أبريل ,لأي نوع من الإنجازات,بل ساهم خطلها وتآمراتها ومنافساتها, في تعقيد أزمات السودان!..

     وكلتا الثورتين: أكتوبر وأبريل كانتا”حركتين سياسييتين ضد نظامي  17 نوفمبر 1964العسكري الإستبدادي الذي حكمه إبراهيم عبود,و ونظام 25 مايو 1969 العسكري الغاشم  الذي حكمه نميري, الفرق بين أكتوبر وأبريل أنه في أكتوبر سلم الفريق إبراهيم عبود سلطاته لجبهة الهيئات..  لكن في أبريل خلع الشعب الرئيس نميري, الذي كان مسافرا .ولو كان موجودا- لأن المصريون نصحوه بالبقاء في مصر , رغم إصرار الرجل على الرجوع –  لطارد نميري الشعب زنقة زنقة,كما سيفعل البشير لاحقا, فأمثال نميري والبشير وعلي عبد الله صالح والقذافي, الذين إما تربوا على أيدي عبد الناصر,أو تأثروا بتجربته لا يتنحون! .. وكلتا الثورتين رفعتا شعارات : الإضراب السياسي-العصيان المدني-الإنتفاضة الشعبية الشاملة.

    نتج عن ثورة أكتوبر إذن ,قيام حكومة قومية برئاسة سر الختم الخليفة ,قوامها الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات, التي أشعلت الثورة ,التي ترتب على نجاحها (ثورة اكتوبر)قيام إنتخابات عامة في البلاد بعد أشهر قليلة,أفضت هذه الإنتخابات إلى فوز القوى الطائفية(الإتحادي والأمة) بشكل رئيسى, ودخل الشيوعيون والأخوان المسلمين البرلمان!.

    وهو الأمر نفسه الذي حدث ,بعد أن سلم المجلس الإنتقالي لسوار الذهب,السلطة للأحزاب ,بعد نجاح ثورة أبريل 1985, إذ ترتب على إنتخابات 1986 فوز القوى الطائفية مرة أخرى, إلى جانب الجبهة الإسلامية القومية , وإنحسار نفوذ اليسار بصورة مريعة,إذ دخل البرلمان على إستحياء!. وهكذا بدأ واضحا للمرة الثانية ,أن شعارات أبريل الثورية التي تدعو للتغيير, ستلحق أمات طه , وأمات طه هن شعارات أكتوبر المجيدة.

     فالطائفية  وقوى الإسلام السياسي ,في كلتا الثورتين(أكتوبر وأبريل) تمكنت من إجهاض روح الثورة , إذ لم تتمكن لا حكومة أكتوبر أو أبريل ,من حل مشكلة الجنوب .فالتمرد الذي كانت ضراوته قد خفت بعد مؤتمر المائدة المستديرة  إبان أكتوبر ,عاد من جديد أشد ضراوة ,حيث لم تستطع القوي السياسية ,التي إستمرت بلجنة الإثني عشر ,أن تضع نهاية سعيدة لمشكلة الجنوب ,رغم تطورها للجنة  تضم كل الأحزاب, فاللجنة القومية للدستور,التي وضعت مشروع دستور 1968 إلى أن  جاء انقلاب 25 مايو1969,وقلب نميري الطاولة ,على رؤوس – الأشهاد – الجميع بدء باليسار مرورا بالطائفية وقوى الإسلام السياسي, وهكذا تم وضع حد ,للتطور السياسي والدستوري السلمى ,مرة أخرى ,فدخلت البلاد من جديد ,فى دوامات أشد تعقيدا من العنف والعنف المضاد,الذي لم يهدأ إلا قليلا إثر إتفاق أديس أبابا 1972, لتفجره قوى الإسلام السياسي والنميري في 1983,مرة أخرى ,وهكذا أصبح  من الواضح (بالتكرار) أن السودان يدور في حلقة مفرغة من ديموقراطية إلى إنقلاب, أو ما أسماه المفكر السياسي الراحل الخاتم عدلان ب”الحلقة الجهنمية” أو “الشريرة” .

    إذن التمرد الذي وعدت قوى أبريل بالتوصل معه لحل جذري ,فشلت في الإيفاء بوعدها. بل أجهضت(بعض قوى أبريل) في إطار التنافس الحزبي كل المبادرات البناءة , وأتهمت قوى كوكادام (أبريل 1994),والتي تمثلت روح أبريل في مؤتمرها ,أتهمتهم الطائفية بالعمالة للغرب(مبارك الفاضل تحديدا بصفته وزيرا للداخلية), فقط لأن إعلان كوكادام قدم رؤية بناءة ضد التمييز والإستعلاء والتهميش ,ما يتعارض مع العقل الإستبدادي المتخلف للقوى السياسية القديمة , التي يمثلها مبارك الفاضل!

    ولم تكتفي طائفية أبريل بالفشل في حل مشكلة الجنوب, بل فتحت حربا جديدة في دارفور,أسهم فيها فضل الله برمة ناصر عن حزب الأمة- وكوزير للدفاع , بتسليح العرب ضد القبائل السوداء, التي “يدلعها” حاج وراق والمؤتمر الوطني بإسم آخر : قبائل الزرقة, كذلك أسهمت ليبيا في هذه الحرب ,التي فقد فيها السودانيون في دارفور- في الحقيقة – أخوتهم وأبناء شعبهم ومساكنيهم. ما فتح البلاد على حروب عديدة, كل منها تلد حربا أشد ضراوة من سابقتها .

    فشل ثورتي  أكتوبر وأبريل في حل مشكلة الجنوب- في تقديري- يعود للمشكلة الأساسية, التي مثلت مصدرا لثورة 1924 ,إذ لم تتحقق أية خطوات ملموسة تجاه الوحدة الوطنية أو الهوية الوطنية, كمدخلين لا غنى عنهما ,في بناء الدولة التي حلمت بها بعض قوى أكتوبر , كخطوة صحيحة ,في إتجاه بناء الدولة السودانية الوطنية القومية .

    بمعنى الدولة التي تتبنى شعارات الثورات الحقيقية ك: الإخاء والمواطنة والحرية والديموقراطية , والتعليم المدني والمساوة والعدالة الإجتماعية والتنمية (لأنه في الحقيقة القوى السياسية الإسلاموية والطائفية ,تستخدم الدين كرأسمال رمزي لأجل مصالحها المادية, هذا كل شيء .. وبطبيعة الحال  تعامل قوى السودان القديمة , مع هذه الأمور بمبدئية سينسف مصالحها , لذلك ما ينبغي عليها فعله في كل مرحلة للحفاظ على مصالحها  هو : تغويض الثورات الحقيقية وإفراغ شعاراتها من محتواها الفعلي كثورات تتطلع لغد أفضل)  كشعارات تقدمية, نقيضة للإستعلاء والتهميش,إذ لم يكن ممكنا ,تحقيق مثل هذه الشعارات لتصبح واقعا ملموسا ,بسبب التوجهات الطائفية العروبية الإسلاموية الصرفة ,على حساب أفارقة السودان ومسيحييه وكجورييه,وعدم إحترام هذه القوى لواقع التعدد والتنوع.

     في تقديري الخاص أن غياب هذه المفاهيم عن القوى الطائفية والإسلاموية – أو تغابيها عنها عمدا – أدى لفشل الوصول إلى حل  لمشكلة الجنوب ,كمشكلة تمثل تعبيرا صارخا عن أزمة الهوية الثقافية والحضارية للسودان,بالتالي سقط المشروع الثوري لأكتوبر ,قبل أن تسقط حكومة أكتوبر نفسها بإنقلاب مايو 1969.ومثله سقطت شعارات ومشروع ثورة أبريل للأسباب نفسها, إلى جانب العوامل الأخرى كالإقتصاد والفساد,إلخ..

    ثم جاءت الجبهة الإسلامية بإنقلاب – بمعنى أن الجبهة الإسلامية هي الطليعة المقاتلة والمتقدمة للرصيد الطائفي والإسلاموي – عسكري في 30 يونيو 1989 ,على أنقاض الديموقراطية الطائفية, لتبلغ المنتهى بأحلام وأوهام وأشواق الطائفية ,وقوى اليمين الأخرى والقوى العروبية الإسلاموية عموما وما تتمثله من مفاهيم إستبدادية وديكتاتورية متخلفة: من إستعلاء وتهميش وفساد,وعدم إحترام لمفهوم الديموقراطية وقيمة المواطنة..

     فأفرجت بذلك عن كل ما هو كامن في الطائفية, وبلغت به أقصى حدوده, فكل ما كان ثاويا في وعي  هذه القوى– أو لا وعيها الثقافي- ولم تصرح به أفرجت عنه – نيابة عنها-الجبهة الإسلامية ,فوصلت بأزمات السودان إلى منتهاها , حيث يبدو الآن ,طريق العودة إلى نقطة البداية صعبا ,مالم تقم ثورة حقيقية -هي الثورة ذاتها التي نأمل أن تكون هي من نترقب!- تتمثل قيم التغيير التي تنطوي عليها الثورات الحقيقية, كالثورة الفرنسية مثلا.. أو مبتدأ لعصر تنوير سوداني كما يدعو أستاذنا الصاوي ..

    نعود إلى الأسئلة التي طرحناها في الحلقة الأولى  من هذه السلسلة, التي أشرفت حلقاتها على الختام ففكرة هذه السلسلة, ترتكز بصورة أساسية على فرضية أن الإنقلابات التي تلت الحقبة الناصرية, لم تتمكن من تغيير نظم الدول – التي أرسيت دعائمها بإستلهام الناصرية – التي عنت  بها هذه السلسلة ممثلة في (تونس التي تأثرت بأساليب البطش الناصري , على الرغم من عدائها للناصرية -,مصر,ليبيا,العراق,والسودان) , بل كانت تلك الإنقلابات بمثابة إعادة الإنتاج لتجربة “الضباط الأحرار” والحقبة الناصرية !..

    وأن الإنهيارات التي تحدث الآن في هذه الدول المشار إليها ,والتي أرتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسطوة الناصرية ,بمثابة الكنس لما تبقى من آثار الناصرية ؟ بمعنى مشابه للإنهيارات التي تخطت حدود الإتحاد السوفيتي, إلى شرق أوروبا,مسقطة لا المعسكر الشرقي فحسب بل هدت حتى جدار برلين على رؤوس مشيديه, معلنة ميلاد نظم سياسية جديدة! في العالم..

     لكن ,ربما يحدث العكس بأن تعترضها ردة إلى الماضي(كما رأينا في الإنقلابات على أكتوبر وأبريل),التي ذرت رياح الديموقراطية والتحرر وأحلام التغيير,بتسويق الطائفية وقوى الإسلام السياسي, للديموقراطية في هياكل النظم القديمة ! مع الإعتناء بتغييرات شكلية ,لا تتمثل جوهر فكرة التغيير والديموقراطية, اللتان تجتاحان المنطقة الآن!.. هذه المنطقة التي تلهث خلف التغيير , غاضة الطرف عن أجندة الغرب

العق​لية  التبريرية والفكر الماركسي


يستحق مقال الأخ حبيب عيسى 

أن يتحول في كل فقرة من فقراته إلى معايير نفهم ونحلل بواسطتها ما تكلم عنه ولم يشر إليه بالإسم .. محاولين الآن فهم الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية العربية كنموذج على ضوء فقرة من مقالة العقلية التبريرية للاستاذ حبيب عيسى ..

اقتباس: يقول الأخ حبيب :

(( لقد كانت النتيجة الأكثر بروزاً لمرحلة الامتحان الصعبة تلك ، أن أغلب المعتقدات الإيديولوجية والمنهجية والنظرية انتقلت من موقع المسلمات المقدسة التي لا يأتيها الباطل ، إلى واقع التساؤل والشك في مصداقيتها ، وإلى أي حد تصلح..؟ وإلى أي حد يمكن التمسك بها كعقيدة ثابتة ، وكمنهج صلب في تفسير الأحداث ؟ ، تلك الأحداث التي بدت في أغلب الأحيان وأنها تفرّ مسرعة من إطار مقدرة تلك المناهج والنظريات على التفسير والفهم بعد أن كان أصحابها يدعوّن إلى وقت قريب جداً أنها قادرة على تفسير كل شيء ، لا في عالم الكرة الأرضية ، وإنما في عوالم الأكوان كلها بمختلف مجراتها ، وربما أبعد من ذلك …! )) انتهى الاقتباس

سنحاول أن نسقط معايير هذه الفقرة على

الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية العربية / نموذجاً

كما نعرف جميعا انطلقت النظرية الماركسية من أن المادة أساس التطور وأنها في إطار القوانين الكلية (الحركة الدائمة والتأثير المتبادل والتغير المستمر) هي العامل الحاسم .. يحدث التناقض بين أدوات الإنتاج وعلاقات الانتاج فيحدث طفرة (تطور جديد) يكون الانسان فيه متلقيا تمر عبره الأوامر لينفذ ويؤسس طورا جديدا من التقدم .. البناء التحتي من أدوات النتاج يصنع البناء الفوقي من علاقات الانتاج بما في ذلك الدين والسياسة والفن والشعر …الخ .. ومن هنا كان التفسير المادي للتاريخ يمر بمراحله الخمس البدائية والرعوية والاقطاعية والصناعية ….. إلى المرحلة الشيوعية .

وحتى لا نغوص كثيرا في النظرية الماركسية ولكي نقترب من العقود القريبة حتى نلامس الواقع الحالي سنبرز طرق التفكير الماركسي الشيوعي في محاولة التصدي لتغيير الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي ..

لقد قدمت المادية نفسها كدين في مقابل كل دين من حيث تدري أو من حيث فسرت أن أساس الكون المادة فنفت وجود الله في مجتمع أغلبه مسلم فكان أول اصطدام لها مع المجتمع .. ثم وصفته بأنه الأسلوب العلمي في التقدم والتطور وفرزت على ضوء ذلك الناس والقوى السياسية بين تقدمي ورجعي يساري ويميني ثم انقسمت قواها بين يسار اليسار ويمين اليسار ويمين اليمين وكثرت التصنيفات بمقدار ما تعددت الآراء بين الماركسيين أنفسهم وبين المختلفين مع أفكارهم .. وكان اصطداما آخر فشل في أن يجد معيارا سليما علميا لمفهوم التقدمية ..

ولما كانت الماركسية تفترض طبقة البروليتاريا العمالية لتصنع التغيير كان لابد لها من نهضة صناعية مفقودة في بلاد جلها زراعي فاصطدمت مرة ثالثة بالواقع من حيث افتقدت أداتها البروليتارية وفق تحليلها فاتكأت على البرجوازية الصغيرة التي هي في رأيها متذبذبة منتفعة مترددة … وكان هذا الاستبدال بسبب غياب معيار الفرز الاجتماعي المبني على المصلحة << المصلحة العليا للأمة التي تتضمن مصلحة الجميع << وكان لهذا أسبابه إذ أن المصلحة القومية العليا لم تكن بعد قد بدأت تتفتح عند البعض بسبب الإنتماء الى أممية الخلاص الماركسي وكان هذا الاصطدام مع القومية العربية ..وهكذا بمقدار ما كانت تصطدم الأفكار الماركسية والأحزاب الشيوعية بالواقع الموضوعي كانت تتفتت فكرا وأحزابا .. إلى أن رأينا أن ادعاء علميتها وجدليتها لم يكن علميا وتحولت من المسلمات الأيديولوجية إلى سلة المهملات وعلى يد معتنقيها ومؤسسيها في الاتحاد السوفياتي سابقا .. بينما بدأت مراجعات جادة تولد عنها انتماء قومي للأمميين سابقا وانتباه شديد للتعامل مع الواقع وفق معطياته الموضوعية بمقدار ما اكتشفت تلك القوى أن منهجها العلمي هو بعيد عن العلمية بمقدار ما ابتعدت عن التبريرية في اسناد منهج خاطئ خذلها في التفسير والتغيير .. إن العقلية التبريرية عند الماركسيين كانت تعتمد على مسلمة (علميا خاطئة ) ويبررونها انتماء لها وتقديسا لفكرة في الأصل ميتافيزيقية

وإن مراجعة سريعة للتشتت الحزبي الماركسي وانقساماته ليلقي الضوء ميدانيا على فشل المنهج الماركسي الذي تم ترقيعه أو تغيير بناه وفق المجتمعات .. و الصين مثلا .. وبدلا من أن يغير الفكر الماركسي الواقع راح الواقع يغير معطيات الفكر الماركسي وشيئا فشيئا وحذفا وإضافة من الإنسان قائد عملية التطور يكاد يتلاشى الفكر الماركسي ليتكون فكر ماركسي جديد المواصفات لكنه محكوم بعقلية تبريرية هذه المرة تتقدم به نحو ايجابية التعامل الأفضل مع الواقع القومي عند بعض القوى الماركسية ..

بل نرصد تغييرا ابداعيا بغض النظر عن حجم اللقاء أو الاتفاق مع هذا الابداع الفكري الجديد الذي لايطرح فقط القومية العربية ملاذا وحلا بل يتناول الاسلام كحقيقة اسلامية يؤسس معها الهوية القومية (مثال ذلك بحوث الأخ الأستاذ زياد هواش) .. لنلاحظ بها من وجهة نظرنا انقلابا في الانتماء الماركسي نحو الإنتماء القومي آخذا بعين الاعتبار مكونات الأمة من جغرافيا وتاريخ ولغة.. إن العقلية التبريرية التي يطرحها حبيب عيسى نراها في بحوث الاستاذ زياد هواش عبارة عن تصحيح ابداعي يستلهم مبرراته فيما نرى من تقييم ناضج لتجارب الماضي وإرساء مفاهيم وقيم يتطلبها الواقع الموضوعي .. القومي والديني والعالمي ….. 

ختاما إن بحث كهذا لا تفي بالتعبير عنه في بضعة سطور لهذا سيظل البحث بحاجة الى مزيد من الدراسة والتحليل لالقاء الضوء على المدى الذي مازالت العقلية التبريرية تتحكم بالأفكار والأفعال سلبا وايجابا…

وإن نقد الفكر الماركسي على هذا الوجه يجب أن لا تخفى عنا نجاحاته حيث انتشر في العالم رغم ما قدمناه من نقد إليه … إنما نحب أن نؤكد أن نجاحات الفكر الماركسي كانت بمقدار الإجتهادات الفردية التي تجاوزته ولكنها بقيت تنشط تحت مظلته وهويته ..

للحديث بقية

حول الأحزاب والقوى السياسية العربية

__________________
… …. ….

ونقسم مرةً أخرى ..
بأن نقبض على التاريخ .. نصنعه .. نخرجه .. نقتاده نحو فجر الشمس .. فيشرق مرة أخرى
نحن العناوين لن تبقى يا وطني بلا عنوان

Technology is being used increasingly in the classroom and some people believe that educators will become Technology is being used increasingly in the classroom and some people believe that educators will become redundant. I somewhat disagree that teachers will be replaced by machines. 

The main reason why I think that teachers are essential is because they encourage and discipline students. Many people find it difficult to be interested in learning new things. Therefore educators are needed to make classes more interesting and stimulate students’ desires for learning. Also, in the case of young people, teachers often need to force students to learn through the use of punishments. 

Another reason why teachers are needed is because they can teach young people important skills and values. This is because educators serve as role models to their students and teach them how to appropriately interact with their peers. Therefore, if people only learn using machines they will lose the opportunity to learn important social skills and values.  

However, studying over the internet certainly offers a lot of convenience. First, we are able to study in the comfort of our own homes, without the need to commute to school. Second, we can choose to study at any time we like even in the middle of the night.  

In summary, I somewhat disagree that machines can replace teachers. This is because teachers can encourage students to learn and teach them how to interact with other people. Although, computers do offer the ability for people to learn anywhere at any time

. I somewhat disagree that teachers will be replaced by machines. 

The main reason why I think that teachers are essential is because they encourage and discipline students. Many people find it difficult to be interested in learning new things. Therefore educators are needed to make classes more interesting and stimulate students’ desires for learning. Also, in the case of young people, teachers often need to force students to learn through the use of punishments. 

Another reason why teachers are needed is because they can teach young people important skills and values. This is because educators serve as role models to their students and teach them how to appropriately interact with their peers. Therefore, if people only learn using machines they will lose the opportunity to learn important social skills and values.  

However, studying over the internet certainly offers a lot of convenience. First, we are able to study in the comfort of our own homes, without the need to commute to school. Second, we can choose to study at any time we like even in the middle of the night.  

In summary, I somewhat disagree that machines can replace teachers. This is because teachers can encourage students to learn and teach them how to interact with other people. Although, computers do offer the ability for people to learn anywhere at any time

En1 1sp

التاريخ

I-المحور الأول: إشكالية المعرفة التاريخية

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) يواجه علم التاريخ ومعه المعرفة التاريخية وضعية فريدة بين العلوم الإنسانية: فهو علم دراسة الماضي، مما يعني أن المؤرخ يدرس واقعا ولى وانقضى كما يقول ريمون آرون، واقعا تفصله عنه مسافة زمنية وثقافية، واقعا لم يعد له وجود! فما يوجد اليوم وجودا ماديا فيزيائيا ينحصر في الآثار والوثائق. يتعين على المؤرخ إذن أن ينطق ويستنطق وينتقي هذه “المخلفات” ليعيد بناء الوقائع التاريخية مما يجعل من المعرفة التاريخية معرفة مبناة بامتياز

طرح الإشكال: ضمن أية شروط تكون المعرفة التاريخية المبناة مطابقة لموضوعها أي للحدث كما وقع فعلا؟ ما هي شروط إمكان المعرفة التاريخية كمعرفة علمية؟ هل يمكن للمؤرخ أن يستفيد من المسافة الزمنية التي تفصله عن الواقعة التاريخية وعن الفاعلين التاريخيين ليتناول مادة علمه بموضوعية بعيدا عن الذاتية أم أن دراسة الماضي لاتتم إلا بدافع من انشغالات الحاضر وضمن ايديولوجياته؟ كيف للمعرفة التاريخية أن تستعيد ليس فقط الواقعة التاريخية في بعدها الحدثي المادي بل وأيضا “أحداث الوعي”أي نيات الفاعلين ومقاصدهم ومحتويات وعيهم؟

معالجة الإشكال:

1- المعرفة التاريخية ورهان الدقة والموضوعية: المنهج النقدي

مثلما حذر بورديو من السوسيولوجيا العفوية أي تلك المعرفة الاجتماعية التلقائية التي يملكها الفاعل الاجتماعي حول الظواهر الاجتماعية من حوله، يتعين على المؤرخ أيضا أن يحذر من المعرفة التاريخية العفوية التي يدعوها ابن خلدون بظاهر علم التاريخ وهي تلك المعرفة التي يملكها كل واحد عن الماضي في شكل روايات وأخبار تتداولها وتتناقلها الأجيال. لايكون التاريخ علما إلا بوصفه نقدا وتفسيرا. فالنقد يتجلى في تمحيص وتحقيق هذه الروايات وسبرها بمعيار الحكمة و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار وفحصها على ضوء أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و الوقوف على طبائع الكائنات وقياس الغائب على الشاهد.
ولكن تحقيق الخبر التاريخي يحتاج أيضا إلى تفسيره للكشف عن علة ومنطق الأحداث التاريخية المتضمنة فيه والمبدأ المتحكم في حدوثها وتعاقبها…

2- حدود المنهج النقدي في التاريخ:

ماهي حدود المنهج النقدي في التاريخ؟ ألا يواجه علم التاريخ نفس الصعوبات الميتودلوجية ونفس الإشكالات الإبستملوجية التي تواجهها باقي العلوم الإنسانية؟
ربما يوحي النقد بأن المؤرخ منكب على موضوعه بتجرد وقد وضعه على طاولة البحث تحت مجهر النقد، ولكن الموضوع ظاهرة إنسانية. والمعركة كما يقول آرون ليست فقط حدثا ماديا فحسب ذلك أن لتصرفات المحاربين دلالاتها ولتصرفات الضباط مقاصد وغايات ونيات…، وباختصار فالمؤرخ يدرس أحداث الوعي أيضا. الا تستدعي المعرفة التاريخية بهذا المعنى نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة بالنسبة للفاعل التاريخي؟ ولكن ألا تتعارض هذه الذاتية مع مطلب الدراسة العلمية الموضوعية كما يلح عليها الوضعانيون؟ وماهي حدود الدقة التفسيرية التي التي يطمح إليها المؤرخ؟ يرى مارو أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. والتعاطف أو المشاركة الوجدانية عند مارو خروج المؤرخ من ذاته لملاقاة الغير (التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لايصح الفهم والتفسير بدونها. إن التعاطف هو مرحلة البناء التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي

I-المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) أوضح ابن خلدون بأن ظاهر علم التاريخ لا يختلف عن باطنه في التحقيق والتمحيص فحسب بل يزيد عليه بالتعليل والتفسير أي الكشف عن علل الأحداث ومبادئها. وبذلك يكون التصور الخلدوني جامعا لعلم التاريخ وفلسفة التاريخ معا، لأن هذه الأخيرة تتجاوز تحقيق الوقائع إلى البحث في علة حدوثها ومبدأ تعاقبها بل في منطق ومعنى السيرورة التاريخية ككل.

طرح الإشكال: هل هناك منطق ثاو خلف تعاقب الأحداث التاريخية أم أن التاريخ هو مملكة الصدفة والعرضي؟ هل هناك معنى لهذه السيرورة وهل التاريخ قابل للتعقل؟ وإذا كانت ثمة منطق للسيرورة التاريخية فهل يمكن أن نستخلص منها غاية التاريخ ونتنبأ بوجهته التي يمضي نحوها ؟ وإذا وجدت غاية للتاريخ أفلا يعني أن صيرورة التاريخ يمضي نحو نهاية التاريخ؟

معالجة الإشكال:

1- التاريخ الدوري والغياب التام لفكرة التقدم

السيرورة التاريخية في المستوى الخام وقبل كل تفسير هي تعاقب لأحداث. وأبسط أنواع الظواهر المتعاقبة التي يسهل الكشف عن منطقها هي الظواهر الطبيعية الكبرى ( تعاقب الليل والنهار، الفصول، أطوار حياة الكائن…) ولقد اتضح للإنسان مبكرا أن منطقها منطق دوري إذ أن الظواهر تتالى وتتعاقب وتنمو وتندثر لتعود مجددا إلى طورها الأول . لقد استعير هذا المنطق لفهم السيرورة التاريخية فيما يعرف بالعود الأبدي الذي نجده في الكثير من الميثلوجيات وبعض الفلسفات كفلسفة نيتشه.
تمثل فلسفة التاريخ الخلدونية ونظريته في العصبية نموذجا للتصور الدوري للتاريخ الذي تغيب عنه فكرة التقدم والتراكم. لقد استطاع ابن خلدون أن يلتقط المبدأ المفسر للسيرورة التاريخية أو للعمران البشري متمثلا في أهم مظاهره وهي الظاهرة السياسية أو الدولة. إن العصبية هي العامل المفسر لقيام الدول وانهيارها. والعصبية كما الدولة يبدآن بالفتوة ثم القوة فالهرم والشيخوخة والإندثار: تبدأ الدولة الجديدة كدعوة تتخد من العصبية مصدرا لقوتها داخل قبيلة واحدة تتقوى لتضم تحت سيطرتها قبائل أخرى وبمقدار ماتتسع سطوتها تتحول إلى طور الدولة وما يصاحب ذلك من استقرار وتشييد وتنظيم إداري ومالي وعسكري… ولكن بقدر ما تتوسع مظاهر العمران، تضعف وظيفة العصبية والحاجة إليها لممارسة السلطان. وكأن تطور الدولة يحمل في ذاته بذور تلاشيه: ذلك إن اتساع الرقعة الجغرافية للدولة وعدد جيوشها ودواوينها وتنوع أصناف البذخ يرهق ميزانيتها فيدفعها إلى فرض المزيد من المكوس والضرائب وممارسة صنوف الجور والإفراط… فتدب الإنشقاقات والثورات والوهن في جسمها، مما يوفر الشروط لنشوء دعوة جديدة لاتزال العصبية فيها فتية قوية، تنقض على الدولة الواهنة… وهكذا دواليك ليبدأ دور أو طور جديد

2 -التاريخ وفكرة التقدم

ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التكرار الدوري الارتدادي الذي يعيد إنتاج نفسه ولا يضيف شيئا؟ ألا تتضمن السيرورة التاريخية نوعا من التراكم بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور السابق ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من ذلك فإلى أية وجهة يمضي هذا التراكم والتجاوز؟
يرى “تيودور شانين” أن جاذبية فكرة التقدم تعود إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع يسير نحو الأعلى على طريق طويل بيتعد فيه تدريجيا عن الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي نحو الثراء والحضارة والديموقراطية والعقل.
يظهر التصور التراكمي للتاريخ في كتابات باسكال (1662-1623) وبالخصوص في مقدمته لكتاب “عن الفراغ” حيث تصور تاريخ البشرية كرجل واحد، عمره كل هذه القرون، لايتوقف خلالها عن التعلم المستمر ؛ كوندورسيه (1743-1794) في كتابه ذي العنوان الدال: ” جدول تاريخي لتقدم الجنس البشري”
تعكس لنا فلسفة التاريخ مع هيغل هذا التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري نحو مزيد من المعرفة والحرية والسيطرة على الطبيعة، وقد استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يتجاوز فيها اللاحق السابق و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو جوهري فيه. ولكن هذا “الرقي” يفترض غائية للتاريخ، ومادام التاريخ ليس سوى تجليات لفكرة أو روح تسعى لوعي نفسها وللتطابق مع ذاتها بدءا من أبسط مظاهر الطبيعة وصولا إلى أعقد مظاهر التاريخ وأرقى أشكال المعرفة، فإن التاريخ الكوني هو سيرورة التقدم الذي يحرزه وعي الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لهذا التقدم والتي هي ضرورة منطقية في العقل قبل أن تكون ضرورة واقعية في التاريخ. بهذا المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست سوى انتكاسات سطحية تخفي التقدم العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم نحو غايتها المتمثلة في الحرية. ونجد نفس هذه النظرة التفاؤلية وتأويلها “الإيجابية للكوارث” لدى لايبنز أيضا

3- نقد فكرة التقدم – ريمون آرون

قلنا إن فكرة التقدم بنت عصر الأنوار، ولذلك فقد ورثت هذه الفكرة النزعة الإنسية الكونية لذلك العصر ، مما يعني أن كل المجتمعات البشرية تتقدم بوتائر متفاوتة، ولكن على نفس المسار الخطي التراكمي، وهو مايؤدي حسب ليفي ستروس إلى إذابة الاختلافات بين المجتمعات والثقافات والحكم عليها بمنطق التقدم الغربي العلمي،التقني، الصناعي والقيمي.
أما بالنسبة لريمون آرون،فإن فكرة التقدم تتضمن حكما معياريا قيميا ينتقص من علميتها، مفاده أن المجتمع اللاحق أفضل من السابق، علاوة على أنه حكم ذو صلاحية قطاعية لايمكن أن تنسحب على التاريخ برمته: فإذا كنا نعاين في مجالي العلم والتقنية تراكما وتقدما لاسبيل إلى انكارهما لأن طبيعتهما تفرض تقدما يمكن قياسه دون تقييم، فإن إثبات التقدم في مجالات الفن والدين والاقتصاد والسياسة يظل قضية إشكالية.
ويمضي ريمون آرون في نقده لفكرة التقدم إلى إبراز خلفيتها الميثولوجية وكذا استعمالاتها السيئة داخل فلسفة التاريخ، الهيغيلية منها أو الماركسية،وكذا الأطروحات اللاحقة لفوكوياما حول نهاية التاريخ. ذلك أن فكرة التقدم لاتنفصل عن فكرة نهاية التاريخ: فالقول بفكرة التقدم يفترض أولا وجود غائية تاريخية وحتمية ترسم للسيرورة التاريخية مسارها المحدد سلفا بهذه الغائية، ويفترض ثانيا وجود نهاية للتاريخ تمضي نحوها هذه السيرورة بما هي مسيرة نحو الخلاص.
بيد أن فلسفات التقدم تسقط بشكل لامفر منه في نزعة محافظة وتبريرية وذلك في خلطها بين فكرة عقلية ليس لها سوى استعمال معياري وبين شكل متعين قائم من أشكال النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ( مثلما فعل هيغل حين طابق بين الدولة البروسية والعقل، أو ماركس حين جعل من المرحلة الشيوعية وسيطرة البروليتاريا نهاية الصيرورة التاريخية، أو فوكوياما حين جعل من الديموقراطية الليبرالية نهاية التاريخ…)

 

المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ:

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) إن البحث في دور الإنسان في التاريخ لهو استمرار للتساؤل حول منطق التاريخ وغايته، ذلك أن القول بوجود منطق وغاية للتاريخ يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي وفق مبادئ وقوانين موضوعية مادية أو عقلية بعيدا عن الذاتية المتقلبة للإنسان المفرد أو المسارات المباغتة للصدفة العمياء، أي إحلال عامل أو مبدأ ما محل الإنسان في توجيه دفة التاريخ.
فمن جهة يبدو الإنسان هو صانع تاريخه من خلال بطولة الأبطال وتضحيات المحاربين و ثورات الشعوب، ومن جهة أخرى يبدو أن بطولة هؤلاء وثورات أولئك قد صنعتها ظروف مواتية. هل يمكن مثلا أن نرجع توسع الدولة الإسلامية ماضيا إلى استبسال المسلمين وقوة إيمانهم وشجاعتهم ونفسر إنحسارها اليوم بتخاذلهم وجبنهم أم أن ذاك التوسع وهذا الإنحسار إنما يرجع إلى عوامل اقتصادية وسياسية عالمية تتجاوز الإطار المحلي. من قبيل الاكتشافات الجغرافية والنهضة الأروربية…

طرح الإشكال: إذا كان المؤرخ لا يعتني بهبوب الرياح قدر اعتنائه بمجهود الإنسان في استخدام قوتها لتوجيه سفنه للتجارة أو شن الحروب، ولايهتم بفيضانات الأنهار إلا من حيث أنها تتقاطع أو تؤثر على حياة إنسانية قائمة بجوارها… فلأن أحداث الماضي لاتكون موضوعا للتاريخ إلا من حيث أن الإنسان هو مُحدثها أو محورها على الأقل. ما حقيقة كون الإنسان “مُحدثا” للحدث التاريخي؟ هل يعني ذلك أن الإنسان هو من يصنع تاريخه ويوجه دفة صيرورته؟ أم أن الصيرورة التاريخية مشروطة بعوامل موضوعية تفوق إرادة الإنسان نفسه الذي ليس سوى جزء من بنية تتجاوز وعيه وإدراكه؟

معالجة الإشكال:

1- الإنسان مجرد أداة عرضية لتحقق الفكرة – هيغل

تاريخ العالم عند هيغل مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاته، وإذا كانت البذرة تحوي في ذاتها كامل خصائص الشجرة من مذاق وشكل فاكهة التي ستظهر لاحقا، فإن اللحظات الأولى للتاريخ بما هي آثار أولى للروح تحتوي بالقوة مسبقا أيضا كل التمظهرات اللاحقة التاريخ. ماذا يتبقى إذن للإنسان من دور في تاريخ محدد قبليا؟
لاأهمية للبشر /الأفراد عند هيغل إلا بقدر ما يكون هؤلاء أدوات لتحقيق اغراض أسمى، وبقدر ما تتمثل فيهم حقبة من حقب الفكر المطلق. بل إن أبطال التاريخ وعظماءه بدورهم لايحققون إرادتهم الخاصة ولا يسعون لنيل سعادتهم الشخصية بقدر ما يمتثلون لروح العصر التي تستعملهم وتتحقق بهم ومن خلالهم وتجاوزهم

2- ماركس: (الشروط المادية)تطور قوى الإنتاج هي المحركة للصيرورة التاريخية

ماهذه الفكرة أو الروح المطلق التي تستعمل البشر – شعوبا وقادة – لتحقق نفسها !؟
في هذه النقطة بالذات تمثل فلسفة التاريخ الماركسية تجاوزا لفلسفة التاريخ الهيغيلية، إذ أن الفكرة أو الروح المطلق التي كانت تتجلى تدريجيا عبر التاريخ وتحرك خيوطه وتسير أبطاله، حلت محلها – في الماركسية – عوامل مادية هي ظروف الإنتاج المادي للحياة بيد أن موقع الذات الإنسانية في التاريخ ظل في الماركسية على ماهو عليه، : ففي الوقت الذي يعتقد الفاعل التاريخي أنه يتصرف وفق ما يختاره من معتقدات دينية أو ما يتبناه من مبادئ سياسية يبين التحليل المادي للتاريخ أن المعتقدات الدينية والمبادئ السياسية ماهي إلا انعكاس للبينة التحتية الإقتصادية، أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج. وعلى ضوء التحليل الماركسي، لاتعدو أن تكون بطولات نابليون وروبيسبيير حماس جماهير وأحزاب الثورة الفرنسية سوى إنجاز لمهام عصرهم المتمثلة في انبثاق المجتمع البرجوازي وتفكيك المؤسسات الفيودالية.
وإذا كان الوعي هو النمط الوحيد الذي يمكن من خلاله إثبات فعل الإنسان في التاريخ، فإن هذا الوعي نتاج للوجود الاجتماعي وليس العكس

3- سارتر- الإنسان صانع تاريخه

ولكن إذا كانت الماركسية تقدم نفسها كتحليل علمي للتاريخ يكشف النقاب عن القاعدة المادية المسؤولة في الواقع عن الصيرورة التاريخية، ألا تتيح هذه المعرفة للإنسان الانفلات حتمية هذه الصيرورة؟
يرى سارتر أن الماركسية قد أسيء تأويلها بشكل تبسيطي أو أن إمكانيتها لم تستثمر بشكل كامل: إن الماركسية فلسفة للحرية أو بالأحرى للتحرر ليس فقط للإنسان الفرد بل للطبقة المستغلة بأسرها، ذلك أن التاريخ لايكون قوة غريبة تستلب البشر إلا مادامت دلالة مجهوداتهم غريبة عنهم والحال أن التحليل الماركسي يقدم الأدوات الكفيلة بالتعرف على المنتوج وفهم سيرورته، من خلال مفاهيم قوى الإنتاج ، علاقات الانتاج،الصراع الطبقي، وأشكال الاستيلاب والايديولوجيا… وبذلك تصبح الممارسة الإنسانية ممارسة مستنيرة بالوعي لاممارسة عمياء قد تنقلب نتائجها ضدها.

ماركس

أعتقد أن التحولات العالمية التي جرت منذ بداية التسعينات بانهيار المنظومة الاشتراكية ومن ثمَّ الهجوم الرأسمالي الشامل على العالم الذي نلمس بعضاً منه اليوم يفرض العودة إلى الماركسية، لأن انهيار المنظومة الاشتراكية لم يفعل سوى أنه فتح الأفق لهيمنة رأسمالية متوحشة ولحرب ضروس على العالم تقوم بها الولايات المتحدة منذ 1990 حتى اليوم، ولهذا أعتقد أن إعادة وضع الصراع مع النمط الرأسمالي على قدميه يفرض أن نعود إلى الماركسية لكي نبدأ من جديد عملية صراع طويلة سنخوضها حتماً ضد الرأسمالية، سواء في بلداننا أو مع الرأسمالية المتوحشة التي تزحف علينا من الخارج. فإذا سأبدأ من موضوع ما هي الماركسية؟

ربما يكون السؤال مفاجئاً أو حتى نافلاً، لأن اعتقاداً ساد بأننا نعرف ما هي الماركسية، حيث كانت رائجة وكانت «أفكارها» منتشرة كما الهواء، وبالتالي واضحة بسيطة وسهلة، وليست بحاجة إلى قراءة أو دراسة أو بحث لأنها من العاديات. وبالتالي يكون السؤال ما الماركسية نافلاً بما أنها بسيطة وسهلة وواضحة… ولكن انهيار المنظومة الاشتراكية شكك بهذه المسألة وقلب التفكير باتجاهات أخرى، ولهذا سأبدأ بمناقشة هذه المسألة. فلاشك بأن (ماركسية) كانت منتشرة وكانت ككل الوعي العمومي متداولة شفاهة في الغالب، ومعممة عبر أجهزة إعلامية هي في الغالب سوفيتية، وبالتالي كانت تتطابق وما هو محقق في الاتحاد السوفيتي. هذه الماركسية هي التي نعرف ونعتبرها الماركسية، والتي كانت تجعل السؤال عن ما هي الماركسية نافلاً وغير ذي معنى، لهذا كان نادراً ما يشار إلى ماركس أنجلس لينين، أو تعتبر العودة إليهم ضرورية. 
وأنا هنا أتحدث على المستوى، العمومي، على المستوى الذي كان يشكل بيئة للحركة الشيوعية، ويؤسس لاستقطاب أنصار وأعضاء، ولكن كان يؤسس لوعي ومعرفة (بالماركسية) أيضاً، لهذا لم يكن السؤال ما هي الماركسية مطروحاً بل كان موضع سخرية، لأنه سؤال عما هو واضح. هذا الأمر يفرض علينا أن نشير إلى طبيعة الوعي الماركسي ذاته لكي نستطيع الإجابة على هذا السؤال. 
سنلمس أولاً، أن الماركسية السوفيتية هي الماركسية التي راجت وبالتالي فنحن إزاء صيغة للماركسية تبلورت في الاتحاد السوفيتي، على ضوء تشكل النظام الإشتراكي وبدء تبلور البيروقراطية، أي في السنوات ما بعد سنة 1935(1) مما جعلها تطابق وعي هذه الفئة المسيطرة. وهذه مسألة هامة أعتقد أنها مدخل فهمنا للماركسية التي كانت غائبة وأصبحت الآن مجال نقد أو نقض. 
فنحن هنا نلمس تحول الماركسية إلى أيديولوجية معبرة عن مصالح محددة لفئة باتت هي السلطة الحاكمة في الاتحاد السوفييتي، بغض النظر عن تقييمنا لطبيعتها. وبالتالي فهذه الأيديولوجية مؤسِّسة للضباب الضروري لإخفاء مصالح الفئة أو بتحويل هذه المصالح إلى مصالح عامة. وهذا يفرض علينا دراسة هذه الماركسية بدقة شديدة، لأنها ستحمل بعض ما في الماركسية، ولكنه سيوظف باتجاه يخدم فئة معينة. وبالتالي فنحن إزاء اختلاط بنية فكرية تبلورت في حضن الرأسمالية الناشئة مع ماركس وأنجلز، بالارتباط بميراث فكري عظيم عريق هو ما أسمي: مصادر الماركسية، اختلاطها بتكوين فكري وبمصالح، هي التكوين الذي ساد الاتحاد السوفييتي ما قبل الاشتراكية، وهي مصالح تلك الفئات التي أصبحت في السلطة. وهذا في جذر تشكل الماركسية السوفيتية، خصوصاً وأن البيروقراطية المتشكلة هي في الغالب نتاج البيئة الريفية السابقة لنشوء الاشتراكية، أي هي من منتوج الفئات الفلاحية التي أصبحت جزءاً من تكوين الحزب والسلطة (وكذلك تكوين الطبقة العاملة حديثة التشكيل)، والتي اقتحمت الحزب في الغالب من أجل تحقيق مصالح هي خاصة أكثر مما هي مرتبطة بالاشتراكية بالمعنى الذي طرحته الماركسية. والستالينية هي التلخيص والتكثيف لهذه الظاهرة. وهو تكثيف وتلخيص لطبيعة الماركسية المتشكلة وباتخاذها صيغة محددة تتفق مع الماركسية الأصلية وتختلف معها في آن. وربما كانت قد نزعت روحها وأبقت شكلها فقط، وأنها فكفكت مفاهيم الماركسية ووضعتها في سياقات آخرى، أو في بنى مغلقة جامدة، أو في تركيب ميكانيكي. وبالتالي فإن الاشتراكية قدمت صيغة للماركسية هي تلك التي تسود في الاتحاد السوفيتي. بمعنى أنها منظومة المفاهيم التي بدأت تتبلور من قبل الفئات التي أصبحت هي السلطة والتي باتت تصيغ الماركسية في أيديولوجيا معبرة عن مصالح هذه الفئات. رغم أن الماركسية لم تدعِ بلورة تصورٍ متكامل. أعطت هذه الماركسية التاريخ صيغة ستاتيكية كانت لازالت محل نقاش في الماركسية وأقصد هنا نظرية المراحل الخمس للتطور البشري. كما أعطت الواقع صيغة محدّدة مسبقاً، ورسمت المستقيل في «مثال»، لم يكن سوى الواقع المشوّه ذاته.
في هذه الماركسية سنلمس المنطق النصي وهو (الروح) التي حلت محل الروح الماركسية. حيث سنلمس عودة إلى اللحظة السابقة لهيجل، إلى منطق أرسطو إذا حاولنا الحديث عن مستوى عقلي، وإلى المنطق الديني إذا تعاملنا مع المستوى العامي. بمعنى أن هذه الفئات صاغت الماركسية أو بعض مفاهيمها انطلاقاً من مصالحها، في بنية أيديولوجية مغلقة تحولت إلى نص مقدس يجب أن يصبح هو مقياس الواقع، وهو المحدد لصيرورته. وهنا نكون قد عدنا إلى أن الفكرة هي محددة الواقع. ولهذا أصبحت الماركسية هي تطبيق للواقع على النظرية بدلاً من أن تكون النظرية مدخلاً لفهم الواقع وتحليله وفهم آليات تطوره وصيرورته. وهنا يمكن الإشارة إلى مستويين، مستوى يتعلق بالمحاكمة الذهنية عبر الشكل حيث تستمر المحاكمة القائمة على (المانوية) الثنائية (خير شر)، ومستوى تحويل نص محدد، وهو هنا غير محدد تماماً لأنه لم يلخص في كتاب، إلى نص مقدس وبالتالي اعتبار إنه مقياس يقاس الواقع به. وبهذا تحدد التاريخ مسبقاً وكذلك المستقبل، وأصبح البحث في الواقع نافلاً لأن كل هذه المسائل باتت موجودة مسبقاً في كتاب أو مجموعة كتب يمكن أن تحفظ أو تدرس، وتُنقل شفاهة.
هذه الماركسية هي الماركسية التي وصلتنا في الغالب. وبالتالي كانت تجيب على كل شيء، وتحلل كل شيء حتى قبل أن يقع. ومن هذا المنطلق يصبح السؤال ما هي الماركسية نافلاً، لأنها تعتبر أنها كلها إجابة عن الماركسية. 
لكن الماركسية في العالم كانت تعاني من مشكلة تحديد ذاتيتها قبل ذلك، وربما كانت هذه المسألة قد نشأت منذ ماركس، وهو الأمر الذي دفع أنجلس بعد وفاة ماركس إلى محاولة التوضيح والتمييز. وكان في أساس الإشكالية موقع الاقتصاد في مجمل الماركسية. ونحن هنا نلمس إشكالية أخرى حكمت الماركسية، سابقة للإشكالية التي حكمتها بعد انتصار (الماركسية السوفيتية). فقد أشار أنجلس على قول ماركس المتكرر دائماً: أبلغوا هؤلاء أنني لست ماركسياً، حينما لمس الميل نحو الاقتصادوية في الماركسية. لقد دخل في نقاش طويل لتوضيح موقع الاقتصاد في مجمل التكوين الماركسي (البنية الماركسية)، ولجأ إلى التأكيد على أن الاقتصاد هو المحدد في التحليل الأخير، ولكنه ليس المحدِّد وحده. وهذه فكرة هامة وحاسمة وأعتقد أنها مدخل السؤال ما الماركسية. فأنجلز يشير إلى دور الوعي والسياسة والأخلاق والثقافة في الصيرورة الواقعية، ولا يكتفي بالتأكيد على دور الاقتصاد. ولكنه يقول أن الاقتصاد هو المحدِّد في التحليل الأخير بمعنى أن الماركسية تنطلق من كل ذلك وليس من الاقتصاد وحده، رغم أنه المحدِّد في التحليل الأخير.
لذا يصبح طرح السؤال ما الماركسية ذو أهمية وله معنى. فنحن هنا أما هدف يتمثل في تحديد مسافة بين الماركسية السوفيتية، التي أسماها ستالين وعممتها الماركسية السوفيتية ذاتها، بـ(الماركسية اللينينية)، وبين ماركسية ماركس أنجلس وآخرين. كما نحن أمام هدف تحديد ماهية ماركسية ماركس بالذات وماذا أضاف ماركس. وربما هذا المدخل هو الذي يجعلنا نحدد ما الماركسية، لأن إضافة ماركس هي الحاسمة، والتي أسست معلماً مثّل اتجاهاً فكرياً أسمي بالماركسية، وربط جملة مفاهيم بماركس. فماذا أضاف ماركس؟ البحث في الاقتصاد كان قد بدأ فأصبح رائجاً قبل ماركس، من آدم سمث إلى ريكاردو إلى آخرين. فما الذي جعله يتسمّى بماركس؟ لقد نقد ماركس الاقتصاد السياسي، الذي كان إنجليزياً نتيجة اهتمام الإنجليز بهذا البحث تحديداً، وتوصل إلى قوانين أصبحت جزءاً من علم الاقتصاد، حتى غير الماركسي. وبدا نتيجة تركيز ماركس على الاقتصاد بأن الماركسية تساوي الاقتصاد، فاختزلت في قوانين مبسّطة. ومن هنا نشأ التصور القائل بنظرية الانعكاس، بمعنى أن الوعي هو انعكاس الواقع، وبالتالي فالاقتصاد أولاً ومن ثم يأتي الوعي. والحركة الاقتصادية أولاً ومن ثمَّ تأتي الحركة السياسية والاجتماعية العامة. لكن كيف توصّل ماركس إلى نظريته حول فائض القيمة ورؤيته لتشكل النمط الرأسمالي؟ والبحث في الاشتراكية وصراع الطبقات سبق ماركس، من الاشتراكية الطوباوية إلى مجمل الاشتراكية التي نقدها ماركس في البيان الشيوعي. فما الذي حوّل الاشتراكية من طوباوية إلى علم؟ وبالأساس ما الذي جعل ماركس يقول بنهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية؟ ـ فالفلسفة هي بحث في التجريد ووصلت مع هيغل إلى شكلها الأكمل حيث بلور الجدل، وحين أوقف ماركس هيغل على قدميه كما يقول هو، أنهى الفلسفة الكلاسيكية الألمانية كلها، وأسس لتحول الفلسفة إلى أداة تحليل أو منهجية أو طريقة في التفكير، وأقصد هنا الجدل، ليسمى مع ماركس الجدل المادي. لهذا بدأ ماركس كتاب رأس المال بتوضيح هذه المسألة بالذات. فالمقدمة تشير إلى علاقته بهيغل حيث يؤكد فيها أنه أوقف هيغل على قدميه. والجزء الأول من رأس المال يحاكي طريقة هيغل. 
(وهذا يوضح الرابط الذي أريد أن أشير إليه منذ البدء، بين الجدل ومجمل المفاهيم والتصورات التي طرحها ماركس، فماركس لم يستطع أن يصل إلى قانون فائض القيمة أو يحلل النمط الرأسمالي، دون أن يمتلك الجدل. وبالتالي دون أن يخلّص الجدل الهيغلي من مثاليته، ويحّوله إلى جدل مادي. حيث عبره استطاع أن يحلل التكوين الرأسمالي ويسير خلف الفكرة التي كان الاقتصاد السياسي قد بدأها حول البحث في فائض القيمة أو الربح ليصل إلى النتيجة التي وصل إليها. وهو عبر ذلك أيضاً استطاع أن يدرس الميل البشري للعدالة وتأسيس يوتوبيا، وأن يربطها بالسيرورة الواقعية، ليطرح ملامح لانتقال البشرية إلى تكوين جديد، اطلق عليه اسم الاشتراكية. 
(من هنا اعتقد أن البحث في الماركسية يجب أن يبتدىء من البحث في الجدل المادي. ولاشك أن هذه مسألة فلسفية كبيرة، تحتاج إلى دراسة وبحث معمق، ولكننا لا نستطيع أن نؤسس رؤية للواقع، وفهماً لصيرورته، وفهماً للمستقبل، دون أن نصل إلى هذه النقطة بالذات، أو دون أن يصبح الجدل هو الطريق التي تحكم نشاطنا الذهني في فهم الواقع. 
(طبعاً هناك من يعتقد أن الماركسية هي ايديولوجيا الطبقة العاملة(2)، ولا أعتقد أن ما قلته يتنافى مع ذلك، لأن تأسيس رؤية أو وعي لطبقة معينة هي الطبقة العاملة في صراعها من أجل انتصارها، يفترض الاستناد إلى الرؤية الماركسية. وهنا نستطيع التمييز بين الماركسية كأداة للمعرفة، وبالتالي يكون الجدل في عمقها، وبين الماركسية كأيديولوجيا تعبر عن مصالح طبقة محددة في ظرف معين ولحظة معينة. وبالتالي انطلاقاً من الجدل المادي الذي يسمح لنا بفهم الواقع نستطيع أن نؤسس التصورات التي تعبر عن هذه الطبقة في صيرورتها، والذي يسمح لأن يؤسس وعيها بما يجعلها قوة فاعلة في المجتمع. 
(من هذا المنطلق اعتقد أننا بحاجة إلى العودة إلى الماركسية. العودة إلى ماركس أصلاً. أن نعي ما هي الماركسية. أن نعرف ما هو الجدل المادي. وهذا يجعلنا نتجاوز الفهم الذي ساد في السابق والذي ارتبط بالماركسية السوفيتية، التي عملت على تحويل الجدل إلى لحظة تأمل ذهني (إذا تكلمنا بالمعنى النظري)، وإلى كتابات نافلة إذا حاولنا أن نعبر بالمعنى العامي، عبر تأسيس منظومة تجعل الجدل خارج فعله. 
(من هذا المنطلق اعتبر أن الجدل هو الأساس، وأعتقد أن ماركس استناداً إليه توصل إلى قوانين وافتراضات أصبحت مكلمة لهذا المنهج، أو أصبحت جزءاً منه، وأنا هنا لا أنفي أن في الماركسية قوانين علمية (مثل فضل القيمة، البنية التحتية والبنية الفوقية، تقسيم المجتمع إلى بنى اقتصادية اجتماعية سياسية، مفهوم نمط الإنتاج، طبيعة السلطة) . لكن مجمل هذه المنظومات لا يمكن أن تصبح أداة تحليل إلا عبر ربطها بالجدل، فحين أكدت بأن أنجلز حاول أن يربط بين الاقتصاد وبين مجمل المستويات الأخرى في المجتمع، حاولت أن أشير إلى هذه المسألة بالذات. فالجدل يفعل عبر تفاعل كل هذه المستويات. وعبرها كلها نستطيع فهم حركة المجتمع، وليست عبر التركيز على عنصر فيها أو إهمال عنصر آخر.
لهذا حين يطرح السؤال:
ما الذي تبقى من الماركسية؟ أجيب بأن السؤال:
ما الماركسية؟ كان يجيب على هذا السؤال: أعتقد أن الذي تبقى من الماركسية هو الماركسية. ولكن عن أية ماركسية نتحدث؟ هذا السؤال سألته منذ أواسط الثمانينات، وحاولت أن أجيب عليه. وأعتقد أن جوهر ما حاولت قوله سابقاً هو الإجابة على هذا السؤال. فأنا أعتقد أن الماركسية هي في الأساس منهجية في التحليل، هو الجدل المادي. لهذا حاولت أن أشير إلى أن البحث في الاقتصاد، تصور ماركس في الاشتراكية، الصراعات الطبقية، كلها تبلورت عندما مسك ماركس بمنهجية هيغل (الجدل)، وعمل على تحويله من الجدل القائم على الفكرة، إلى الجدل المادي. حركة الصيرورة الواقعية هي التي أعطت الجدل الهيغلي طابعه المثالي لأن هيغل كان يعتبرها نتاج الفكرة. وهنا أعتقد أن ذلك هو الذي يحدّد معنى الكلمة التي قالها ماركس في أنه أوقف هيغل على قدميه، حيث أن ماركس انطلق من الصيرورة الواقعية. لهذا مدح ماركس هيغل وقدّره تقديراً عالياً. لهذا أعتقد أن فهم الماركسية يستند إلى فهم الفكر الحديث، وخصوصاً هيغل لأنها نتاج هذا الفكر، وهي تطوير له، لكنه تطوير يتضمن هذا الفكر.
وحينما أحدد أن الماركسية هي الجدل، أعتقد أن الجدل المادي تبلور مع ماركس وبالتالي فإن نقله نوعية في الفكر البشري كانت قد تحققت. وهنا يجب أن ندرس صيرورة تطور الفلسفة منذ نشوئها، وكيف أنا في هذه اللحظة فقط أصبحت فكراً مادياً. وفي هذه اللحظة تبلور منهج جديد يتجاوز منطق أرسطو الذي حكم العقل البشري منذ أرسطو إلى هيغل، وأسس لأن يصبح هناك آلية في البحث مختلفة عما كان سائداً. هذه المنهجية هي التي أسست كل تصورات الماركسية، هي التي أسست الماركسية. 
ومن هنا نستطيع أن نقول أن ماركس وضع حجر الزاوية كما قال لينين ذات يوم، ولم يبحث في كل شيء ولم يجب على كل شيء، ولم يكن قادراً على أن يكون دقيقاً عندما يجيب على بعض الأشياء.
فالماركسية من هذه الزاوية هي طريقة البحث التي أتت مع ماركس، والتي أسميت الجدل المادي. وهذه باقية مادام العلم لم يتجاوزها. وهنا أعتقد أن التطور العلمي التالي (وربما كان هذا بحاجة لبحث عميق) أكد هذه المنهجية ولم ينفها، ولم أجد في البحث العلمي ما ينفي الصيرورة بمعناها الذي طرح منذ ماركس، وربما يكون قد عزز بعض جوانبها. لينين حاول مثلاً أن يناقش بعض الاتجاهات العملية التي نشأت في بداية القرن العشرين مع نشوء نسبية أنشتاين. أنجلز قبل ذلك أيضاً حاول أن يناقش وأن يبلور المنهجية الماركسية مع نشوء تصورات علمية بدت أنها تنفي الماركسية، ويستطيع كل من يعتقد أن في التطور العلمي ما ينفي الصيرورة بمعناها الماركسي أن يطرح ذلك. ولم ألحظ في متابعاتي إلى الآن من شكك في الجدل المادي. هناك إضافات، توسيعات، نعم. هناك فائدة كبيرة يمكن أن نستفيد منها من البحوث العلمية في فهم الجدل، نعم. ولكن لازال الجدل المادي هو المنهجية التي تحكم التطور، وهو المنهجية العلمية، لهذا لا نلمس أن في البحث الفلسفي الحديث من حاول أن يؤسس منهجية أخرى، عدا المنهجية الوضعية التي أدت إلى التفكيكية وإلى نشوء التخصّص، وبالتالي تفكك البحث، وتجاوزه لطابعه الشمولي إلى الجزئي عبر البحث في كل فرع منفرداً وهذه الفروع كلها استفادت من الماركسية، و«سرقت» منها، عدا ذلك لم تتأسس منهجية أخرى مع الإشارة إلى أن هذه المنهجيات هي منهجيات جزئية، تخصصية، وليست منهجية شاملة (عامة).
هذه المنهجية أعتقد إنها إذاً لازالت تحكم البحث الماركسي، وهي المنهجية العلمية الوحيدة حسب ما أعتقد، لأنها بالأساس تقوم على تحليل الصيرورة ذاتها، تنطلق من فهم الملموس، صيروراته، تناقضاته، حركته، ولا تنطلق من بحث المجرد. 
(الآن حينما نقول أن الماركسية هي هذا، فإننا نتناول الماركسيات الأخرى من زاوية تكييف الماركسية في إطار ظرف معين، لأن الماركسية بمعناها المجرد تتحول إلى وعي بشري في لحظة معينة وهو ما يسمى الأيديولوجيا، وهذا يؤسس لنشوء «ماركسيات»
وبالتالي هنا يمكن أن نلحظ أن الفكر نفسه حين يلامس الواقع يختلط بالوعي الواقعي، وبالمصالح الواقعية. وهذا ما أردت الإشارة إليه في البداية، حيث أردت أن أقول أن هذه الماركسية التي كانت سائدة كانت تعبر عن مصالح فئات حكمت الاتحاد السوفيتي، ولم أكن أهدف إلى القول أن المشكلة كانت في التجربة وليس في النظرية، لأنه في إطار النظرية نفسها كانت هناك خلافات، بمعنى خلافات حول موقع الجدل المادي في هذه النظرية، هل الجدل المادي هو محورها أم أن البحث في الاقتصاد هو أساسها وباقي البحوث هي مكملة لهذا البحث؟ في التجربة الاشتراكية تهمّش الجدل المادي، وبالتالي تلاشت فاعلية الماركسية، وانتهى طابعها النقدي، وأصبحنا إزاء ايديولوجيا، يجب أن تعامل كأيديولوجيا، وإن كانت قد تضمنت بعضاً من المفاهيم الماركسية، وحاولت تحقيق بعض أهدافها كذلك. ولهذا أشرت إلى تجاوز هذه «الايديولوجيا» والعودة إلى ماركس، أي إلى الجدل المادي.

هوامش
1) حينما أشرت إلى الماركسية السوفيتية قلت أنها تبلورت في أواسط الثلاثينات، وأشرت أن ستالين أعطاها تعبير الماركسية اللينينية. وهنا حاولت أن أوضح أنني أتحدث عن الماركسية التي تبلورت فيما بعد لينين في إطار تبلور فئة مسيطرة في الإتحاد السوفيتي. هذا لا يعني أن تصور لينين كان تصوراً صحيحاً بالمطلق، ولكن تصور لينين انبنى على تحقيق الثورة الاشتراكية في روسيا وتوفي لينين قبل أن تتبلور رؤية للفئة المسيطرة الجديدة، وهي المرحلة التي قادها ستالين منذ أواسط العشرينات وحتى أواسط الثلاثينات، حين قام بتصفية قيادة الحزب وأعاد بناء المفاهيم وأعاد بناء الحزب والمجتمع وفق رؤية معينة، تختلف عن لينين وتختلف عن الماركسية في حدود وتتفق معها من حدود، بمعنى أن هذه الفئة التي وصلت إلى السلطة أصبحت معنية بأن تعبر عن مصالحها الجديدة وليس عن مصالح المجتمع، وعن مصالح الطبقة العاملة كما كان الأمر قبل ذلك، فصاغت الماركسية في إطارات جعلتها تتنافى مع الماركسية في الجوهر وحين أنطلق من الجدل المادي أعتقد أن الماركسية السوفيتية عملت على نفي الجدل المادي، أي أن الماركسية لم تعد بالنسبة إليها قوة تغيير، بل أصبحت قوة دفاع عن وضع مستقر. ومن هذا المنطلق بدأت تنتج التصورات التي يسمح بأن تتحول هذه الصيغة من الحكم ومن الهيمنة الطبقية إلى صيغة ماركسية مثالية للاشتراكية، وهذه الصيغة هي التي وصلتنا وانتشرت عندنا، وأيضاً حاولت توضيح أن الماركسية هي هذه التصورات التي صيغت في موضوعات أسميت الجدلية المادية والتاريخية والاقتصاد السياسي والاشتراكية العلمية، ليصبح الجدل المادي صيغة تأملية ليس له علاقة بفهم الواقع، لأن الواقع يفهم إما عبر المادية التاريخية أو عبر الاقتصاد السياسي أو عبر الاشتراكية العلمية.
كما أن الجدل المادي كما طرح عانى من مشكلات عميقة، فستالين أسقط مثلاً مفهوم نفي النفي وهذه واضحة في كتابه المادية الجدلية والمادية التاريخية، لأنه لا يريد أن يقول أن هذا النظام الذي قام يمكن أن ينفى وبالتالي أصبحت المشكلة مشكلة تراكم كمي، فاعتبر أن الاشتراكية مطلقة إلى الأبد وتنمو بشكل مضطرد ولا تعاني من أزمات ومشكلات ويمكن أن تنهار. هذا الجانب هو الذي أعتقد أن النقد يجب أن يوجه إليه لأنه كان يعيد صياغة الماركسية خارج الماركسية، ولتتحول إلى نص مقدس، نص يقاس الواقع به أما لينين فأعتقد أنه أسهم في الماركسية وحاول أن يفهمها، ومن القلائل الذين حاولوا أن يفهموها كونها الجدل المادي. 
ومن يقرأ لينين يلاحظ إصراره على أن الماركسية هي الديالكتيك وأن من لا يفهم الديالكتيك لا يستطيع أن يكون ماركسياً حقيقياً، من هذه الزاوية جاء حكمه على بلخانوف وبوخارين وكاوتسكي وعلى آخرين، وكان دائماً ينطلق من رؤيته للآراء الماركسية الأخرى من هذه الزاوية. ونلاحظ أن غرامشي أيضاً انطلق من هذه الزاوية وهو يحاكم الماركسيين الآخرين، وهو أيضاً يحاول أن يفهم الواقع. فهذا ما بقي من الماركسية، الماركسية ذاتها ولكن ليست الكتابات السوفيتية وليست التصورات التي تبلورت مع آخرين.
2) هذه الفكرة طرحها ماركس. حيث أن الماركسية عبر تحليلها للواقع وصلت إلى نتيجة تقوم على حل ما لإلغاء التناقضات يستند إلى إلغاء الملكية الخاصة. وهذه الفكرة بالتحديد تتوافق مع مصالح الطبقة العاملة فهي لا تملك.
وبالتالي من هذه الزاوية ربط ماركس الماركسية بالطبقة العاملة وحاول أن يبلور تصوراً يطابق مصالح الطبقة العاملة وأهدافها. هنا يمكن أن نطرح أولاً هل هذا التصور لازال صحيحاً؟ وهذا يفرض علينا أن نناقش وضع الطبقة العاملة في أوروبا الآن، هل بقي كما هو أم أنه قد تطور؟ وبالتالي يجب أن ننطلق من الراهن لإعادة بناء التصورات وطرح الأفق الذي يناسب هذا الواقع الجديد. في أوروبا أعتقد أن وضع الطبقة العاملة تطور، ولكن هل مفهوم الطبقة العاملة انتهى؟ لاشك أن نقاشات واسعة بدأت منذ السبعينات، مثلاً حول دور النشاط الذهني، خصوصاً أن الصراع تطور إلى مرحلة جديدة. هذه مسألة لم تحسم في أوروبا حتى الآن. وهناك اتجاهات تعتبر أن الطبقة العاملة مازالت بمعناها القديم وهناك من اعتبر أن كل ذي أجر هو جزء من الطبقة العاملة. 
وبالتالي يمكن الآن أن تناقش الماركسية هذا الموضوع لتصل إلى استنتاجات، وبالتالي أن تبلور تصوراً يعبر عن وضع الطبقة العاملة الأوروبية في هذا الوقت بالذات. وهنا المسألة الأساسية في الماركسية، حيث إنها لا تعطي تصوراً مطلقاً لمصالح طبقات دون أن ترى صيرورة الواقع. لهذا حاول ماركس أن يغير في رؤيته حاول أن يطرح تصورات الطبقة العاملة ثم أن يتجاوزها لرؤى أخرى وفق الصيرورة الواقعية، وتحوّل وضع الطبقة العاملة.
المشكلة التي نشأت في العالم هي أن هذه التصورات أصبحت وكأنها مطلقة، وأصبحت تحكم الصيرورة الواقعية.من هذا المنطلق لم يعد هناك ضرورة للبحث في الواقع لنحدد الآن ما هو وضع هذه الطبقة؟ ما هي مشاكلها؟ ماذا نطرح لكي نعبر عنها؟ وبالأساس غاب البحث في وضع الأمم المخلّفة، ووضع الطبقة العاملة فيها.


https://www.facebook.com/plugins/like.php?action=like&app_id=115811955161901&channel=http%3A%2F%2Fstaticxx.facebook.com%2Fconnect%2Fxd_arbiter.php%3Fversion%3D42%23cb%3Df35a60d9371fb4%26domain%3Dwww.m.ahewar.org%26origin%3Dhttp%253A%252F%252Fwww.m.ahewar.org%252Ff381a4640646de8%26relation%3Dparent.parent&container_width=0&font=arial&height=25&href=http%3A%2F%2Fwww.m.ahewar.org%2Fs.asp%3Faid%3D25660%26r%3D0&layout=button_count&locale=ar_AR&sdk=joey&send=false&share=false&show_faces=false&width=90

http://platform.twitter.com/widgets/tweet_button.b7de008f493a5185d8df1aedd62d77c6.en.html#dnt=false&id=twitter-widget-0&lang=en&original_referer=http%3A%2F%2Fwww.m.ahewar.org%2Fs.asp%3Faid%3D25660%26r%3D0&size=m&text=%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D9%83%D9%8A%D9%84%D8%A9%20-%20%D9%85%D8%A7%20%D9%87%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%B3%D9%8A%D8%A9%D8%9F%3A&time=1467310801544&type=share&url=http%3A%2F%2Fwww.m.ahewar.org%2Fs.asp%3Faid%3D25660%26r%3D0%23.V3Viyh1QJ_o.twitter

سلام قولا من رب رحيم 1479

بسم الله الرحمن الرحيم 786

“اللهم يا رب أورثني برهانا يحجبني عن معصيتك في بيتك كل مرغوب كتب الله لا غلبناه أنا و رسلي أن الله قوي عزيز.”7 مرات