external environment

Also known as the operatingenvironment, this refers to market conditionseconomic and political issues on the local and national levels, demographic factors, and other forcesoutside of a business that affect theoverall success of that business. The external environment creates both risks and opportunities for a company.

http://www.investorwords.com/16419/external_environment.html

The definition of business environment means all of the internal and external factors that affect how the company functions including employees, customers, management, supply and demand and business regulations.

An example of a part of a business environment is how well customers’ expectations are met.

YourDictionary definition and usage example. Copyright © 2016 by LoveToKnow Corp
Read more at http://www.yourdictionary.com/business-environment#4403r9llmQ5pB2vU.99

البيئة الخارجية

https://www.ukessays.com/essays/marketing/the-introduction-of-tesco-plc-marketing-essay.php

https://www.ukessays.com/essays/marketing/the-introduction-of-tesco-plc-marketing-essay.php

نقاط الضعف و القوة

https://www.ukessays.com/essays/management/strategic-management-and-leadership-at-tesco-management-essay.php

أهم واحد

https://www.ukessays.com/essays/finance/assessing-the-strengths-and-weaknesses-of-the-tesco-business-finance-essay.php

ما يفرق بين التحرير والتمركز حول الأنثي

الذى يتعامل مع المرأة وكأنها كائن خارج المجتمع الإنسانى
ولا توجد بينهما وبين ال

ذاهب فكرية / علمانية

نبذة عن الكتاب:

تحاول هذه الدراسة تناول قضية العلمانية (في جانبيها النظريّ والتطبيقي) من منظورٍ جديد، يقوم على التفرقة بين ما يُسمى «العلمانية الجُزئية» – فصل الدين عن الدولة – ، و«العلمانية الشاملة» وهي لا تعني فصل الدين عن الدولة فحسب وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، أو بعبارة أخرى: فَصْل القِيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة في جانبيها العامّ والخاصّ، بحيث تنتزع القداسة عن العالم، ويحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى.

الخلاصة :

تتكون الدراسة من مجلدين منفصلين رغم تداخلهما:
” المجلد الأول: يتناول النظرية والتعريف.
” المجلد الثاني: يتناول التطبيق.
وينقسم كل مجلد بدَوْرِهِ إلى بابين، وكل باب إلى عِدَّة فُصول، والذي نتعرض له هنا هو المجلد الأول.

 الباب الأول

وقد كُرِّسَ البابُ الأول من هذا المجلد لتعريف العلمانية على النحو التالي: 
* الفصل الأول:
تناول فيه إشكالية تعريف العلمانية، والأسباب التي ساهمت في تقلص الحقل الدلالي لكلمة “علمانية”، وأضعفت قيمتها التفسيرية ومنها:
(1) تعريف العلمانية باعتبارها فَصل الدين عن الدولة، وهو ما سَطَّحَ القضية تماما، وقَلَّصَ من نشاطها. حيث يرى المؤلف أن تعريف “العلمانية” باعتبارها فَصل الدين عن الدولة وحسب هو أكثر التعريفات شيوعا للعلمانية في العالم سَواء في الغرب أو في الشرق، والعبارة تعني حَرْفيًّا فَصل المؤسسات الدينية (الكنيسة) عن المؤسسات السياسية (الدولة)، وهي تَحْصُر عمليات العَلْمَنَة في المجال السياسيّ، وربما الاقتصاديّ أيضا، وفي بعض المجالات في رُقعة الحياة العامة، وتستبعد شَتَّى النشاطات الإنسانية، أو تَلزم الصمت بخصوصها، أي أنها تُشير إلى العلمانية الجزئية وحسب. 
وتعريف “العلمانية” على هذا النحو يتجاهل قضية المرجعية، والنموذج الكامن وراء المصطلح؛ إذ لابد أن نسأل عن الإطار المَعْرِفِيّ الكُلِّيّ والنهائي الذي تتم في إطاره عملية الفَصْل، وقد أدَّى هذا إلى خَلَلٍ كبير؛ إذ أن مصطلح “العلمانية” وَفق هذا التصور عُزِلَ عن أية مرجعية نهائية، وأصبح يُشير إلى مجموعة من الإجراءات، وكأن الأمر حُسِمَ بهذه الطريقة مع أن هذه الإجراءات يختلف مدلولها باختلاف مرجعيتها، ولا يتحدد معنى المصطلح إلا بالعودة لها. 
(2) من الأسباب التي أدت إلى تقلص نطاق مُصطلح “العلمانية” تصور البعض أن العلمانية ليست ظاهرة تاريخية وإنما هي ظاهرة محددة تتم من خلال آليات واضحة يمكن تحديدها ببساطة… ولكن تصور العلمانية باعتبارها مجموعة أفكار وممارسات واضحة يظل مع هذا التصور سَاذَجًا، ويُشَكِّلُ اختزالا وتبسيطا لظاهرة العلمانية وتاريخها وللظواهر الاجتماعية على وَجه العموم. 
(3) إشكالية تصور العلمانية باعتبارها فكرة ثابتة لا مُتتالية نماذجية آخذة في التحقق. 
ففي المراحل الأولى من تطور العلمانية يُلاحظ أن الدولة القومية لم تكن قد طورت بعد مؤسساتها الأمنية والتربوية (الإرشادية والتعليمية) فكانت هي نفسها دولة جزئية لا تتسم بالشمولية، ولم تكن وسائل الإعلام قد بلغت بعد ما بلغته من قوة وسطوة، ولم يكن قطاع اللذة (السينما، المجلات الإباحية، الشركات السياحية، صناعة الأزياء) قد بلغ بعد ما بلغه من مقدرة على الإغواء، وهذا يعني أن كثيرا من قِطاعات حياة الإنسان كانت بمنأى عن عمليات العلمانية، إذ كانت في غَالب الأمر محصورة في عَالَمَي الاقتصاد والسياسة.. فالذي حدث في الغرب هو أنَّ بعضَ مجالاتِ الحياة العامة وحسب تمت علمانيتها لبعض الوقت وظلت الحياة الخاصة وعالم القِيَم النهائية (الدائرة الكُبْرَى) حتى عهدٍ قَريبٍ جدًّا محكوم بالقيم النصرانية (المسيحية) أو بالقيم العلمانية التي تستند في واقع الأمر إلى مُطلقات إنسانية أخلاقية أو مُطلقات نصرانية (مسيحية) متخفية. فالفرد في الغَرْب كان بالفعل حُرًّا في حياته الخاصة لا لأن الدولة وكذلك قطاع اللذة قد أحجمت عن التدخل فيها واستعمارها على حد قول هابرماس، وإنما لأن النصرانية (المسيحية) والمطلقات الإنسانية استمرت في وجدانه ولم يكن بوُسع الدولة العلمانية أو وسائل الإعلام وقطاع اللذة التغلغل في هذا المجال ومِنْ ثَمَّ تَمَّتْ إعاقة المتتالية العلمانية عن التحقق لتظل بالأساس علمانية جُزئية، لكن الأمور تغيرت إذ تتابعت حَلْقات المتتالية بخُطًى أَخَذَتْ تتزايد في السرعة، فقد ازدادت الدولة العلمانية قوة وتغوُّلا، وأصبحت الدولة التنين التي تنبأ بها هوبز، وأحكمت بمؤسساتها الأمنية قبضتها على الفرد من الخارج كما أحكمت بمؤسساتها التربوية قبضتها عليه من الداخل يساعدها في ذلك قطاع الإعلام وقطاع اللَّذَّة.

* الفصل الثاني:
تناول إشكالية اختلاط الحقل الدلالي لمصطلح ومفهوم “العلمانية”، وذلك من خلال عَرضه وتحليله للتعريفات الموجودة بالفعل في المُعْجَمَيْن العربي والغربي لكلٍّ من مُصطلح ومفهوم “العلمانية”، وقد عرض في ثنايا ذلك لآراء العلمانيين العرب حول تعريف المصطلح والمفهوم، وهي تعريفات تتأرجح بين العلمانية الجزئية بوصفها إجراءً جُزئيا لا علاقة له بالأمور النهائية، مقابل العلمانية الشاملة بوصفها رُؤية شَاملة للكَون، أي التأرجح بين عِلْمَانِيَّة تقبل المُطْلَق الديني أو الأخلاقيّ أو الإنساني، وأخرى نِسبية تمامًا لا تقبل أي مطلقات أو ماهيات.

* الفصل الثالث:
يرصد بعض المراجعات المهمة التي حدثت بشأن نقد المصطلح من قِبل بعض الباحثين في الشرق والغرب مثل إرفنج كريستولIrving Kristol و أجنيس هيلر Agnes Heller و ماكس فيبر MaxWeber وغيرهم من الغرب، وجلال أمين وفهمي هُوَيْدِيّ وغيرهم من الشرق.

* أما الفصل الرابع والخامس فيحاولان تفكيك مجموعة من المصطلحات والمفاهيم التي استخدمتها العلوم الإنسانية الغَربية لوصف بعض ظواهر المجتمع الغربي الحديثة مثل “التطبيع” و”التحييد” و”التعاقدية” و”العقل الآداتي” و”التسلع” و”التشيؤ” و”الاغتراب” و”نهاية التاريخ” و”الاستنارة المظلمة” و”اللامعنى”. مشيرًا إلى أنها مصطلحات ومفاهيم تنطوي على معالم العلمانية الشاملة. 

* الفصل السادس: 
عرض فيه السمات العامة للحضارة الغربية التي ساهمت في بَلورة الرؤية الواحدية المادية، والعوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي ساعدت على هيمنتها على المجتمعات الغربية.

* الفصل السابع: 
حاول تقديم تعريف للعلمانية يتسم بقَدْرٍ من التركيب، ويكون ذا مقدرة تفسيرية عالية يمكنه أن يحيط بأكبر عدد ممكن من الظواهر والأفكار، حيث يفرق بين دائرتين من العلمانية تحتوي الواحدة الأخرى: 
1- العلمانية الجزئية: رؤية جزئية للواقع (برجماتية- إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية(المعرفية) ومن ثَمَّ لا تتسم بالشُّمُول. وتذهب هذه الرؤية إلى وُجُوب فَصْل الدِّيْن عن عالم السياسة وربما الاقتصاد، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بعبارة فَصل الدين عن الدولة، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلتزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة، كما إنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية وربما دِينية، أو وُجود “ما ورائِيَّات” و”ميتافيزيقيا”، ولذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية، كما إنها رؤية محددة للإنسان فهي قد تراه إنسانا طبيعيا ماديًّا في بعض جوانب حياته (رؤية الحياة العامة وحسب) لكنها تلزم الصمت فيما يتصل بالجوانب الأخرى من حياته.
وفيما يتصل بثنائية الوجود الإنساني، ومقدرة الإنسان على التجاوز، لا تسقط العلمانية الجزئية في الواحدية الطبيعية المادية، بل تترك للإنسان حيزه الإنساني يتحرك فيه كيفما يشاء.

2- العلمانية الشاملة: وهي رُؤية شاملة للعالم ذات بُعد معرفيّ (كُليّ ونهائيّ) تحاول بكل صرامة تحديد عَلاقة الدين والمطلقات والماورئيات (الميتافيزيقيا) بكل مَجَالات الحياة، وهي رُؤية عَقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحِدِيَّة المادية التي ترى أنَّ مركز الكَوْن كامن فيه غير مُفَارِق أو مُتَجَاوز له (فالعلمانية الشاملة وحدة وجود مادية) وأنَّ العالَم بأسره مكون أساسًا من مادة واحدة لا قَدَاسَة لها، ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها، ولا هدف ولا تكترث بالخصوصيات، أو التفرد، أو المُطلقات، أو الثوابت، هذه المادة بحسب هذه الرؤية تشكل كُلا من الإنسان والطبيعة، فهي رؤية واحدية طبيعية مادية وتتفرع عن هذه الرؤية منظومات مَعرفية (الحواسّ والواقع المادي مصدر المعرفة، فالعالم المعطى لحواسنا يحوي داخله ما يكفي لتفسيره والتعامل معه) ، كما تتفرع عنها رؤية أخلاقية (المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق) وأخرى تاريخية (التاريخ يتبع مسارا واحدا وإن تبع مسارات مختلفة فإنه يؤدي في نهاية الأمر إلى النقطة النهائية نفسها) ورؤية للإنسان (الإنسان كجزء لا يتجزأ من الطبيعة ليست له حدود مستقلة تفصله عنها ومن ثَمَّ هُو ظاهرة بَسيطة أحادية البُعد، وهو كائن ليس له وَعْيّ مستقل غَير قَادِر على التَّجَاوُز والاختيار الأخلاقيّ الحُرّ).

وقد أكَّدَ المؤلف أن العلمانية الجزئية مرتبطة بالمراحل الأولى لتطور العلمانية الغربية، ولكنها بمرور الزمن ومِن خلال تحقق المتتالية النماذجية العلمانية تراجعت وهُمِّشَتْ؛ إذ تَصاعدت معدلات العَلْمَنَة خاصة في العالم الغَربي، بحيث تَجاوزت مجالات الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا، وأصبحت العَلمنة ظاهرة اجتماعية كاسحة وتحولا بِنيويا عميقا، يتجاوز عملية فصل الدين عن الدولة، وعملية التنظيم الاجتماعي، ويتجاوز أية تعريفات مُعجمية، وأية تصورات فِكرية قاصرة محددة، فلم تعد هناك رُقعة للحياة العامة مُستقلة عن الحياة الخاصة، فالدولة العلمانية والمؤسسات التربوية والترفيهية والإعلامية وصلت إلى وِجدان الإنسان وتغلغلت أحلامه ووَجَّهَت سُلُوكَه وعَلاقاته بأعضاء أُسرته وقَوَّضَت ما تَبَقَّى من أخلاق نصرانية (مسيحية) أو حتى إنسانية.
فالعلمانية ثمرة عمليات كثيرة متداخلة بعضها ظاهر والآخر بنيوي كامن، وهي تشمل كل جوانب الحياة العامة والخاصة والظاهرة والباطنة. وقد تتم عملية العلمنة من خلال الدولة المركزية بمؤسساتها الرسمية أو من خلال قِطاع اللذة من خلال مؤسساته الخاصة أو من خِلال عَشَرَات المؤسسات الأخرى ومنه المؤسسات الدينية ذاتها، أو من المنتجات الحضارية.

 الباب الثاني

تناول فيه بعض تبديات النموذج العلماني على النحو التالي:

* الفصل الأول:
قدم فيه عَرضًا مُوَسَّعًا لبعض المصطلحات التي رأى المؤلف أن لها قيمة تفسيرية عالية مثل المُطْلَق العلماني والنموذج العلماني والمتتالية النماذجية.
(1) المطلق العلماني الشامل.
فإن أي نموذج فلسفي لابد أن يكون له مركز يشكل مطلقه، وركيزة نهائية للنسق. والنماذج الفكرية العلمانية قد تنكر أية نقطة مرجعية تتجاوز هذه الدنيا، إلا أنها تستند إلى رَكيزة أساسية ومَرجعية نهائية كامنة في المادة، وهذا المُطْلَق في أقصى درجات تعميمه هو المبدأ الواحد، وقد يأخذ أشكالا كثيرة، لكنه في التحليل النهائي هو الطبيعة التي نشير إليها عادة (الطبيعة / المادة)، ومن هنا يأتي الحديث عن الإنسان الطبيعي المادي الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة / المادة، ويستمد منها وحدها المعرفة والقِيَم الأخلاقية والجَمَالِيَّة، بحيث أصبحت دَورة الإنسان ثُلاثية: الإنتاج في المصنع، والاستهلاك في السُّوق، واللذة في الملهى (أو أي معادل موضوعي).

(2) اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية.
اللحظة النماذجية هي لحظة تعين النموذج وتبلوره، وهي لحظة يفصح فيها النموذج عن جوهره ووجهه الحقيقي. 
ويشير المؤلف إلى اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية باعتبارها لحظة الصفر العلمانية حيث ترد العلمانية أصل الوجود إلى أن العالم وجد بالصدفة المحضة من مادة أولية سائلة غير مشكلة، وتتمثل نقطة النهاية أيضا في سيطرة مفاهيم المادة ومن ثم يصل إلى نقطة نهاية التاريخ وقمة التقدم والفردوس الأرضي.

* الفصل الثاني:
التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع حيث تتسم منظومة العلمانية في مراحلها الأولى بوجود صراع بين عالمين عالم متمركز حَول الذَّات الإنسانية، وآخر متمركز حول الموضوع الطبيعي / المادي، ولإلقاء مزيد من الضَّوْء على عملية الصراع هذه أورد المؤلف معالم كل نموذج وتجلياته، ثم عرض لمجموعة من التقابلات بين ثنائيات متفرعة عن عملية الصراع الرئيسية والتي تتبدى في الحضارة الغربية التي تهيمن عليها الواحدية المادية.

* الفصل الثالث: فكر حركة الاستنارة.
حيث ابتدع العقلُ الغَربيّ صُورة الاستنارة المجازية في القرن الثامن عشر، حينما كان العلم الحديث لا يزال غضًّا وليدا، فقد ساد الوهم لدى العلماء بأن العلم سينير المجهول المظلم ليصبح معلوما منيرا، وأن هذه العملية تدريجية، بمعنى أنَّ رقعة المعلوم ستتزايد على مَرّ الأيام، ورُقعة المجهول ستنكمش إلى أن تصل إلى نقطة تختفي فيها الأسرار، وتتحكم في الواقع و قوانينه، وتصلح البيئة بل ربما النفس البشرية ذاتها..
وبعد أربعة قرون من الاستنارة اكتشف الإنسان الغربي أن الأمور ليست بهذه البساطة .. فإنَّ ثمرة قُرُون طويلة من الاستنارة كانت إلى حَدّ ما مظلمة، ولذا راجع الإنسان الغربي كثيرا من أطروحاته بخصوص الاستنارة بعد أن أدرك بعض جوانبها المظلمة، وتناقضاتها الكامنة وخطورتها على الإنسان والكون. ومع هذا يقوم الفكر العلماني الغربي بنقل أطروحات الاستنارة من الغرب بكفاءة غير عادية دون أن يحور أو يعدل أو ينتقد أو يراجع.
ويحاول هذا الفصل الكشف عن بعض جوانب فكر حركة الاستنارة الغربية وتناقضاته باعتباره الإطار المرجعي النهائي للعلمانية الشاملة، قدم لها ببيان مفهوم مصطلح الاستنارة في الخطاب الفلسفي العربي، أكد فيه أنَّ تعريفات الاستنارة في الأدبيات العَربية تعريفات عامة للغاية تدور حول حق الاجتهاد وحرية العقل بحيث لا يمكن للإنسان أن يختلف معها، فمن ذا الذي يرفض حق الاجتهاد والاختلاف وتحكيم العقل في جميع القضايا ؟! .. فالمشكلة -فيما يرى المؤلف – لا تكمن في استخدام العقل أو عدم استخدامه، وإنما في نوع العقل الذي يستخدم (عقل مادي أداتي أم عقل قادر على تجاوز المادة ؟ وفي الإطار الكلي الذي يتحرك فيه هذا العقل، والمرجعية النهائية التي تصدر عنه) .
ويذهب المؤلف إلى أن فِكر الاستنارة هو الأساس الفلسفي الذي تنطلق منه العلمانية الشاملة، وأن هذا الفكر كان يتحدث عن متتالية العلمانية والتحديث المثالية، ويبشر بثمراتها، وأن ما تشكل في الواقع كان مغايرا إلى حد كبير عما تحدثت عنه البشرى. 
ثم عرض المؤلف لنظرة فِكر الاستنارة الغربية للمحاور الثلاثة التي تقوم عليها أية منظومة فلسفية وهي الإنسان والطبيعة والإله، وفي حالة الاستنارة يحل العقل محل الإنسان في هذا الثالوث.
كما تناول موقف فكر حركة الاستنارة من نظرية المعرفة، والإشكالية الرئيسة التي تطرحها المرجعية المادية الكامنة، وهي إشكالية علاقة العقل الإنساني بالطبيعة / المادة وأيهما هو موضع الكمون. حيث تتبدى الإشكالية في الصراع بين النموذج الواحدي المادي المتمركز حول الذات، والذي يفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة / المادة، وبين النموذج الواحدي المادي الطبيعة/ المادة، والذي يفترض أسبقيتها على الإنسان.
وفي إطار هذا الصراع تناول المؤلف النظرية الأخلاقية ، فامتدادا لهذه الأطروحة المادية ظهرت الفلسفة النفعية للتعبير عن هذه النزعة الطبيعية الحسية المادية، وقد أعطت هذه الفلسفة للإحساسات الفيزيائية الأسبقية على المفاهيم الأخلاقية، بل والمفاهيم العقلية والإنسانية، فالأخلاق لا علاقة لها بالفضيلة أو الاحتياجات الروحية، وإنما لها علاقة بالسعادة ( اللذة والمنفعة) وبالتالي عرف الخير والشر تعريفا ماديا كميا، فالخير هو ما يدخل السعادة (اللذة) على أكبر عدد ممكن من البشر، وما يحقق لهم المنفعة، والشر هو عكس ذلك ( أي ما يسبب الألم والضرر) والعواطف الإنسانية إن هي إلا تعبير عن حركة المادة، وليس هناك أسئلة أخلاقية كبرى أو نهائية فكل الأمور مادية نسبية متغيرة.

* الفصل الرابع: التمركز حول الأنثى :
ناقش فيه حركة التمركز حول الأنثى باعتبارها أحد تجليات المتتالية العلمانية في مرحلتها الصلبة، ووضح السياق الفكري والاجتماعي لحركة تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها وحركة الفيمينزم (النَّسَوِيَّة)، حيث كانت الأولى تنطلق من الإيمان بتميز الإنسان مطالبة بالمساواة بين البشر، والمرأة في تصور هذه الحركة كائن اجتماعي يضطلع بوظيفة اجتماعية، ولذا فهي حركة تهدف إلى تحقيق قدر من العدالة الحقيقية داخل المجتمع (لا تحقيق عدالة مستحيلة خارجة)، وعادة ما تطالب حركات تحرير المرأة بأن تحصل المرأة على حقوقها كاملة سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية، أما حركات التحرر الجديدة (التمركز حول الأنثى) فجاءت تأكيدا على فكرة الصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتصدر عن رؤية واحدية إمبريالية، وثنائية لا تتقبل الآخر، وكأنه لا توجد مرجعية مشتركة بينهما، فالمرأة متمركزة حول ذاتها، تود اكتشاف ذاتها وتحقيقها خارج أي إطار اجتماعي، وفي حالة صراع كَوني أزليّ مع الرجل المتمركز حول ذاته.
وقد رأى المؤلف أن ثمة تشابها واضحا تعرض لإبرازه بين حركة التمركز حول الأنثى والنظام العالمي الجديد و الإمبريالية النفسية من جهة، وبين الصهيونية من جهة أخرى

يفرق الدكتور عبد الوهاب المسيري بين ( حركات تحرير المرأة ) قديما والتي نشأت من رؤية ” هيومانية ” متمركزة حول الإنسان ، وبين حركة الـ ( fiminism ) التي ظهرت في عصر ما بعد الحداثة ، والتي تتمركز حول الأنثى كموضوع مادي ، تبحث لها عن هوية وانتماء وتضعها في مواجهة مع الرجل ، مما يزيد الهوة بين الرجال والنساء ويلغي الطابع الإنساني للعلاقات بين الطرفين. 
هذا الكتاب فسر لي ما كان ينفرني من نصوص بعض الكاتبات العربيات ، وهو ما يرسمنه عادة من صورة ( الرجل ) الذي يمثل مادة للانتقام و موضوعا للإدانة والكراهية. 

 أن أطروحة المسيري عن النماذج تبتعد عن القولبة أو التنميط أو الكاريكاتورية كما قد اتهمه د.عزيز العظمة ذلك أن من أسس هذه النماذج التفسيرية كلامه عن أن الحياة البشرية أشدّ تعقيدة وتركيبا من أن تختصر إلى نموذج واحد و أن الإنسان يعيش سلوكيّات يومه على عدّة نماذج مركّبة و متداخلة في الموقف نفسه أحيانا , كما أكّد المسيري في بدء الكتاب أنّ على الحوار أن يكون خارج إطار الخطب الشعاراتية و التسفيهية و التخوينية من كلا الطرفين نتيجة عماء المصطلح و هلاميّته .. مما يوجب البحث عن الأرضيّة المشتركة بين الباحثي
 على الدولة في قمعها و قتلها للمخالفين أي نقد من الدكتور .
يبدو د.عزيز العظمة في حديثه و ثنائيّاته الصلبة غير القابلة للمرونة و لا للجدل و لا للحياة مثل التنويري و الظلامي أو العلمانية العلمية و الخرافة الدينية أو الدول العلمانية الحديثة بانية المستقبل مقابل المشروع الإسلامي الموغل نحو التاريخ و التخلّف ,,

كذلك يظهر مواطن الخلل في فهم الآخر , و ما تجرّه المواقف المسبقة التنميطية على الفكر من هزال و ما يجرّ ذلك على المجتمع من صراعات لاسببية و لا نهائيّة .

هو السلطان عبدالفقراء بن السلطان أقرو بن السلطان نيي بن السلطان عبدالرحمن الملقب بعبدالرحمن تبس ،،إلخ ،

لاعادة النظر فيه، لا يمكن باي حال اختزال المجهود الفكري للمسيري في هذا الكتاب بداية من اثباته ان “العلمانية” ليست مرحلة وانما هي موقف من العالم موقف واعي واختياري وليس استثناء وهي في صيروراتها تخلق ظواهر جديدة تعمل ضدها وضد مبادائها التي قامت عليها بداية من التنوير ونهاية بما بعد الحداثة ،،اشكالية العلمانية في العالم العربي والتي نقدها المسيري نقدا رائعا انها تختزل وتسطح مفهوم العلمانية وتقصره علي مرحلة من مراحلها وهي “فصل الدين عن الدولة” مكتفية بذلك ومعتبرة كل ما عدا ذلك مجرد استثناء وهامش ،وذلك لاننا نستورد من الغرب لحظته التاريخية بدون اي فهم لها ودون اي نظر الي اطارها وفلسفتها المحددة والدافعة لتكونها وحركتها، ولذا كان عليه بحث الاطر الفلسفية التي قامت عليها العلمانية والتدليل علي انها في صيرورة دائمة ولا يمكن دراستها عند مرحلة تاريخية ما كما يزعم العلمانيون العرب، هذا ما اراد المسيري قوله في بداية الجزء الاول من العلمانية ..
*ورغم ان المسيري لا يري اية اشكالية في فصل المؤسسة الدينية عن الدولة القومية وهو ما يسميه ب”العلمانية الجزئية” لانها تترك حيزا واسعا للقيم الانسانية والأخلاقية المطلقة بل وللقيم الدينية ما دامت لا تتدخل في عالم السياسة اى انها لا تسقط فى النسبية او العدمية الا انه يشك في ثبات واستقرار هذا الفصل بين مؤسسة الدين والدولة ويقول “هل يمكن ان نكتفي بفصل الدين عن الدولة فقط ولا ندخل في صيرورة العملية العلمانية التى من اهم مرتكزاتها التحديث والتقدم وعبادة اللحظة الانية ؟!! اذا كان من الممكن فالجميع يرحب بهذا وعلى رأسهم المسيري نفسه ولكن حسب دراسته لاسس العلمنة يتحدث المسيري بالاستدلال التاريخى عن استحالة حدوث ذلك او اثباته تاريخيا، وهذا ما اكده اساطين الفكرالغربي بداية من رواد النظرية النقدية “مدرسة فرانكفورت” ونهاية بمدرسة زيجمونت باومان..
*عرف المسيري العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة وحدد الفروق بينهما ويمكن بسهولة الرجوع الى فهرس المصطلحات فى الجزء الثانى، فى الجزء الاول ايضا وفى بنية الكتاب بالكامل يتجلى المفهوم والتحديد للعلمنة وفقا لتعريف المسيرى.
*المسيري فى نقده للعلمانية الجزئية عند المفكرين العرب يرى ان موقفهم هذا بداية لا ينبع عن اصالة داخلية او موقف حضارى داخلى ناتج عن حل لاشكالية المجتمع العربى وانما هو ترديد وتبنى لما يفكر فيه الغرب ،ثم ينبع من عدم فهمهم للخلفية الفلسفية للعلمانية وحصرها وقصرها على مرحلة بعينها وهو ما يجعل تفسير الظاهرة سطحى جدا،اذن هو ليس نقدا للمفهوم بقدر ما هو نقد لطريقة توظيفه وفهمه من قبل العلمانين العرب، ولان المسيري لم يرفض العلمانية الجزئية فى ذاتها فقد كان من دعاة بناء حداثة عربية تكون تعبيرا عن امال المجتمع العربى المهمش وحلا لاشكالاته “ناتجة عن الذات الحضارية”، حداثة تبقي حيزا للقيم الانسانية والدينية يمكن فيها الحديث عن المطلقات .
*اما نقده للعلمانية الشاملة فهو يرفض تماما ما تؤول اليه العلمانية الجزئية المتمركزة حول الانسان الى العلمانية الشاملة المتمركزة حول الطبيعة حيث تفصل كل القيم الدينية والاخلاقية والانسانية عن كل جوانب الحياة العامة والخاصة، نقد المسيري هنا نقد للمفهوم في ذاته ورفضا لصيرورته التى يراها تقويضا للانسان من الداخل والخارج بخلاف نقده للعلمانية الجزئية التى تبقي على اسبقية الانسان على الطبيعة ولا تعمل على تقويضه ..
*اعتقد ان ربط العلمانية بالفاشية والامبريالية والصهيونية….الخ امر طبيعى جدا لم يتحدث عنه المسيري فقط بل هو تيار نشأ مع بداية نشأة العلمنة والتحديث داخل الغرب وهذه نتيجة منطقية لمقدمات لا يمكن الاختلاف عليها، من البديهى ربط الاسس الفلسفية”العلمنة” بظواهرها الناتجة عن تطبيقها لا سيما والرجل وغيره قد ساق ادلة متعددة على ذلك، وهى حتميات للحداثة الغربية كما يقول زيجمونت باومان وليس استثناء ولذلك ربطها المسيري بالاسس الفلسفية التى انتجتها “كتاب الحداثة والهولوكوست ..زيجمونت باومان وكتاب حالة الاستثناء لاغامبين ” …
*هناك خلط بين حركة تحرير المرأة وحركة التمركز حول الانثى جملة وتفصيلا ويمكن تتذكرى فى رحلتى الفكرية لما حكى المسيري عن تقديمه لعضو فى حركة التمركز حول الانثى لناشطة فى حركة تحرير المراة فى مصر وبعد الحديث بينهما قالت الناشطة المصرية”انا مش فاهم الست دى بتقول ايه!” .
والعكس تماما كان من اهم الاهداف التى دعى اليها المسيري فى”كفاية المصرية” هو تفعيل دور المرأة فى المجتمع والمطالبة بحقوقها كاملة، وبجد حرام عليكى يا استاذة اميرة تظلمى المسيري فى النقطة دى smile emoticon
*نقد العلمانية = نقد النموذج الحضارى للغرب ما يعنى نقد التجربة الحضارية القائمة على العلمنة برمتها . 
من ظواهر العلمانية العولمة التى يغرق فيها ما يسمى بالعالم الثالث اميركا الاتينية افريقيا ودول الهامش وبالتالى حين انقد العلمانية فانا انقد كل تجلياتها على الواقع والتى من ضمنها العولمة التى يفرضها الغرب علينا والامبريالية التى يتخذها الغرب وسيلة لنشر ثقافته بالبارود ومحو كل خصوصية لاى حضارة او قيم اخرى غير الحضارة والقيم الغربية اذا كنا سنتحدث عن الحرية فبداية لابد من الحديث عن الخصوصية التى هى بطبيعة الحال ضد العولمة، ولذلك فعندما ينتقد المسيري الغرب فهو ينتقد ما انتجه ذلك الغرب داخل الشرق ايضا من نسبية للقيم الدينية والاخلاقية ومحو للخصوصية الحضارية والثقافية وتهميش لاى حركة اجتماعية تنادى بالتحرر والخروج من فلك الغرب . 
هذا الكائن الذى لايستطيع العيش حتى كحيوان فقد هويته الحضارية وفرديته الذاتية وعلينا البحث عن سر هذا الفقد والاختفاء والذوبان للانسان فى مجتمعنا ..
*يمكننا ان ننتقد المسيرى في انه بكثرة حديثه عن الظواهر العلمانية همش من “فاعلية الفاعل المجتمعى ” سواء كان فردا او جماعة ، واعتقد ان ذلك تاثرا منه بمدرسة فرانكفورت والتحليل الفوكولى الا انه قد اشار الى تجاوزه لذلك بشكل موجز فى الجزء الثانى وتناول هذه النقطة النقدية بالشرح والتفصيل الن هاو فى كتابه”النظرية النقدية ” 
*اخيرا، دمتم بخير

  • 8

ولّى الزمن الذي كان الفكر العربي يتناول فيه المجتمع بكليته، فقد انتقل الى السياسي – الجوهر المطلق حيث الدولة والسلطة والديموقراطية والعلمانية والقانون والمدنية، مقولات مجردة، يمكن البحث بها باستقلالية تامة عن أي مجتمع، فهي صالحة لكل زمان ومكان كما يؤكد لنا علماؤها العرب. فقد عدنا إلى عصر الثنائيات الزجلية من نوع الاستبداد – الحرية، والحرية – الممانعة، والإسلام – العلمانية، من دون البحث في خلفياتها وأسبابها. ابتعد الفكر عما هو ممكن في لحظة تاريخية معينة الى ما هو الأفضل والأجمل والأحسن في “السوق” الفكري العالمي. انتقلت السياسة من علم صراع القوى الاجتماعية الى علم اقتناء سلع المفاهيم السائدة عالمياً. أول ضحايا هذا الانتقال كان الفكر النقدي في العالم العربي.
يتصدّى الفكر السياسوي العربي لمسألتي الدولة والسلطة بدون فهم أساساتهما الاجتماعية الاقتصادية وبما يجعل المثقف “حراً” ليبرالياً وقادراً على إسقاط أوهامه ورغباته على التاريخ البشري فيرى علمانية هنا، وفي حال امتعاض الزبون، مدنية هناك، وفصل سلطات على اليمين، وديموقراطية على الشمال، وعدالة في الوسط وحقوق إنسان من فوق، وكل ما شئت. “ينتقي” أفضل ما درسه في الكتب، “يستذوق” كما لو أن الاجتماع البشري من حوله قد قرأ مثله في الكتاب نفسه. يقفز فوق القرابات من قبائل وعشائر وطوائف من دون إعارتها القليل من اهتمامه المركز على إصلاح الدولة والذي تكفيه الإرادوية لكي يستنبط الحلول من فوق، من عندها، متناسياً غياب أبسط شروط بناء الدولة، اي المواطن الفرد لا الجماعة.
وسواء أعاد ممثلو هذا الفكر أسباب انسداد السياسة في بلادنا وغياب الدولة والديموقراطية الى عوامل ثقافية دينية أو شمولية معاصرة (الأنظمة الاشتراكية) فإن الجميع متفق على أن العلة محصورة في الدولة. وكأني بالجميع ينطلق، بوعي أو عن غير وعي، من فرضية ضمنية تنهض على فكرة استكمال الرأسمالية الغربية هيمنتها على بلادنا. العلة إذاً تكمن في عدم انسجام الدولة مع قاعدتها الاقتصادية الحديثة، في تأخرها وفي عدم التطابق بين البنى الفوقية والبنى التحتية كما كان يقال في “اللغة الخشبية” الماركسية.
عدم التطابق يُسأل عنه السياسي بالمبدأ لذلك حصر الفكر السياسوي همه في هذا الجانب، باحثاً عن العوائق التي تمنع الدولة الشرقية “المريضة” من التفتح والتألق أسوة بشقيقتها في الغرب الديموقراطي. فرضية هيمنة الرأسمالية على عمراننا البشري قادت الى هيمنة شبكة مفاهيم القراءة الرأسمالية الغربية للدولة وبالتالي الى هيمنة القراءة “السياسوية” العصرية. الدولة هي المريضة في بلادنا وكل هم الأطباء، من مفكرين وسياسيين، ينصبّ اليوم على معالجة المرض. والمرض بالتحديد ليس موجوداً في الدولة كمحتوى اجتماعي، إنه أمر محسوم ضمنياً، بل فقط في شكلها الاستبدادي. ومن هنا صعود أسهم الديموقراطية في بورصة الأفكار العربية. دواء الاستبداد الديموقراطية.
لم يعد مهماً معرفة مضمون الاستبداد في بلادنا وبخدمة أي قوى اجتماعية يجري استخدامه، ولم يعد من المهم معرفة ما هي القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة بالديموقراطية. المهم أن “الشعب” يريد الديموقراطية، الدواء. التعمية والتعميم صارا من دعائم الفكر العصري، السياسوي. غير أن هذا النوع من التفكير “المختبري”، المتماسك من الداخل، المتفاجئ بالوقائع الاجتماعية والسياسية جعل المشروع الديموقراطي يتكسّر في كل مرة على صخرة البنى الاجتماعية المتقادمة التي سرعان ما تطوف على السطح كي تعيد إنتاج الاستبداد من جديد. ففي كل مرة نحاول إصلاح أعطال الدولة تفوح عِقَدُ الاجتماع من جديد لتذكرنا بقدمها وقراباتها وعصبياتها وغلباتها غير الدولتية. فنعود الى نقطة الصفر.
الاصطدام بالحقائق الاجتماعية العنيدة. لا “بقايا الوعي” كما كان يُظن، يحيل الفكر السياسوي الى أشلاء. فإذا سلمنا جدلاً بان الاقتصاد في بلادنا رأسمالي، فهل يمكن أن يكون اجتماعه قرابياً غير رأسمالي وغير طبقي؟ وطالما أن الاجتماع قرابي فالعلة تطال العمران البشري كذلك ولا تقتصر فقط على السياسي. لكن كيف يمكن للرأسمالية في الاقتصاد ألا تنعكس في الاجتماع؟ ما هو هذا النوع من الرأسمالية؟ أي كيف يمكن أن تهيمن الرأسمالية بدون القضاء على البنى القرابية التي تعيق بناءها وبدون نشوء طبقات اجتماعية على أنقاضها؟
بمعنى أوضح، وبحسب هذا الفكر، صارت بلادنا مركبة من نظام رأسمالي الاقتصاد، قرابي الاجتماع، شمولي السياسة. وبأي حال صار لزاماً عليه في هذه الحالة أن يبرر رأسماليةًً تقوم على الريع، أو على ربح لا تنتجه طبقة، و”قرايب” تسيطر على الاجتماع لكنها تعفُّ عن الاقتصادي، ومستبدين “سياسيين” يقعون في مكان غامض ما بين الطبقة وبين القرابة. بلوغ التناقض الداخلي هذا الحد يدفعنا الى الشك بقدرة فكر كهذا على الإحاطة حتى بالمشهد السياسي.
ولعل السبب الذي جعل من الدولة وأشكالها لدى أصحاب الفكر السياسوي عندنا ليس فقط اساس التخلف والانسداد بل جوهر العلة هو عدم فهم إطارها، العمران البشري الذي يعطيها معناها الحقيقي. الجهل بقوانين الدولة القرابية عندنا جعل الفكر “العصري” يزدريها فلا يرى فيها غير المرض. وبدلاً من أن يقوم بوصفها وتحديدها راح يطلق في استبدادها من الشتائم والنعوت ما يمكن أن يؤلف معجماً مستقلاً كاملاً “في شتم الدولة القرابية”.
لكن البعض ممن تنبّه الى الورطة الفكرية للسياسوية في تناقضاتها وفي قصورها على السياسي سعى إلى ربطها بتاريخها لكن استعمال العدّة النظرية القديمة إياها لم تتح له التقدم كثيراً. وبدلاً من اللجوء الى إعادة فحص الفرضيات الأساسية اكتفى بعمليات رتق نظري بين الواقع المعيوش والواقع الموهوم المتصوّر. يسجل لأصحاب هذه المحاولات، نجاحهم على الأقل في تعيين مكامن العلل وضرورة المعالجة.
الرتق هذا توصّل إلى “مفاهيم” جديدة مثل الإقطاع السياسي والمارونية السياسية والشيعية السياسية والإسلام السياسي والطائفة – الطبقة والعائلات السياسية والبيوتات والبورجوازية الكومبرادورية الخ.. مقولات لفظية بلا محتوى اجتماعي فعلي تشير كلها الى مأزق الفكر السياسوي في فهم طوفان القديم في الحاضر وتمازج القرابة بالـ”زناكيل” (الأغنياء بالدارجة وهي تركية الأصل)، الدين بالسياسة، الطائفة بالدين، الطبقة بالطائفة، والعائلية بالسياسية إلخ. بنى “غريبة عجيبة” استعصت على “العلم” السياسوي المأخوذ بالدولة، الغربية منها على وجه الخصوص. وكلما كانت الظاهرة الاجتماعية عصية على الفهم زادها نعتاً بـ”السياسية” متوهما فك السحر.
المعضلة الحقيقية التي تجاهلها هذا الفكر كلياً بتشديده على شكل الدولة الإستبدادي دون غيره، بالرغم من أهمية ذلك، هي تحديد علاقة هذه الدولة بعمرانها البشري بعد دخول الغرب الرأسمالي الى بلادنا، والتحولات التي أصابت بنية تمثيلها الاجتماعي، وهذا لعمري لا يمكن بدون الجواب أولا على الاشكالية التالية: هل أنهت الرأسمالية فعلاً هيمنتها على أنماط إنتاجنا السابقة بشكل كلي وصار بالإمكان قراءة مجتمعاتنا على اساس “علمها” وادواته سواء كان العلم بورجوازياً ام غير بورجوازي؟ فإما أن الرأسمال الغربي قد نجح في صهر مجتمعنا في نمط انتاج جديد يقوم ناتجه أساساً على مفهوم الربح وإما أن الريع ما يزال هو الشكل الرئيس للغلة وعندها من المشكوك فيه أن يكون قد حصل انتقال من عمران بشري الى آخر. ولا أفضح سراً هنا إذا قلت إن الدولة ليست هي نفسها في الحالتين، لا من حيث التمثيل البشري ولا من حيث الأهداف ولا من حيث التركيب ولا الشكل.
بالطبع لا يطرح الفكر السياسوي على نفسه مثل هذه الأسئلة لأنها لا تدخل في إطاره النظري ولا في حقل اختباراته. ولأن دولته دولة الجوهر الخالص القائم فوق التاريخ، تراه ينهض بمشروع دولة قانون وعدل وحقوق لكن بدون حامل إجتماعي محدد لها. تراه لا يعين قوة أو مجموعة من القوى الاجتماعية لها مصلحة في حمل هذا المشروع. يتوجه به الى الجميع، أي نحو لا أحد. منهج يتناول السياسة كما لو كانت جسماً منفصلاً صالحاً أو “متصالحاً” مع الغرب بلغة اليوم. كما لو كانت عينة في مختبر علمي يقيم عليها التجارب الداخلية من أجل الوصول الى استنتاجات “علمية” محكمة، لكنها غير ممكنة التطبيق لغياب قوى اجتماعية تحملها بسبب من مصلحة بها.
وبعد أن تحلق السياسوية في الاستذواق تصل الى الحل العملي الإجرائي وتجد نفسها بلا أجسام اجتماعية ترتدي أفكارها ومشاريعها فتروح تسقط على قوى المجتمع القرابية، دينية كانت أم رحمية، أحلامها ورغباتها في التغيير الديموقراطي وبناء دولة القانون الرائعة كأن القرابات تهيم بالدولة التي تساوي بين الناس كمواطنين. أليست العاصفة هي ما حصده ويحصده أصحاب هذا الفكر في لبنان الحرب الأهلية الأخيرة وفي العراق وفي اليمن مؤخراً وفي سوريا حالياً والحبل على الجرار.
السياسوية تبشر بأجود ما وجدته في “السوق” العالمية وعندما تفشل، وهذا ما يحصل بالإجمال، تلعن التخلف والمتخلفين، الطائفة والطائفيين، الذين ينأون بأنفسهم عنها وعن خيراتها فيما يستمر المجتمع، هو، في الصراع الفعلي بين قواه الحقيقية ضمن الشروط التاريخية للعمران البشري

ثم كان أن حدثتها قليلاً عن فلسفة الصدامِ في ثنائية ( بلطة الجزار / قطر الندى ) و أقول هنا أن الأديبَ المتميز هو الذي يحمل في قلمه قضية ً يناوء بها يمنةً ويسرةً و لا يقف عند حدود التهويمات الوجدانية و العضلات العاطفية ..و لا يمكن ُ للأديب أن يعف قلمه عن الخوض في أمور العامة لأن الأدب نتاجٌ و صورةٌ صادقة لوجع الأمة و روح القبيلة / المجتمع ، و حس المجموع و تصوراته .. و ما أحب أن أقوله هو أن لا تأخذنا صناعة الكلمة عن سبر القضية بالمسابر الأكثر جدية ، بالرؤية الذهنية التي تتجرد عن مفردات مثل ( قارب / نهر / عين / سحاب / جوى …) إلى تناولٍ أكثر موضوعية ينأى إلى القبض على مهاميز المشكلة ليشرحها و يضع لها أسبابها الفرضية و الأسباب الأكثر احتمالا ً، ثم يشخص الصيرورة الزمنية للمعضلة و كيف تضخمت حتى وصلت لشكلها النهائي ليتمكن من تحديد النقــطة المحددة لهذه الصيرورة و التي مثّلت الخط الفاصل لهذا التضخــم ، في إطار كل المحددات الظرفية , فيتعامل مع هذه النقطة تعاملا ً غائياً استقرائيا ً جاداً …..ثم يضع لها الحل و الحل البديل في تتابع ٍ ذهني عقليٍ صادق الوجهةِ و المقصد ..!

عندما نريدُ أن نصل إلى القضية الأم ، و نتعامل مع أصول نكستنا ، لابد لنا – في تصوري – من أحد أمرين ( الأول / معرفةُ أصول الثوابت المترسخة عندنا على شكل مسلمات لا تقبل الجدل ، من أجل إحداث ثغرةٍ منهجية ٍ للتغيير النسبي في ديناميكية التفكير السطحي الذي نعاني منه كلنا بلا استثناء ، و الثاني : أن نتعامل مع نكساتنا منطلقين من أساسيات الهزيمة

 أقول هنا أن الأديبَ المتميز هو الذي يحمل في قلمه قضية ً يناوء بها يمنةً ويسرةً و لا يقف عند حدود التهويمات الوجدانية و العضلات العاطفية ..و لا يمكن ُ للأديب أن يعف قلمه عن الخوض في أمور العامة لأن الأدب نتاجٌ و صورةٌ صادقة لوجع الأمة و روح القبيلة / المجتمع ، و حس المجموع و تصوراته .. و ما أحب أن أقوله هو أن لا تأخذنا صناعة الكلمة عن سبر القضية بالمسابر الأكثر جدية ، بالرؤية الذهنية التي تتجرد عن مفردات مثل ( قارب / نهر / عين / سحاب / جوى …) إلى تناولٍ أكثر موضوعية ينأى إلى القبض على مهاميز المشكلة ليشرحها و يضع لها أسبابها الفرضية و الأسباب الأكثر احتمالا ً، ثم يشخص الصيرورة الزمنية للمعضلة و كيف تضخمت حتى وصلت لشكلها النهائي ليتمكن من تحديد النقــطة المحددة لهذه الصيرورة و التي مثّلت الخط الفاصل لهذا التضخــم ، في إطار كل المحددات الظرفية , فيتعامل مع هذه النقطة تعاملا ً غائياً استقرائيا ً جاداً …..ثم يضع لها الحل و الحل البديل في تتابع ٍ ذهني عقليٍ صادق الوجهةِ و المقصد ..!

عندما نريدُ أن نصل إلى القضية الأم ، و نتعامل مع أصول نكستنا ، لابد لنا – في تصوري – من أحد أمرين ( الأول / معرفةُ أصول الثوابت المترسخة عندنا على شكل مسلمات لا تقبل الجدل ، من أجل إحداث ثغرةٍ منهجية ٍ للتغيير النسبي في ديناميكية التفكير السطحي الذي نعاني منه كلنا بلا استثناء ، و الثاني : أن نتعامل مع نكساتنا منطلقين من أساسيات الهزيمة … من سقوط دولة الشورى ، و انحطاط المد العلمي الذهني المسلم بسبب الزحف الصوفي الذي تفاقم حتى وصل الذروة في القرن الرابع عشر الميلادي محققا ً أعلى معدل من تغييب الوعي الإسلامي و ذروة التدهور العلمي و الثقافي العربي / الاسلامي معتمدا ً على تسويغ و تزويق ( الكرامة ) على حساب ( الفكرة العلمية ) ، و تهويل مفهوم الخطيئة و العقاب ، و الدعوة إلى نبذ ( هذه الحياة الدنيا ) … ثم نشوء دول الاستعمار على أراضينا ، لتتلوها بعد ردح ٍ غير قصيرٍ من الزمن حركات تحريرية لا تمت ُّ إلى ضمير الأمة بصلة ٍ،و لا تعتمد تصوراً واضحا ً في أدبياتها التحريرية و صورة المجتمع المسلم في عهد ما بعد التحرير .. ثم – بالضرورة – ظهورُ زمن العسكر الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ( ثم يكون ملكا ً جبريا ً … كما جاء عند السيوطي ) ..

هت

فليس من شروط المواطنة الاتفاق في الرأي او الاشتراك في الدين او المذهب او القومية. ان مفهوم المواطنة يستوعب كل هذه التعدديات والتنوعات، ويجعل المناخ السياسي والثقافي والاجتماعي مؤاتياً لكي تمارس كل هذه التعدديات دورها ووظيفتها الحضارية والوطنية في اثراء الواقع الوطني ومده بأسباب الاستقرار والانسجام الاجتماعي.

وترتكب جريمة كبرى بحق الوطن (أي وطن)، حينما يتم التعامل مع مفهوم المواطنة على مقاس واحد وفي حدود الاشتراك في أحد العناوين السالفة.

فالمواطنة كمفهوم واجراءات وحقائق، هي الابداع الانساني الدستوري الذي يضمن لجميع المكونات والتعبيرات المشاركة في ادارة الشأن العام واثراء الوطن على مختلف الصعد والمستويات.

فالوطن الذي تتعدد انتماءات مواطنيه، لا خيار أمامه لضمان الوحدة والاستقرار إلا تأسيس الأوضاع القانونية والسياسية على مبدأ المواطنة ومقتضياتها الدستورية والسياسية. بحيث تكون مؤسسة الدولة محايدة تجاه انتماءات مواطنيها.. بمعنى ان انتماء المواطن الديني او القومي او العرقي، لا يزيد من فرصه ومكاسبه وامتيازاته، كما انه ليس سبباً لانتقاص حقوقه او فرصه في المشاركة في الحياة العامة.

فالتعدد لا يمكن أن يدار في الإطار الوطني إلا بمواطنة تضمن للجميع حقوقهم، وتفسح المجال أمامهم للالتزام بواجباتهم والقيام بمسؤولياتهم.

وبهذا المنظور تتجلى حقيقة لا لبس فيها وهي: ان المواطنة ليست شعاراً مجرداً عن حقائق ووقائع الحياة. وإنما هي منظومة قيمية وادارية وسياسية، تتجه بكل امكاناتها لمنح المواطن كل حقوقه، وتحفزه للالتزام بكل واجباته ومسؤولياته


ما هي المواطنة ،هل نستطيع أن نطبق هذا المفهوم في مجتمعاتنا التي ما زالت ولاءتها متبلورة حول العرق والجنس والأثني والقومي والديني ،مبتعدين كل البعدعن مفهوم المواطنة والتي تنطوي تحت مفهوم الانتماء للدولة وليس لشيء آخر.

مفاهيم المواطنة و الهوية الوطنية و علاقتها بالإنتماء

 : 
1 – شرط الدولة الوطنية : وما يستتبع ذلك من إقامة مجتمع وطني يقوم على اختيار إرادة العيش المشترك بين أبنائه . 

نتماء زائف :
هو ذاك الانتماء المبني على وعي زائف ، بفعل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية التي قد تشوه حقيقة الواقع في عقول المواطنين ، وبالتالي قد تصبح رؤيتهم للأمور والمواقف غير حقيقية وغير معبرة عن الواقع الفعلي، ومن ثم يصبح الوعي والإدراك لهذا الواقع وعياً مشوهاً وبالتالي ينبثق عنه انتماء زائف ضعيف .
3) انتماء لفئة بعينها :
وهنا يعمل الفرد على مصالح الفئة التي ينتمي إليها دون سواها من الفئات داخل المجتمع الواحد ، وبالرغم من أن وعيه بها وعي حقيقي وانتماءه لها انتماء حقيقي ، إلا أنه قياساً على انتمائه للمجتمع ككل فهو وعي غير حقيقي وانتماء غير حقيقي ، لأنه يعمل وينتمي لجزء من الكل فقط ، فلا يعي ولا يدرك ولا يعمل إلا لصالح هذا الجزء ، ويترتب على ذلك آثار وخيمة من تفتيت لبنية المجتمع وربما كان سببا لوجود الصراع بين فئاته ، ويزداد حدةً كلما ازدادت الهوة بين هذه الفئات والمحصلة النهائية تدهور المجتمع وتفككه ، إذ ستعمل كل فئة في الغالب الأعم لصالحها هي فقط ، ولو على حساب غيرها من الفئات .
إن التأصيل النظري لمفهوم المواطنة والانتماء يبين أن المواطنة هي الدائرة الأوسع التي تستوعب مختلف الانتماءات في المجتمع كما أنها تضع من المعايير التي تلزم الأفراد بواجبات والتزامات معينة تحقق الاندماج والتشاركية في تحقيق مصالح الأفراد والوطن من ناحية ، ومن ناحية أخرى تسم المواطنة وسبل تكريسها بالمسؤولية العامة والأهداف الوطنية التي يمكن تحقيقها من خلال أطر رسمية وبنية وعي مخطط لها ويتم الإشراف عليها وتقييمها من قبل أجهزة الدولة والمحاسبة على الإخلال بمبادئها من خلال مؤسسات الدولة كل حسب تخصصها وطبيعة عملها ، في حين أن الانتماء يلعب الدور الأساس في تشكيله العديد من القوى الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية التي قد لا يمكن السيطرة عليها ، إذ يتم ذلك في الأسر والقبائل والعشائر ، و من خلال الدوائر الفكرية والدينية الأخرى التي ربما تفضي في بعض الأحيان إلى ممارسات مناوئة لمبدأ المواطنة ذاته .
ومن ثم تعد المواطنة هي البوتقة التي تضمن انصهار جميع الانتماءات لصالح الوطن ضمن أطر نظامية ومن خلال الالتقاء على أرضية المصلحة الوطنية العامة، ويتم ذلك بناء على معطيات الفكر العالمي اليوم والتي يروج لها في ساحاتنا الفكرية ومنتدياتنا الثقافية من خلال الأبعاد التالية :
1) الهوية .
2) الانتماء .
3) التعددية وقبول الآخر .
4) الحرية والمشاركة السياسية .

المكارثية هي فكر محافظ تبناه السناتور الجمهوري جوزف مكارثي في الفترة ما بين العام 1947 والعام 1957، وهي الفترة التي شهدت تصاعد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفياتي. فما هي المكارثية؟ وما هي طريقة عملها؟ وما هي الآثار التي تركتها في المجتمع الأميركي؟

يعتبر السناتور جوزف مكارثي الواجهة الأمامية للحزب الجمهوري وجماعة المحافظين الذين ارتبطت أفكارهم برفض التجديد ومبادئ العدالة، ووجدت فيه قوى الضغط والنفوذ ضالتها لمواجهة منافسيها في الداخل والخارج.

أهداف المكارثية:

– مكافحة الشيوعية في المجتمع الأميركي بتبني المعتقدات الآتية:

أ – كثير من المواطنين الأميركيين شيوعيون ومشكوك في ولائهم.

ب – تصنيف كثير من الموظفين في الأجهزة الحكومية بحسب معايير مغلوطة، فهم إما: جواسيس للاتحاد السوفياتي، أو شيوعيون، أو متعاطفون مع الشيوعية. لقد تلبس مكارثي بعقدة الشيوعية فعمل على محاربتها بعدة أساليب منها:

– تشكيل لجان تحقيق لطرد العناصر المشكوك في ولائها من الأجهزة الحكومية.

– استحداث ملفات وإعداد تقارير لتحديد نسبة ولاء الموظفين.

– وعلى المستوى الوطني ارتكزت المكارثية على عقدة الشك، فالمواطن مشكوك في ولائه، لذلك وجب تكثيف أجهزة الرصد وغرس عقدة الخوف من خطر داخلي وخارجي. وامتدت ملاحقاته إلى رجال الكنيسة البروتوستانت متهما إياهم بالشيوعية، وشكل لجان تحقيق لمساءلة كبار ضباط الجيش، متهما وزير الدفاع في عهد ترومان وهو جورج مارشال بالخيانة ومساندة الشيوعية. ومن المعروف أن مارشال قد حاز جائزة نوبل للسلام لكونه مهندس مشروع مارشال الشهير. كما اتهم الرئيس الأميركي هاري ترومان بالتحالف مع الشيوعيين، واتهم الحزب الديمقراطي بالخيانة. وحتى عندما فاز الرئيس الجمهوري آيزنهاور بالرئاسة العام 1952 لم يتورع مكارثي عن اتهام الحكومة بإيواء عناصر غير موالية في أجهزتها.

الأدوات المكارثية لتحقيق الأهداف:

– تضخيم الخطر وصناعة الخوف (SCAREMONGERING):

إن التعاطي مع هذا الأسلوب يؤسس لثقافة الخوف (Fear Culture). ويرجع المختصون أهداف هذه السياسة للتأثير على طريقة تعاطي الأفراد مع بعضهم بعضا، ويعتبرونها سياسة متعمدة ذات أبعاد تاريخية.

يقول نعوم شومسكي إن صناعة الرعب لا تخرج عن نطاق الرغبة في السيطرة على المجتمع باستغلال مصادر المعلومات لتبرير سياسات داخلية وخارجية لتشتيت تفكير الناس عن قضايا ملحة كالفقر والبطالة والتلوث وانتشار الجريمة والفساد. ولنشر ثقافة الخوف، كما يرى الخبراء، عدة أدوات ووسائل منها:

أ‌ – تزوير المعلومات ونشر الشائعات، كالشائعة التي انتشرت لدينا أخيرا عن معسكر للتدريب على أعمال الإرهاب في مزرعة بني جمرة ومخازن الأسلحة في المآتم.

ب‌ – تحويل حادث فردي وتصويره وكأنه وباء اجتماعي (Social Epidemic).

ج‌ – وصم الأقليات أو فئات معينة في المجتمع بصفات غير محببة كنعت فئة من المواطنين بالصفوية أو وصم المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية بالإرهاب.

د‌ – تلفيق كامل للحقائق والوقائع كاتهام مكارثي لرجال الكنيسة البروتوستانتية بالشيوعية أو الحديث عن هلال شيعي، أو إطلاق كلمة شهيد على دكتاتور غزا جيرانه وحرق آبار النفط وأطلق الصواريخ على من عاضدوه في وقت الشدة، ونقل بلده إلى العصر الحجري، واعتبار ذلك من إنجازات عهده التي يستحق الثناء عليها.

هـ – احتضان العناصر المحافظة التي ترفض مبادئ التسامح والعدالة وترفض التغيير، وتسهيل أحكام سيطرتها على السلطة التشريعية والمصالح الرئيسية والمؤسسات الحكومية كما فعل مكارثي بتشكيل لجان تحقيق لكبار المسئولين في الإدارة الحكومية المعارضين لسياسته لإزاحتهم وإحلال المحافظين محلهم، وكما عمد المحافظون الجدد في إدارة الرئيس ريجان والرئيس الحالي جورج بوش للسيطرة على الكونغرس والإدارة الحكومية، وتعاون الإدارة الأميركية مع طالبان في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي. وهناك مؤشرات قوية على تعاونها مع قوى الإرهاب والقتل في العراق.

و ‌- اعتماد أسلوب التشهير بالمعارضين، ووصف الكونغرس حملات التشهير التي اعتمدها مكارثي بالكارثية لأنها دمرت الحياة الوظيفية لكثير من المواطنين حتى تردت الأوضاع في أجهزة الدولة التي تدهور أداؤها وانحدرت معنويات العاملين فيها، وقد وصف مسلسل تلفزيوني وثائقي العام 1954 المكارثية بما يأتي:

صناعة عقدة الشك:

– المعنى اللغوي للعقدة (Complex) هو التداخل العشوائي للأجزاء لدرجة الإرباك وصعوبة متابعتها وفهمها. والشك نقيض للثـقة، والثـقة كما يقول جيري مون في محاضرته بعنوان «الثـقة والشك في الحياة السياسية»، هي رديف للتسامح والمساواة السياسية التي تعتبر ضرورية للحياة لأنها تعطي الفرد الأمل وتجنبه القلق من تهمة عدم الولاء أو الخيانة. فالانغماس في الشك يعني التدقيق المكثف والمستمر في خلفية الغير وخصوصياته قبل الدخول معه في عقد اجتماعية. ويضيف مون أن عقدة الشك مرتبطة بالشعور بالحرمان حين تتمتع مجموعة معينة في المجتمع بمزايا كثيرة تفوق استحقاقاتها، فتشعر الفئة المنقوصة حقوقها بالتهميش لوجود معايير معينة يشجعها رجال السياسة لغرض الحصول على اتباع ومناصرين. من هنا تكون الثـقة سهلة الكسر (Fragile) تحت سطوة السياسين، ويحفز فقدان الثقة الدعوة لنيل المساواة والمطالبة بالحقوق ضمن عقد اجتماعي. ويربط البرفسور مون بين الثـقة والشفافية، فالثـقة تتعزز عندما تتضح الحقائق للرأي العام في حين يتعزز الشك بالغموض وغياب الحقائق. ولولا الشفافية والمكاشفة وحرية التعبير لما انحسر زيف المكارثية. وبالمثل فإن الانفتاح الذي تمخض عنه مشروع الإصلاح في مملكة البحرين أناط اللثام عن كثير من التجاوزات والانتهاكات والملفات الرامية إلى تشطير المجتمع وتخريب نسيجه.

المكارثية الجديدة

على رغم انحسار المكارثية وانحصارها في بلد منشئها لحين من الزمن فإن المحافظين الجدد عملوا على تصديرها إلى دول أخرى مستغلين الفراغ السياسي وفجوات الاختلاف ونزعة التطرف وغياب التسامح لدى البعض، ليجعلوا الجار يغزو جاره لتنفيذ مخططات التقسيم. ويجند المحافظون الجدد مراكز البحوث التي يحلو للبعض منا تقليدها بابتذال وسذاجة. ومن هذه المراكز معهد أميركان انتربرايس والتي ننصح اليائسين والمخدوعين من مواطنينا بالنأي بأنفسهم عنها مهما بلغ بهم اليأس. فدور هذه المعاهد لا يخرج عن أهداف المحافظين في نشر ثقافة الشك والخوف تمهيدا للاحتراب والتقسيم والهيمنة.

إن المكارثية تطل علينا برأسها بين فئة وأخرى وفي كثير من بقاع العالم. ونتائجها واحدة وهي نشر البلبلة والفوضى وثقافة الخوف وتمزيق نسيج المجتمع.

وفي منطقتنا تطل علينا أفكارا وممارسات تلبسها مس من المكارثية ولكن بشكل جديد، فنراها تستحضر الجانب السلبي من تاريخنا وتضخم أخطارا من هنا وهناك وتخرج لنا بتوصيفات جديدة، وتنشر أفكار ومقولات أعداء الأمة على رغم ادعائها محاربتها، وتدعو الله أن تنشب حربا في منطقتنا متقمصة بذلك روح شمشون الجبار، وتتاجر بتقارير تسميها استراتجية وذلك في هلوسة فاقت أفكار وممارسات غلاة المكارثية الأوائل.

لقد هلك مكارثي بعد أن أدمن الخمر وتخلى عنه حلفاؤه ومعاونوه، وبعد أن استنفذ أغراضه. إلا أن عناصر المحافظين الجدد في كل بقعة من بقاع الأرض مازالت تتقمص روحه الشريرة التي تحوم كالأطياف حولنا، وتساعد بجهل على تمزيق أواصرنا وتمكنه من مستقبلنا وحاض

  1. ى رحابة صدر الاستاذ سعيد يقطين لأقول إنّ ما قتل الإبداع العربي وأثار فيه الفوضى هو أقوال مثل قوله (إن غياب النظرية، وعدم الخضوع للقواعد، وتغييب الميثاق الروائي، كل ذلك ساهم بدور كبير جدا في تحول الرواية إلى عالم غير محدد ومضبب وغير دقيق)، الإبداع يا أستاذ سعيدلا يحتاج إلى نظرية لتُصادق على إبداعيته، الإبداع لا يزدهر إلا في عالم غير محدّد ومضبّب وغير دقيق”، بل إن النظرية تأتي بعد الإبداع وتحتاج إليه لتُثبت صدقيتها. وإني أضيف إلى هذا قولي إنّه لئن كان قَدَرُ النصّ الإبداعي ألاّ يُنظر إليه إلاّ من جهة انتمائه إلى جنسٍ أدبيٍّ أو نوع ذي شروط مرسومة سلفا، وهو قَدَرٌ فرضه نُقّادٌ ذوو وعيٍ تجميعيّ مدرساني يحكمه واجب ردّ المفرد إلى الجماعة وتذويبه فيها (وهذه قضية تتجاوز الأدب لتُلقي بظِلالها وضَلالها على مسائل فكرية كثيرة)، فإنّ الجنس الأدبيّ لا يوجد في النص إطلاقًا، ولا توجد فيه القِيَمُ الإنسانية والمعاني التي يتغيّى النص إبلاغها للقارئ، وإنما هو يوجد بالنصِّ، لأنّه كلٌّ مكوَّنٌ من صفات أجزائه، ومن ثمة فلا يوجد في النصّ إلاّ النصُّ الفردُ/نصُّ الفردِ الذي له كينونته الثقافية الخاصّة. وإذا كان يصعب الحديث عن جنسٍ أدبيّ دون نصوصٍ يُبنى عليها وتُردُّ إليه، فإنه من الممكن أن نتحدّث عن نصٍّ دون ردّه إلى جنسٍ مّا، ذلك أنّ أكبر النصوص هي تلك التي اخترقت جدران أجناسها وأنواعها وتحرّرت منها، ذلك أن وظيفة الجنس الأدبيِّ ليست إلاّ تدجينَ النصِّ وتطويقه (الخضوع للقواعد كما يقول الاستاذ سعيد) ، بينما من وظائفِ النصِّ أن يُغني الجنسَ الأدبيَّ وأن يحلم بالتمرّد عليه في الآن نفسه. ووفقا لهذا الأمر وجب على القراءة تخفيف ثِقَلِ نظام الجنس على رعاياه النصوص، بل لعله وجب عليها هدم الأجناس على حدّ قول بارت في حديثه عن نظرية النص، والانصباب على النصّ بحثا فيه عن قِيَم الإنسان في تواصله مع ذاته ومع الآخر بعيدا عن إكراهات التقعيد وشكلياته. شكرا لرحابة صدرك أستاذي.

    Reply

  2. من المصادفات الغريبة أني كنت مع أحد الزملاء في لكلية أمس نتحدث في هذا الموضوع وتفريعاته كما عرضها الدكتور هنا وكنت أهم بكتابة مقال عنه.. جميل ومهم ما يطرحه الدكتور يقطين.

    د. ثائر العذاري

    Reply

  3. مقالة جديرة بالقراءة حقاً : بشكل عام فإنّ النصّ السردي القصصي كنوع من الجنس الأدبي يعني القصّة الشفوية أوالمكتوبة ؛ والتي تقوم بنيتها العامة على سرد حكاية ؛ تقدّم على أنها متخّيلة ؛ أو أنّ أحداثها واقعية…فهوخطاب لغوي مداره على السرد النثري ؛ ووظيفته المرجعية تظلّ هي الغالبة على النصّ…بسبب حركية الشخصيات الرّوائية ضمن سيرورة الزمان والمكان…فهي الأقرب إلى السيرة الذاتية ضمن الميثاق المرجعي.أما الميثاق السردي فهونوع من العلاقة الصريحة أوالضمنية التي تعقد بين المؤلف الكاتب والقاريء الواعي ؛ وبين الرواي والمرويّ له من جهة أخرى.من هنا نفهم الميثاق الرّوائي الذي أشرت إليه سيدي الدكتورسعيد يقطين؛ ففيه تأكيد على انتماء النصوص إلى الرّواية ؛ ورفض اعتبارها سيرة ذاتية…وبالتالي يكون الميثاق الرّوائي غيرمباشرفي تقريريته…ومن هنا أيضاً فإنّ أهمّ مكوّنات الميثاق الرّوائي خلوه تماماً من ( المونولوج ) السردي بصيغة ضميرالمتكلم…والمونولوج على حدّ تعبيرالمدرسة الرّوائية الروسية ؛ هوالصوت الداخلي للرّواية ؛ متى ما استيقظ بنشاط الهمّة ؛ استيقظت جميع الأدوات للعمل السردي ؛ من دون كسل التنابلة.مع التقديرلكاتب المقالة

  4. كتب أحمد ضحية – لا يمكننا – في ظني الخاص- الحديث عن :”ثورة السودان المرتقبة” , دون التعرض لمصدر إلهام أساسي  للثورات السودانية, كالمصدر الذي  مثلته ثورة علي عبد اللطيف ورفاقه , الموسومة ب: اللواء الأبيض أو ثورة 1924,أي بعد ثورة سعد زغلول في مصرعام 1919بخمسة سنوات فقط!.

    وهنا في سيرة مصر ,لابد من الإشارة إلى شعار وحدة وادي النيل, في سياق الحديث العام – الذي سيأتي لاحقا -عن ثورة اللواء الأبيض , إستنادا لرؤية دكتور محمد سعيد القدال في كتابه : “تاريخ السودان الحديث”.

    لكن – إبتداء تجدر الإشارة هنا إلى ما أسترعى إنتباه – دكتورة يوشيكو كوريتا  وهي تتوقف طويلا أمام دلالة اللون الأبيض, وما تمثله بالنسبة لحركة اللواء الأبيض ,التي أتخذته شعارا لها, بما يمثله من إلتباس وتعقيد, لا يقل عن إلتباس وتعقيد شعار”وحدة وادي النيل” .

    في السياق نفسه نؤشر على  دراسة أخرى مفيدة , هي دراسة دكتور الباقر العفيف:”متاهة قوم سود في ثقافة بيضاء”,والتي إهتمت في أحد جوانبها ,بالبحث في النظام الدلالي العربي ,حيث ركز العفيف على دلالتي أبيض وأسود, لفهم  – في التحليل النهائي – طريقة عمل العقل السوداني بمعنى (مجموعة تيارات الفكر  والثقافة الأساسية وروافدها) .

    فثورة اللواء الأبيض بهذا المعنى, هي محاولة للتخلص من أزمة الهوية الوطنية , كما هي الجذر  العميق لثورة أكتوبر 1964وأبريل 1985 , بل ولا نبالغ إذا زعمنا أنها تتصل بظروف السودان الحالية ,التي أفضت إلى إنفصال الجنوب, لذلك يبقى الحديث عن أي ثورة مرتقبة , رهين إستيعاب متناقضات هذا التاريخ الممتد من 1924 حتى الآن , والإجابة عن تساؤل: هل تجاوزنا فعلا كسودانيين متناقضاتنا المتعلقة بالهوية,أم بعد لازلنا نراوح مكاننا؟!.

    فهذا هو الأفق الإستشرافي العام – حسب فهمي – ,لما أشارت إليه الباحثة اليابانية  يوشيكو كوريتا  في كتابها :”علي عبد اللطيف وثورة 1924- بحث في مصادر الثورة السودانية- مركز الدراسات السودانية ,القاهرة,1997″. وهو أفق إستشرافي ,لم يغب عن ورقة الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي “الإنتفاضة المصرية وعيوب معارضتينا القديمة والجديدة” رغم إختلاف المنطلقات ..

    إذن أشارت كوريتا في هذا الكتاب إلى ثلاثة قضايا : 1- مفهوم الوطنية عند علي عبد اللطيف.2- دور العناصر الزنجية المنبتة قبلياً ,في المجتمع السوداني بين عشرينات وأربعينات القرن العشرين .3-  حياة علي عبد اللطيف نفسه.

     ويشير هنا دكتور محمد سعيد القدال في تقديمه لكتاب يوشيكو كوريتا إلى أنه :” يجب أن نبدأ من إدراك تناقض الحركة الوطنية,وليس فقط بتمجيدها, إذا أردنا التفكير بجدية, في مسألة الوطنية”.

    وتشير كوريتا والقدال, أن عناصر حركة اللواء الأبيض , بإعتبارهم: ينحدرون من العناصر الزنجية.. أولئك الذين تحرروا من الرق، والذين تعود جذورهم إلى قبائل جنوب السودان وجبال النوبة – وربما هوامش السودان الأخرى- و استقروا في مجتمع شمال السودان ,بعد أن فقدوا جذورهم القبلية الأصلية ,من طول إغترابهم في الشمال، فلا روابط قبلية, ولا تقاليد ولا مهن يركنون إليها.. تكوّن لديهم حس قومي , ولذلك عندما أحس البريطانيون أن جرثومة القومية السودانية ,موجودة بين تلك العناصر، بينما الإنتماء القبلي بين أهل الشمال يصطدم بشكل مباشر, مع المشاعر القومية، ويقف حجر عثرة, أمام إنصهار أهل السودان في بوتقة الأمة. فأتخذوا على هذه الخلفية – الإنجليز – الكثير من الإجراءات ,التي عقدت مشكل الهوية في السودان,فيما بعد.

    يحاول  القدال أيضا لفت الإنتباه :إلى ما أثار إهتمام الباحثة  اليابانية يوشيكو كوريتا ,بعلي عبد اللطيف ورفاقه. مشيرا إلى ممارسات الإحتلال البريطاني , الذي كان يعاقب بالجلد  كل من “يكتب في شهادة ميلاده أنه “سوداني” ,ومع ذلك لعبت تلك العناصر ذات الأصل الزنجي, دوراً قيادياً وبطولياً في أحداث 1924م، مثل علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ وزين العابدين عبد التام”.

    تقصت كوريتا إذن دور هؤلاء “المنبتين”, في المجتمع السوداني ,وصولا إلى ظهور الكتلة السوداء ,فى أربعينيات القرن العشرين، وتواصل جهدها إلى إنفجار مشكلة السودان في الجنوب ,بشكلها الدرامي المأساوي!.ليعاد إنتاج نفس المشكلة السودانية في دارفور,لاحقا!

     تكمن أهمية بحث يوشيكو كوريتا في ثورة 1924 في كونها” أخرجت القضية (قضية الزنوج السودانيين,هؤلاء الذين يعج بهم الهامش)من هامشيتها الإجتماعية , الى مركز الصراع الاجتماعي. وكما يشير القدال أنه ليس بالإمكان, أن ينصهر السودان ليصبح أمة، ما لم يتلاش الحاجز ,الذي يطل من فوق أبراجه العالية, أهل الشمال على العناصر الزنجية, بإعتبارهم عبيداً، بينما العبودية عبر التاريخ في مفهومها :”وضع اقتصادي اجتماعي وليست صفة عرقية ملازمة للعناصر الزنجية”.هذا الفهم الإجتماعي الشمالي – بالطبع دون تعميم – المتخلف .هو ما دعا أحد قادة الإسلام السياسي في الخرطوم يقول ما معناه :أنه من الشرف للغرابية أن يغتصبها جعلي – هذا ليس إغتصاب.. عندما أتهمت الحركات المسلحة في دارفور , جيش شمال السودان بإغتصاب النساء , فمرجعية الرجل هنا : ما ملكت إيمانكم ,التي تضرب بجذورها في الوجدان الثقافي العربي, و التي إنبنت على السلب والنهب والغزو,كسلوكيات إجتماعية سابقة للإسلام)

     تحدثت الباحثة  يوشيكو كوريتا أيضا ,عن بروز تيارين بين دعاة الوطنية السودانية الأول : بقيادة الزعماء الدينيين وزعماء القبائل، وهم الذين قوّى البريطانيون من شوكتهم، فملكوا الأرض وارتبطوا بمشاريع القطن، وقالوا بتفويض السودانيين للبريطانيين للتحدث بإسم السودان.

    وقادت جمعية اللواء الأبيض التيار الثاني. ومن أجل فهم هذا التيار، ترى الباحثة اليابانية يوشيكو كوريتا ضرورة تحليل العلاقة بين جمعيتي الاتحاد السوداني واللواء الأبيض. وناقشت في هذا السياق, الأسباب التي أدت إلى إنقسام جمعية الإتحاد السوداني، وبروز جمعية اللواء الأبيض، وإختلاف وجهة نظر الجمعيتين بشأن وحدة وادي النيل. وخرجت من تناولها عن ما كان سائداً حول ذلك الخلاف.

     ثم تناولت مفهوم الوطنية عند علي عبد اللطيف. ولأنه من أصل غير شمالي، فقد كان حريصاً على أن تكون الأمة السودانية موحدة, تضم أهل الشمال والجنوب. وترى أن هذا الفهم يطرح سؤالاً حول قبول علي عبد اللطيف في جمعية الاتحاد السوداني, التي يقودها عبيد حاج الأمين كممثل لتيار عروبة السودان وتوحيده مع مصر,بشكل من الأشكال.

    وقبيل استقلال السودان وجد التعبير السياسي ,لتلك العناصر آخر مظهر له, في جمعية الوحدة السودانية (1942)، ثم خلفتها الكتلة السوداء (1948) وتحولت تلك العناصر بعد ذلك, لتصبح جزءاً من الطبقة الوسطى في المدن.

    ومنذ بداية الخمسينات من القرن العشرين، إنتهى دورهم كقوة مؤثرة سياسياً، وتحوَّل الصراع إلى صراع بين الشمال والجنوب. وتواصل بروز هذه الكتلة السوداء ,خلال الأنيانيا , وغيرها من القوى الجنوبية, وصولا إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان.. كما برز أيضا هذا التواصل خلال الحركات الدارفورية : سوني,اللهيب الأحمر ونهضة دارفور, وصولا للحركات الدارفورية الراهنة.. مثلما تواصل مع حركات جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق,إلخ..

    ثورة  اللواء الأبيض إذن: تمثل وعيا جنينيا بالهوية الوطنية والقومية السودانية , التي تطلعت إلى ما فشلت فيه المهدية, كثورة دينية تتسم بضيق الأفق بسبب دعاويها , فبعد إنتصارات الثورة المهدية تحول الجهادية السود, الذين كان قد إسترقهم الأتراك والمصريون, وكونوا منهم قوة عسكرية , إنضم هؤلاء الى الصفوف المقاتلة للثورة المهدية , ولعبوا دوراً حاسماً في حروبها الداخلية والخارجية. لكن مع ذلك ظلت علاقة المهدية بالقبائل الزنجية غائمة ,وتأرجحت بين ما سماه دكتور محمد سعيد القدال : «الإنتماء والإغتراب». (في دراسته عن علاقة الدولة المهدية بجنوب السودان في كتاب “الإنتماء والإغتراب”.

    نلاحظ هنا أن تناقض المهدية, تمت إعادة إنتاجه في العلاقات الداخلية للحركة الإسلامية – مثلما تمت إعادة إنتاجه من قبل في العلاقة ما بين كيان الأنصار وحزب الأمة ,او الختمية والحزب الإتحادي , من جهة الطائفة وكذلك داخل الحزب بأشكال مختلفة – لكن ما يهمنا هو الموقف المعاد إنتاجه في الحركة الإسلامية .. أعني موقف الشماليين داخلها من الدارفوريين ,الذين لعبوا دورا حاسما في حربها ضد الجنوب ,والتمكين لأركان المشروع الحضاري, ومع ذلك ظلت علاقة الشماليين داخل التنظيم وفي أجهزة الدولة, علاقة مرضية يشوبها الكثير من الإستعلاء والتهميش والصلف ,ما ترتب عليه بالنتيجة المفاصلة الشهيرة و قرارات 4 رمضان. ونهوض عدد من الحركات المسلحة في دارفور, التي لأول مرة بعد الحرب الأهلية في  ثمانينيات القرن الماضي تجترح أفقا ثوريا جديدا  يتجاوز أفكار الأهلية والقبلية والإسلام السياسي , كما هو الحال في حركة  داؤود يحى بولاد التي إرتبطت بالحركة الشعبية . كحركة دارفورية ذات وعي مبكر ,يتجاوز أسوار العنصرية والقبلية والإستعلاء,مرورا – لاحقا – بحركة عبد الواحد محمد نور, فخليل إبراهيم .

    ونلاحظ هنا أن تجربتي بولاد وخليل , إنتقلت من خانة الحركة الإسلامية,إلى خانة الحركات المسلحة, إنتقال علي عبد اللطيف من الإتحاد السوداني ,وهي تجارب تتقاطع بدورها مع تجربة الزعيم قرنق ,فهؤلاء جميعهم يشتركون في أفريقيتهم السوداء,المنبنية على الحقيقة والمصالحة,والمشاركة في وطن واحد موحد,تحكمه المواطنة التي تجمع فسيفساء تنوعه , وتعدده , وتباينه في إطار واحد .

    خلاصة القول هنا , يتمثل في أن أي ثورة مرتقبة, مالم تصلب تناقضاتها الذاتية كمشروع ثوري ,يتجاوز سجون القبلية والعرقية والطائفية والمذهبية والإسلام السياسي والحزبية, هي ليست ثورة بقدر ما هي إعادة إنتاج ,لأزمات السودان , في الوقت الذي يتجاوز فيه المجال الثقافي العربي – الذي ينتمي إليه جزء مقدر من شعبنا السوداني  – الآن هزائمه التاريخية , ليتمخض عن روح ثورته العربية القديمة !..

     في تقديري لو أعدنا قراءة تاريخنا منذ ثورة 1924 حتى الآن, ربما سيكون بإمكاننا إنجاز ثورة لا تشوبها أمراض ثوراتنا السابقة , التي كما يؤكد الصاوي نفسه , أن صناعها  – اي صناع أكتوبر وأبريل , وازيد هنا صناع الإستقلال نفسهم – هم من إنقلب على معني الإستقلال ومعنى الثورة .

    ثورتي: أكتوبر 1964- أبريل1985:

    ثورة أكتوبر  لا تختلف كثيرا عن ثورة أبريل, في الأسباب والمآلات  أوالمصائر , فالأولى منذ نشوبها حتى الآن ,ظلت مصدر خلاف كبير في تقييمها , بسبب الإنجازات الإقتصادية للفريق عبود ,وهي إنجازات ينطبق مثلها على حكم النميري , في الوقت الذي تفتقر فيه الحكومات التي ترتبت على ثورة أبريل ,لأي نوع من الإنجازات,بل ساهم خطلها وتآمراتها ومنافساتها, في تعقيد أزمات السودان!..

     وكلتا الثورتين: أكتوبر وأبريل كانتا”حركتين سياسييتين ضد نظامي  17 نوفمبر 1964العسكري الإستبدادي الذي حكمه إبراهيم عبود,و ونظام 25 مايو 1969 العسكري الغاشم  الذي حكمه نميري, الفرق بين أكتوبر وأبريل أنه في أكتوبر سلم الفريق إبراهيم عبود سلطاته لجبهة الهيئات..  لكن في أبريل خلع الشعب الرئيس نميري, الذي كان مسافرا .ولو كان موجودا- لأن المصريون نصحوه بالبقاء في مصر , رغم إصرار الرجل على الرجوع –  لطارد نميري الشعب زنقة زنقة,كما سيفعل البشير لاحقا, فأمثال نميري والبشير وعلي عبد الله صالح والقذافي, الذين إما تربوا على أيدي عبد الناصر,أو تأثروا بتجربته لا يتنحون! .. وكلتا الثورتين رفعتا شعارات : الإضراب السياسي-العصيان المدني-الإنتفاضة الشعبية الشاملة.

    نتج عن ثورة أكتوبر إذن ,قيام حكومة قومية برئاسة سر الختم الخليفة ,قوامها الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات, التي أشعلت الثورة ,التي ترتب على نجاحها (ثورة اكتوبر)قيام إنتخابات عامة في البلاد بعد أشهر قليلة,أفضت هذه الإنتخابات إلى فوز القوى الطائفية(الإتحادي والأمة) بشكل رئيسى, ودخل الشيوعيون والأخوان المسلمين البرلمان!.

    وهو الأمر نفسه الذي حدث ,بعد أن سلم المجلس الإنتقالي لسوار الذهب,السلطة للأحزاب ,بعد نجاح ثورة أبريل 1985, إذ ترتب على إنتخابات 1986 فوز القوى الطائفية مرة أخرى, إلى جانب الجبهة الإسلامية القومية , وإنحسار نفوذ اليسار بصورة مريعة,إذ دخل البرلمان على إستحياء!. وهكذا بدأ واضحا للمرة الثانية ,أن شعارات أبريل الثورية التي تدعو للتغيير, ستلحق أمات طه , وأمات طه هن شعارات أكتوبر المجيدة.

     فالطائفية  وقوى الإسلام السياسي ,في كلتا الثورتين(أكتوبر وأبريل) تمكنت من إجهاض روح الثورة , إذ لم تتمكن لا حكومة أكتوبر أو أبريل ,من حل مشكلة الجنوب .فالتمرد الذي كانت ضراوته قد خفت بعد مؤتمر المائدة المستديرة  إبان أكتوبر ,عاد من جديد أشد ضراوة ,حيث لم تستطع القوي السياسية ,التي إستمرت بلجنة الإثني عشر ,أن تضع نهاية سعيدة لمشكلة الجنوب ,رغم تطورها للجنة  تضم كل الأحزاب, فاللجنة القومية للدستور,التي وضعت مشروع دستور 1968 إلى أن  جاء انقلاب 25 مايو1969,وقلب نميري الطاولة ,على رؤوس – الأشهاد – الجميع بدء باليسار مرورا بالطائفية وقوى الإسلام السياسي, وهكذا تم وضع حد ,للتطور السياسي والدستوري السلمى ,مرة أخرى ,فدخلت البلاد من جديد ,فى دوامات أشد تعقيدا من العنف والعنف المضاد,الذي لم يهدأ إلا قليلا إثر إتفاق أديس أبابا 1972, لتفجره قوى الإسلام السياسي والنميري في 1983,مرة أخرى ,وهكذا أصبح  من الواضح (بالتكرار) أن السودان يدور في حلقة مفرغة من ديموقراطية إلى إنقلاب, أو ما أسماه المفكر السياسي الراحل الخاتم عدلان ب”الحلقة الجهنمية” أو “الشريرة” .

    إذن التمرد الذي وعدت قوى أبريل بالتوصل معه لحل جذري ,فشلت في الإيفاء بوعدها. بل أجهضت(بعض قوى أبريل) في إطار التنافس الحزبي كل المبادرات البناءة , وأتهمت قوى كوكادام (أبريل 1994),والتي تمثلت روح أبريل في مؤتمرها ,أتهمتهم الطائفية بالعمالة للغرب(مبارك الفاضل تحديدا بصفته وزيرا للداخلية), فقط لأن إعلان كوكادام قدم رؤية بناءة ضد التمييز والإستعلاء والتهميش ,ما يتعارض مع العقل الإستبدادي المتخلف للقوى السياسية القديمة , التي يمثلها مبارك الفاضل!

    ولم تكتفي طائفية أبريل بالفشل في حل مشكلة الجنوب, بل فتحت حربا جديدة في دارفور,أسهم فيها فضل الله برمة ناصر عن حزب الأمة- وكوزير للدفاع , بتسليح العرب ضد القبائل السوداء, التي “يدلعها” حاج وراق والمؤتمر الوطني بإسم آخر : قبائل الزرقة, كذلك أسهمت ليبيا في هذه الحرب ,التي فقد فيها السودانيون في دارفور- في الحقيقة – أخوتهم وأبناء شعبهم ومساكنيهم. ما فتح البلاد على حروب عديدة, كل منها تلد حربا أشد ضراوة من سابقتها .

    فشل ثورتي  أكتوبر وأبريل في حل مشكلة الجنوب- في تقديري- يعود للمشكلة الأساسية, التي مثلت مصدرا لثورة 1924 ,إذ لم تتحقق أية خطوات ملموسة تجاه الوحدة الوطنية أو الهوية الوطنية, كمدخلين لا غنى عنهما ,في بناء الدولة التي حلمت بها بعض قوى أكتوبر , كخطوة صحيحة ,في إتجاه بناء الدولة السودانية الوطنية القومية .

    بمعنى الدولة التي تتبنى شعارات الثورات الحقيقية ك: الإخاء والمواطنة والحرية والديموقراطية , والتعليم المدني والمساوة والعدالة الإجتماعية والتنمية (لأنه في الحقيقة القوى السياسية الإسلاموية والطائفية ,تستخدم الدين كرأسمال رمزي لأجل مصالحها المادية, هذا كل شيء .. وبطبيعة الحال  تعامل قوى السودان القديمة , مع هذه الأمور بمبدئية سينسف مصالحها , لذلك ما ينبغي عليها فعله في كل مرحلة للحفاظ على مصالحها  هو : تغويض الثورات الحقيقية وإفراغ شعاراتها من محتواها الفعلي كثورات تتطلع لغد أفضل)  كشعارات تقدمية, نقيضة للإستعلاء والتهميش,إذ لم يكن ممكنا ,تحقيق مثل هذه الشعارات لتصبح واقعا ملموسا ,بسبب التوجهات الطائفية العروبية الإسلاموية الصرفة ,على حساب أفارقة السودان ومسيحييه وكجورييه,وعدم إحترام هذه القوى لواقع التعدد والتنوع.

     في تقديري الخاص أن غياب هذه المفاهيم عن القوى الطائفية والإسلاموية – أو تغابيها عنها عمدا – أدى لفشل الوصول إلى حل  لمشكلة الجنوب ,كمشكلة تمثل تعبيرا صارخا عن أزمة الهوية الثقافية والحضارية للسودان,بالتالي سقط المشروع الثوري لأكتوبر ,قبل أن تسقط حكومة أكتوبر نفسها بإنقلاب مايو 1969.ومثله سقطت شعارات ومشروع ثورة أبريل للأسباب نفسها, إلى جانب العوامل الأخرى كالإقتصاد والفساد,إلخ..

    ثم جاءت الجبهة الإسلامية بإنقلاب – بمعنى أن الجبهة الإسلامية هي الطليعة المقاتلة والمتقدمة للرصيد الطائفي والإسلاموي – عسكري في 30 يونيو 1989 ,على أنقاض الديموقراطية الطائفية, لتبلغ المنتهى بأحلام وأوهام وأشواق الطائفية ,وقوى اليمين الأخرى والقوى العروبية الإسلاموية عموما وما تتمثله من مفاهيم إستبدادية وديكتاتورية متخلفة: من إستعلاء وتهميش وفساد,وعدم إحترام لمفهوم الديموقراطية وقيمة المواطنة..

     فأفرجت بذلك عن كل ما هو كامن في الطائفية, وبلغت به أقصى حدوده, فكل ما كان ثاويا في وعي  هذه القوى– أو لا وعيها الثقافي- ولم تصرح به أفرجت عنه – نيابة عنها-الجبهة الإسلامية ,فوصلت بأزمات السودان إلى منتهاها , حيث يبدو الآن ,طريق العودة إلى نقطة البداية صعبا ,مالم تقم ثورة حقيقية -هي الثورة ذاتها التي نأمل أن تكون هي من نترقب!- تتمثل قيم التغيير التي تنطوي عليها الثورات الحقيقية, كالثورة الفرنسية مثلا.. أو مبتدأ لعصر تنوير سوداني كما يدعو أستاذنا الصاوي ..

    نعود إلى الأسئلة التي طرحناها في الحلقة الأولى  من هذه السلسلة, التي أشرفت حلقاتها على الختام ففكرة هذه السلسلة, ترتكز بصورة أساسية على فرضية أن الإنقلابات التي تلت الحقبة الناصرية, لم تتمكن من تغيير نظم الدول – التي أرسيت دعائمها بإستلهام الناصرية – التي عنت  بها هذه السلسلة ممثلة في (تونس التي تأثرت بأساليب البطش الناصري , على الرغم من عدائها للناصرية -,مصر,ليبيا,العراق,والسودان) , بل كانت تلك الإنقلابات بمثابة إعادة الإنتاج لتجربة “الضباط الأحرار” والحقبة الناصرية !..

    وأن الإنهيارات التي تحدث الآن في هذه الدول المشار إليها ,والتي أرتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسطوة الناصرية ,بمثابة الكنس لما تبقى من آثار الناصرية ؟ بمعنى مشابه للإنهيارات التي تخطت حدود الإتحاد السوفيتي, إلى شرق أوروبا,مسقطة لا المعسكر الشرقي فحسب بل هدت حتى جدار برلين على رؤوس مشيديه, معلنة ميلاد نظم سياسية جديدة! في العالم..

     لكن ,ربما يحدث العكس بأن تعترضها ردة إلى الماضي(كما رأينا في الإنقلابات على أكتوبر وأبريل),التي ذرت رياح الديموقراطية والتحرر وأحلام التغيير,بتسويق الطائفية وقوى الإسلام السياسي, للديموقراطية في هياكل النظم القديمة ! مع الإعتناء بتغييرات شكلية ,لا تتمثل جوهر فكرة التغيير والديموقراطية, اللتان تجتاحان المنطقة الآن!.. هذه المنطقة التي تلهث خلف التغيير , غاضة الطرف عن أجندة الغرب

العق​لية  التبريرية والفكر الماركسي


يستحق مقال الأخ حبيب عيسى 

أن يتحول في كل فقرة من فقراته إلى معايير نفهم ونحلل بواسطتها ما تكلم عنه ولم يشر إليه بالإسم .. محاولين الآن فهم الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية العربية كنموذج على ضوء فقرة من مقالة العقلية التبريرية للاستاذ حبيب عيسى ..

اقتباس: يقول الأخ حبيب :

(( لقد كانت النتيجة الأكثر بروزاً لمرحلة الامتحان الصعبة تلك ، أن أغلب المعتقدات الإيديولوجية والمنهجية والنظرية انتقلت من موقع المسلمات المقدسة التي لا يأتيها الباطل ، إلى واقع التساؤل والشك في مصداقيتها ، وإلى أي حد تصلح..؟ وإلى أي حد يمكن التمسك بها كعقيدة ثابتة ، وكمنهج صلب في تفسير الأحداث ؟ ، تلك الأحداث التي بدت في أغلب الأحيان وأنها تفرّ مسرعة من إطار مقدرة تلك المناهج والنظريات على التفسير والفهم بعد أن كان أصحابها يدعوّن إلى وقت قريب جداً أنها قادرة على تفسير كل شيء ، لا في عالم الكرة الأرضية ، وإنما في عوالم الأكوان كلها بمختلف مجراتها ، وربما أبعد من ذلك …! )) انتهى الاقتباس

سنحاول أن نسقط معايير هذه الفقرة على

الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية العربية / نموذجاً

كما نعرف جميعا انطلقت النظرية الماركسية من أن المادة أساس التطور وأنها في إطار القوانين الكلية (الحركة الدائمة والتأثير المتبادل والتغير المستمر) هي العامل الحاسم .. يحدث التناقض بين أدوات الإنتاج وعلاقات الانتاج فيحدث طفرة (تطور جديد) يكون الانسان فيه متلقيا تمر عبره الأوامر لينفذ ويؤسس طورا جديدا من التقدم .. البناء التحتي من أدوات النتاج يصنع البناء الفوقي من علاقات الانتاج بما في ذلك الدين والسياسة والفن والشعر …الخ .. ومن هنا كان التفسير المادي للتاريخ يمر بمراحله الخمس البدائية والرعوية والاقطاعية والصناعية ….. إلى المرحلة الشيوعية .

وحتى لا نغوص كثيرا في النظرية الماركسية ولكي نقترب من العقود القريبة حتى نلامس الواقع الحالي سنبرز طرق التفكير الماركسي الشيوعي في محاولة التصدي لتغيير الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي ..

لقد قدمت المادية نفسها كدين في مقابل كل دين من حيث تدري أو من حيث فسرت أن أساس الكون المادة فنفت وجود الله في مجتمع أغلبه مسلم فكان أول اصطدام لها مع المجتمع .. ثم وصفته بأنه الأسلوب العلمي في التقدم والتطور وفرزت على ضوء ذلك الناس والقوى السياسية بين تقدمي ورجعي يساري ويميني ثم انقسمت قواها بين يسار اليسار ويمين اليسار ويمين اليمين وكثرت التصنيفات بمقدار ما تعددت الآراء بين الماركسيين أنفسهم وبين المختلفين مع أفكارهم .. وكان اصطداما آخر فشل في أن يجد معيارا سليما علميا لمفهوم التقدمية ..

ولما كانت الماركسية تفترض طبقة البروليتاريا العمالية لتصنع التغيير كان لابد لها من نهضة صناعية مفقودة في بلاد جلها زراعي فاصطدمت مرة ثالثة بالواقع من حيث افتقدت أداتها البروليتارية وفق تحليلها فاتكأت على البرجوازية الصغيرة التي هي في رأيها متذبذبة منتفعة مترددة … وكان هذا الاستبدال بسبب غياب معيار الفرز الاجتماعي المبني على المصلحة << المصلحة العليا للأمة التي تتضمن مصلحة الجميع << وكان لهذا أسبابه إذ أن المصلحة القومية العليا لم تكن بعد قد بدأت تتفتح عند البعض بسبب الإنتماء الى أممية الخلاص الماركسي وكان هذا الاصطدام مع القومية العربية ..وهكذا بمقدار ما كانت تصطدم الأفكار الماركسية والأحزاب الشيوعية بالواقع الموضوعي كانت تتفتت فكرا وأحزابا .. إلى أن رأينا أن ادعاء علميتها وجدليتها لم يكن علميا وتحولت من المسلمات الأيديولوجية إلى سلة المهملات وعلى يد معتنقيها ومؤسسيها في الاتحاد السوفياتي سابقا .. بينما بدأت مراجعات جادة تولد عنها انتماء قومي للأمميين سابقا وانتباه شديد للتعامل مع الواقع وفق معطياته الموضوعية بمقدار ما اكتشفت تلك القوى أن منهجها العلمي هو بعيد عن العلمية بمقدار ما ابتعدت عن التبريرية في اسناد منهج خاطئ خذلها في التفسير والتغيير .. إن العقلية التبريرية عند الماركسيين كانت تعتمد على مسلمة (علميا خاطئة ) ويبررونها انتماء لها وتقديسا لفكرة في الأصل ميتافيزيقية

وإن مراجعة سريعة للتشتت الحزبي الماركسي وانقساماته ليلقي الضوء ميدانيا على فشل المنهج الماركسي الذي تم ترقيعه أو تغيير بناه وفق المجتمعات .. و الصين مثلا .. وبدلا من أن يغير الفكر الماركسي الواقع راح الواقع يغير معطيات الفكر الماركسي وشيئا فشيئا وحذفا وإضافة من الإنسان قائد عملية التطور يكاد يتلاشى الفكر الماركسي ليتكون فكر ماركسي جديد المواصفات لكنه محكوم بعقلية تبريرية هذه المرة تتقدم به نحو ايجابية التعامل الأفضل مع الواقع القومي عند بعض القوى الماركسية ..

بل نرصد تغييرا ابداعيا بغض النظر عن حجم اللقاء أو الاتفاق مع هذا الابداع الفكري الجديد الذي لايطرح فقط القومية العربية ملاذا وحلا بل يتناول الاسلام كحقيقة اسلامية يؤسس معها الهوية القومية (مثال ذلك بحوث الأخ الأستاذ زياد هواش) .. لنلاحظ بها من وجهة نظرنا انقلابا في الانتماء الماركسي نحو الإنتماء القومي آخذا بعين الاعتبار مكونات الأمة من جغرافيا وتاريخ ولغة.. إن العقلية التبريرية التي يطرحها حبيب عيسى نراها في بحوث الاستاذ زياد هواش عبارة عن تصحيح ابداعي يستلهم مبرراته فيما نرى من تقييم ناضج لتجارب الماضي وإرساء مفاهيم وقيم يتطلبها الواقع الموضوعي .. القومي والديني والعالمي ….. 

ختاما إن بحث كهذا لا تفي بالتعبير عنه في بضعة سطور لهذا سيظل البحث بحاجة الى مزيد من الدراسة والتحليل لالقاء الضوء على المدى الذي مازالت العقلية التبريرية تتحكم بالأفكار والأفعال سلبا وايجابا…

وإن نقد الفكر الماركسي على هذا الوجه يجب أن لا تخفى عنا نجاحاته حيث انتشر في العالم رغم ما قدمناه من نقد إليه … إنما نحب أن نؤكد أن نجاحات الفكر الماركسي كانت بمقدار الإجتهادات الفردية التي تجاوزته ولكنها بقيت تنشط تحت مظلته وهويته ..

للحديث بقية

حول الأحزاب والقوى السياسية العربية

__________________
… …. ….

ونقسم مرةً أخرى ..
بأن نقبض على التاريخ .. نصنعه .. نخرجه .. نقتاده نحو فجر الشمس .. فيشرق مرة أخرى
نحن العناوين لن تبقى يا وطني بلا عنوان

Technology is being used increasingly in the classroom and some people believe that educators will become Technology is being used increasingly in the classroom and some people believe that educators will become redundant. I somewhat disagree that teachers will be replaced by machines. 

The main reason why I think that teachers are essential is because they encourage and discipline students. Many people find it difficult to be interested in learning new things. Therefore educators are needed to make classes more interesting and stimulate students’ desires for learning. Also, in the case of young people, teachers often need to force students to learn through the use of punishments. 

Another reason why teachers are needed is because they can teach young people important skills and values. This is because educators serve as role models to their students and teach them how to appropriately interact with their peers. Therefore, if people only learn using machines they will lose the opportunity to learn important social skills and values.  

However, studying over the internet certainly offers a lot of convenience. First, we are able to study in the comfort of our own homes, without the need to commute to school. Second, we can choose to study at any time we like even in the middle of the night.  

In summary, I somewhat disagree that machines can replace teachers. This is because teachers can encourage students to learn and teach them how to interact with other people. Although, computers do offer the ability for people to learn anywhere at any time

. I somewhat disagree that teachers will be replaced by machines. 

The main reason why I think that teachers are essential is because they encourage and discipline students. Many people find it difficult to be interested in learning new things. Therefore educators are needed to make classes more interesting and stimulate students’ desires for learning. Also, in the case of young people, teachers often need to force students to learn through the use of punishments. 

Another reason why teachers are needed is because they can teach young people important skills and values. This is because educators serve as role models to their students and teach them how to appropriately interact with their peers. Therefore, if people only learn using machines they will lose the opportunity to learn important social skills and values.  

However, studying over the internet certainly offers a lot of convenience. First, we are able to study in the comfort of our own homes, without the need to commute to school. Second, we can choose to study at any time we like even in the middle of the night.  

In summary, I somewhat disagree that machines can replace teachers. This is because teachers can encourage students to learn and teach them how to interact with other people. Although, computers do offer the ability for people to learn anywhere at any time

En1 1sp

التاريخ

I-المحور الأول: إشكالية المعرفة التاريخية

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) يواجه علم التاريخ ومعه المعرفة التاريخية وضعية فريدة بين العلوم الإنسانية: فهو علم دراسة الماضي، مما يعني أن المؤرخ يدرس واقعا ولى وانقضى كما يقول ريمون آرون، واقعا تفصله عنه مسافة زمنية وثقافية، واقعا لم يعد له وجود! فما يوجد اليوم وجودا ماديا فيزيائيا ينحصر في الآثار والوثائق. يتعين على المؤرخ إذن أن ينطق ويستنطق وينتقي هذه “المخلفات” ليعيد بناء الوقائع التاريخية مما يجعل من المعرفة التاريخية معرفة مبناة بامتياز

طرح الإشكال: ضمن أية شروط تكون المعرفة التاريخية المبناة مطابقة لموضوعها أي للحدث كما وقع فعلا؟ ما هي شروط إمكان المعرفة التاريخية كمعرفة علمية؟ هل يمكن للمؤرخ أن يستفيد من المسافة الزمنية التي تفصله عن الواقعة التاريخية وعن الفاعلين التاريخيين ليتناول مادة علمه بموضوعية بعيدا عن الذاتية أم أن دراسة الماضي لاتتم إلا بدافع من انشغالات الحاضر وضمن ايديولوجياته؟ كيف للمعرفة التاريخية أن تستعيد ليس فقط الواقعة التاريخية في بعدها الحدثي المادي بل وأيضا “أحداث الوعي”أي نيات الفاعلين ومقاصدهم ومحتويات وعيهم؟

معالجة الإشكال:

1- المعرفة التاريخية ورهان الدقة والموضوعية: المنهج النقدي

مثلما حذر بورديو من السوسيولوجيا العفوية أي تلك المعرفة الاجتماعية التلقائية التي يملكها الفاعل الاجتماعي حول الظواهر الاجتماعية من حوله، يتعين على المؤرخ أيضا أن يحذر من المعرفة التاريخية العفوية التي يدعوها ابن خلدون بظاهر علم التاريخ وهي تلك المعرفة التي يملكها كل واحد عن الماضي في شكل روايات وأخبار تتداولها وتتناقلها الأجيال. لايكون التاريخ علما إلا بوصفه نقدا وتفسيرا. فالنقد يتجلى في تمحيص وتحقيق هذه الروايات وسبرها بمعيار الحكمة و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار وفحصها على ضوء أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و الوقوف على طبائع الكائنات وقياس الغائب على الشاهد.
ولكن تحقيق الخبر التاريخي يحتاج أيضا إلى تفسيره للكشف عن علة ومنطق الأحداث التاريخية المتضمنة فيه والمبدأ المتحكم في حدوثها وتعاقبها…

2- حدود المنهج النقدي في التاريخ:

ماهي حدود المنهج النقدي في التاريخ؟ ألا يواجه علم التاريخ نفس الصعوبات الميتودلوجية ونفس الإشكالات الإبستملوجية التي تواجهها باقي العلوم الإنسانية؟
ربما يوحي النقد بأن المؤرخ منكب على موضوعه بتجرد وقد وضعه على طاولة البحث تحت مجهر النقد، ولكن الموضوع ظاهرة إنسانية. والمعركة كما يقول آرون ليست فقط حدثا ماديا فحسب ذلك أن لتصرفات المحاربين دلالاتها ولتصرفات الضباط مقاصد وغايات ونيات…، وباختصار فالمؤرخ يدرس أحداث الوعي أيضا. الا تستدعي المعرفة التاريخية بهذا المعنى نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة بالنسبة للفاعل التاريخي؟ ولكن ألا تتعارض هذه الذاتية مع مطلب الدراسة العلمية الموضوعية كما يلح عليها الوضعانيون؟ وماهي حدود الدقة التفسيرية التي التي يطمح إليها المؤرخ؟ يرى مارو أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. والتعاطف أو المشاركة الوجدانية عند مارو خروج المؤرخ من ذاته لملاقاة الغير (التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لايصح الفهم والتفسير بدونها. إن التعاطف هو مرحلة البناء التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي

I-المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) أوضح ابن خلدون بأن ظاهر علم التاريخ لا يختلف عن باطنه في التحقيق والتمحيص فحسب بل يزيد عليه بالتعليل والتفسير أي الكشف عن علل الأحداث ومبادئها. وبذلك يكون التصور الخلدوني جامعا لعلم التاريخ وفلسفة التاريخ معا، لأن هذه الأخيرة تتجاوز تحقيق الوقائع إلى البحث في علة حدوثها ومبدأ تعاقبها بل في منطق ومعنى السيرورة التاريخية ككل.

طرح الإشكال: هل هناك منطق ثاو خلف تعاقب الأحداث التاريخية أم أن التاريخ هو مملكة الصدفة والعرضي؟ هل هناك معنى لهذه السيرورة وهل التاريخ قابل للتعقل؟ وإذا كانت ثمة منطق للسيرورة التاريخية فهل يمكن أن نستخلص منها غاية التاريخ ونتنبأ بوجهته التي يمضي نحوها ؟ وإذا وجدت غاية للتاريخ أفلا يعني أن صيرورة التاريخ يمضي نحو نهاية التاريخ؟

معالجة الإشكال:

1- التاريخ الدوري والغياب التام لفكرة التقدم

السيرورة التاريخية في المستوى الخام وقبل كل تفسير هي تعاقب لأحداث. وأبسط أنواع الظواهر المتعاقبة التي يسهل الكشف عن منطقها هي الظواهر الطبيعية الكبرى ( تعاقب الليل والنهار، الفصول، أطوار حياة الكائن…) ولقد اتضح للإنسان مبكرا أن منطقها منطق دوري إذ أن الظواهر تتالى وتتعاقب وتنمو وتندثر لتعود مجددا إلى طورها الأول . لقد استعير هذا المنطق لفهم السيرورة التاريخية فيما يعرف بالعود الأبدي الذي نجده في الكثير من الميثلوجيات وبعض الفلسفات كفلسفة نيتشه.
تمثل فلسفة التاريخ الخلدونية ونظريته في العصبية نموذجا للتصور الدوري للتاريخ الذي تغيب عنه فكرة التقدم والتراكم. لقد استطاع ابن خلدون أن يلتقط المبدأ المفسر للسيرورة التاريخية أو للعمران البشري متمثلا في أهم مظاهره وهي الظاهرة السياسية أو الدولة. إن العصبية هي العامل المفسر لقيام الدول وانهيارها. والعصبية كما الدولة يبدآن بالفتوة ثم القوة فالهرم والشيخوخة والإندثار: تبدأ الدولة الجديدة كدعوة تتخد من العصبية مصدرا لقوتها داخل قبيلة واحدة تتقوى لتضم تحت سيطرتها قبائل أخرى وبمقدار ماتتسع سطوتها تتحول إلى طور الدولة وما يصاحب ذلك من استقرار وتشييد وتنظيم إداري ومالي وعسكري… ولكن بقدر ما تتوسع مظاهر العمران، تضعف وظيفة العصبية والحاجة إليها لممارسة السلطان. وكأن تطور الدولة يحمل في ذاته بذور تلاشيه: ذلك إن اتساع الرقعة الجغرافية للدولة وعدد جيوشها ودواوينها وتنوع أصناف البذخ يرهق ميزانيتها فيدفعها إلى فرض المزيد من المكوس والضرائب وممارسة صنوف الجور والإفراط… فتدب الإنشقاقات والثورات والوهن في جسمها، مما يوفر الشروط لنشوء دعوة جديدة لاتزال العصبية فيها فتية قوية، تنقض على الدولة الواهنة… وهكذا دواليك ليبدأ دور أو طور جديد

2 -التاريخ وفكرة التقدم

ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التكرار الدوري الارتدادي الذي يعيد إنتاج نفسه ولا يضيف شيئا؟ ألا تتضمن السيرورة التاريخية نوعا من التراكم بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور السابق ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من ذلك فإلى أية وجهة يمضي هذا التراكم والتجاوز؟
يرى “تيودور شانين” أن جاذبية فكرة التقدم تعود إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع يسير نحو الأعلى على طريق طويل بيتعد فيه تدريجيا عن الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي نحو الثراء والحضارة والديموقراطية والعقل.
يظهر التصور التراكمي للتاريخ في كتابات باسكال (1662-1623) وبالخصوص في مقدمته لكتاب “عن الفراغ” حيث تصور تاريخ البشرية كرجل واحد، عمره كل هذه القرون، لايتوقف خلالها عن التعلم المستمر ؛ كوندورسيه (1743-1794) في كتابه ذي العنوان الدال: ” جدول تاريخي لتقدم الجنس البشري”
تعكس لنا فلسفة التاريخ مع هيغل هذا التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري نحو مزيد من المعرفة والحرية والسيطرة على الطبيعة، وقد استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يتجاوز فيها اللاحق السابق و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو جوهري فيه. ولكن هذا “الرقي” يفترض غائية للتاريخ، ومادام التاريخ ليس سوى تجليات لفكرة أو روح تسعى لوعي نفسها وللتطابق مع ذاتها بدءا من أبسط مظاهر الطبيعة وصولا إلى أعقد مظاهر التاريخ وأرقى أشكال المعرفة، فإن التاريخ الكوني هو سيرورة التقدم الذي يحرزه وعي الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لهذا التقدم والتي هي ضرورة منطقية في العقل قبل أن تكون ضرورة واقعية في التاريخ. بهذا المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست سوى انتكاسات سطحية تخفي التقدم العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم نحو غايتها المتمثلة في الحرية. ونجد نفس هذه النظرة التفاؤلية وتأويلها “الإيجابية للكوارث” لدى لايبنز أيضا

3- نقد فكرة التقدم – ريمون آرون

قلنا إن فكرة التقدم بنت عصر الأنوار، ولذلك فقد ورثت هذه الفكرة النزعة الإنسية الكونية لذلك العصر ، مما يعني أن كل المجتمعات البشرية تتقدم بوتائر متفاوتة، ولكن على نفس المسار الخطي التراكمي، وهو مايؤدي حسب ليفي ستروس إلى إذابة الاختلافات بين المجتمعات والثقافات والحكم عليها بمنطق التقدم الغربي العلمي،التقني، الصناعي والقيمي.
أما بالنسبة لريمون آرون،فإن فكرة التقدم تتضمن حكما معياريا قيميا ينتقص من علميتها، مفاده أن المجتمع اللاحق أفضل من السابق، علاوة على أنه حكم ذو صلاحية قطاعية لايمكن أن تنسحب على التاريخ برمته: فإذا كنا نعاين في مجالي العلم والتقنية تراكما وتقدما لاسبيل إلى انكارهما لأن طبيعتهما تفرض تقدما يمكن قياسه دون تقييم، فإن إثبات التقدم في مجالات الفن والدين والاقتصاد والسياسة يظل قضية إشكالية.
ويمضي ريمون آرون في نقده لفكرة التقدم إلى إبراز خلفيتها الميثولوجية وكذا استعمالاتها السيئة داخل فلسفة التاريخ، الهيغيلية منها أو الماركسية،وكذا الأطروحات اللاحقة لفوكوياما حول نهاية التاريخ. ذلك أن فكرة التقدم لاتنفصل عن فكرة نهاية التاريخ: فالقول بفكرة التقدم يفترض أولا وجود غائية تاريخية وحتمية ترسم للسيرورة التاريخية مسارها المحدد سلفا بهذه الغائية، ويفترض ثانيا وجود نهاية للتاريخ تمضي نحوها هذه السيرورة بما هي مسيرة نحو الخلاص.
بيد أن فلسفات التقدم تسقط بشكل لامفر منه في نزعة محافظة وتبريرية وذلك في خلطها بين فكرة عقلية ليس لها سوى استعمال معياري وبين شكل متعين قائم من أشكال النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ( مثلما فعل هيغل حين طابق بين الدولة البروسية والعقل، أو ماركس حين جعل من المرحلة الشيوعية وسيطرة البروليتاريا نهاية الصيرورة التاريخية، أو فوكوياما حين جعل من الديموقراطية الليبرالية نهاية التاريخ…)

 

المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ:

بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال) إن البحث في دور الإنسان في التاريخ لهو استمرار للتساؤل حول منطق التاريخ وغايته، ذلك أن القول بوجود منطق وغاية للتاريخ يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي وفق مبادئ وقوانين موضوعية مادية أو عقلية بعيدا عن الذاتية المتقلبة للإنسان المفرد أو المسارات المباغتة للصدفة العمياء، أي إحلال عامل أو مبدأ ما محل الإنسان في توجيه دفة التاريخ.
فمن جهة يبدو الإنسان هو صانع تاريخه من خلال بطولة الأبطال وتضحيات المحاربين و ثورات الشعوب، ومن جهة أخرى يبدو أن بطولة هؤلاء وثورات أولئك قد صنعتها ظروف مواتية. هل يمكن مثلا أن نرجع توسع الدولة الإسلامية ماضيا إلى استبسال المسلمين وقوة إيمانهم وشجاعتهم ونفسر إنحسارها اليوم بتخاذلهم وجبنهم أم أن ذاك التوسع وهذا الإنحسار إنما يرجع إلى عوامل اقتصادية وسياسية عالمية تتجاوز الإطار المحلي. من قبيل الاكتشافات الجغرافية والنهضة الأروربية…

طرح الإشكال: إذا كان المؤرخ لا يعتني بهبوب الرياح قدر اعتنائه بمجهود الإنسان في استخدام قوتها لتوجيه سفنه للتجارة أو شن الحروب، ولايهتم بفيضانات الأنهار إلا من حيث أنها تتقاطع أو تؤثر على حياة إنسانية قائمة بجوارها… فلأن أحداث الماضي لاتكون موضوعا للتاريخ إلا من حيث أن الإنسان هو مُحدثها أو محورها على الأقل. ما حقيقة كون الإنسان “مُحدثا” للحدث التاريخي؟ هل يعني ذلك أن الإنسان هو من يصنع تاريخه ويوجه دفة صيرورته؟ أم أن الصيرورة التاريخية مشروطة بعوامل موضوعية تفوق إرادة الإنسان نفسه الذي ليس سوى جزء من بنية تتجاوز وعيه وإدراكه؟

معالجة الإشكال:

1- الإنسان مجرد أداة عرضية لتحقق الفكرة – هيغل

تاريخ العالم عند هيغل مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاته، وإذا كانت البذرة تحوي في ذاتها كامل خصائص الشجرة من مذاق وشكل فاكهة التي ستظهر لاحقا، فإن اللحظات الأولى للتاريخ بما هي آثار أولى للروح تحتوي بالقوة مسبقا أيضا كل التمظهرات اللاحقة التاريخ. ماذا يتبقى إذن للإنسان من دور في تاريخ محدد قبليا؟
لاأهمية للبشر /الأفراد عند هيغل إلا بقدر ما يكون هؤلاء أدوات لتحقيق اغراض أسمى، وبقدر ما تتمثل فيهم حقبة من حقب الفكر المطلق. بل إن أبطال التاريخ وعظماءه بدورهم لايحققون إرادتهم الخاصة ولا يسعون لنيل سعادتهم الشخصية بقدر ما يمتثلون لروح العصر التي تستعملهم وتتحقق بهم ومن خلالهم وتجاوزهم

2- ماركس: (الشروط المادية)تطور قوى الإنتاج هي المحركة للصيرورة التاريخية

ماهذه الفكرة أو الروح المطلق التي تستعمل البشر – شعوبا وقادة – لتحقق نفسها !؟
في هذه النقطة بالذات تمثل فلسفة التاريخ الماركسية تجاوزا لفلسفة التاريخ الهيغيلية، إذ أن الفكرة أو الروح المطلق التي كانت تتجلى تدريجيا عبر التاريخ وتحرك خيوطه وتسير أبطاله، حلت محلها – في الماركسية – عوامل مادية هي ظروف الإنتاج المادي للحياة بيد أن موقع الذات الإنسانية في التاريخ ظل في الماركسية على ماهو عليه، : ففي الوقت الذي يعتقد الفاعل التاريخي أنه يتصرف وفق ما يختاره من معتقدات دينية أو ما يتبناه من مبادئ سياسية يبين التحليل المادي للتاريخ أن المعتقدات الدينية والمبادئ السياسية ماهي إلا انعكاس للبينة التحتية الإقتصادية، أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج. وعلى ضوء التحليل الماركسي، لاتعدو أن تكون بطولات نابليون وروبيسبيير حماس جماهير وأحزاب الثورة الفرنسية سوى إنجاز لمهام عصرهم المتمثلة في انبثاق المجتمع البرجوازي وتفكيك المؤسسات الفيودالية.
وإذا كان الوعي هو النمط الوحيد الذي يمكن من خلاله إثبات فعل الإنسان في التاريخ، فإن هذا الوعي نتاج للوجود الاجتماعي وليس العكس

3- سارتر- الإنسان صانع تاريخه

ولكن إذا كانت الماركسية تقدم نفسها كتحليل علمي للتاريخ يكشف النقاب عن القاعدة المادية المسؤولة في الواقع عن الصيرورة التاريخية، ألا تتيح هذه المعرفة للإنسان الانفلات حتمية هذه الصيرورة؟
يرى سارتر أن الماركسية قد أسيء تأويلها بشكل تبسيطي أو أن إمكانيتها لم تستثمر بشكل كامل: إن الماركسية فلسفة للحرية أو بالأحرى للتحرر ليس فقط للإنسان الفرد بل للطبقة المستغلة بأسرها، ذلك أن التاريخ لايكون قوة غريبة تستلب البشر إلا مادامت دلالة مجهوداتهم غريبة عنهم والحال أن التحليل الماركسي يقدم الأدوات الكفيلة بالتعرف على المنتوج وفهم سيرورته، من خلال مفاهيم قوى الإنتاج ، علاقات الانتاج،الصراع الطبقي، وأشكال الاستيلاب والايديولوجيا… وبذلك تصبح الممارسة الإنسانية ممارسة مستنيرة بالوعي لاممارسة عمياء قد تنقلب نتائجها ضدها.