Monthly Archives: December 2015

الذات،و الاخر

لا ينافس مصطلح الذات في ثقافتنا في الالتباس غير مصطلح الآخر، وهو بمثابة توأمه اللدود، وكأن جذر المفهومين معا تاريخيا وميثولوجيا هو ثنائية هابيل وقابيل، وكلا المصطلحين بحاجة إلى مراجعة قد يترتب عليها إعادة النظر في معظم السياقات التي ترد فيها هذه السُّلالة الملتبسة من المصطلحات، فمن هو الآخر أولا؟ وهل هناك حدود إقليمية للذات يمكن رسمها بقلم رصاص أو بأخدود، لكي لا نبقى في نطاق التجريد فإن هناك ثلاثة مستويات للآخر:مستوى وجودي عبّر عنه سارتر من خلال مسرحية «جلسة سرية»، التي أصبح فيها الآخر جحيما لا يطاق. ومستوى سياسي يضع الآخر في موقع من تضاريس تشمل الجغرافيا والتاريخ معا، بحيث يكون الحليف خط طول والعدو خط عرض. والمستوى الثالث سايكولوجي بامتياز، وأكثر ما يوضحه ذلك المثال المتكرر عن المرضى النفسيين الذين يتخيلون آخرين مجهولين يلاحقونهم، وهو ما يسميه بعض الباحثين في علم النفس ضمير الغائب، الذي لا يشير إلى شخص معيّن أو جماعة محددة، بل لكل ما هو خارج عن مدار الذات ولا حاجة بنا إلى إضافة مستوى رابع وهو آيديولوجي، لأن الفاصل بين الذات والآخر في هذا السياق لا يخضع لأي منطق أو معيار، وفيه يتحالف العقل مع العاطفة بحيث يتعذّر فك الاشتباك بينهما.والآخرون درجات وهم قابلون للمفاضلة بينهم على طريقة الأخ وابن العم، تبعا للمثل القائل أنا وأخي ضد ابن عمي وأنا وابن عمي ضد الغريب. فمن هو هذا الغريب؟ هل هو من لا تشمله صلة الدم أم آصرة الايديولوجيا، أو لمجرد أنه مُثير للريبة والشك في نواياه، إلى أن يثبت عكس ذلك؟ ما من إجابة ممكنة عن هذه الاسئلة بشكل نظري مجرد، إذ لا بد من نصوص تحملها أو توحي بها على الأقل، وليكن مدخلنا ما كتبه تودوروف في كتابه «نحن والآخرون»، وكان مثاله الذي انطلق منه هو ما قاله انطون ارتو في رحلته إلى المكسيك، فقد قام برحلته بحثا عن الآخر، المضاد للثقافة الأوروبية من كل النواحي، لهذا بحث في المكسيك عما تبقى منها وما هو غير ملوث أو مشوب بالثقافة الأوروبية المعاصرة .أما دليل ارتو إلى رسم حدود فاصلة بين الذات والآخر، فهو مأخوذ من نصّ بوذي وجّهه بوذا إلى اتباعه في لحظات الاحتضار وهو:«كونوا في المستقبل أنوار انفسكم وملاذها ولا تبحثوا عن ملاذ آخر، لا تشغلوا أنفسكم بما يفكر به الآخرون». هذه العيّنة النموذجية من تعاليم تضع الآخر على الشاطئ المقابل من الذات، وتجعل منه عدوا محتملا ينبغي التحذير منه، لها تجليات عديدة في كثير من النصوص التي تستبدل المنطق والاستنتاج بالإلهام وبالتالي تتحصن بقداسة ومعصومية تجعلها وصايا واجبة التنفيذ. والآخر حسب المثال البوذي هو البشرية كلها ما لم تكن مشمولة بالولاء لهذا الاعتقاد.* * * لو اخترنا بيتا واحدا من شعر المتنبي حول مفهوم الآخر لوجدنا أنه العدو الذي يفرض علينا نكد الدنيا أن نصادقه، فالمسافة بين الذات والآخر تبعا لهذا التصور تكون مطاطية وبالغة المرونة، تنحسر وتتسع تبعا لحاجتنا ومدى ضرورة هذا الآخر بالنسبة إلينا، من هنا كان للشاعر نمطان من صورة الآخر، الجدير بالمديح ومن يستحق الهجاء، سواء من خلال علاقة المتنبي بسيف الدولة أو كافور، وأحيانا يكون فرد واحد صالحا للمدح والهجاء معا، كما هو الحال مع كافور الذي رآه الشاعر مِسْكا حين أراد ثم عاد ورآه عبدا لا يشترى إلا والعصا معه لأنه منكود ونَجِس! هنا تتم صياغة الآخر أو نحته بشكل رغائبي، فهو ليس موجودا كحقيقة فيزيائية ومعنوية بحد ذاته، بل تعيد الذات إنتاجه كما تشاء .* * * هناك مثالان يستحقان التأمل في صورة الآخر، أحدهما من مسرحية بيكيت «بانتظار غودو». والثاني من ديوان شعر لجيرالدي في مسرحية بيكيت، حيث لا يظهر على خشبة المسرح غير شجرة أو شبه شجرة.. ويضطر الشخص الذي يخذله غودو الذي لا يأتي، إلى قبول الآخر الذي يشاركه الانتظار، رغم ما يرشح من قدميه من رائحة كريهة، فالآخر تبعا لهذه الرؤية ضرورة أن لم نجدها نبحث عنها أو نتخيلها، وهذا ما يضطر الذات إلى معانقة الآخر شريك الغربة والمصير والوحشة، حتى لو كان كريه الرائحة، وهي رؤية معاكسة لما قاله سارتر في مسرحية «جلسة سرية»، حيث كان على الأشخاص المحاصرين في غرفة موصدة الأبواب أن يتحملوا كل ما يصدر عنهم، حتى لو كان وظائف عضوية، لهذا تحولوا إلى جحيم. والآخر كضرورة عالجه مسرحي إسباني حين قال بأنه ما أن يقرأ فكرة أو يشاهد منظرا يصيبه بالقشعريرة حتى يود لو أنه اثنان، لأن الذات بمفردها لا تقوى على الاحتمال، أما جيرالدي فقد قال يوما إنه كتب ديوانا شعريا بعنوان «أنا وأنت» من أجل حذف حرف الواو بين الذات والآخر، أي بين العاشق والمعشوق، وقد يوحي هذا بتجليات صوفية وحلولية، لكن ما يهمنا في هذا السياق هو محو المسافة بين الذات والآخر، وإن كنا لا ندري أيهما ذاب في الآخر وتلاشى فيه.إن مفهوم الآخر قدر تعلقه بأشعار الحب يثير تأملات لا آخر لها، وثمة حالات تتجاوز التباين إلى التضاد، منها مثلا أن شعر الحب العربي كما تجلى لدى العذريين هو على النقيض مما قاله جيرالدي، فالشاعر العذري كان يفتعل العقبات التي تحول دون وصاله بمن يحب وهذا ما اعترف به صراحة جميل بثينة حين قال:يموت الهوى مني إذا ما لقيتها… ويحيا إذا فارقتها فيعود فهو يحوّل الحرمان إلى مطلب ويسعى إليه بهدف إدامة التوتر، كأنه يدرك أن الرغبة تموت لحظة إشباعها. وما يقابل العقبات التي اصطنعها العذري للحيلولة دون الوصال ومنها الغزل العلني بالحبيبة، وهو سبب كاف لحرمانه منها، حسب تقاليد القبيلة هو السّيف الممدد بين تريستان وايزولدة في الأسطورة التي تحمل اسميهما، أو هذا على الأقل ما يقوله دينيس دو رجمون صاحب كتاب الحب والغرب.* * * إن مصطلح الآخر هو الأكثر غموضا بين سلالة المصطلحات تحولت إلى كمائن وأفخاخ في ثقافات لم تتحرر بعد من تعاليم الإقصاء المتبادل في الشرق والغرب على السّواء، أما أقصى ما تبلغه ثنائية الذات والآخر فهو في حالة الإصابة بالشيزوفرينيا أو انفصام الشخصية، بحيث يستوطن الاثنان معا جسدا واحدا، سواء كان الاثنان هابيل وقابيل أو جيكل وهايد.كاتب أردنيخيري منصور

معجم المفاهيم الضرورية

معجم المفاهيم الضرورية: مفهوم الثورة فلسفيا وتاريخيا

العفيف الأخضرتستعرض هذه المداخلة باختصار* أربعة مفاهيم للثورة: مفهوم الثورة العلمية، مفهوم الثورة الصناعية، مفهوم تثوير الأخلاق والتقاليد، وأخيرا مفهوم الثورة السياسية. يقول مؤرخ العلوم Dominque le Court ولد مفهوم الثورة العلمية مع تاريخ العلوم نفسها في القرن 18. عندئذ نزل مصطلح الثورة المستخدم في الفلك من السماء إلى الأرض (…). استخدم لأول مرة سنة 1727. إنها حقبة ثورة شاملة تقريبا في الهندسة، ثم انتشرت الكلمة بسرعة للحديث عن فيزياء نيوتن. وغدا شائعا في دائرة معارف فلاسفة الأنوار. وأصبح لكل علم ثورته. يضيف Le Court: ” الأصل الفلكي للمصطلح ظل راسخا لأن الثورات أحداث قابلة للتكرار بل هي دورية ترسم وتحقّب تاريخ العلوم وتاريخ الشعوب”. ويضيف لوكور مستعرضا مفهوم الثورة العلمية في كتاب مؤرخ العلوم الألماني  T. Kuhn في كتابه: “بنية الثورة العلمية”، التغيير العلمي هو قطيعة بين نموذجين علميين وليس تقدما تدريجيا وتراكميا للمعرفة: الثورة العلمية هي تغيير الباراديجم Paradigme. (…) الذي يحمل بعدين معرفي واجتماعي. علميا، هو حلول المشاكل في علم ما، واجتماعيا يغطي مجموع المعتقدات والقيم المتعارف عليها والتقنيات التي تستخدمها مجموعة ما. الأزمات هي شرط مسبّق لظهور نظرية علمية جديدة كما يقول لوكور (1) وسنرى عند الحديث عن الثورة السياسية أن الأزمة هي أيضا شرط ضروري ولكن غير كاف للثورة.مفهوم الثورة الصناعية ظهر في إنجلترا في القرن 18 عندما تم الانتقال من الآلات المشغلة يدويا إلى الآلة المشغلة ذاتيا.مفهوم ثورة تغيير العادات والتقاليد التي تتغير عادة ببطء شديد خاصة في المجتمعات التقليدية وشبه التقليدية. عرفت الحداثة ثورتين من هذا النوع؛ الثورة الذهنية التي أعقبت ظهور المطبعة فجعلت المعارف متداولة بين الجمهور. وهكذا حدّثت الذهنيات على نحو غير مسبوق. ولولا المطبعة ما كان لفلسفة الأنوار أن تجد طريقها إلى وعي أكثر الناس عددا مُهمشة اللامعقول لأول مرة في تاريخ أوروبا والعالم، ناقلة أوروبا الغربية من شعار “كل شيء دين”، الذي ساد طوال القرون الوسطى، إلى شعار “كل شيء دنيا”، أي مجال للبحث والتنقيب والتجريب والتمحيص والنقد الملازم للعصور الحديثة. أما الثورة الثانية على التقاليد العتيقة فمثلتها ثورة الشباب الطلابي والعمالي في فرنسا مايو 68، فحررت العلاقات الجنسية من المحرمات المتقادمة. تحت تأثيرها، ألغت فرنسا جميع العقوبات الجنسية بين الراشدين الراضين. طبعا، عدا الجرائم مثل الاغتصاب. يعتبر مؤرخو الأفكار أنه إذا كانت رئاسة جسكار ديستان (1974 ـ 1981) قد حدّثت الأخلاق الاجتماعية والتقاليد الفرنسية فذلك لأنها طبّقت مطالب ثورة مايو 68 في تحقيق الحرية الجنسية التي كانت شرارة اندلاع هذه الثورة عندما منعت إدارة المدينة الجامعية طالبا من الصعود إلى غرفة صديقته. وهكذا ألغى البرلمان الفرنسي العقوبات الجنسية بين الراشدين المتراضين وأباح الإجهاض كاعتراف للمرأه بملكيتها لجسدها والتصرف الحر في جنينها بالاحتفاظ به إن شاءت أو التخلص منه إن شاءت. قبل ذلك كانت الفرنسيات يسافرن إلى تونس للإجهاض؛ منذ 1961 أباحت تونس المستقلة الإجهاض لهدفين: تحرير المرأه من الأمومة المفروضة عليها بقوة التقاليد ونزع فتيل قنبلة الانفجار السكاني. وقد تحقق الآن الهدفان، من النادر وجود أطفال لم ترغب الأمهات في ولادتهم؛ في 1956، تاريخ الاستقلال، كان سكان سوريا وتونس متعادلين: 4 مليون في كل منهما. اليوم لا يتجاوز سكان تونس الـ 10 مليون فيما يتجاوز سكان سوريا الضعف. مفهوم الثورة السياسية: إذا كان مفهوم الثورة في اللغات الأوروبية مستعاراً من دورة الكواكب حول نفسها بما فيها كوكبنا الذي ينجز ثورة كل 24 ساعة، فإنه في العربية مستعار من ظواهر الطبيعة والسلوك الانفعالي اليومي للإنسان نفسه. يقول “لسان العرب” في مادة ثار: ثار الشيء هاج، ثورة الغضب حدته، والثائر الغضبان. ويقال للغضبان أهيجَ ما يكون: وقد ثار ثائره وفار فائره إذا غضب وهاج غضبه. وثار إليه وثب (…). الثورة هي الهَيْج. ثار الغبار وثارت نفسه، إذا فارت واهتاجت. واضح أن مفهوم الثورة في العربية هو وصف للتمرد الفردي أو الجمعي الانفعالي اليائس غير الحامل لأي مشروع مجتمعي، ولا لأي أمل في مستقبل أفضل. ومفهوم الثورة بهذا المعنى في لسان العرب، قاصر حتى عن وصف الثورة العباسية التي نقلت الحكم من تحالف القبائل القيسية، واليمنية الذي شكل القاعدة القبلية للخلافة الأموية، إلى تحالف الأرستقراطيتين العربية والفارسية والذي في ظله ازدهرت الحضارة العربية الإسلامية. لكن خارج هذا المثال اليتيم أو يكاد في المشرق لم تكن “الثورة إلا الهيج” كما وصفها ابن منظور. وهو وصف ينطبق أيضا إلى حد كبير على جل تمردات الفلاحين الأوروبيين في القرون الوسطى التي لم تُسفر عن تغيير النظام القديم بنظام أكثر تقدما وعدلا وإن كانت أحيانا جعلت ملوك الاستبداد، خاصة المستنير، يخففون من الضرائب ومن وطأة استبدادهم السياسي.  حدث تغيير نوعي في المفهوم النظري للثورة في عصر الأنوار، فغدا يعني التجديد السياسي والاجتماعي والديني والفكري وإلغاء الرق وأنسنة القانون الجزائي، لكن ليس ضد الملك بل أحيانا بالتحالف معه. وهو الاتجاه الذي قاده فيلسوف الأنوار كوندرسيه. ويبدو أنه عاد في القرن الـ 20 في “الثورة بلا ثوريين” وربما سيعود في الـ 21 كما سنرى بعد قليل. فالثورة عنده مرادفة للإصلاح، وهي ليست إلا قرارا شجاعا يتخذه الملك المسنود من الرأي العام ومن هيئات تشريعية موثوقه. يبدو أن هذا المفهوم الإصلاحي للثورة حيث يكون الملك الفاعل الرئيسي للثورة، وليس ضحيتها، ظل متداولا إلى عشية ثورة 89. كما تشهد دفاتر الشكوى التي كان الفرنسيون يناشدون بها الملك لويس 16 لرفع المظالم عنهم بالقيام بـ “ثورة يرغب فيها كل الرغبة شعبك”. لكن المفهوم الثاني الذي ساد في فلسفة الأنوار، والذي كان فولتير على ما يبدو رائده، فهو يعرّف الثورة بأنها إطاحة بالنظام القديم الذي فقد جميع إمكانياته الخلاقة لوضع أسس أكثر رسوخا وعدلا لنظام جديد يحل محله واعد بالتقدم. هذا هو المفهوم الجديد الذي أدخلته فلسفة الأنوار للحقل الفلسفي لأول مرة في التاريخ. في هذا المفهوم الراديكالي للثورة، لم يعد الملك صانع الثورة، بل بات ضحيتها. فهو لا يمثل التقدم أو يرمز إليه، بل الماضي الذي يعيق التقدم المنشود. أنصار هذا المفهوم الثوري من المنورين تأثروا ولا شك بالثورة الإنجليزية “المجيدة” (1688 ـ 1689) التي، تفاديا لتنصيب سلاله ملكية كاثوليكية، استنجدت بـ Guillaum d’ Orange الذي أَجْلَسَ على العرش آل Hanovre. ونال الإنجليز في المقابل “إعلان الحقوق” السياسية التي نظمت علاقة الملك بالشعب تقريبا إلى الآن. وهكذا كانت “الثورة المجيدة” هي آخر ثورة عرفتها إنجلترا حتى الآن. وكان هذا سبب استقرارها الذي جعلها تتقدم اقتصاديا على فرنسا أم الثورات.المؤرخ الفرنسي Jacques Sole’ ميّز بين الثورات الفاشلة والظافرة التي قادها جميعا ثوريون حقيقيين. الثورات الفاشلة تستحق، في نظره، بالكاد نعت الثورة لأنها انتهت إلى الفشل؛ لكنها تبقى مع ذلك غنية بالمعلومات عن “الثوريين بلا ثورة” الذين حاولوا قيادتها إلى النجاح. والنوع الثاني من الثورة هو الثورات الظافرة وفي طليعتها الثورة الفرنسية. النوعان معا هما موضوع كتاب صوليه Sole’.يقول صوليه “فقط في فرنسا 1789 يمكننا تأريخ وتنزيل ظهور كلمة الثورة بمفهومها المعاصر، أي تغيير سياسي، عنيف ومؤسِّس يخلد في الذاكرة الجمعية (…) كلمة ثورة استخدمت، قبل هذا التاريخ، لوصف كل تغيير سياسي عنيف (…) بالرغم من تأثير الثورة الأمريكية في أوروبا، لم تشهد فيها أي معادل من هذا الطراز قبل 1789. فرنسا النظام القديم لم تدمج، في ثقافتها السياسية، أفقا ثوريا. ظل هذا الأفق غائبا، خلال السنوات 1780 عند “الوطنيين الهولنديين”، الإصلاحيين البريطانيين والمحرضين الأيرلنديين والسويسريين. وبالمقابل، بدْءً من 1789، غدا الهوس الثوري، سواءً بتمجيده أو بتحقيره، خاصية حاسمة للحضارة الأوروبية” (2). تأكيد صوليه بأن مفهوم الثورة لم يندمج في ثقافة النظام الملكي القديم غير دقيق. في ظل النظام الملكي القديم تواجهت ثقافتان، ثقافته وثقافة التنوير برافديها الإصلاحي والثوري، كما أشرنا إلى ذلك قبل قليل. الرافد الأخير دمج مفهوم الثورة بما هي تغيير راديكالي. إذا كان ثوريو 89 قد نقلوا رفات فولتير إلى مقبرة العظماء، فذلك عرفانا له بالجميل واعتراف بأبوته الفلسفية لثورتهم. يلاحظ صوليه “في كتابه المذكور” أن “المحرك الجوهري لغالبية الثورات الأوروبية على تنوع أشكالها لم يكن اجتماعيا بل كان سياسيا. إذا كان العنصر الأول حاضرا دائما، فإنه قلما كان حاسما أو مميزا لهدف الثورة. والثورة الروسية ذات البعد الاجتماعي الواضح، كانت استثناء. هدف الثورات الأخرى انحسر في توليد الدولة ـ الأمة الحديثة. الثورات التي تلت الثورة الفرنسية في فرنسا نفسها وأحيانا في أوروبا كانت تكرارا لملامح عدة في الثورة الفرنسية بما في ذلك الثورة الروسية؛ فقد كان قادتها يعرفون وقائع الثورة الفرنسية يوما بيوم ويحاولون محاكاتها وأخذ الدروس منها. الثورة الهولندية (1795 ـ 1806) لم تقلد الثورة الفرنسية، بل بالعكس سارت في الاتجاه المعاكس: كانت الثورة الفرنسية صك ميلاد الأمة الفرنسية الموحدة وغير القابلة للانقسام، أما الثورة الهولندية فقد أسست للفيدرالية، بقدر ما كانت الثورة الفرنسية صداميه، كانت الثورة الهولندية مفتوحة على الحل الوسط (3)          الخاصية الأولى لثورات القرن 19 هي أنها كانت ثورات وطنية رهانها دستور ديمقراطي. وواضح إذن أن ثورة 19 تندرج في الجدلية التاريخية لهذه الثورات الوطنية الهادفة إلى تأسيس دولة ـ أمة حديثة لكل مواطنيها. في الحالة المصرية، دولة أمة تجمع عنصري الأمة، المسلمين والمسيحيين، تحت قيادة وطنية مشتركة وبشعار وحدوي مشترك “إتحاد الهلال مع الصليب”، الذي كتبتهُ الثورة على راياتها، وبمشروع علماني رائد في حينه في أرض الإسلام صاغه الأزهري سعد زغلول، “الذي اجتمعت فيه آمال الأمة كلها” كما كتب محمد حسين هيكل: “الدين لله والوطن للجميع” الذي مازال مشروعا راهنا لمصر والعالم الإسلامي كله لقطع الطريق على الدولة الدينية الحاملة لحروب الأديان في كل بلد وفي العالم.  يلاحظ صوليه أيضا أن “الثورات بلا ثوريين” ظهرت في أوروبا القرن 20. دوجول أسس بين 1944 ـ 1946 نظاما سياسيا جديدا مكَّن نصف الشعب الفرنسي، النساء، لأول مرة من حقهم الديمقراطي في الاقتراع العام؛ كما أسس الجمهورية الخامسة، بين 58 و 69، التي وضعت حد للاستعمار الفرنسي وفوضى الحياة الحزبية بتأسيس ديمقراطية الحزبين الرئيسيين المتداولين على الحكم اللذان يشكلان ضمانة الاستقرار السياسي. تندرج في جدلية هذه الثورات بلا ثوريين، الثورة الديمقراطية الإيطالية غداة هزيمة الفاشية وانتهاء الحرب الأهلية، بالتسوية التاريخية بين قوى اليسار والديمقراطية المسيحية؛ بالمثل قامت ثورة ديمقراطية هادئة في ألمانيا الفيدرالية على أنقاض النازية؛ كما وضع إخوان كارلوس، في أسبانيا، حدا للانقلاب العسكري الفرنكوي على الديمقراطية وهكذا كان قابلة أسبانيا الجديدة. ما أسماه صوليه “الثورة بلا ثوريين” هو ما أسماه برتراند راسل ومن بعد البنيويون “موت الفاعل” التاريخي، أي أن جدلية البنيات تقود بدينامياتها ذاتها إلى تغييرات يفرضها منطق الحقبة أي حاجاتها ومتطلباتها. قد يكون ما يجري الآن في تركيا أحد أمثلته؛ الحكومة التركية الإسلامية المحافظة هي التي طهّرت الدستور التركي العلماني من البقايا الدينية العثمانية فيه، فألغت عقوبة الإعدام، الموروثة عن القصاص الشرعي العتيق، وألغت حدي الزنا والردة سامحة لأول مرة بالحق للمسلم التركي في تغيير دينه أو عدم الأخذ بأي دين من الأديان!. عسى أن تنتقل مثل هذه الثورة بلا ثوريين إلى كل بلدان أرض الإسلام التي هي أحوج ما تكون إليها حاجة الأرض العطشى إلى المطر وعسى أيضا وخصوصا أن تكون هذه الثورة بلا ثوريين مفتاح الحل للأزمة الاقتصادية الرأسمالية العالمية التي تتوعد البشرية بأوخم العواقب وللأزمة الايكولوجية الكارثية المواكبة لها. يتميز الوضع العالمي الراهن بتفاقم 3 مشاكل بنيوية: العمالة، التقاعد وتدمير البيئة. وهي جميعا تشكل المصادر الأساسية للقلق الاجتماعي ـ النفسي الكوني. عجزت النخب العالمية، المالكة والحاكمة، عن إيجاد حلول لها مكتفية بإدارتها ودائما من سيء إلى أسوأ. مما جعلها تفقد شرعيتها في الوعي الجمعي لمواطنيها، أعني شرعية حل الأزمات وتلبية متطلبات مواطنيها الأساسية. عجز النخب عن حل هذه المشكلات الحيوية يلتقي اليوم بعجز المواطنين في كل مكان من العالم تقريبا عن احتمال استمرار هذه الأزمة مدة أطول. هذا العجز المزدوج شرط ضروري للتغيير ولكن هل هو كاف لحدوث الثورة مع ثوريين أو بلا ثوريين للانتقال إلى نظام سياسي ـ اجتماعي عالمي يضع حدا لأزمة رأسمالية المساهمين المضاربين العالمية؟ إذا ما استمر عجز النخب عن حل الأزمة وعجز الشعوب عن احتمالها فقد يصبح العالم غير قابل للحكم فيتفكك إلى صومال بمساحة الكوكب. وهكذا تجد البشرية اليوم نفسها أمام وضع متفجر: مدن الجنوب قد تصبح مسارح دامية لتمردات عنيفة بلا أفق اجتماعي يشنها، المهمشون، العاطلون، الجياع، العطاشى وضحايا الكوارث الايكولوجية مثل ما يحدث الآن في عديد البلدان مثل المملكة المغربية والصين… بدورها مدن الشمال قد تغدو مسرحا للانتفاضات المنطلقة من الضواحي مثل انتفاضة 2005 في فرنسا والانتفاضات المنطلقة خاصة من المدارس والجامعات وأماكن العمل مثل انتفاضتي 1995 و 2006 في فرنسا أيضا.البطالة الحاشدة، خاصة بطالة الشباب المتعلم، بنيوية لأن سببها هو إحلال الآلات محل الإنسان المتزامن مع تفكيك دولة الرعاية في البلدان المتقدمة وتفكك الروابط العائلية التقليدية في البلدان المتأخرة. مخاطر تقليص معاشات المتقاعدين في الدول المتقدمة جدية. عزوف الشباب عن المشاركة في الانتخابات وبالمقابل إقبال المسنين الكثيف عليها قد يحمل الحب إلى طاحونة أقصى اليمين، الذي لا يملك هو الأخر أي حل لأزمة الرأسمالية المعاصرة. حلت الفاشية في السنوات 1930 أزمة 1929 باقتصاد الحرب، لتشغيل العاطلين، ثم بالحرب: اقتصاد الحرب لم يعد اليوم حلا للأزمة بل غدا إحدى مشكلاتها الأعوص: تبذر البشرية 3 مليون دولار كل دقيقة على “صناعة الموت” كما أسماها ماركس. ثم حلتها الفاشية بالحرب والحال أن الحرب العالمية اليوم لم تعد جزءً من الحل بل غدت كل المشكلة. لماذا؟ لأنها لن تلبث أن تتحول إلى نووية يسود بعدها العالم شتاء نووي يدوم 4 قرون يقضي على كل أشكال الحياة بما فيها البكتيرية.إلى هذه الأزمة الاقتصادية التي لا يعرف أحد لا متى ولا كيف ستنتهي، يكابد العالم أزمة ايكولوجية بنيوية ودائمة، أشد خطرا من الأزمة الاقتصادية، ستحتد ابتداءً من 2020 لتصل إلى نقطة اللاعودة في 2029. تدمير البيئة الكارثي سببه طبيعة الإنتاج والاستهلاك الرأسماليين المرصودين، ليس لتلبية الحاجات والرغبات الحقيقية للناس، بل لتلبية رغبة المنتجين والمستهلكين المجنونة: الإنتاج للإنتاج والاستهلاك للاستهلاك على حساب هدْر واستنزاف الموارد الطبيعية غير القابلة للتجديد. محرك الإنتاج الرأسمالي هو المنافسة التي تترجم نفسها في تصريف السلع والخدمات بأسعار أقل. إذن إنتاجها بكلفة أقل: بأجور أقل للعمال وحماية أقل للبيئة. كل ذلك جعل الرأسمالية المعاصرة غير قابلة للتعميم على العالم. حسبي هنا مثال واحد دلاّل: لو أن كل واحد من سكان الكوكب يستهلك كما يستهلك أوروبي واحد في اليوم ويلقي بقدر ما يلقي من النفايات، ينبغي إذن أن نمتلك كرة أرضية ونصفاً؛ أما إذا استهلك كما يستهلك أمريكي واحد وألقى مثل ما يلقي من النفايات، فلا أقل من كرتين أرضيتين وهذا، من نافلة القول، استحالة.تقويم هذا الاعوجاج البنيوي في النظام الرأسمالي يتطلب ثورة إصلاحية هادئة كما يحلو لي أن أسميها، تؤطر الإنتاج والاستهلاك بشبكة من الضوابط Re’gulations القانونية والمؤسساتية تعيد تعريف طبيعتيهما الحالية بحيث يغدوان مرصودين حصراً لتلبية الحاجات الفعلية والرغبات المشروعة. وهذا لا سبيل إليه من دون إعادة تعريف الإعلان الذي هو اليوم مصدر الشراء القهري L’achat compulsif لسلع وخدمات لا تلبي إلا الحاجات والرغبات التي فبركها الإعلان. إعادة تعريف الإعلان تعني أن يصبح مثل النوتيس الطبية يشرح للمستهلك فوائد ومضار وموانع ما يستهلك. إعادة التعريفين تتطلب ثورة ذهنية عالمية فاعلوها الأساسيون هم التعليم والإعلام ومؤسسات الضبط العالمية الحاملون في المستقبل المتوسط أو الأبعد لنمط حكم عالمي قوي وعادل يكتب على راياته اقتسام نتائج التكنولوجيا الجديدة لحماية الإنسان والبيئة، والعدل بين الشمال والجنوب، والعدل بين شمال كل مجتمع وجنوبه والتنمية المستدامة التي تقرأ حسابا لحق أجيال الغد في موارد وفيرة وبيئة نظيفة وعالم متضامن تطيب فيه الحياة

مقدمة عن التاريخ

مقدمة:التاريخ بالنسبة للإنسان قسمان قسم للذات (الفرد)، وقسم للآخر (الجماعة) وفي كلاهما تداخل بين الذات والآخر، فلا تاريخ للذات بمعزل عن الآخر، ولا تاريخ للآخر بمعزل عن للذات. حيث يقوم كلاهما على بعضه البعض، وبالتالي لا غنى لأحدهما عن الآخر، في بناء التاريخ. فما كان للذات هو جزء من مكون الآخر.. وما كان للآخر هو مجموع مكون الذوات. من سمات الحياة البشرية في سهولتها وفي تعقدها وفي بدائيتها وفي تقدمها تكوين الجماعات المختلفة للسيطرة على البيئة التي يعيش فيها الإنسان نظرا لطاقاته وإمكانياته المحدودة, فالإنسان منذ القدم يعيش مع الجماعة لأنه لا يحب أن يعيش منعزلا عن الناس, فهي وسيلة مهمة لسعي الفرد نحو أهدافه, وكذلك مهمة لتسيير الجماعة نحو تحقيق أهدافها في الحياة..وعندما نتصفح التاريخ نجد أن لا وحدة للإنسان ككائن يقوم بعملية المجتمع لوحدة، بل أن المجتمع كائن حي والفرد خليه فيه.وبالتالي عند دراسة التاريخ للأمم لا نغيب دور الأفراد وأهميتهم، وعندما نتحدث عن الأفراد في التاريخ لا نتحدث عنهم بمعزل عن الجماعة التي شكلتهم في بعدهم الثقافي والاجتماعي والسياسي..الخ. لان هذا إجحاف في رصد الحقيقة، وهو بالتالي إما مصادرة لخبرة للذات، أو تقزيم لمفعول الجماعة.. ولهذا كثيرا من الناس ما يجعل التاريخ يسكنه، فلا يخرج من إساره، ويعيش به الواقع.. فيلعق التاريخ حتى يتحوصل في حلقة فلا يأكل ولا يشرب إلا بطعمه.. وهذا ليس ما يرمي اليه التاريخ.. فالتاريخ يجب أن يتحول على مستوى الذات لخبرات إذا كانت ايجابيه فهي نبراس وهداية للحاضر، وان كانت سلبيه فهي تجارب يستفاد لتجنبها.إن التاريخ أحد العلوم الإنسانية، الذي يهتم بتوثيق حياة الشعوب، من ديانة وفكر وعلم وحضارة، وهو بذلك يعتبر العلم الوحيد الذي يختص بتوثيق بقية العلوم الإنسانية والعلمية وغيرها..وبالتالي عندما نتناول تاريخ عصر من العصور، فإننا نتناوله من جميع جوانبه، وعلى جميع الصعد والمجالات التي تغطي تاريخ أي أمة نفسيا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأدبيا وحضاريا…الخ.المادية التاريخية في الفكر المادي: النشأةينقل لنا التاريخ الفلسفي منذ الحضارات الموغلة في القدم، الأصول الأولية للفكر المادي، حيث ترجع الجذور الأولى للمادية التاريخية الديالكتيكية إلى أفكار الفلاسفة اليونانيين الأوائل الذين اعتبروا المادة أصل الطبيعة والحياة. ولذا تعتبر الفلسفة المادية الديالكتيكية من المكونات الأساسية للنظرية الماركسية التي شيد عليها الفيلسوف الألماني كارل ماركس تفسيره للتاريخ.كما اعتمدت النظرية الماركسية في تفسير التاريخ على منهج هيغل القائم على الجدل، مع تغيير جوهري في المضمون، فقد اعتبر كل من كارل ماركس وانجلز جدل هيغل واقفا على رأسه بدلا من قدميه لنزعته المثالية ,وقد البسا هذا الجدل ثوبا ماديا صرفا ثم طبقاه على الظواهر الإنسانية والطبيعية، قال كارل ماركس في رسالته الموجهة إلى كوجلمان “إن قوانين الجدل الصحيحة موجودة فعلا عند هيغل لكنها في صورة مثالية، ولابد أن ننزع عنها هذه الصورة “(محمد الجفائري:ب-ت ص168)فالجذور الأولى للمادية التاريخية يعود إلى أن حركة التاريخ ليست سوى انعكاس حركة الواقع وبذلك تكون الماركسية قد عبرت جسر الهيغيلية وفلسفتها في المعرفة وتفسير التاريخ، إذ أعلنت أن صراع المتناقضات لا يحصل في عالم الأفكار كما ادعى هيغل وإنما في عالم أحوال الناس الواقعي بواسطة ما يحصل في الكيان الاقتصادي للمجتمع..فالماركسية أخذت الديالكتيك أو الجدل الهيغيلي (تطور الفكر من قضية إلى نقيضها إلى قضية تركيبية من النقيضين لكنها مخالفة لهما) ونقلته من مجال الفكر إلى مجال المادة ,التي أضحت الأساس، قال انجلز إن العالم المادي الذي نحن ندركه بحواسنا والذي نحن جزء منه هو الحقيقة الوحيدة، وليس المادة من إنتاج العقل بل إن العقل ما هو إلا أسمى إنتاج للمادة”(خالد طحطح ,2009: 5)وتعتبر المادية التاريخية مذهب فلسفي يعنى بدراسة الظواهر الاجتماعية والإنسانية في ضوء مبادئ التحليل الماركسي بصورة عامة، ومبادئ المادية الجدلية المعنية بظواهر الكون والطبيعة بصورة خاصة، فهي تستمد من المادية الجدلية مبادئها في تحليل الظواهر والوقائع الاجتماعية، إذ تعتمد اعتماداً أساسياً على المقولات الثلاث الأساسية المتمثلة بأن عمليات التراكم الكمية تؤدي إلى تغيرات كيفية، وأن التناقضبين مكونات الأشياء يعد الأساس في حركتها- وما من شيء في الطبيعة والحياة الاجتماعية إلا ويحمل في مكوناته قدراً من التناقض ينتج صراعاً مستمراً بينها- وأن الصراع بين المكونات يؤدي باستمرار إلى ما يعرف بنفي النفي، فكل مرحلة من مراحل التطور تنفي بالضرورة المراحل السابقة، ولا يمكن أن تتعايش المراحل مع بعضها إلا لفترات مؤقتة توصف بالتناقض، ولا يمكن أن يكون بينها أي وفاق أو استقرار “(جوزيف ستالين،ب-ت:ص22)المادية التاريخية في الفكر المادي: التفسيريعود الفكر المادي التاريخي إلى فلسفة كارل ماركس التي أسس عليها حتمياتة المعروفة في التغيير السياسي والاجتماعي والاقتصادي” (محمد البهي،1975: ص12)وكارل ماركس يعتبر أن التاريخ تحكمه قوانين يدركها العقل الإنساني وإن القوانين حتمية يعنى تفرض نفسها لأنها ناتجة عن حركة التاريخ نفسه.. وإذا فهم الإنسان القوانين بإمكانه انه يقرر صورة مستقبل الجماعة الإنسانية” (حسين مؤنس، م5، 1974: ص32)وقد دأب الماركسيون، على القول بأن المادية التاريخية، هي الطريقة العلمية الوحيدة لإدراك الواقع الموضوعي، التي قفزت بالتاريخ إلى مصاف العلوم البشرية الأخرى”(هاني حجاج،ب-ت: ص12)إن ماركس يعتبر إن التاريخ هو تاريخ الصراع الطبقي الذي يعتبره المحرك الأساسي للتاريخ.. إن ما يسميه البناء الفوقي الذي هو الأنظمة السياسية، القيم الاجتماعية والأديان، هي انعكاس للواقع الطبقي والمادي المعاش..وان هذا ينسجم مع النزعة المادية لتفسير التاريخ المتناقض مع النزعة المثالية لتفسير الأخير..قام ماركس بقلب ديالكتيك هيغل رأسا على عقب.وتعتبر المادية أن تاريخ المجتمع منذ أن وجد حتى الآن هو صراع طبقات، كانتتقف موقف المعارضة الدائمة لبعضها البعض وتقوم بحرب لا انقطاع لها” (عماد الدين خليل،ب-ت : ص45)فتاريخ كل ما يوجد على الأرض حتى الآن- من مجتمعات-إنما هو تاريخ كفاحات طبقية، ووسائل الإنتاج هي الحكم الفصل الحقيقي الذي كان يقرر مصير هذه المجتمعات، فالإنتاج وما يصحبه من تبادل المجتمعات هو أساس كل نظام اجتماعي واقتصادي، وفي كل مجتمع ظهر في التاريخ نجد أن توزيع المنتجات وما يلزمه من تقسيم المجتمع إلى طبقات، يعينه الإنتاج وطريقة وكيفية تبادله، فحسب هذه النظرية نرى أن الأسباب النهائية لكافة التغيرات الاجتماعية والثورات السياسية والاقتصادية يجب البحث عنها في التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل”(محمد فتحي عثمان ،ب-ت: ص17-18)فالمادية التاريخية إذن تجعل أسلوب إنتاج الحاجات المادية أساسا للتطور، وتجعل صراع الطبقات سبيل هذا التطور، فالمجتمع البشري مجتمع متطور، والعامل المسير المحتم لهذا التطور هو التغيير الذي يحدث في وسائل الإنتاج, والذي يعين نوع العلاقات الاقتصادية في كل مرحلة من المراحل، وهذه العلاقات الاقتصادية تحتم بدورها نوعا من الأوضاع الاجتماعية والعقائد الدينية والمذاهب الأخلاقية (حرفوش مدني، 2009 م:ص13)المادية التاريخية، بوصفها القاعدة المباشرة للمذهب، والهيكل المنظم لقوانين الاقتصاد والتاريخ، التي تملي-في زعم الماركسية- على المجتمع مذهبها الاقتصادي، وتصنع له نظامه في الحياة طبقاً، لمرحلته التاريخية وشروطه المادية.والمادية التاريخية كانت هي المرجع الأعلى في تحديد المذهب الاقتصادي، والنظام الاجتماعي، لكل مرحلة تاريخية من حياة الإنسان..وأصبح من الضروري أن يدرس كل مذهب اقتصادي واجتماعي، من خلال قوانينها، وفي ضوئها.ولأجل هذا يقرر انجلز-على أساس المادية التاريخية- “إن الظروف التي ينتج البشر تحت ظلها،تختلف بين قطر و آخر. وتختلف في القطر الواحد من جيل لآخر..لذا فليس من الممكن أن يكـون للأقطار كافة، وللأدوار التاريخية جمعاء، اقتصاد سياسي واحد”(فريدريك أنجلز،ب-ت:ص22)نظريات العامل الواحد:لقد ظهرت نظريات عديدة تفسر التاريخ عبر العامل الواحد وقامت وانطلقت منهذا الأساس..وليس فقط المادية التاريخية هي النظرية الوحيدة التي جنحت إلى تفسير التاريخ عبر العامل الواحد، وبالتالي فان منطق التفسير للتاريخ بعامل واحد في المادية التاريخية ليس فريداً من نوعه، بل جنح الكثير من العلماء والمفكرين، إلى تفسير المجتمع والتاريخ بعامل واحد، من العوامل المؤثرة في دنيا الإنسان، إذ يعتبرونه المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق الأسرار، ويمتلك الموقف الرئيسي في عمليات التاريخ.. وهم بالتالي يفسرون العوامل الأخرى على أنها مؤثرات ثانوية، تتبع العامل الرئيسي في وجودها وتطورها، وفي تقلباتها، وكذلك استمرارها.ومن الاتجاهات التي قالت بان القوة المحركة للتاريخ هي عامل واحد:تفسير التاريخ بعامل الجنس (النوع): فالجنس عندهم سبب أعلى في المضمار الاجتماعي فهو يؤكد أن الحضارات البشرية، والمدنيات الاجتماعية، تختلف بمقدار الثروة المذخورة في صميم الجنس، وما ينطوي عليه من قوى الدفع والتحريك، وطاقات الإبداع والبناء.وتفسير التاريخ بالعامل الجغرافي: الذي يعتبر العامل الجغرافي والطبيعي أساساً لتأريخ الأمم والشعوب، فيختلف تأريخ الناس، باختلاف ما يكتنفهم من العوامل الجغرافية والطبيعية،لأنها هي التي تشق لهم طريق الحضارة الراقية، وتوفر لهم أسباب المدنية، وتفجّر في عقولهم الأفكار البنّاءة أحياناً، وتوصد في وجوههم الأبواب، وتفرض عليهم السير في مؤخر القافلة البشرية أحياناً أخرى، فهذا العامل هو الذي يكيّف المجتمعات، بما يتفق مع طبيعته ومتطلباته.وتفسير التاريخ بالعامل النفسي: الذي يعتبر إن الغريزة الجنسية، هي السر الحقيقي الكامن وراء مختلف النشاطات الإنسانية، التي يتألف منها التاريخ والمجتمع فليست حياة الإنسان إلا سلسلة من الاندفاعات الشعورية، أو اللاشعورية عن تلك الغريزة.وتفسير التاريخ بالعامل الاقتصادي: الذي بشر بها كارل ماركس، والذي أكد فيه إن العامل الاقتصادي، هو العامل الرئيسي، والرائد الأول للمجتمع في نشوئه وتطوره والطاقة الخلاقة لكل محتوياته الفكرية والمادية، وليست شتى العوامل الأخرى، إلا بنيات فوقية في الهيكل الاجتماعي للتأريخ، فهي تتكيف وفقاً للعامل الرئيسي وتتغير بموجب قوته الدافعة التي يسير بركبها التأريخ والمجتمع..وهي ترى في العامل الاقتصادي، انه المفسر لجميع حركة التاريخ، وتطورها في تحديد جميع المجالات (الفكر والفلسفة والعلم واللغة) باعتبارها مربوطة بالعامل الاقتصادي وأدوات الإنتاج، حيث يرى ماركس أن أي تطور يحدث للإنسان ما هو إلا وفق تطور وسائل الإنتاج.وأما التفسير الإسلامي للتاريخ: فهو مختلف تماما عما ينظر الغرب للإنسان من منطلق التفسير التاريخ.. ويؤمن بتعدد العوامل، كونه الإنسان مستخلف على الأرض.. ويبدأ ذلك بأن الله – عز وجل – قد استخلفه في الأرض فماذا بعد هذا التقدير لكيان الإنسان. وليس الحديث هنا من منطلق ديني بقدر ما هو فكري يحب على ثقافة رجل يعود فكره على نتاج مجتمعه الذي أفرزه”(ميقات الراجحي،2010: ص61)التفسير الاقتصادي للتاريخ.حين نتناول الماركسية على الصعيد الاقتصادي، لا يمكننا أن نفصل بين وجهها المذهبي، المتمثل في الاشتراكية والشيوعية الماركسية، ووجهها المتمثل في المادية التاريخية، أو المفهوم المادي للتاريخ، الذي زعمت الماركسية أنها حددت فيه القوانين العلمية العامة، المسيطرة على التاريخ البشري واكتشفت في تلك القوانين النظام المحتوم لكل مرحلة تاريخية من حياة الإنسان، وحقائقها الاقتصادية المتطورة على مر الزمن.وينطبق الأمر على الظواهر الاجتماعية والتاريخ الإنساني، فيأخذ مفهوم التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية أهمية كبيرة في دراسة المجتمع والتغير الاجتماعي، وينظر إليها على أنها بمنزلة النظام الذي يحدد في كل مرحلة تاريخية معطاة خصائص المجتمع وأبعاده وطبيعة المشكلات التي يعانيها الناس في ذلك الحين، إضافة إلى أنه يحدد أيضاً أنماط السلوك الإنساني وأشكال الفعل التي يمارسها الأفراد في كلمرحلة تاريخية.إن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية التي تعدّ الأساس الذي تبني عليه الماديةالتاريخية تحليلاتها للمجتمع تتكون على الدوام من بناءين أساسيين هما البناءالتحتي، ويتكون من قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وفيه يكمن سر التطور الإنساني للمجتمعات كافة، حيث توصف قوى الإنتاج بقابليتها للتطور المستمر، في حين تقع علاقات الإنتاج في تناقض مستمر مع قوى الإنتاج إلى أن تأخذ علاقات الإنتاج أنماطاً جديدة تتوافق فيها مع قوى الإنتاج، فتدخل التشكيلة الاقتصادية الاجتماعية في مرحلة جديدة من مراحل التطور، لكن مجمل البناء التحتي يدخل أيضاً في تناقض مع البناء الفوقي الذي يتكون من المؤسسات والنظم والمعايير والأخلاق والقيم والثقافة وغيرها من مكونات البناء الفوقي، وسرعان ما تجد مكونات البناء الفوقي نفسها مرة أخرى أسيرة للتغيرات في البناء التحتي ومدعوة لأن تأخذ أنماطاً جديدة تتوافق مع مرحلة التطور الجديدة. (جوزيف ستالين،ب-ت-ص67)وان ماركس يقيم نظريته التاريخيه وتفسيره للتطور التاريخي بناء على العامل الاقتصادي.ووفق هذا المنطلق يرى الإنسان من زاوية اقتصادية منطقها الآلية التي لا إرادة له فيها، وهو في الأساس نتاجاً أنتجته وسائل الإعلام وفكره بلون المادة المحيطة به، وهذا حرمان تام لمكانة الإنسان الحقيقة.. ويقول “إن الأحوال الاقتصادية لأي جماعه إنسانيه هي التي تحدد صورة نظامها و كل مظاهر حضارتها، وإذا عزنا نفهم نظام أي مجتمع ونظامه السياسي أو حتى طبيعة ديانته وفنه وفكره فلازم نفهم الأول نظامه الاقتصادي.. والنظام الاقتصادي من جهته هو الإنتاج ونوعه وأساليبه وطريق استعمال ثروته أو توزيعها.. لإنتاج سواء كان يدوى بدائي أو آلي متطور يتطور باستمرار من ناحية أدواته وصورته وطريقة توزيعه”(حسين مؤنس، 1974:م 5-ص33)ويرى ماركس إن العامل الرئيسي يقرر مصير أي أمه هو الإنتاج والثروة..والعامل الاقتصادي الاجتماعي يحرك التاريخ..والتطور مستمر وحتمي مهما كان بطيء، وينتج عنه تطور المجتمع، وكل مؤسساته وقوانينه وأفكاره وعقائده وأدبه وفنونه، وكل المظهر الخارجي العلوي للمجتمع” (الموسوعة الثقافية،1972: ص19)ولقد دأب على ذلك المؤرخون الماركسيون الذين يعتمدون في تفسيراتهم علىالعامل الواحد “فالوضع الاقتصادي لشعب ما هو الذي يحدد بدوره وضعه السياسي”بمعنى أن الاقتصاد السياسي الأكثر إنتاجية في وقت معين ينتصر على الأنماط الأخرى لتنظيم الإنتاج, وهذا التفوق التقني أو الإنتاجي يتغير عبر الزمن، فالمادية التاريخية إذن تقرر أن أسلوب إنتاج الحاجات المادية كالغذاء والمسكن وأدوات الإنتاج هي القوة الأساسية التي تحدد شكل المجتمع، وتقرر تطوره من نظام إلى آخر، ويقصد بأسلوب الإنتاج جماع القوى المنتجة وهي أدوات الإنتاج –من يشتغلون عليها بخبراتهم –والعلاقات الإنتاجية أي علاقة الناس فيما بينهم أثناء سير الإنتاج (حرفوش مدني،2009 :ص23)وتعتبر المادية التاريخية أن العامل الاقتصادي وراء كل ما هو متعلق بحياة الإنسان ومن هنا يعلل ماركس ظهور الأديان نتيجة لحاله عدم توازن طبقات المجتمع فراحت الطبقة الحاكمة إلى اختراع الأديان لتقنع الطبقة الكادحة بالحالة التي تعيشها وتعطيهم الأمل والحافز للعمل وهكذا وجد الفقراء من الناس الدين ملاذا يفرغون فيه حاله البؤس الاجتماعي الذي يعيشونه ويصف كارل ماركس الدين بأنه (زفره كائن مثقل بالألم وفكر عالم لم يبق فيه فكر وروح عالم لم تبق فيه روح إنه أفيون الشعوب) (كارل ماركس،ب-ت: ص22)فالماركسية تعتقد أن الوضع الاقتصادي لكل مجتمع، هو الذي يحدد أوضاعه الاجتماعية، والسياسية، والدينية، والفكرية، وما إليها من ظواهر الوجود الاجتماعي. والوضع الاقتصادي بدوره له سببه الخاص به، ككل شيء في هذه الدنيا.. وهذا السبب-هو السبب الرئيسي لمجموع التطور الاجتماعي، وبالتالي لكل حركة تاريخية في حياة الإنسان-هو وضع القوة المنتجة ووسائل الإنتاج. فوسائل الإنتاج هي القوة الكبرى، التي تصنع تاريخ الناس وتطورهم وتنظمهم.وتعتبر المادية التاريخية أن تاريخ المجتمع منذ أن وجد حتى الآن هو صراع طبقات كانت تقف موقف لمعارضة الدائمة لبعضها وتقوم بحرب لا انقطاع لها ,فتاريخ كل ما يوجد على الأرض حتى الآن –من مجتمعات –إنما هو تاريخ كفاحات طبقية ووسائل الإنتاج هي الحكم الفصل الحقيقي الذي كان يقرر مصير هذه المجتمعات، فالإنتاج وما يصحبه من تبادل المجتمعات هو أساس كل نظام اجتماعي وفي كل مجتمع ظهر في التاريخ نجد أن توزيع المنتجات وما يلزمه من تقسيم المجتمع إلى طبقات يعينه الإنتاج وطريقة وكيفية تبادله فحسب هذه النظرية نرى أن الأسباب النهائية لكافة التغيرات الاجتماعية والثورات السياسية يجب البحث عنها في التغيرات التي تطرأ على أسلوب الإنتاج والتبادل.فالمادية التاريخية إذن تجعل أسلوب إنتاج الحاجات المادية أساسا للتطور وتجعل صراع الطبقات سبيل هذا التطور ,فالمجتمع البشري مجتمع متطور، والعامل المسير المحتم لهذا التطور هو التغيير الذي يحدث في وسائل الإنتاج، والذي يعين نوع العلاقات الاقتصادية في كل مرحلة من المراحل، وهذه العلاقات الاقتصادية تحتم بدورها نوعا من الأوضاع الاجتماعية والعقائد الدينية والمذاهب الأخلاقية.وبتطبيق هذا الأسلوب في البحث نرى أن التاريخ عند الماركسيين قد مر بعدة تطورات ومراحل ابتدءا من الشيوعية البدائية الجماعية إلى نظام الطبقات متمثلا في انقسام المجتمع إلى سادة وعبيد في العصور القديمة، والى سادة إقطاعيين وأقنان في العصر الإقطاعي، ورأسماليين وعمال أجراء في العصر الحديث، وإن هذا التطور يتجه بفعل القوانين التي تتحكم فيه إلى نظام جديد تزول فيه المصالح الاقتصادية المتضاربة..فالعالم كله عند كارل ماركس قد مر بمراحل أربعة، ومازالت أمامه أخرى.نقد النظرية:– استبعاد العامل الديني في التفسير المادي للتاريخ..فالتفكير المادي لا يؤمن إلا بالمحسوس، ويستبعد الغيبيات من مجال بحثه، ولا يسلم أصلا بوجودها” ( محمد رشاد خليل، 1986:ص79)يقول انجلز” إن العالم المادي الذي ندركه بحواسنا والذي نحن جزء منه هو الحقيقة الوحيدة”(عبد المنعم خفاجي،1982: ص91)فالماركسية تنكر الغيبيات وتنكر الحياة الأخرى ولا تقر بوجود الله لا كخالق، فما الدين والإيمان إلا وهما شكل على مر التاريخ وسيلة تبنتها أقلية الناس لاستغلال الأكثرية، فالدين يثني انتباه الأكثرية عن هدفها ويبعدها عن مشاكل الحياة وعنالمصير الحالي.. فالإلحاد جزء طبيعي من هذه الفلسفة، وهو لا ينفصل عنها البته.– الحتمية التاريخية.. يؤخذ على أفكار المدرسة المادة التاريخيه تناولتها قضاياالتاريخ، بمنطق مثل الحتمية التاريخية، والتطور التاريخي الحتمي، وفق الصراع الطبقي، مما يجعلها بعيدة عن العلمية حيث أهملت أسس البحث العلمي التجريبي.– تفسير التاريخ بالعامل الواحد.. أن تاريخ الإنسان تكونه عوامل كثيرة، ليس الاقتصاد إلا عاملا واحدا منها،فهناك أشياء كثيرة غير العامل الاقتصادي, فالإنسان لا يقصر حياته على أن يحبو على بطنه, فهناك أشياء تحفز الإنسان للعمل والتيهي غير الاقتصاد بتاتا” (سليمان الخطيب،ب-ت: ص 98 (-تجاهل التأثيرات الروحية في الحياة.. لقد بالغت الماركسية في إعطاء الاقتصادالدور المسيطر في حركة التاريخ وتجاهلت التأثيرات الروحية الكبرى في الجانبالاجتماعي، وبالأخص إذا كانت الأيديولوجيات الدينية هي المحرض الأول.– أنها تعتبر الإنتاج وحده هو الذي يحدد شكل العلاقات بين الأفراد.. وان قوانين الصراع الطبقي ونمو التشكيلات الاجتماعية والاقتصادية هي فقط القوانين الحقيقية التي تحكم مسيرة التاريخ فجميع الدوافع الأخرى في حركة التاريخ تدعمها الأحوال المادية.-اختاروا بضع مراحل وأحداث من التاريخ هي التي وجدوا فيها مصداق كلامهم، وأهملوا الباقي، حيث ركزوا على التاريخ الأوربي واحداثه، واغفلوا دراسة تاريخ العالم كله.– لقد حاول كارل ماركس أن يصوغ القوانين الاجتماعية على غرار القوانين الطبيعية، وذلك لكي يبرهن بطريقة ما على أن أسلوب الإنتاج في الحياة المادية هو الذي يعين الطابع العام لطرق الحياة الاجتماعية والسياسية والروحية، وعلى هذا الأساس فان التاريخ الإنساني هو تاريخ الصراع الناشب بين الطبقات الاجتماعية، وان الحالة الاقتصادية هي التي تحدد بصفة قاطعة النظم الأخلاقية والدينية والاجتماعية والسياسية” (خالد فؤاد طحطح،ب-ت:ص11)-وأما إذا فشلت المادية التاريخية في أداء مهمتها العلمية المزعومة، وثبت لدى التحليل أنها لا تعبّر عن القوانين الصارمة الأبدية، للمجتمعات البشرية، فمن الطبيعي عندئذ أن تنهار الماركسية المذهبية، المرتكزة عليها.-العامل الاقتصادي هو أحد العوامل المؤثرة في حياة الإنسان، ولكن حصره في نطاق البحث عن الطعام والشراب خرافة لا تستند إلى دليل علمي، وأن السبب في تغيير النظام لا يعود لأدوات الإنتاج، لأن دولاً كثيرة تملك أدوات إنتاج متماثلةوأنظمتها مختلفة.-أن أسلوب التعميم الذي سلكه ماركس في تفسيره المادي للتاريخ مخالف للمنهج العلمي، لأنه لا يجوز للباحث التاريخي أن يجعل دراسته قاصرة على حياة أمة من الأمم في فترة من الفترات، ثم يعمم النتيجة التي توصل إليها على جميع الأمم، وأن القول بأن التاريخ البشري أصبح بكامله منذ ظهور الملكية الخاصة مسرحاً للصراع الطبقي باطل-إن خطأ القول بحتمية العامل الاقتصادي من ابرز أخطاء الماركسية القول بالجبرية الاقتصادية التي لا اختيار للإنسان أمامها ولا انفكاك من تأثيرها فشعور الناس ليس هو الذي يعين وجوده وإنما وجودهم هو الذي يعين مشاعرهم . ومما لا شك فيه أن الاقتصاد له أهميه بالغه كمقوم من مقومات الحياة الإنسانية ونحن لا ننكر ذلك وإنما الذي ننكره هو القول بحتمية العامل الاقتصادي وجعله العامل الوحيد المؤثر في تشكيل المجتمع .– ترى أن الصراع الطبقي، وليس الحتمية الاقتصادية، هو محرك التاريخ. فالتعارض بين قوى وعلاقات الإنتاج الذي ينشأ داخل نمط إنتاجي معين لا يؤدي بشكل آلي وميكانيكي إلى تقويض هذا النمط واستبداله بنمط جديد قادر على تطوير قوى الإنتاج. لا بد من أن تكون هناك قوة اجتماعية (طبقة) جديدة وحيوية مستعدة لخوض صراع من أجل الاستيلاء على السلطة.. (جماعة تحرير العمل،1997 :ص22)– إن الضلالات الكبيرة التي تدفق بها على الإنسانية سبيل الحضارة الجديدة , من منابعها الفكرية المهمة , هي تلك الفلسفات للتاريخ التي كان أول من قال بها هيجل,والتي بني على مقدماتها كارل ماركس تفسيره المادي للتاريخ فيما بعد .-أن الحضارة بجملتها في كل عصر من عصور التاريخ وحدة وأن كل ما يوجد في عصر من العصور من الأخلاق والقوانين والدين والعلم والفلسفة والفن والعلائق الدولية, إنما هي في حقيقة الأمر مظاهر مختلفة للطبيعة الاجتماعية أو الروح الكلية لذلك الزمان .– الفهم الخاطيء للمدنية.. إن أي مدنية من مدنيات الإنسان عندما تدرك وتبلغ ذروة كمالها , فإن مجموعة جديدة من الميول والنظريات والتصورات تبرز إلى الوجود من داخل نفس تلك المدنية وتشرع في محاربة الأفكار والنظريات القديمة إلى أن تخرج إلى حيز الوجود مدنية جديدة يبقى فيها كل ما في المدنية القديمة من العناصر الصالحة وتحل مكان العناصر غير الصالح عناصر ثمينة من الأفكار والميول والنظريات الجديدة , وهكذا فإن مختلف المدنيات التي مازالت ولا تزال تظهر إلى الوجود تكون أصلح وأفضل من سابقاتها لأنها تحوز في نفسها كل ما في هذه المدنيات السابقة من العناصر الصالحة , ومع هذا تضيف إلى هذه العناصر عناصر ثمينة أخرى من الأفكار والنظريات الجديدة .-ومن أخطائه دراسته لتاريخ الحضارة الإنسانية، من حيث أنه لا يراها مبنية إلا على أيدي أولئك الذين كانت إنسانيتهم تابعة لحيوانيتهم, ومع انه لو كان نظر بعين حرة, لوجد أن كل ما هو ثمين وصالح وجدير بالتقدير والاحترام من عناصر المدنية الإنسانية, إنما هو منحة من أولئك الذين جعلوا حيوانيتهم تابعة لإنسانيتهم وأثروا بشخصيتهم القوية في أغلبية ساحقة من أفراد البشر المتصفين بالصفات الحيوانية فأدخلوا في حياتهم مبادئ دائمة للحضارة والأخلاق والروحانية والعدل والإنصاف.-يختصر بذلك تاريخ البشرية الذي يمتد ملايين السنين في الحقبة التي ساد فيها الإقطاع، ويحسب أن البشرية كانت تتطور نحو الأسوأ دائما، مع إن تاريخالبشرية كان يتأرجح بين الصلاح والفساد، يطرأ الفساد فيأتي الأنبياء فيعودوا بالبشرية لطور الصلاح بعد تطهيرها من المعاندين، ثم يموت النبي فينسى الناس رسالته مع مرور الوقت، وهكذا تتكرر التجارب” (أبو الأعلى المودودي،ب-ت: ص18)

المنهج الجدلي

حول المنهج الميتافيزيقي والجدلي في الفلسفةد. خليل اندراوسأزمة عالمية ومقاومة عالمية!  ماركس: “لا يختلف منهجي الجدلي في الأساس عن منهج هيغل فقط، بل هو نقيضهُ تماما. إذ يعتقد هيغل أن حركة الفكر التي يجسدها باسم الفكرة هي مبدعة الواقع الذي ليس سوى الصورة الظاهرية للفكرة. أما أنا فأعتقد على العكس، إن حركة الفكر ليست سوى انعكاس حركة الواقع وقد انتقلت إلى ذهن الإنسان”. يتميز النهج الميتافيزيقي برفضه للتغير وفصله بين ما لا يمكن فصله، وإهماله بل ورفضه للأضداد. فهذا النهج لا يرى جوهر الواقع الذي هو تغير مستمر وتحول دائم. أما النهج الجدلي فينظر إلى الاشياء والمعاني في ترابطها بعضها بالبعض وما يقوم بينها من علاقة متبادلة، وتأثير كل منها في الآخر. في هذه المداخلة نعني “بالمنهج” الطريق الذي يؤدي بنا الى الهدف. ولقد درس كبار الفلاسفة أمثال ديكارت سبينوزا وهيغل، قبل، ماركس قضايا المنهج لاهتمامهم باكتشاف الوسائل العقلانية لبلوغ الحقيقة وجاء ماركس بفلسفته ونظر إلى الواقع وجها لوجه. وتخطى برؤيته وفلسفته رؤية المظاهر المباشرة من خلال منهج علمي كطريق وحيد يتيح تكوين نظرة علمية إلى العالم المادي الموضوعي، والتي هي، أي النظرة العلمية الجدلية، ضرورية لفهم وممارسة عملية التغيير الثوري للمجتمع، أي مجتمع.فالجدلية هي المنهج الوحيد الذي يوافق النظرة العلمية إلى العالم.إلى جانب المنهج الجدلي في الفلسفة هناك المنهج الميتافيزيقي الذي يعتبر الأشياء “وكأنها تامة الصنع” لا تتغير ولا تتأثر بأسباب التغير حسب قول إنجلز في كتابه لورفيغ فورياخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية ص – 35. واصفا النهج الميتافيزيقي. فكلمة “ميتافيزيقية” مشتقة من ميتا اليونانية وتعني “ما وراء”  و”فيزيقيا” وهي تعني علم الطبيعة.وموضوع الميتافيزيقيا (ولا سيما عند ارسطو) هو دراسة الكائن الذي يوجد وراء الطبيعة.وبينما الطبيعة متغيرة، فإن الكائن الذي يوجد وراء الطبيعة أبديٌّ لا يتغير، يسميه البعض الله ويسميه الآخرون المطلق .. الخ.فالمنهج الميتافيزيقي يجهل حقيقة الحركة والتغير. وبما ان المنهج الميتافيزيقي يجهل الحركة، لذلك يرتكز هذا النهج على مفاهيم السكون والتماثل وشعاره “لا جديد تحت الشمس”.والقول بأن الرأسمالية أبدية وأن مصائب الرأسمالية وعيوبها (من إفساد وأنانية وقسوة واضطهاد وظلم، التي يعاني منها المجتمع الرأسمالي وكأنها أيضا ظاهرة أبدية مخلدة) هي أيضا ضرب من التفكير الميتافيزيقي.لأن الميتافيزيقي يتمثل في خاطره إنسانا “أبديا” لا يتغير.وهذا التفكير يفصل الإنسان عن بيئته وعن مجتمعه، فمثلا القضاء على مجتمع المشاع ومن ثم العبودية والإقطاع، والانتقال إلى المجتمع الرأسمالي، وبعد ذلك الانتقال إلى المجتمع الاشتراكي بموجب هذا المنهج يظل الانسان كما هو بدون أي تغير.فهذا النهج أي النهج الميتافيزيقي يفصل بصورة غير علمية اعتباطية بين ما هو في الواقع لا انفصال بينه، فالإنسان ثمرة لتاريخ المجتمعات، ثمرة لتغير التشكيلات الاقتصادية الاجتماعية للمجتمع. فالإنسان يتواجد داخل المجتمع، وليس خارج المجتمع، وهذا التواجد يعكس العلاقة الجدلية بين المجتمع والفرد. بين الوجود والإدراك.النهج الميتافيزيقي يحدد الأشياء تحديدا نهائيا ويحرص على أن يعزلها بعضهما عن بعض، وعلى ان تكون متنافرة لا يمكن التوحيد بينها.فالفكر الميتافيزيقي يعتقد بأنه لا يمكن أن يوجد متناقضات في نفس الوقت فهذا النهج يقول بأن الكائن، إما أن يكون حيا وإما أن يكون ميتا ولا يمكن أن يكون حيا وميتا في نفس الوقت.مع العلم مثلا بأن في الجسد الإنساني في كل لحظة تحل خلايا جديدة محل الخلايا الميتة. وتقوم حياة الجسم، كل جسم حي، على هذا النضال المستمر بين الأضداد.لذلك يتميز النهج الميتافيزيقي برفضه للتغير وفصله بين ما لا يمكن فصله، وإهماله بل ورفضه للأضداد. فهذا النهج لا يرى جوهر الواقع الذي هو تغير مستمر وتحول دائم.لقد كان للمنهج الميتافيزيقي ضرورته التاريخية، إذ كان يجب في بداية الادراك والوعي الانساني دراسة الأشياء وفهمها قبل دراسة ما يعتريها من تغيرات وتحولات، كان يجب معرفة ماهيـّة هذا الشيء أو ذاك قبل ملاحظة ما يعتريه من تحول.”وكذلك كان شأن العلوم الطبيعية، ولقد كانت الميتافيزيقا القديمة التي كانت تعتبر الأشياء أبدية لا تتغير، ثمرة علم الطبيعة الذي كان يدرس الاشياء الميتة والحية على انها لا تتغير”. (انجلز: لودفيغ فورباخ ص – 35 / دراسات فلسفية ص – 46)غير أن تقدم العلوم حمل العلماء على الخروج عن نطاق الميتافيزيقا الضيق.”حتى إذا تقدمت دراسة الطبيعة وأمكن الانتقال لدراسة التغيرات التي تخضع لها الأشياء ضمن الطبيعة بصورة منظمة أزفت ساعة أفول الميتافيزيقا القديمة”. (انجلز لودفيغ فورباخ ص-35).أما النهج الجدلي فينظر إلى الاشياء والمعاني في ترابطها بعضها بالبعض وما يقوم بينها من علاقة متبادلة، وتأثير كل منها في الآخر. وما ينتج عن ذلك من تغيير. كما تنظر إليها عند ولادتها ونموها وانحطاطها. (انجلز ضد دوهرنج ص- 392)ولذلك نقول بأن الفكر الجدلي يتعارض في كل ناحية مع الميتافيزيقا. وليس ذلك أن الجدلية لا تقبل أي سكون أو فصل بين مختلف جوانب الواقع بل هي ترى في السكون جانبا نسبيا من الواقع بينما الحركة مطلقة. وكذلك تعتبر الجدلية ايضا بان كل فصل او تمييز هو نسبي لأن كل شيء يحدث في الواقع بطريقة أو أخرى. وأن كل شيء يؤثر في الآخر.والفكر الجدلي يهتم بالحركة في كل أشكالها، وليس فقط بالتغير المكاني بل بتغييرات الحالات كتحول الماء السائل إلى بخار وتفسير الحركة عن طريق نضال الاضداد. وهذا القانون، أي نضال الأضداد أهم قانون في الجدلية.يقوم الفكر الميتافيزيقي بعزل الأضداد بعضها من بعض، وينظر إليها على انها متنافرة بصورة منتظمة. أما الفكر الجدلي فهو يكتشف بأنه لا يمكن أن يوجد بعضها دون بعض، وإن كل حركة وكل تحول إنما يفسره ما ينشأ بينها من صراع الأضداد. وأفضل مثل على ذلك حياة الجسد التي هي نتيجة صراع مستمر بين قوى الحياة وقوى الموت، وأنها انتصار تنتزعه الحياة من براثن الموت.إذ إن كل كائن عضوي هو في كل لحظة، ذاته وليس بذاته، فهو في كل لحظة، يتمثل بمواد جديدة ويفرز مواد أخرى، تموت في كل لحظة خلايا من جسده بينما تتكون أخرى.فإذا بماهية هذا الجسد تتجدد في مدة قصيرة، وقد حل محلها ذرات مادية أخرى وبمعنى أن كل كائن عضوي هو دائما ذاته وليس بذاته.وإذا تأملنا الأشياء جيدا وجدنا أن قطبي التناقض لا يمكن الفصل بينهما بالرغم من تناقضهما، وإن كل منهما يتداخل في الآخر، وهكذا نرى بأن السبب والنتيجة هما تصوران لا قيمة لهما الا إذا طبقناهما على حالة معينة. فخلال التفاعل الشامل المتبادل حيث تتبدل الأسباب والنتائج باستمرار فيصبح ما كان نتيجة هنا سببا هناك وهكذا دواليك. ( إنجلز ضد دوهرنج صفة 54). تبادل السبب والنتيجةهناك مثالان بسيطان على هذا التفاعل حيث يصبح السبب نتيجة والنتيجة سببا. تكون مياه البحر والأنهار بتبخرها الغيوم التي تتساقط بدورها أمطارا تسقط على الأرض. كذلك يحتاج الدم الذي يدفعه القلب إلى الرئتين اللتين تمدانه بالأوكسجين كما أن الرئتين لا تعملان بدون الدورة الدموية.وفي المجتمع قانون نضال الاضداد يظهر في صورة نضال الطبقات. يعود إلى فلاسفة اليونان الفضل في بدء الفكر الجدلي. فقد تصوروا الطبيعة ككل. وكان هرقليط يعلم الناس أن هذا الكل يتحول فكان يقول لا ندخل قط في نفس النهر مرتين.وعند أفلاطون يحتل نضال الاضداد مكانة كبيرة الذي يشير إلى خصب هذا النضال، إذ إن الأضداد يولد كل منها الآخر وأروع مثال على الجدلية الأفلاطونية نجدها في إحدى محاوراته الشهيرة وهي محاورة “فيدون”.وكلمة الجدلية مشتقة من الكلمة اليونانية “OIA – LEGEIN” وتعني ” جادل ” فهي تعبر عن صراع الافكار المتناقضة.ونجد عند ديكارت وسبينوزا أمثلة رائعة على التفكير الجدلي.وبعد انتصار الثورة البرجوازية في فرنسا والقضاء على المجتمع الإقطاعي الذي خـُيل للفكر الإنساني حتى ذلك الوقت بأنه أبدي لا يزول قام الفيلسوف هيغل بثورة مماثلة في الأفكار فأنزل الميتافيزيقا وحقائقها الخالدة عن عرشها، وإذا بالحقيقة عنده، أي عند هيغل، ليست مجموعة من المبادئ الجاهزة، بل هي عملية تاريخية تبدأ بالمعرفة البدائية لتنتهي بالمعرفة السامية.وهي تتبع في ذلك حركة العلم نفسه الذي لا يتطور إلا إذا عمد إلى نقد نتائجه باستمرار وتجاوز هذه النتائج. وهكذا نرى بأن الدافع لكل تحول هو نضال الاضداد.ولكن جدلية هيغل مثالية لأن طبيعية التاريخ الإنساني بالنسبة إليه، لم تكن سوى تجلي الفكرة الأزلية. وهكذا تضل جدلية هيغل جدلية روحية صرفة.وفقط ماركس استطاع أن يعيد الجدلية إلى مكانها الحقيقي فرفض نظرة هيغل المثالية للعالم التي ترى الكون المادي ثمرة للفكرة الأزلية أو المطلقة، وأدرك أن قوانين الجدلية هي قوانين العالم المادي، وأنه إذا كان الفكر جدليا فلأن الناس ليسوا غرباء في هذا العالم المادي بل هم جزء منه.كتب إنجلز وهو صديق ماركس ومساعده، يقول:” ليست الجدلية، عند هيغل – التي تتجلى في الطبيعة والتاريخ في صورة ترابط التقدم السببي الذي نجده منذ البداية حتى النهاية خلال جميع الحركات المتعرجة الإلتواءات المؤقتة – ليست هذه الجدلية سوى صورة لحركة الفكرة الذاتية التي تستمر منذ الازل حيث لا ندري، مستقلة عن كل ذهن إنساني مفكر. فكان لا بد من تجنب هذا الانقلاب الفكري فنظرنا إلى أفكار الذهن نظرة مادية على انها انعكاس للأشياء بدلا من أن ننظر إلى الأشياء على انها انعكاس لدرجة معينة من درجات الفكرة المطلقة.وهكذا أصبحت الجدلية معرفة قوانين الحركة العامة، في العالم الخارجي أم في التفكير الإنساني. وهما طائفتان من القوانين المتماثلة في الاصل المختلفة في الشكل بمعنى أن الذهن الانساني يمكن أن يطبقها عن وعي وإدراك.بينما هي لا تطبق في الطبيعة أو التاريخ الإنساني الا بصورة غير واعية في شكل الضرورة الخارجية وسط العديد من الصدف الظاهرة. فإذا بجدلية الفكر ليست سوى انعكاس بسيط واعٍ لحركة العالم الحقيقي الجدلية، وإذا بجدلية هيغل ترفع رأسها فتقف على رجليها بعد أن كانت تقف على رأسها” ( انجلز لودفيغ فودباخ ص 33-34).ولذلك تقول بأن ماركس رفض القشور المثالية في فلسفة هيغل واحتفظ “باللباب العقلي” أي احتفظ بالجدلية وهو يقول ذلك بنفسه (أي ماركس) بوضوح في المقدمة الثانية لكتاب “رأس المال” ( كانون الثاني 1873) يقول ماركس:”لا يختلف منهجي الجدلي في الأساس عن منهج هيغل فقط، بل هو نقيضهُ تماما. إذ يعتقد هيغل أن حركة الفكر التي يجسدها باسم الفكرة هي مبدعة الواقع الذي ليس سوى الصورة الظاهرية للفكرة. أما أنا فأعتقد على العكس، إن حركة الفكر ليست سوى انعكاس حركة الواقع وقد انتقلت إلى ذهن الإنسان”. ( ماركس رأس المال الكتاب الأول ص 29). انقلاب ثوري في الفلسفةكيف وصل ماركس وإنجلز إلى هذا الانقلاب الثوري في الفلسفة؟ نجد الجواب على ذلك في مؤلفاتهما. إذ ان ازدهار علوم الطبيعة في القرن الثامن عشر وفي السنوات الاولى من القرن التاسع عشر، هو الذي أدى بهما إلى القول بأن للجدلية أساسا موضوعيا.وكان للاكتشافات الثلاثة التالية أثر كبير في ذلك.الأول: اكتشاف الخلية الحية التي تتطور عنها الاجسام المعقدة.ثانيا: اكتشاف تحول الطاقة من حرارة وكهرباء مغناطيس وطاقة كيميائية، .. الخ . فهي صور مختلفة نوعيا لحقيقة مادية واحدة.ثالثا: نظرية التطور عند داروين فقد أظهرت هذه النظرية أن جميع الكائنات الحية ومنها الإنسان هي ثمرات التطور الطبيعي ( داروين أصل الأنواع 1859).ولقد أوضحت هذه الاكتشافات كما أوضحت جميع العلوم في ذلك العصر، كفرضية كانت التي تفسر النظام الشمسي أو نشوء علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) الذي يعيد بناء تاريخ الكرة الأرضية، الطابع الجدلي في الطبيعة على انها وحدة لكل شاسع وفي صيرورة دائمة، يتطور حسب قوانين ضرورية ولا يكف عن توليد المظاهر الجديدة وما النوع الانساني والمجتمع سوى لحظة من هذه الصيرورة الشاملة.من هنا نستطيع ان نقول بأن ماركس وإنجلز لم يكتشفا ولم يتوصلا الى المنهج الجدلي المادي بصورة اعتباطية، بل استقياهُ من العلوم نفسها التي تتخذ الطبيعة موضوعا لها والطبيعة جدلية في ذاتها.لم يستطع الماديون الفرنسيون في القرن الثامن عشر كديدرو ودولباخ وهلفيتوس الذين يرى فيهم ماركس أساتذته المباشرين ويؤمن بنظرتهم المادية للعالم، اكتشاف المنهج الجدلي. لماذا؟ لأن العلم في القرن الثامن عشر لم يتح لهم مثل هذا الاكتشاف.فقد كانت علوم المادة الحية لا تزال في المهد. ولقد رأينا الدور الكبير الذي قامت به في تكوين المادية الجدلية بإدخالها فكرة التطور.وكان العلم السائد في القرن الثامن عشر هو علم الميكانيكا العقلية (نيوتن) الذي لا يعترف إلا بأبسط صورة للحركة وهي تغيير المكان. لهذا السبب سميت مادية القرن الثامن عشر مادية ميكانيكية، وهي بهذا مادية ميتافيزيقية لأنها لا تدرك التغير ولا تعرف نزاع وصراع الاضداد.ولهذا ظل ماركس وإنجلز طيلة حياتهما على اتصال دائم بتقدم العلوم.برهن المنهج الجدلي على خصبه وعمقه واتساعه عند ماركس وإنجلز نفسيهما. فلقد حل كل من ماركس وإنجلز المشكلة التي لم ينجح سابقوهما في وضعها فلقد طبقا الجدلية المادية، النهج الجدلي المادي على التاريخ الانساني على المجتمع الانساني فأسس علم المجتمعات الذي يقوم على فلسفة المادية التاريخية. وبهذا وضعا الأساس العلمي الجدلي لتطور المجتمع الانساني الموضوعي نحو مجتمع المستقبل، الأساس العلمي للاشتراكية كمرحلة انتقالية نحو المجتمع الشيوعي – مملكة الحرية على الارض.ولهذا أعلنت البرجوازية دائما خدمة لمصلحتها الطبقية وخاصة الآن بعد فشل تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي، الحرب على الجدلية لأن الجدلية فضيحة بالنسبة للطبقات المسيطرة ومفكريها.ولذلك نجدهم اليوم يعودون أي فلاسفة البرجوازية الى المنهج الميتافيزيقي في السياسة والفلسفة من خلال طرح نظريات ” نهاية التاريخ” ” وصراع الحضارات” وغيرها من النظريات البعيدة عن الموضوعية والعلمية، فالنظرة العلمية الموضوعية للأشياء الموجودة تتضمن أيضا إدراك زوال الطبقات وفنائها الضروري. لأن الفكر والنهج والفلسفة الجدلية المادية تدرك وتعالج صراع الاضداد داخل المجتمع الرأسمالي وخاصة “الصراع الطبقي”، وتدرك بأن المجتمع الانساني في حركة دائمة وان هذه الحركة هي جدلية نقدية ثورية. //المراجع:

ماذا تعني فلسفة الإختلاف

 ماذا تعني فلسفة الاختلاف؟* من رشيد بوطيب ـ المانيا: ينتمي فكر دريدا الى سياق تيار اسميه «فلسفة الاختلاف». واضافة الى دريدا هناك فلاسفة آخرون يمثلون هذا التيار بفرنسا: ميشيل فوكو، جيل دولوز، جان فرانسوا ليوتارد، جوليا كريستفا وليس ايجاري. وايضا بالمانيا وايطاليا هناك عمل بطرق شتى على «فلسفة الاختلاف»، وتمثل «التفكيكية» التي تطورت بشعبة النقد الادبي بالولايات المتحدة، تطورا لفكر دريدا. غير ان اطلاق وصف «فلسفة الاختلاف» لا يمر من دون اثارة مشاكل. انه وصف مستمد من النقد الموجه لفكر الهوية كما تطور ـ هذا النقد ـ عند ادورنو. ان نفكر في الاختلاف، يعني ان لا نفكر بمنطق الهوية، وان لا نرجع الآخر والمتعدد الى المثل والشبيه، لهذا فإنه من غير المعقول ان نفهم تيار الاختلاف، كتيار واحدي ومحدد المعالم. فكر الاختلاف لا يمكنه الا ان يكون مختلفا ومخالفا وليس واحديا. ويمكن للمرء ان يعتبر مقالة هايدجر «الهوية والاختلاف» الوثيقة الاصلية لهذا العمل الفكري، هذه المقالة التي تظهر كيف طغى مفهوم الهوية على الفلسفة الغربية منذ افلاطون، وكيف ان الكثير والمتعدد لا يمكن ادراكه الا من خلال هذا المفهوم. طبعا، ان هذا التقليد الفلسفي يحتوي على انظمة ثنائية وأخرى تعددية وثالثة ضد كل نظام ولكن «الاتجاه نحو الواحد» يمثل التيار الطاغي، واذا ما دعت الضرورة الى تدميره، فسيترتب على ذلك توديع عادات فكرية كثيرة. ان التصورات الفلسفية تبدو متأثرة بعمق، بفكر الهوية، ولا يمكنها والحال هذه، ان تدرك الاختلاف. لهذا فإن اطلاق صفة فلسفة الاختلاف هو في حد ذاته إشكال. ولقد لاحظ ذلك ادورلو بوضوح، حين قال بأن مفهوم التفكير هو مفهوم مطابق لذاته. فالتفكير بواسطة المفاهيم، يعني التعميم وتمييز المشترك، والخاص وغير المتطابق، يجب حسب منطق هذا الفكر ان يسقط. ولأننا وحسب ادورنو لا نملك فكرا آخر، يظل هناك طريق واحد امامنا، ان «نخرج عبر المفهوم من المفهوم»، الخروج من الفلسفة يظل في حد ذاته فلسفة، لكنه خروج يحمل معنى القطيعة النهائية مع التقاليد.اختار جاك دريدا العمل داخل اللغة وعلى اللغة. انه ليس مستعدا ـ تماما مثل ادورنو ـ لتقبل التصورية التقليدية كشيء لا مهرب منه. وخير مثال على ذلك، هو طريقة كتابته للمصطلح: «اختلاف» هذه الطريقة التي يريد عبرها طرح حزمة من المعاني. انه يريد خاصة الاشارة الى سيرورة التكوين الذاتي للاختلاف. وبعيدا، يأخذ بالمصطلح «نزاع» الذي يستعمله ليوتارد ايضا. على انه يجب على المرء ان يشارك في التفكير، خصمه او خصومه في النزاع. الذي يحدث هنا في اللغة ومع اللغة، صعب الفهم وله نتائج بعيدة المدى.ان دريدا يلتحق بفهم ادورنو وايضا هايدجر، الذي يرى بأن التقليد الفلسفي الاوروبي، الذي يسيطر عليه فكر الهوية، ليس من المستحيل نفيه او تحويله. انه يعمل على هذا التقليد، يتعمق به، باحثا عن تحطيمه من الداخل. وينتج عن عمله هذا تفكيك للفلسفة. ويظهر الارتباط بين وجهي الهدم والبناء في هذا العمل بأن استراتيجية بسيطة للتجاوز او ترك ذلك بالخلف، ليست ممكنة. سيتم الاخذ بفكر الهوية وتجاوزه وسيتحول هذا الفكر الى امكانية من امكانيات كثيرة للخطاب الفلسفي، وسيتم اعداد امكانيات أخرى، من شأنها ان ترغم الخطاب التقليدي على الانفتاح

دريدا

 يتجه الفكر الفلسفي المعاصر وجهة غير معهودة في تاريخ الفكر الغربي. وفي هذا الإطار، يقدم فكر الاختلاف(1) نفسه كمساهمة جادة في فتح أفق غير مسلوك من قبل. ويعتبر «Jacques Derrida » من أبرز رواد هذا الاتجاه الجديد، حيث عمل على خلخلة مجموعة من المفاهيم الفلسفية السائدة على مدار تاريخ الفلسفة الأوربية. فقد تمكن من تفكيك البنيات العتيقة للميتافيزيقا، مساهما بذلك في تصدع هيكلها الأيديولوجي وقلب تراتبيتها. كما سمح بفتح حوار مع الهوامش انطلاقا من خلخلة النزعة المركزية السائدة في التاريخ الممتد إلى أفلاطون. إذن، فما هي طبيعة ونوعية هذه المساهمة التي قدمها “دريدا” باعتباره أحد الحلقات الأساسية المشكلة لفكر الاختلاف؟ وما هي قيمة هذه المساهمة؟ وما هي حدودها؟
 يضعنا الحديث في فكر الاختلاف عند “دريدا”، كحلقة متميزة من حلقات الفكر الغربي المعاصر، مباشرة ضمن سياق فلسفة « Heidegger » التي قامت أساسا على إعادة تجديد الاعتبار لمفهوم “الوجود”(2) لا على جهة الحضور التي دأبت الميتافيزيقيا على تناوله، بل من خلال القول باختلاف “الوجود” عن “الموجود”، ثم في أن “الوجود” خاصيته الظهور والإختفاء. وفي هذا السياق يصرح “دريدا” أنه “لا شيء مما أحاوله كان سيكون ممكنا لولا إفتتاح المسائل الهيدجرية… وقبل كل شيء لولا الإنتباه إلى ما يسميه” هيدغر“الاختلاف بين الوجود والموجود”.(3)
 غير أنه، لم يكن بوسع “هيدغر” نفسه أن يفعل ذلك إلا بعد أن مارس طريقة في التفلسف تأخذ باعتبارات الاشتقاق والتأثيل اللغوية،(4) ليعمل فيما بعد على تقويض المفاهيم المؤسسة للتمثل الميتافيزيقي للوجود على أنه حضور، كمفهوم العقل أو “اللغوس” ومفهوم الحقيقة، والنظر، الذات، التطابق… وغيرها من المفاهيم الأخرى التي شكلت عماد التفلسف في كل عصور الفلسفة.
 من خلال هذا التقويض للتراث الميتافيزيقي،(5) عمل هيدغر على اجتراح أفق جديد لوضع القول الفلسفي، يختلف والاعتبارات الأنطولوجية والميتافيزيقية التي علقت به من ذي قبل. فهو يعتبرأنه إذا أردنا أن تتضح لنا قضية الوجود على طريق تاريخي، ينبغي أن ينتعش تراث قد تحجّر وأن يطهّر من الشوائب التي علقت به عندما قطع الزمن. ونحن ننظر إلى هذه المهمة كتقويض للرصيد الذي أبقى عليه التراث وأدّخره وإحتفظ به من الأنطولوجيا القديمة.(6)
 وبهذا تأسست دعواه حول مجاوزة الميتافيزيقا باعتبارها نسيان الوجود. ففي اعتباره يصبح الفكر الذي يفكر في حقيقة الوجود مرغما عليه أن يتجاوز الميتافيزيقا(7). وقد جاء “دريدا” في هذا السياق، آخذا على عاتقه إستراتيجية أكثر جذرية في تفكيك أسس هذه الميتافيزيقا، فتأسست دعواه على جعل الخطاب الفلسفي خطابا مكتوبا لا شفهيا. ومن أجل هذا الغرض، عمل على ردّ الاعتبار للكتابة بعد أن احتقرت من طرف الميتافيزيقا التي فضّلت الصوت عليها.
 لهذا انصبت تفكيكيات “دريدا” على البنيات الداخلية للنصوص، لكي يتمّ العثور على التوترات والتناقضات الداخلية فيها. فبينما تقوض هذه النصوص من الداخل انطلاقا من قوى متنافرة، تعمل إستراتيجية التفكيك على إبرازها انطلاقا من الآثار التي تتركها تلك القوى المحركة للنصوص(8). هنا يتعلق الأمر في هذه الإستراتيجية بتدعيم جوانب الخلخلة للقوانين الدلالية والتركيبية للمعنى، ليتم كشف قواعد لعبته الثاوية وراء لعبة الحضور والتعلق بالوجود والزمان.
 غير أنه لا يتوقف التفكيك عند هذا الحد، بل يذهب أبعد من ذلك إلى معنى الحضور الذاتي والمعنى ذاته، الذات والهوية…، وذلك لسبر حقيقتها وكشف الإختلالات والاختلافات الثاوية فيها، تماما كما تحيل على ذلك كلمة « Différence » نفسها عندما يتم إقحامها في الهوية « Identité »، فتشير فقط إلى التمايز والتباين، دون أن تشير إلى الخلاف والإرجاء(9).
 فالخلاف يفيد الجانب غير المطابق والمباين(10)، بينما يحيل الإرجاء إلى الزمان والتأخر والتعطيل، وهذا ما يكشف عن إستراتيجية توليد الفوارق والتباينات التي تجعل عملية الدلالة مستحيلة، مما يقضي بتجاوز الأسس الميتافيزيقية للمعنى كما هو في الفلسفة منذ أفلاطون.
 إنها دعوة إلى مجرد الاحتفاظ بالأثر في المكتوب والنصوص، ولهذا السبب تحديدا عمل “دريدا” على النظر في تاريخ الفلسفة على أساس أنها كتابة يقتضي النظر فيها والتفكير فيما يوجد فيها من أثر معلقة بها، وهذا الأثر ليس يتعلق بأسماء أو معان (دلالة) أو أصوات (الكلام)، بل لما يشكله من حلقات وسلسلات من الحروف ذات بنيات مزدوجة إثنينية: الإختلاف: الإرجاء والخلاف، الفارماكون(11): السم والدواء، الآثار: البقاء والزوال، غشاء البكارة: العذرية والزواج…
 تبيّن كذلك هذه الإستراتيجية عند “دريدا” عن وجه آخر للنظر إلى هذه الحالات لا على أنها أقوال متعلقة باعتبارات العقل، بل على أنها أثار وأشباح وعلامات مكتوبة وليست مجرد تغيّرات كلامية(12).
 ويقتضي النظر في هذه العلامات المكتوبة، ترك التوسل بالأدوات المنهجية اللسانية والمنطقية جانبا، والدخول في علاقة إستراتيجية جديدة تقوم على الإرجاء وتفكيك الكلمة الواحدة إلى سلسلة من الكلمات، مثل : « Différance ». (13) فيكون مقتضى النظر فيها على ما بينها من علاقات التوزيع والترابط والتسلسل، بحيث تجعلنا هذه الإستراتيجية ندخل في أكثر من علاقة مع كلمة واحدة في علاقتها بالثلاث الأخرى.
 وفي هذا الإطار يعتبر “الاختلاف” ليس كلمة ولا مفهوما؛ بل سلسلة من الحروف يمكن النظر في كل منها على حدة: « E » يصبح « A »على مقتضى استحضار معنى معين يخالف المعنى السابق. وهكذا تصبح إستراتيجية التفكيك، بما هي مجاوزة للميتافيزيقا، عملية تصدع وخلخلة للنصوص والمعاني باعتبارها أثرا موشوما على النص الميتافيزيقي(14)، وتكون عملية الخلخلة محوا للأثر، ثم يصبح التفكيك ممارسة لعملية التخصيب المستمرة للنصوص والكلمات وإبرازا للاختلافات التي توجد فيها، لأن الاختلاف عملية إستراتيجية هنا وليس مفهوما أو تصورا، وهذا ما يجعله غير قابل للترجمة.
 إن الاختلاف كلحظة مجاوزة للميتافيزيقا، لا يعكس أي اعتبار أنطولوجي كما يقول هيدغر، بل هو حسب “دريدا” عبارة عن ممارسة الدخول في العلاقات المختلفة مع النصوص. إنه ليس اختلافا انطولوجيا، ولا هو اختلاف بين أشياء معينة، بل اختلاف علاقات تظل قائمة في الكتابة، يتوجب على “الغراماتولوجيا” تولي مهمته(15). لذا لم يعد هناك مجال للحديث عن الثنائيات والأزواج، لأنه لم يعد للمركز دوره ولا حتى مبرر وجوده. ولهذا السبب رفض دريدا بشدة مركزية العقل التي شيدت لثنائيات: العقل واللاعقل، الحقيقة والخطأ. كما قوض مركزية الصوت التي أسست لثنائية الكلام والكتابة، ومركزية الذكورة التي أسست بدورها لثنائية الذكورة والأنوثة.
 وقد نتج عن ذلك اقرار “دريدا” بالاختلاف كأفق جديد للممارسة الفلسفية النقدية ضد الأزواج الميتافيزيقية، وضد الهوية والتطابق. وقد رافق ذلك دعوة ملحّة من طرف هذا الفيلسوف إلى أهمية الانفتاح على النصوص الأدبية والأعمال الهامشية، لما لها من خصوصية في اختراق الثنائيات وتفجيرها، كنصوص “باطاي”، “جان جوني” و“مالارمي”، “بلانشو”(16)…
 أدى هذا المنظور الفلسفي الاختلافي الذي قام “دريدا” على تعزيزه والنضال من أجل تحقيقه في مجمل كتاباته إلى إسقاط نموذج الإحالة كما كانت تُعرفُ في الدراسات النقدية واللسانية، إضافة إلى إخراج الفلسفة من تعاليها الميتافيزيقي نحو دائرة الهوامش والنصوص الأدبية والفنية المختلفة، كالمسرح والشعر والرواية… وهذا ما يجعل قيمة فكر الاختلاف أكثر اعتبارا وأهمية في ظل تداخل الأعمال الأدبية والفلسفية.
 غير أنه لا يعني ذلك أن هذا الفكر منزه عن النقد، خصوصا إذا ما تعلق الأمر بالجوانب اللسانية والحقول المعرفية الأخرى كالسيميولوجيا والمنطق، حيث تتنازع النظريات فيما بينها إلى درجة يصعب الحسم في الخلافات القائمة بينها، وفي هذا الإطار يأتي نقد “امبرتو إكو” و“رتشارد رورتي” لتفكيكيات “دريدا”.
 إن قيمة فكر “دريدا” الاختلافي تكمن في قدرته على خلق واجتراح أفق جديد للممارسة الفلسفية بعيدا عن المفاهيم القديمة، إضافة إلى أنه فتح قنوات التواصل من جديد بين الأدب والفلسفة.

لأطروحة الانقسامية بين الإرث الخلدون

الأطروحة الانقسامية بين الإرث الخلدوني والسوسيولوجيا الوضعية.الدكتور محمد جحاح  أستاذ السوسيولوجيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانيةجامعة المولى إسماعيل مكناستقديم:تعد الانقسامية بحق، من بين النظريات التي مارست إغراء كبيرا على الباحثين، خاصة المهتمين منهم بمجال المجتمع القروي بالمغرب(1) وشمال إفريقيا. وقد تبدو أهمية هذه النظرية وجاذبيتها أيضا، في طابعها التبسيطي، وفيما تقدمه من قدرة على استيعاب مختلف أشكال ومستويات الحياة الاجتماعية والسياسية، ضمن مقولات أكثر بداهة وأولية من قبيل: مقولة “النسب”. هذه الأخيرة التي تشكل البنية الارتكازية لأي تحليل انقسامي، والمفهوم الذي تتحدد من خلاله وعبره كافة مستويات التنظيم الاجتماعي والسياسي “الانقسامي”؛ بدءا من أصغر وحدة (العائلة)، وانتهاءا بأكبرها وهي (القبيلة).قد تبدو هذه النظرية إذن، وفي تركيزها الشديد هذا على مفهوم النسب، أقرب إلى نظرية ابن خلدون حول “العصبية القبلية”، لدرجة “يصبح ابن خلدون عندها أب التجزيئين (…. ) خاصة لما يعالج (… ) علاقة الدولة بالمجتمع ومسألة اللاتمركز عند المغاربيين”(2). وهنا بالذات تكمن إحدى أسس الطرح الانقسامي التي لم تأخذ حقها بما يكفي من الدراسة والتحليل.في الواقع، لا يمكن نفي ذلك التأثير القوي الذي مارسته النظرية الخلدونية هذه حول “العصبية”، ليس فقط على الانقساميين وحدهم، بل أكثر من ذلك على من سبقهم من مؤرخي وإثنوغرافيي الإدارة الكولونيالية الفرنسية. لكن الذي يمكن قوله بخصوص هؤلاء قد ينطبق – إلى حد بعيد – على الانقساميين: فالكل انطلق من “نصوص خلدونية مفصولة عن سياقاتها، أو دون أخرى تعدلها وتنقحها”(3). علاوة على ذلك، نضيف بأن ابن خلدون نفسه – ورغم موضوعيته – قد ظل سجين تطلع سياسي نحو دولة إمبراطورية وسلطة مركزية، وهذا ما لم يتحقق في إطار تجربة الدولة الموحدية ولا المرينية التي خلفتها؛ مما جعله يضخم من واقع التجزئة و”الانقسام” الذي حال دون هذا التطلع(4). ومن هنا أصل رؤيته الانقسامية، التي جعلت (إرنست كلنر) يصفه بالمؤسس الفعلي للخطاب الانقسامي حول المجتمعات المغاربية. لكن، إذا كانت إحدى أصول الأطروحة الانقسامية تمتد، بشكل أو بآخر، إلى حدود ابن خلدون ونظريته تلك حول “العصبية والدولة” كما صاغها في مقدمته الشهيرة(5)، فإن الأساس النظري والإبستمولوجي – بالمعنى الدقيق للمفهوم – والذي يؤسس لهذه الأطروحة، قد يعود بأصوله إلى السوسيولوجيا الوضعية Sociologie positive خاصة مع إميل دوركهايم E. Durkheim . ونستحضر هنا بالتحديد، ما كتبه هذا الأخير حول المجتمع “القبائلي” بالجزائر، ضمن كتابه الشهير “حول تقسيم العمل الاجتماعي”(6) باعتباره عملا مرجعيا في هذا الإطار. فقد غذى كثيرا تلك النزعة “الانقسامية” التي سرعان ما تم احتضانها ضمن مشروع الأنثروبولوجيا الاجتماعية الأنجلو – سكسونية، خاصة مع الباحث الإنجليزي (إيفانس برتشارد)(7). إذا كان الباحث الأنثروبولوجي (إيفانس بريتشارد) هو أول من طبق إذن مبادئ التحليل الانقسامي، في إطار دراسات ميدانية حول قبائل “النوير” (Newer) السودانية وقبائل البدو الموالية للزاوية السنوسية بصحراء “برقة” الليبية، فكيف يمكن تقييم محاولات من سبقوه في هذا التوجه الانقسامي: خاصة (إميل دوركايم) و (روبير مونطاني) R.Montagne ، وقبلهم ابن خلدون بالطبع؟ وما مدى مساهماتهم في تشكيل عناصر اقتصاد مفاهيمي، سوف يشكل رأسمالا تأسيسيا للبناء النظري الانقسامي؟ أو بشكل أدق: كيف، وإلى أي حد يمكن الحديث عن نوع من الاستمرارية والتقاطع بين الخطابين “الخلدوني” و “الوضعي” من جهة وبين “الخطاب الانقسامي” حول المجتمعات المغاربية؟ وفي نفس السياق أيضا، ما هي أهم الموضوعات والقضايا التي تركزت حولها اهتمامات الباحثين الانقساميين؟ وما هي أهم الانتقادات التي يمكننا توجيهها لهم في هذا الإطار؟-I-ابن خلدون والتأسيس للخطاب الانقسامي حول المجتمعات المغاربية.في مقال له تحت عنوان “العرب والبربر في مختبر التاريخ الاستعماري”، شدد الأستاذ (بنسالم حميش) كثيرا على ما اعتبره – بشكل من الأشكال- علاقة تأسيسية بين كل من الأطروحتين: الكولونيالية “الفرنسية”، والانقسامية “الأنجلو-سكسونية” من جهة، وبين نظرية ابن خلدون حول “العصبية والدولة” من جهة ثانية(8). فقد كان تعاطي هؤلاء مع المتن الخلدوني تعاطيا انتقائيا، بحيث تم التركيز على عناصر من داخل النظرية ومفاهيم دون غيرها؛ كما تم اعتماد نصوص مبتورة من سياقاتها العامة أو دون نصوص وشواهد أخرى تكملها وتعدلها(9). ولعل هذا ما يفسر سوء الفهم الذي ميز تعاطي هؤلاء مع النظرية الخلدونية، التي استحالت معهم إلى مجرد نظرية حول العنف والعنف المضاد.بل أكثر من ذلك، لا يقف الأمر هنا عند حدود (مسألة سوء فهم) فقط، إنما نعتقد جازمين بأن التعبير الأنسب لتوصيف هذا الوضع هو: (أنه كانت هناك سوء نية) وجهت علاقة هؤلاء مع المتن الخلدوني – كعلاقة انتقائية – . وهذا ربما يحيلنا، بشكل أو بآخر، على واحدة من أهم خصائص الخطاب الاستشراقي؛ من حيث نزوعه الانتقائي ذاك، أو ما اصطلح عليه الأستاذ (إدوارد سعيد) بالطبيعة “الاقتباسية” للاستشراق(10).إذن، فاختيار نص دون آخر، والتركيز على جوانب دون غيرها، أو زوايا نظر دون أخرى لاستجلاء معالم هذا النص واستنطاقه، هي سياسة مدروسة بدقة؛ (ولا بأس أن نتحدث هنا عن نوع من الاقتصاد السياسي للمعنى). فالنص، أي نص، لا يحمل بداهته في ذاته، إنه عملية بناء وهدم مستمرة من أجل توليد المعنى: (وهذا ما يقتضيه منطق التأويل)؛ أو بتعبير اقتصادي: إنه مادة خام يمكن تشكيلها عن طريق صهرها أولا (وهذا ما نعنيه بالتحويل).وفق هذين المنطقين المتكاملين إذن: منطق “التأويل” ومنطق “التحويل”، اشتغل إثنوغرافيو ومؤرخو الإدارة الاستعمارية على المتن الخلدوني: (هانوتو – ما سينيون- ج. دراك- هنري طيراس- دوتي- ميشو بيلير … )، لتكتمل الصورة بشكل أوضح مع من أعقبهم من أنثروبولوجيي المدرسة الأنجلو-سكسونية ذات التوجه البنائي – الوظيفي، والتي أصبحت تعرف بالمدرسة الانقسامية: (إيفانس بريتشارد- إرنست كلنر- د. هارت- ر. جاموس – جون واتربوري… ).لقد شكل النص الخلدوني إذن، لدى هؤلاء- (خاصة الانقساميين)، تلك الأرضية المهيأة والمعدة سلفا لبناء نظري أشمل وأدق، وهو ما ستتمخض عنه النظرية الانقسامية لاحقا؛ وكأن ابن خلدون توقف بمجهوده عند حدود تمهيد الأرض ووضع الأسس والدعامات. لعل هذا ما عبر عنه صراحة أحد أقطاب المدرسة الانقسامية، والأمر يتعلق هنا بإرنست كلنر حين اعتبر بأن نظرية العصبية عند ابن خلدون، ظلت صالحة لفهم وتحليل التاريخ الاجتماعي والسياسي للمجتمعات المغاربية إلى حدود الدخول الاستعماري للمنطقة. بل أكثر من ذلك، كل ما حدث هو تطوير هذه النظرية والارتقاء بها من “نظرية العصبية” إلى “نظرية الانقسام والتجزيء”(11)؛ وليس هناك أبلغ من هذا الاعتراف -من قبل إرنست كلنر- الذي يعتبر فيه بأن ابن خلدون كان انقساميا في تحليلاته للمجتمعات المغاربية، من دون أن تكون لديه مفاهيم انقسامية(12). وهنا إقرار بالأصل – كمصدر للاقتباس- لدرجة يصبح معها الخطاب الانقسامي بمثابة خطاب للمجتمعات المغاربية والعربية حول نفسها، عبر وسيط هو ما تقدمه الكتابة الأنثروبولوجية في قالب نظري واضح ودقيق. بمثل ما أصبح الاستشراق ذلك التشكيل الخطابي والجمالي، الذي يتحدث من خلاله وعبره ذلك “الشرق المتوحش” عن نفسه، عبر وسيط هو عين الغرب المتقدم وعقله المدرك تمام الإدراك كيف تصنع الحقيقة وتروج بلا غيا؛ من داخل النص وعبره.ألم يكن الاستشراق وفيما بعد الأنثروبولوجيا، ولا يزالان، عناصر حاسمة ضمن أخرى في إطار استراتيجية الهيمنة الشاملة للغرب الإمبريالي على باقي العالم؟! هنا بالذات تفتح مسارات أخرى للبحث هذا ليس مجالها.لنعد إذن إلى موضوعنا، ونرى كيف أثرت نظرية “العصبية القبلية” لابن خلدون على الأطروحة الانقسامية، من خلال بعض الأمثلة. من الأمور التي لفتت انتباه الدارسين أكثر من غيرها، بخصوص ابن خلدون وفكره الاجتماعي، ارتباط اسم هذا الأخير بعلم جديد حقق قفزة نوعية في مجال المعرفة الاجتماعية لذلك الوقت – (من دون أن يعني ذلك طبعا إنجاز قطيعة إبستمولوجية مع كل ما كان سائدا من أنماط معرفية سابقة)- . والأمر يتعلق هنا بعلم العمران البشري، الذي اعتبره صاحبه بمثابة علم جديد، ذي قانون خاص به وموضوع ومنهج متميزان. وقد عرفه بما يلي: “وكأن هذا علم مستقل بنفسه، فإنه ذو موضوع وهو العمران البشري والاجتماع الإنساني، وذو مسائل وهي بيان ما يلحقه من العوارض والأحوال لذاته واحدة بعد الأخرى. وهذا شأن كل علم من العلوم وضعيا كان أو عقليا”(13).ليس هدفنا هنا هو مناقشة هذا العلم الجديد، والتعريف به وبحدوده، وهل يستحق ابن خلدون من خلاله أن يسمى المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع كما يذهب البعض(14). بل ما يهمنا أكثر – (وارتباطا دائما بالإشكالية التي تطرحها هذه المقالة)- هو كيف قسم ابن خلدون موضوع علمه الجديد هذا إلى نوعين: “عمران بدوي” و “عمران حضري”؟ وكيف تصور طبيعة العلاقة الممكنة بين المستويين؟ لأنه في صلب إشكالية العلاقة هذه، وفي الطريقة التي يعالجها بها أيضا، تبرز ملامح وعناصر الخطاب “الانقسامي” الخلدوني. كيف ذلك؟لقد درس ابن خلدون علاقات البدو بالحضر كنمطين مختلفين من العمران البشري، معتبرا إياها السبب المحرك لما يسجله التاريخ من وقائع وأحداث حربية، سياسية، اقتصادية وثقافية. وقد شكل المجتمع المغاربي إبان الحقبة التي عاشها (أواخر الدولة المرينية: القرن 8هـ/ 14م) ميدانا لملاحظاته وتفكيره، لينتقل إلى دراسة الممالك البربرية السابقة على هذه المرحلة (مرابطين و موحدين)، مطورا بذلك نوعا من المنهج المقارن في دراسة تاريخ الدول الإسلامية في المغرب والمشرق(15). ويعرف ابن خلدون علم التاريخ بأنه علم يهتم بأحوال الاجتماع الإنساني، وهو يقول في هذا النص بأن: “… حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش، والتأنس، والعصبيات وأصناف التغلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها… “(16).ما يهمنا من كل هذا إذن، هو كيف تصور ابن خلدون حركة التاريخ؟ وما هي القوة المحركة له؟ وما هو أفق هذه الحركة وطبيعتها؟!في الواقع، إن حركة التاريخ عند ابن خلدون هي حركة انتقال دؤوبة من طور البداوة إلى طور الحضارة، وفي عملية الانتقال تلك، تلعب الدولة دورا أساسياباعتبارها أفقا ومقياسا لهذه الحركة. فمتى كثر العمران وزادت كثافته كانت الحضارة أكمل لأنها غايته، وفي نفس الوقت نهايته. هذه النهاية التي لن تكون سوى نهاية الدولة، بحكم فسادها الناتج عن سيادة قيم الترف والركون إلى الدعة التي هي إضعاف لشوكة العصبية إلى حد التلاشي. هكذا – وفي إطار نظرية الزمن الدائري التي يعتمدها ابن خلدون في تفسير التاريخ – فما دامت الدولة تسعى للانتقال دوما من حالة البداوة إلى حالة الحضارة، فهي محكومة بنفس القانون: أن تسقط وتنهار، لأن بلوغ غاية العمران القصوى، – أي الحضارة – هي إيذان بسقوطه. والنتيجة دائما هي نفسها، سقوط عصبية قبلية وصعود عصبية أخرى محلها، بحكم أنها هي الأقوى لأنها لا زالت تحتفظ بشروط تجذرها (أي البداوة). بهذا الشكل إذن، يستحيل تاريخ المجتمعات المغاربية إلى تاريخ عصبيات ودول، الواحدة تسقط والأخرى تخلفها؛ ومحور الصراع دائما هما البدو والحضر(17)، أو بلغة الانقساميين (القبيلة والدولة). هنا بالذات سيجد الخطاب الانقسامي إحدى أهم تخريجاته التي بنى على أساسها نموذجا خاصا في الرؤية والتحليل: (النموذج التجزيئي أو الانقسامي)Le paradigme segmentaire ، كما سنعرض له فيما يأتي. إن حركة التاريخ إذن، هي حركة دائرية المحرك الأساس فيها هي العصبية القبلية، الأكثر قوة وبروزا لدى البدو. وبالفعل، فإن العصبية كتضامن اجتماعي دموي، لا توجد بشكل “خالص” إلا في إطار النظام القبلي الأكثر توحشا(18)، على اعتبار أن العصبية باعتبارها “وازعا” هي ظاهرة خاصة بالبدو، موجهة أساسا لدفع العدوان الخارجي وتفعيل آليات الدفاع المشترك(19). وإذا كان أساس أية عصبية هو “النسب” المشترك (كالانتماء إلى جد مشترك)، فإن ابن خلدون كان واضحا في هذه النقطة حينما نبه إلى أن حاجة البدو إلى آلية قوية ومستمرة للدفاع المشترك، هي ما يفسر تشبثهم القوي بتلك العصبة أو (الوحدة الدموية)؛ وهو تشبث إيديولوجي بالأساس. وابن خلدون نفسه يؤكد على أن الانتماء إلى جد مشترك، أمر وهمي لا حقيقة له، فليس هناك في نظره ما يضمن أو يؤكد انتقال دماء صافية من السلف إلى الخلف، بل إن اختلاط الأنساب هو الظاهرة السائدة. ولهذا فوازع دفع العدوان (في إطار دفاع مشترك)، هو الذي يفسر لجوء البدو إلى النسب واحتمائهم بالجينيا لوجيا؛ كإيديولوجيا لصياغة وإعادة صياغة النظام الاجتماعي وتدعيم لحمة الجماعة وتعاضدها(20). لعل هذه نقطة جوهرية في نظرية ابن خلدون حول العصبية، لم يوليها الانقساميون حق الاهتمام: (إنهم لم يفرقوا بين الواقعي والإيديولوجي، أو بلغة علم التاريخ بين الحدث وتمثلات الحدث). ملاحظة أخرى جوهرية في هذا الصدد، فإذا كانت العصبية ظاهرة بدوية بامتياز، فإن ابن خلدون ميز هنا بين صنفين من البدو: صنف يشتغل بالزراعة أساسا ويطغى عليه الاستقرار، وهذا ما يصفه ابن خلدون بـ “الظعن المقيمون”، وصنف آخر يعتمد في معاشه على الرعي وهم البدو الرحل، وهؤلاء يصفهم بـ “الظعن الخلص”؛ وهم من كان معاشهم من الإبل وهم الأقوى عصبية. هذه الفئة تتميز – حسب ابن خلدون – بنمط عيش جد قاس، بما يطبعه من ضيق اقتصادي كبير، وهنا نجد ابن خلدون يؤسس لنوع من الترابط بين نمط العيش والنظام الإيديولوجي الذي يناسبه؛ في إطار ما يمكن أن نصطلح عليه هنا بنوع من “الحتمية المعاشية”(21).لعل هذا ما يؤكده الأستاذ عبد الكبير الخطيبي، من خلال النص التالي: “… إلا أن هذا الضيق الاقتصادي الشديد، تلازمه عصبية قوية ونظام قوي للدفاع عن الذات، وإذن هناك تشابه بين الضيق الاقتصادي الشديد وثقافة مرتكزة على قيم قوية، فهذه الأخيرة تعوض الأولى وتحدث التوازن داخل النظام الاجتماعي لرعاة الإبل. بهذا الشكل لا يكون لهذا المجتمع تأريخية، بل يحتاج إلى إيديولوجية وإلى دين يكون وحده قادرا على تحويل هذه الهوية المتوحشة إلى رسالة كونية”(22).إن الخلاصة التي يمكن الخروج بها هنا: هي ضرورة التمييز – في نظرية ابن خلدون حول العصبية – بين مستوى الواقع المادي للمجتمع البدوي – القبلي، (بما يعنيه من ظروف اقتصادية، اجتماعية ومجالية صعبة)، وبين تصورات الناس وتمثلاتهم حول ظروف وشروط حياتهم الاجتماعية تلك. والصورة قد تبدو واضحة أكثر لو اعتمدنا التمييز الماركسي بين الواقعي والإيديولوجي. بل أبعد من ذلك، لو أخذنا بالتعريف الذي يقترحه (كلود ليفي ستروس) لمفهوم الإيديولوجيا، باعتبارها ذلك “الإسمنت” الذي يلحم ويعضد مكونات البناء الاجتماعي ويساهم في ضمان استمرار البنيات القائمة.إن السؤال الذي يطرح نفسه هنا – وبإلحاح – هو: لماذا ركز الانقساميون كثيرا على مقولة “النسب”، واعتبروها حقيقة تاريخية وسوسيولوجية، بنوا على أساسها تحليلاتهم للبنيات الاجتماعية والسياسية للقبيلة المغربية؟ مع العلم أن ابن خلدون كان واضحا بهذا الخصوص.إن الصراع العصبي إذن، وفي المنظور الجلدوني نفسه، لم يكن “صراعا بين الدماء ولا راجعا إلى مجرد الاعتداد بالأنساب، بل هو صراع من أجل البقاء، صراع من أجل لقمة العيش”(23). وهناك عوامل متداخلة يمكن أن نفسر بها لماذا لم يتخذ هذا الصراع مظهرا اقتصاديا واضحا: بعضها ثقافي وبعضها اقتصادي مرتبط بعلاقات الإنتاج التي لم تكن تتعد، في الغالب، نطاق الأسرة أو العائلة، مما جعل منها علاقات تعاون ومشاركة لا علاقات استغلال(24). وقد زاد من توطيد هذه العلاقات، أيام ابن خلدون، انغلاق وحدات المجتمع القبلي على نفسها. والنتيجة الطبيعية لهذا الانغلاق هي ذلك الارتباط القوي من قبل الجماعة أو القبيلة بالأرض كمصدر للعيش. وبناء عليه، فإن كل محاولة من جانب أي غريب- (سواء كان فردا أو جماعة)- تستهدف هذه الأرض؛ تعتبر في نظر العصبة أو القبيلة عدوانا صريحا يجب دفعه(25). وفي هذا السياق بالذات تفسر الحاجة إلى سلاح الجينيالوجيا ممثلا في العصبية، بهدف التعبئة من أجل الدفاع عن الأرض والعرض، فهما معا محورا التاريخ القبلي كتاريخ عنف وعنف مضاد(26)، عن طريق الغزو والثأر وهكذا دواليك. وهو ذاته نفس السياق الذي يفسر علاقات البدو بالحضر كصراع من أجل التغلب والملك، ما دامت ماهية التاريخ عند ابن خلدون وأفقه ينتهيان عند حدود عتبة الدولة والحضارة. فما أن تنشأ الدولة كتجسيد للحضارة، حتى يؤذن بنهايتها وزوالها باسم الحضارة نفسها، وهذا هو قانون الدورة العصبية: (نشأة، ازدهار ثم انهيار)؛ بما يتضمنه من مفارقات.يبدو أن الأستاذ عبد الله العروي قد وصف بشكل دقيق هذه المفارقات، حين اعتبر بأن ابن خلدون يقف دوما فوق الحد الفاصل بين التاريخ واللاتاريخ، ولا يفارق إلا قليلا اللاتاريخ، كما لا يتوغل طويلا في نطاق التاريخ(27). وربما هذا ما دفع إلى الانجذاب نحو نظريته هذه، من طرف مؤرخي الإدارة الكولونيالية ومن قبل الباحثين الأنثروبولوجيين ” الانقساميين”. فبتركيزه الشديد على الجوانب اللاتاريخية، قد أعطى تعليلا مقنعا لتعثر المنطقة الدائم في أحضان اللاتاريخ(28)، ولعل هذا ما عمل على ترديده كثيرا الخطاب الانقسامي، انسجاما مع رؤيته البنائية – الوظيفية السكونية. وبهذا الخصوص يقول عبد الله العروي في هذا النص: “من لجأ إلى النمط التعليلي الخلدوني لتفسير كل حادثة من تاريخ المغرب، فإنه يتولى بالتبعية الفكرة القائلة إن المغرب يجد نفسه باستمرار على الخط الفاصل بين التاريخ واللاتاريخ؛ وأن دراسة المجتمع المغربي هي في العمق دراسة أنثروبولوجية”(29).وإذا حاولنا أن نبحث في أشكال التقارب والارتباط بين النظرية الانقسامية والخلدونية، نجد هناك ارتباطا منهجيا واضحا بين الإثنين؛ ولعل هذا ما أكد عليه (إرنست كلنر – E. Gelner ) نفسه. بل أبعد من ذلك، قد يكون هناك ارتباط تاريخي أيضا: فنحن نعلم أن المدرسة الإنجليزية في الأنثروبولوجيا الاجتماعية – (خاصة مع إيفانس بريتشارد)- قد استلهمت كلمة ” انقسامية” من (دوركايم)، كما أن هذا الأخير قد بنى تحليلاته بخصوص المجتمع “القبائلي” بالجزائر – (في إطار دراسته حول تقسيم العمل)- على التقارير الإثنوغرافية لكل من (هانوتو ولوتورنو). وهنا بالذات قد لا نستبعد – مع الأستاذ العروي – أن تكون هذه التقارير وما تحمله من أوصاف، هي نفسها متأثرة بما تضمنته مقدمة ابن خلدون التي تمت ترجمتها إلى الفرنسية منذ أواسط القرن 19(30).فابن خلدون يحدثنا عن “العصبات” كأساس للانتظام الاجتماعي، و الانقساميون يحدثوننا عن “القسمات” أو “الأجزاء” (Les segments )؛ والقاعدة الأساس هنا هي قاعدة النسب (La généalogie ). كما أن ابن خلدون يشرح لنا كيف يستحيل تاريخ الدول والمجتمعات المغاربية إلى صراع عصبي، بمثل ما يشرح لنا الانقساميون أيضا منطق هذا التاريخ على أساس لعبة التعارضات المتوازنة بين القسمات، وفق آليتي: (الانشطار والانصهار أو الصراع والاتحاد). إذن لا مكان في قاموس كل من المنظومتين لمفاهيم التغير والتحول والتجدد، أي لا مكان للتاريخ، لأن كل مستجد يتم استدماجه ضمن المرجعية الانقسامية؛ ليتم تأويله وتثبيته في نطاق البنية الأصلية القائمة على قاعدة: (الثبات والتوازن والاستمرارية).علاوة على ذلك، نجد الانقساميين قد بالغوا في تضخيم عوامل الصراع والتنازع بين نظامين اجتماعيين وسياسيين متناقضين: هما “القبيلة” و “الدولة” بالمجتمعات المغاربية، كمجتمعات “انقسامية”. بحيث ينحل تاريخ هذه المجتمعات في إطار سيرورة صدامية بين قبائل “بربرية” متحصنة بالجبال، ومخزن “عربي” يتم إدراكه دائما كغاز محتل؛ استباح أرضهم وأعراضهم باسم الدين. لهذه القناعة إذن، تراهم دوما رافضين الانصياع لسلطته، معتبرين إياها سلطة غير شرعية. بل أبعد من ذلك، تسعى القبيلة إلى منافسة المخزن حتى في بعض أهم رموز سيادته ومشروعيته السياسية، خاصة لما تعلن ارتباطها بزاوية قوية: (الزاوية الشرادية – زاوية أحنصالة- الزاوية الدرقاوية… ). فشيخ الزاوية هنا، هو قبل كل شيء “شريف” تربطه – على غرار السلطان – قرابة دموية بنبي الأمة، مع ما يعنيه ذلك من حضور “للبركة” كرأسمال رمزي حاسم في تأسيس أية سلطة سياسية. هذا علاوة على المظهر الديني الواضح الذي تضفيه الزاوية على كتلتها القبلية، مدخلة إياها في نطاق “الشرع” الذي غالبا ما حاول المخزن العربي نزعه عن القبيلة، مستبيحا بذلك أرضها. ويبدو واضحا هنا بالطبع، كيف عمل الخطاب الانقسامي على إعادة إنتاج – وبشكل متقدم – لعدد من الثنائيات التي كان قد أنتجها من قبل، باحثون ومخبرون فرنسيون (في إطار ما يعرف بالأطروحة الكولونيالية)؛ من قبيل: (عرب / بربر)، (شرع/ عرف)، (سيبا/ مخزن)،… إن الصراع إذن، بين “البربر” و “العرب”، بين “القبيلة” و “المخزن” هو صراع “وجود” أكثر منه صراع “حدود”؛ مادام منطق الصراع ذاته – كما تصوره هؤلاء – يتوقف عند حدود الجدل السالب “النفي”(31). وقد عبر ابن خلدون عن ذلك بوضوح في تصوره لصراع “البدو” ضد “الحضر”، كصراع عصبي محكوم برغبة الملك، التي هي في الأصل رغبة مدفوعة بمبدإ النفي والإزاحة: نفي عصبية لعصبية أخرى وهكذا دواليك.هذه باختصار شديد أهم العناصر من داخل النظرية الخلدونية حول العصبية، والتي وجد فيها الانقساميون ضالتهم وبنوا على أساسها نظرية أنثروبولوجية / سياسية، يمكن أن نعرفها هنا بـ “نظرية العنف المهيكل” أو “نظرية الفوضى المنظمة”. فما طبيعة التأثير الذي مارسته السوسيولوجيا الوضعية في اتجاه تبلور النظرية الانقسامية؟-II-إيميل دوركهايم والتصور الانقسامي للمجتمعات التقليدية.لقد انطلق دوركهايم في أطروحته الشهيرة “حول تقسيم العمل الاجتماعي”، من سؤال مركزي وهو: “كيف يقيم جمع من الأفراد مجتمعا؟ وكيف ينجزون الشرط الضروري – أي الوعي – لوجودهم الاجتماعي؟”(32). وللإجابة عمد عالم الاجتماع الفرنسي إلى إقامة تمييز واضح وصارم بين نمطين مختلفين من التضامن، هما: (التضامن الآلي = mécanique ) و (التضامن العضوي = Organique ). ففي النمط الأول يكون الأفراد متشابهين في مشاعرهم وأحاسيسهم، ويشتركون في نفس القيم، كما أنهم متفقون على نفس المبادئ والأشياء المقدسة؛ ويطغى عليهم – نتيجة ذلك – التجانس لأنهم لم يتباينوا ولم يتغايروا بعد. لكن، وبفعل عوامل الكثافة الاجتماعية وأنماط الاتصال والتقسيم الاجتماعي للعمل، يحدث ذلك الانتقال من النمط الأول أو الحالة الآلية إلى حالة أكثر تطورا وتعقيدا، وهي الحالة العضوية أو ما يصطلح عليه دوركايم بـ “التضامن العضوي الذي يأتي تضامن الأفراد وتماسكهم فيه، نتاجا لتباينهم وتعبيرا عن هذا التباين في نفس الوقت”(33).لقد كان دوركايم إذن، هو أول من صاغ مفهوم الانقسامLa segmentation أو “النسق الانقسامي”؛ معتبرا بأن المجتمع “القبائلي” بالجزائر يقدم النموذج الأرقى لهذا النمط من التنظيم. فهو مجتمع تقليدي، قبلي، يجهل أي شكل من أشكال السلطة المنظمة، وهذا ما يمنحه خاصية المجتمعات ذات التضامن الآلي، أو ما يمكن تلخيصه في مقولة “النسق الانقسامي”. وقد حدد بذلك إحدى أهم شروط هذا النسق في مقولتي: (التشابه) و (التباين) أو (الاتحاد) و (التعارض): “فلكي يكون التنظيم الانقسامي ممكنا، لابد من أن تتشابه الأقسام، وبدون هذا التشابه لا يمكن أن تتحد و أن تتباين، وبدون هذا التباين والخلاف سيضيع بعضها في بعض، وتنتهي إلى التلاشي”(34).لقد وجد الانقساميون بالطبع ضالتهم في هذا التمييز، حيث أسقطوا النموذج الآلي على مجتمعات قبلية إفريقية، رأوا فيها النقيض التاريخي والسوسيولوجي لمجتمعات أوربا “العضوية” أو (الطبقية)؛ مستندين في ذلك على منهج في المقاربة والتحليل يقوم على أساس الدمج بين الوظيفية Fonctionnalisme والبنيوية Structuralisme (35). وكانت البداية طبعا، مع الأنثربولوجي الإنجليزي (إ. بريتشارد) الذي يعتبر بحق أول من طبق النموذج الانقسامي على مستوى ميداني، وذلك في إطار دراساته الميدانية حول قبائل “النوير” السودانية وقبائل “بدو برقة” الليبية. فقد استطاع هذا الأخير – وبشكل ذكي – أن يوضح قواعد وأبعاد اللعبة السياسية في المجتمع الانقسامي، والتي صورها على شكل (لعبة الشطرنج). وكان من بين أهم نتائج أبحاثه تلك – حول قبائل النوير السودانية – هو أن القبائل تكون وحدة سياسية، وهي منبثقة من جماعات متعددة (عشائر)، كما أن القبائل المتعددة تشكل بدورها اتحادا قبليا أو تحالفا، وهذا هو أرقى مجتمع سياسي يعرفه هؤلاء القبليون(36). كما حاول إبراز كيفية اشتغال آليتي “التعارض” و “التحالف”، كما صاغهما دوركايم من داخل النسق الانقسامي، لتصبح القبيلة أو البناء القبلي على شكل “نظام وظيفي” تحكمه “بنيات القرابة والنسب”، في إطار اللعبة الانقسامية التي تتحدد من خلال القسمات المتعارضة والمتوازنة أيضا. فكلما تم الانتقال إلى مستويات أعلى، كلما اختفت عوامل الصراع والتعارض، بدءا من خط النسب وانتهاء بالقبيلة، ثم الاتحاد القبلي(37).في مجتمع كهذا إذن، تحكمه آليات الانشطار والانصهار التي تخضع بدورها لمنطق النسب، لا وجود لأي نوع من التراتب الاجتماعي(38)، لأن أساس المجتمع الانقسامي هو وحدة النسب(39)؛ مع ما تفرضه هذه الوحدة من مساواة بين كل مكونات النسق. وهذا يعني من بين ما يعنيه: غياب أي احتكار للعنف المشروع (السلطة)؛ لأن “البنية الانقسامية تحول ضد تمركز السلطة في أية هيأة أو جهاز خاص”(40)، والنتيجة طبعا غياب الدولة في الأصل.قبل الانتقال إذن إلى عرض وتحليل أهم نتائج الطرح الانقسامي، وذلك من خلال بعض النماذج من الأبحاث والدراسات الأنثروبولوجية حول المغرب، يبقى من الضروري الوقوف – ولو بإيجاز – على الإسهام النظري الهام الذي قدمه (روبير مونطاني) من خلال أطروحته الشهيرة حول “البرابرة والمخزن بالجنوب المغربي”(41). هذه الأطروحة التي شكلت، حسب أحد الباحثين، (42) منطلقا مرجعيا بالنسبة لإرنست كلنر E.Gelner و دافيد هارت D.Hart في دراستهما لمناطق أخرى من المغرب، غير منطقة سوس بالجنوب.لقد قام (R.Montagne ) بتوصيف وتحليل طبيعة النظام السياسي بالقبائل البربرية السوسية، كنظام أصبح يفقد تدريجيا أصالته مع الزمن؛ لتكتمل الصورة بشكل أوضح وأفضع مع مرحلة “حكم المخزن”، الذي تعتبره هذه القبائل كيانا استعماريا بالأساس. وهكذا، فقد مر النظام السياسي بالقبائل البربرية بأربعة مراحل أساسية هي على التوالي: (حكم جمهوري ديموقراطي وأوليغارشي، حكم “الإمغارن” أو الشيوخ،حكم القواد الكبار؛ ثم أخيرا حكم المخزن)، هذا الأخير الذي يعتبره (روبير مونطاني) بمثابة ضربة قاضية للديموقراطية “البربرية”، ونيلا من واقع استقلالية الشخصية القبلية لدى “البربر”(43).ولتوضيح الصورة أكثر حول هول “الكارثة” يعود بنا الباحث، وبكثير من التفصيل، إلى عرض وتحليل لأهم مكونات البناء الاجتماعي والسياسي للقبائل البربرية؛ قبل تعرضها لهذا الاكتساح المخزني(44). فهذه الأخيرة عنده “عبارة عن جمهوريات بربرية، تشبه في تشكيلتها الجمهوريات ذات الطابع الديموقراطي العسكري”(45). ويوكل أمر البث في الشأن السياسي لهذه الجمهوريات، إلى “الجماعة” باعتبارها هيأة سياسية منتخبة بشكل ديموقراطي ويعين على رأسها شيخ (أمغار). وباختصار يمكن رصد أهم مكونات البناء القبلي لهذه “الجمهوريات البربرية”، حسب روبير مونطاني، فيما يلي:1- الدوار، ويضم من 20 إلى 30 كانونا.2- الفخذة أو العظم، وتضم ثلاثة إلى أربعة دواوير.3- الفرقة أو الخمس، وتضم من ثلاثة إلى خمسة أفخاذ. وهي تمتاز بكونها وحدة سياسية، مما جعل (روبير مونطاني) يعتبرها بمثابة جمهورية مستقلة، في إطار النظام السياسي الجمهوري / البربري.4- القبيلة، وتتكون من ثلاث إلى إثنى عشرة فرقة؛ وتمتاز باسم خاص بها يستمد غالبا من جد مشترك، أكان هذا الأخير حقيقيا أو وهميا. كما أنها تحتل مجالا جغرافيا محددا، ولها عاداتها وتقاليدها ومؤسساتها السياسية، وبالمثل فهي تتوفر على أسواق ومواسم خاصة بها(46). 5- اللف، وهو تحالف حربي بالأساس يجمع عدة قبائل، في إطار اتفاقية الدفاع المشترك؛ وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على على الطبيعةالانقسامية للبناء القبلي.إن أهم ما استفاده “كلنر” و”د.هارت” من أطروحة “ر.مونطاني” هذه، هو تأكيدها على الطبيعة الصدامية بين القبائل البربرية والدولة المغربية: ممثلة في (المخزن العربي/الإسلامي). ولعل هذا ما صاغه مونطاني في إطار مقولة: (السيبا) المعروفة جدا في الأدبيات الكولنيالية، والتي تترجم سوسيولوجيا إلى وجود فصل تام بين المخزن الذي يستوطن المدن والسهول، وبين البربر المتحصنين بالجبال والرافضين لهذا الكيان “الدخيل” الذي لا تجمعهم به إلا علاقة صدام وحرب.مسألة أخرى ركز عليها ر.مونطاني، وشكلت منطلقا أيضا بالنسبة للإنقساميين، ويتعلق الأمر بالتضخيم من واقع الصراعات والحروب القبلية؛ لدرجة يستحيل معها تاريخ القبائل بالمغرب إلى تاريخ عنف وأحلاف حربية مدمرة (لفوف). ولعل ذلك يجد تفسيره لدى هؤلاء في غياب سلطة سياسية مركزية، وفي هيمنة المنطق الانقسامي/ النسبي.بعد هذا العرض الموجز والمركز، حول ما يمكن أن نصطلح عليه هنا بـ (جوانب من العلاقة التأسيسية بين كل من الخلدونية والسوسيولوجيا الوضعية من جهة وبين الأطروحة الانقسامية)؛ ننتقل إلى طرح السؤال التالي: ما هي أهم نتائج هذه الأطروحة على مستوى النظرية والتطبيق الميداني؟ خاصة فيما يتعلق بمفهوم “النسب” ودلالاته السوسيولوجية من داخل النسق الانقسامي، ثم مفهوم التراتب الاجتماعي الذي يحيلنا بدوره على مفهوم السلطة، وأشكال ومستويات انتظام البناء الاجتماعي – السياسي للقبيلة.-III-

الاجتماعية في الفضاء السبيرنيتيقي

ت الاجتماعية في الفضاء السبيرنيتيقي الفايس بوك (Facebook) نموذجا

مقدمة1.مدخل مفاهيمي2. السياق المجتمعي الممهد لظهور الشبكات الاجتماعية3.الفايس بوك كتشبيك إجتماعي4.مقاربة وصفية تركيبية لشبكة اجتماعية (حركة مالي)استنتاجات وخلاصات عامةإن التطورات التي بات يشهدها العالم في ميدان الإعلام والاتصال والإنترنت، عبدت الطريق لتطور الخدمات والشبكات الاجتماعية، كإستجابة لتطور المجتمع وتعقد أنساقه، من خلال الهجرة الكثيفة إلى الفضاءات السبيرنيطيقية من أجل الإقامة وخلق علاقات مبنية على التواصل الإلكتروني والافتراضي بين تجمعات سكانية من مختلف بقاع الأرض. الشيء الذي استوجب تلبية حاجة هؤلاء الوافدين لخدمات مختلفة؛ ثقافية، اجتماعية، سياسية، واقتصادية، تساعدهم في الارتباط بهذه “القارة السابعة” في إستقلال نسبي عن الواقع الحقيقي.وقد برزت الشبكات الاجتماعية كأحد هذه الخدمات التي عرفت إقبالا كبيرا من طرف رواد هذه الشبكة، وتوسعت الخيارات التي توفرها، وبالتالي توسعت جغرافيا ولغويا لتكون في متناول المبحرين من انتماءات مختلفة (جغرافية، لغوية، ثقافية، …)، متجاوزة بذلك الإمكانيات المتوفرة في الواقع الملموس، الذي لا زال مقيدا بالعديد من الضوابط الثقافية، والقانونية، والسياسية، وكذا بالحسابات الإيديولوجية، والتكتيكية لكل جماعة بشرية.وكنتيجة لذلك استطاعت هذه القارة السابعة أن تكون فضاء رحبا لعلاقات “اجتماعية” مفتوحة على كل الاحتمالات، تنفك من كل الضوابط الكلاسيكية، لتخضع لقوانين خاصة بهذا المجال الافتراضي، والتي تحكم الوافدين عليها، والمستفيدين من خدماتها، وفق شروط ليست هي بالضرورة تلك التي نألفها في الواقع المعاش، بل إن المتحكم فيها بالأساس هو صانعي هذه القارة من المبرمجين، والمصممين، وأصحاب الرساميل، فأصبحنا في مقابل الخدمات الإلكترونية ذات الطابع الاجتماعي نباع كباقي السلع في سوق عبرقارات، في صورة البيكسيلات (Pixel) أو معلومات تستغل في ميادين الاستخبارات أو مختبرات الماركوتينغ (Marketing).لقد أمسى الرهان الآن في عالم الشبكات الاجتماعية، هو كسب أكبر عدد من الأصدقاء المفترضين (الزبناء)، مقابل خدمات متجددة على مدار الساعة، هذه الخدمات التي تستجيب في أحيان لرغبات هؤلاء، أو تقدم لإغراء الباقي من المترددين، بدعاوي كسب أصدقاء إلكترونيين، قد لا نصلهم وبقائنا قابعين في المنزل، أو المشاركة في مناقشة موضوع قد لا يعني شيئا إلا لطارحيه، أو من أجل فضح الأسرار التي لم نفشيها إلى أقرب الأصدقاء الفيزيائيين بدون قيد أو شرط، وكل هذا دون أن نخاف من فاتورة الأنترنت والكهرباء التي تفاجئها نهاية الشهر.إن الذي دفعنا للبحث في هذا الموضوع، هو رغبتنا في اكتشاف دوافع العديد من الناس للتوجه إلى هذه الشبكات الاجتماعية، والكشف عن كل المعلومات التي قد يعتبرونها من الأسرار التي لا تقال لمن هب ودب، ولنكتشف كيف أصبحت هذه الشبكات ملاذا للحوار، ومكانا مفضلا للإدلاء بالآراء السياسية وغيرها، وكيف أصبحت هذه الشبكات تؤطر وتعبئ الناس من مختلف المشارب والمناطق حتى ينتفضوا في بعض الأحيان ضد النظام السائد، كما وقع في مصر حيث تمكن الناس بواسطة هذه الشبكات من الخروج في إضراب عن العمل في إحدى الشركات، في دولة تعتبر من دول الجنوب الأقل ارتباطا بميدان تكنولوجيا الإعلام والاتصال، وكيف تم تزويد العالم بصور عن تظاهرات الجماهير الرافضة لنتيجة الانتخابات الإيرانية الأخيرة في بلد يعتبر من البلدان التي تمارس رقابة على الأنترنت. لقد دفعنا هذا الأمر للتساؤل كيف استطاعت هذه الشبكات أن تغري شعوبا مثل هذه تعيش زمنا فيزيائيا ما، لتنخرط في زمن الأنترنت الذي يفترض إيقاعا سريعا يضبط وفق الساعات السويسرية؟ علما أن هذه الشبكات الكثيرة والمتناثرة كالفطر خرجت كلها في إطار المنظومة الغربية، لحاجات الغرب بالضرورة، هل أصبحت الاتجاهات الاجتماعية والأذواق والرغبات الفردية معولمة إلى هذا الحد، هل انهارت الفواصل القيمية والمفاهيمية والفكرية إلى الحد الذي جعل الأوروبي في أمس الحاجة فعلا إلى جار إلكتروني من الضفة الجنوبية يبادله التحية كل صباح، ويرسل له صوره الشخصية نهاية كل أسبوع؟ أم أن الأمر لا يعدوا أن يكون تجارة إلكترونية في ثوب إجتماعي تدغدغ بتعليباتها المنمقة أحلامنا في عالم نمسك حقيقة بتلابيبه، ونوجهه حسب رغباتنا؟قبل الإجابة عن هذه التساؤلات لا بد في البداية أن نعترف أننا عانينا الأمرين في بحثنا في هذا الموضوع، حيث قلة ما كتب بالعربية، وندرة الدراسات بشكل عام حوله، لذا ركزنا على مواد منشورة في الشبكة الإلكترونية وحرصنا على ترجمتها إلى العربية في أول الأمر قبل أن نقوم بتوظيفها في هذا البحث. وقد رأينا أنه من المفيد القيام في البداية بمدخل مفاهيمي لشرح المصطلحات الجديدة، ثم الحديث بنوع من التفصيل عن الشبكات الاجتماعية التي هي موضوع بحثنا، وحتى نضفي الحيوية على هذا البحث أغنيناه بالعديد من الأرقام والمعلومات المفيدة، وحرصنا على ربطه بواقعنا المغربي من خلال توظيف نموذج شبكة إجتماعية تنشط في ميدان الحقوق الفردية ببلادنا.1. مدخل مفاهيمي:يؤطر بحثنا ثلاث مفاهيم أساسية، تعتبر المفتاح للدخول إلى أحشائه، والغوص في ثناياه، فالشبكات الاجتماعية ليست بمفهوم جديد في العلوم الإنسانية، بل يعتبر جديدا فقط في عالم الانترنت، حيث أخذت هذه الأخيرة تتبنى نفس المفاهيم الموجودة في الواقع، وتخرج من قوقعتها الإلكترونية، لتأخذ أشكالا أكثر إنسانية، وترتبط بهموم هذا الأخير، من هنا تأتي الضرورة للتمييز بين الشبكات الاجتماعية كمفهوم من مفاهيم علم الاجتماع، والشبكة الاجتماعية في الفضاء السبيرنيتيقي، حيث يتم تعريفها في موسوعة ويكيبيديا الحرة، بأنها مجموع العلاقات المعقدة والافتراضية، يتم ربطها بين الأفراد عن طريق تطبيقات إلكترونية من فئات اجتماعية متعددة، يجمع بينهم موضوع معين، وتكون إما مؤسسة أو عشوائية، وقد تكون هذه الشبكة محصورة بين جدران مؤسسة صناعية أو إدارية، أو تخرج منها لتكون مفتوحة للجميع ومن مختلف مناطق المعمور، ويهمنا التركيز على هذا النوع من الشبكات، حتى نمهد لبحثنا عن إحداها والتي تعرف انتشارا متسارعا في أمد قصير، وتفتح البيوت بدون إستئدان. يتقاطع مفهوم الشبكات الاجتماعية مع أخرى قريبة كالويب الاجتماعي (web social)، أو..2. السياق المجتمعي الممهد لظهور الشبكات الاجتماعيةيشعر الباحث في مجال الإنترنت بالحيرة وهو لا يدري كيف يبدأ في البحث، ولا كيف سينتهي منه، ذلك أن هذه القارة السابعة – كما يصفها الأستاذ العطري – هي بحق كذلك، لكن الذي يزيد من صعوبة الخوض فيها هي تلك الحركية التي تعرفها باستمرار، فلا يوجد في قاموسها كلمة الثبات، بل إنها خرجت من ثوب الحركية. والمسألة الأخرى التي تميز هذه الشبكة هي تلك السرعة القصوى التي تتحرك بها، لذا فالخوف كل الخوف من أن النتائج التي سنخرج بها في هذا البحث، ستكون ولا شك من صلب التاريخ ومتجاوزة بعض مضي أقل من ثلاثة أشهر على أقصى تقدير. والحديث عن سياق ظهور الشبكات الاجتماعية، هو في الحقيقة حديث عن السياقات المتعددة بتعدد المجتمعات نفسها، إلا ما يمكن التأكيد عليه هو وجود حاجة فعلية لهذه الشبكات، مادام أن رواد الأنترنت أصبح مجتمعا قائما بالفعل، فالأنترنت لم تعد هواية تأخذ جزءا قصيرا أو طويلا من الوقت للفرد، بل أصبحت ضرورة يومية للعديد من البشر في شمال وجنوب القارة، بل يمكن أن نقول أنها شكلت العالم الثاني للبشرية (Second Life) على حد قول بعضهم، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن الشبكات الاجتماعية الافتراضية لا تقل أهمية عن الوظيفة التي تقوم بها الشبكة الاجتماعية الواقعية والمبنية على الاحتكاك البشري الملموس، فما يزيد عن .. مبحر يتوفر على بروفيل في إحدى الشبكات الموجودة، وأكثر من .. يتواصل عن طريق هذه الشبكات، والحقيقة التي تتأكد يوما عن يوم هي تلك الشعبية التي تكتسبها هذه الشبكات، حتى أصبحت تحتل المراتب الأولى في المواقع الأكثر زيارة وطلبا من طرف المبحرين، حسب إحصائيات كوكل، ويأتي موقف الفايس بوك (Face book) في أعلى القائمة، حيث يعتبر ثاني موقع زيارة بعد محرك البحث كوكل (Google)، وهذا ما يفسر الثمن الخيالي الذي دفعته شركة مايكروسوفت (Microsoft) لشراء حصة من الشبكة الاجتماعية الفايس بوك الأسرع انتشارا. وقد تسابقت العديد من الشركات العملاقة المشتغلة في ميدان خدمات المعلوماتية للاستحواذ على هذه السوق الواعدة، فبالإضافة إلى شركة مايكروسوفت السالفة الذكر، هاهي شركة الياهو تدخل إلى حلبة التنافس عن طريق شبكتها ……. لكن السؤال الطبيعي المطروح، هو لما هذا التسابق إلى الاستثمار في ميدان ظاهره إجتماعي، وباطنه باقة من الفرص التجارية الهائلة، لكن ما الذي يجعل الفرد يحس الحاجة إلى هذه الشبكات في خضم المنافع الواضحة التي يستفيدها أصحاب هذه الشبكات على حساب المنخرطين فيها؟ يظهر أن تحول القيم في المجتمعات الغربية، نحو الفردانية قد يشكل أحد أهم الأسباب التي جعلت الإقبال على الشبكة مقبولا بالنظر إلى دورها في تعويض النقص في المشاعر الضرورية للتوازن عند الفرد من خلال الاتصال بأصدقاء إفتراضيون. لكن ما الذي جعل الإقبال على هذه الشبكات الاجتماعية يعرف نفس الانتشار، كالذي عرفته الدول الغربية، في دول لديها من القيم والتكافل الاجتماعي النسبي، حد التخمة والفائض، كما هو الحال في “الدول الإسلامية” أو بالأحرى دول المسلمين كما هو الحال في المغرب، هل هي نفس البواعث والأسباب التي يفسر بها الإقبال على هذه الشبكات في الغرب، أم أن هناك اعتبارات وسياقات مجتمعية أخرى، إذا كان تفسير مثل هذه الأمور يقتضي دراسة علمية كمية وكيفية في الميدان الشيء الذي لم يتوفر لنا إمكان القيام به حاليا، فإننا نقوم بمحاولة تحديد هذه السياقات من خلال طرق استعمال واستغلال هذه الشبكات في منطقتنا، حتى نستطيع أن نقارب الموضوع من زاوية ضيقة، شيئا ما.يطغى على الشبكات القائمة في المغرب، طابع الحركات الاحتجاجية، أو المنظمات الدينية الذي تخاف من انقراض السلوك الديني، كما تستهويها النقاضات العمومية، وتجعلها أرضية للتموقف وتحديد الخندق المناسب، فكم من شبكة إجتماعية أخذت من 

قراءة تحليلية لكتاب المعرفة والسلطة في المغرب للأنثروبولوجي ديل ف. ايكلمان 1. مقدمةتم اختيار هذا الكتاب محط دراستنا لعدة إعتبارت، نراها من الأهمية بمكان، خصوصا وأننا بصدد مادة بطبيعتها تفتح المجال للنهل من جميع القضايا المرتبطة بالأنثروبولوجيا، (قضايا أنثروبولوجية)، وإذا تعلق الأمر بقضية من صميم الانتماء إلى هذا الوطن، كما هو الأمر بهذا الكتاب، فإن هذا الأمر يستحق عناء التحليل، ويستوجب أيضا قراءة متأنية، نقدية متفحصة لمثن الكتاب، للوقوف على ما قال وما لم يقله أيضا، إنها رياضة حاولنا ممارستها بوعي منهجي، متسلحين في ذلك بإرادة لمعرفة أحد الموضوعات التي تتقاسمها العلوم الإنسانية، ألا وهو موضوع التعليم بالمغرب، وهو من التيمات التي انشغلت بها السوسيولوجيا المغربية مبكرا، لكن للأسف لم توليها الأنثروبولجوجيا نفس الاهتمام الذي نجده عند السوسيولوجيين، وهذا ما انتبه له الدارسون الغربيون، وخصوصا منهم الأنكلوساكسونيين، واستشهد هنا بكتاب حوارات مغربية لدافيد هارت، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم.إن موضوع التعليم الإسلامي من المواضيع التي لم تقف عندها ماكينة البحث الأنثروبولوجي كثيرا، وذلك لإعتبارت كثيرة، لمح ايكلمان إلى بعضها أحيانا، ولازال البحث عن أسباب إستكناف الباحثين المغاربة عن هذا الموضوع لم تكشف كلها بعد. إن أهمية الكتاب –في نظرنا- هي تلك النظرة الغيرية لنظامنا التعليمي الذي استمر لقرون عديدة، وساهم في إعادة إنتاج البنيات المجتمعية لمغرب القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إنه بحث قيم بالنظر إلى الفترة الحرجة والانتقالية التي يمر بها نظامنا التعليمي، ذلك الانتقال من التعليم الإسلامي التقليدي، بطرقه ومناهجه العتيقة، إلى تعليم آخر من إنتاج الحضارة الغربية، نجدهما يتجاوران في دار الحاج عبد الرحمان المنصوري، بشكل سلسل، يدعو إلى الاستغراب والدهشة، فالحاج عبد الرحمان تلقى تعليمه في إطار النظام التقليدي وعن طريقه اكتسب الرأسمال الرمزي الذي بوئه مكانة مهمة في مجتمعه الصغير، في حين أن أبنائه يتلقون تعليمهم على النمط الأوروبي.ومن وجهة نظر الطالب الباحث عن إمكانات التحليل، والبحث، نجد في هذا الكتاب نموذجا مهما لدراسة المجتمعات التقليدية التي تنعدم فيها التمايزات، الشيء الذي يصعب من إمكان إجراء دراسات كمية لاستخراج المعطيات العلمية، وتفريغها فيما بعد، وهو ما وصل إليه صاحبنا، فكان خياره إذن، هو استعمال المنهج الوصفي التفسيري، مركزا على تقنية السيرة التي طبقها على الحاج عبد الرحمان، فلازمه مدة طويلة، وهذا من عيوبها، لكنها تعطي نتائج مهمة فيما يخص الفهم العميق المتأني للوضع المجتمعي، فكانت معلوماته عن المجتمع المحلي لبزو ونواحيها غنية جدا.هذه إذن بعض من الدوافع التي جعلتنا ننخرط بدون تردد في مشروع الغوص في ثنايا هذا الكتاب، دون أن ننسى أن بعض الكتب أحيانا هي التي تنتقي قرائها، وقد نكون فعلا ضحية سحرها، وكيف لا، ونحن ضيوف في رحاب الدرس الأنثروبولوجي.2. تلخيص وتحليل لتيمات الكتابحتى تكون قراءتنا لهذا الكتاب ممنهجة اعتمدنا كأداة تحليلية له على شبكة تقويمية “لفرنسو رشودو” مع التصرف في بعض وحداتها المسحية حتى تستجيب لأهداف هذه القراءة ولأبعادها التحليلية، كما اقتضى الأمر استعمال طريقة تحليل المحتوى خصوصا التحليل التيماتي كأسلوب منهجي بهدف ضبط التيمات المتكررة والمعبرة بشكل أساسي عن مواقف واتجاهات صاحب الكتاب حول المعرفة والسلطة وطبيعة العلاقة الجدلية القائمة بينهما كما هي مطروحة في تحليله الانتروبولوجي هذا.الوحدة الأولى في القراءة:يحتوي كتاب ” ديل ف ايكلمان” على 298 صفحة، وهو من الحجم المتوسط، ترجم إلى اللغة العربية من طرف الباحث: “محمد أعفيف”، عن دار النشر ملابطا طنجة، سنة 2009، يتضمن كعناوين رئيسية على: تقديم للباحث محمد الشرقاوي؛ ثم تصدير للمؤلف للطبعة الثانية المترجمة لسنة 2009. أما تاريخ صدور الطبعة الأولى باللغة الانجليزية فكان سنة 1985. وقد قسم على الشكل التالي:– مقدمة؛– الفصل الأول:السيرة بوصفها وثيقة اجتماعية؛– الفصل الثاني البدايات؛– الفصل الثالث: التعليم الأصيل بالمغرب؛– الفصل الرابع جامع ابن يوسف ولمحة عن التعليم العالي؛– الفصل الخامس: عالم المثقف القروي؛– الفصل السادس: السياسة والدين؛– الفصل السابع: التحول الكبير: اندثار التعليم الأصيل.بالنسبة للتقديم كتبه الباحث السوسيولوجي المغربي “محمد الشرقاوي” حيث صنف الكتاب ضمن الدراسات الانتروبولوجية الذي تناول من خلاله الكاتب الأمريكي “ايكلمان” السيرة الذاتية لأحد الشخصيات التي تنتمي لمنطقة بزو، ويتعلق الأمر بالقاضي “الحاج عبد الرحمان المنصوري” وهو احد أبناء أعيان المنطقة، والذي استفاد من امتيازات اقتصادية وثقافية خولت له متابعة دراسته في مجال التعليم الأصيل على المدى البعيد، وإن كان “محمد الشرقاوي لا يريد اختزال هذه الدراسة في سيرة ذاتية “للحاج عبد الرحمان” وإنما يرى بأن المؤلف حاول الامتداد بها تحليليا لتوضيح عمق السلطة المخزنية التي كانت سائدة آنذاك سواء في بعدها التاريخي والسوسيوثقافي، وفي علاقاتها الجيو سياسية مع الغرب خصوصا فرنسا، مشيرا في نفس الوقت بان الخطاطة التحليلية التي قدمها الرجل للمشاكل التي واجهتها الثقافة الكلاسيكية التقليدية المسكونة لمعاهد التعليم الأصيل [ابن يوسف والقرويين نموذجين] تعتبر كوثيقة تاريخية لاستبصار طبيعة التحولات التي عرفها المغرب في علاقاته مع الغرب، ومع الثوابت التي تفرضها القيم الإسلامية المنشودة خصوصا في الأوساط القروية مهد انتشار الزوايا [الزاوية الشرقاوية ببالجعد والتي شكلت موضوع هذا الكتاب]، والتعليم الديني بشكل عام، ويضيف “محمد الشرقاوي” بان دراسة “ايكلمان” هي عبارة عن اشراقة فكرية وضاءة تستهدف ضمن مساقها الانتروبولوجي توجيه القارئ للعثور على لوحات فكرية بتعبير “ماكس فير” لفهم الثقافة المتجدرة في الوسط القروي من خلال المسارات التي سلكها “عبد الرحمان المنصوري” [نموذجا] عبر عقود من الزمن عاشها من جهة، كمتعلم وطالب، ومن جهة ثانية كقاضي بالمحكمة الشرعية في نهاية مشواره التاريخي الاجتماعي. كما احتوى الكتاب على تصدير للطبعة الثانية، ومقدمة اتسمت بتحليلها السوسيولوجي لدور المثقف القروي العضوي الممكن والمأمول في المشهد السياسي والثقافي الذي عرفه المجتمع المغربي إبان الحماية الفرنسية، وما طال هذا المشهد من مسوخات حاولت المس بالهوية الوطنية الإسلامية عبر مقاومة المستعمر للتعليم الأصيل والتعليم الحر اللذان كانت تدافع عنهما الحركة الوطنية آنذاك والبورجوازية الوطنية على حد تعبير المؤلف؛ وإن كان ما هو سائد في اعتقاد الكاتب ضمن مسارات هذا التحول، هو انتشار مثقفين تقليديين بلغة “غرامشي” متشبثين بالمعرفة الثابتة الصرفة وبعيدين كل البعد عن القيام بأدوار طلائعية سياسية واضحة المعالم لمواجهة التحديات التي فرضها النظام التعليمي الفرنسي، وذلك لأسباب تعود حسب وجهة نظر الرجل، لغياب موقع واضح لهم ضمن التصورات القائمة حول دور المثقفين في المجتمعات المعاصرة. إن هذه القراءة الوصفية والتحليلية ستركز على محور التعليم الأصيل بالمغرب كما هو مفسر من طرف الكاتب من خلال الاشتعال على مجموعة من التيمات التي يحاول على لسان “عبد الرحمان المنصوري” إبرازها لنا في استقصاءاته لهذا النموذج التعليمي بالمجتمع المغربي في العقود الأولى من القرن الماضي.التيمة الأولى: الحفظ كاختيار بيداغوجي؛وهو مكون أساسي تقليدي اعتمد من طرف الفقهاء لإكساب العلوم الدينية اعتمادا بطبيعة الحال على الذاكرة كمؤشر على كفاءة الطالب في تحقيق التعلم المنتظر منه؛ المبررات المعتمدة في هذا الإقرار تعود حسب الكاتب أولا لضرورته وحتميته في حفظ الآيات القرآنية عن ظهر قلب، ثانيا للمدة الزمنية التي يستغرقها حفظ القرآن في المساجد والكتاتيب القروية والمحددة في ست عشرة سنة حسب وجهة نظر المؤلف، مفندا في نفس الوقت بعض الادعاءات المنتقدة لهذا الاختيار البيداغوجي لكون أصحابها ـ في نظره ـ ليست لديهم فكرة عن تنوع هذه التقاليد وحيويتها في الحياة العلائقية للطلبة، وستكون لنا عودة لهذه النقطة بعد حين لتوضيحها أكثر.واعتمادا على نتائج المقابلات التي أجراها مع الشخصية المحورية في الكتاب واستقصاءاته لفحوى المصادر والوثائق التاريخية المغربية والأجنبية كما هي معروضة في ببليوغرافية الكتاب سواء المكتوبة باللغة العربية أو اللغة الانجليزية، كشف الكاتب عن طبيعة التمدرس في الكتاتيب القرآنية المهد الأول للتعليم الديني، حيث يعمد الفقهاء إلى تنمية ملكة الحفظ لدى الطلبة لكتاب الله وقراءته قراءة سليمة وصحيحة على اعتبار أن الحفظ كمكون بيداغوجي لم يكن حكرا على الثقافة الإسلامية وإنما عرفت حضارات أخرى واعتمدته في التدريس كالرومان والإغريق، فهؤلاء قد استعانوا بأساليب مختلفة لتسهيل عملية الحفـظ. ومصاحبته بهذه الأساليب في نظر الكاتب يدل على أن المعرفة المنقولة عبره تكون أكثر صفاء ونقاء من المعرفة المنقولة عبر الكتابة، وفي التجارب التعليمية الإسلامية خصوصا بالمغرب ـ يشير الكاتب ـ إلى أن أنماط الترتيل والإيقاع المستغلة بصورة منظمة كانت تستعمل كأدوات مساعدة على الحفظ.التيمة الثانية الانضباط والصرامة:وهي سلوكات يفرضها الشيخ على المريدين في إطار العلاقات البين فردانية المؤسسة حتما بينهم، وفي هذا الجانب توصل الباحث إلى أن ممارسة العقاب كانت مقبولة، بل مستحبة لاعتبارات عديدة، فيها ما هو ديني أيضا “فكل مكان في الجسد يتلقى ضربة القفيه لن تمسه نار جهنم”، لكن يستدرك ليؤكد أن هذا العقاب رغم التبريرات المجتمعية والدينية التي تلفه، إلا أنه خاضع لشروط التراتبية المجتمعية، فلكما كان الابن من الأعيان كلما قل الضرب، والعكس صحيح. ويكون هذا العقاب في الحالات التالية؛ عندما يتعذر على احد الطلبة حفظ ما هو مطلوب منه أو الإخلال بالعقود المؤسسة.التيمة الثالثة: الالتزام بالقيم الخلقية التي سنها كتاب الله و سنة رسوله:كانت الوضعية السليمة التي يجب على طالب المعرفة الدينية أن يتمسك بها، تقتضي الالتزام بمجموعة من الضوابط الأخلاقية والدينية المتداولة في خطاب العامة بعد الخاصة، من احترام الشيوخ/ الأساتذة، الالتزام بالآداب الخاصة بالمكان موضع التلقين، ثم إتباع تعاليم الشريعة الإسلامية، وكان اللباس كما أسلفنا أداة وشرطا من شروط الالتزام بهذه التعاليم أيضا، وقد كان كل خروج عن هذه الضوابط يجعل صاحبه مرفوضا من طرف الجماعة، ومرمى لكل عنف رمزي يأخذ أشكال العزل الجماعي، يصل في بعض الأحيان إلى الاحتجاج ضد هذا السلوك.التيمة الرابعة: شرح وتفسير المعرفة الثابتة:في هذه التيمة وجب تجنب الشرح الصريح لما يحفظ من نصوص وأحاديث في البداية، تحقيقا لما يسميه الكاتب بالمعرفة الثابتة التي تعد أساس التعليم الإسلامي الهادف، ذلك لأن عملية التفسير والشرح للمتن القرآني تتطلب عملية اكتسابها سنوات عديدة من الدراسة المتقدمة في هذا العلم. وهذا ما جعل الفقهاء على حد قول الكاتب يعطون الأسبقية والأولوية للحفظ، أما الشرح التفسيري للآيات والأحاديث النبوية فيتم بعد ذلك…أي بعد حفظ القرآن الكريم وأحاديث.التيمة الخامسة: التعليم العالي:انطلق اكلمان في وصفه للتعليم العالي التقليدي، من وصفه لمدينة مراكش التي أثار انتباهه هو التقسيم المجالي إلى مدينتين تعيشان زمنين مختلفين، زمن المغرب العتيق داخل الأسوار الحمراء للمدينة، وزمن جديد دشنه دخول الاستعمار الفرنسي، وتأسيس الحي الجديد بكليز، هذا إضافة إلى هندسة الأزقة المراكشية التي تحتضن مدرسة المواسين مقر الطالب الجديد عبد الرحمان، هذه الأزقة التي وإن تبدوا خارج مجال الدور، إلا أنه امتداد حيوي وعاطفي لمنازل السكان، تستوجب حماية حرماتها من الغريب، لدى فالمرور منها أو الدخول إليها ليس مستحبا بل مثار نظرات تحمل أكثر من معنى.وكان الطبلة القرويون ضيوفا بين أحد هذه الأزقة يعرفون بلباسهم الذي لا يشبه لباس المدن، لباس يوحي بالتقشف والفقر والبساطة، كما يحرصون على تحليق رؤوسهم احتراما لمشايخهم على عادات الطلبة في المدارس التقليدية الإسلامية، وقد كانوا بسبب هذه الهيئة محل تهكم وسخرية من طرف سكان المدينة.ويؤكد ايكلمان هنا على أن حتى أبرز المشاييخ الذين يدرسون في المدرسة اليوسفية بمراكش كانوا من أصل قروي، كما هو الحال بالنسبة إلى أبو شعيب الدكالي، ومحمد المختار السوسي، وكانوا من رواد الحركة الإصلاحية المغربية، فأحس الاستعمار الفرنسي بخطرهم وتأثيرهم، لهذا فقد نفى الشيخ محمد المختار السوسي إلى قبيلته بإليغ في ربوع سوس.لم يغفل اكلمان الحديث عن ظروف ونمط عيش الطلبة بمراكش، هذا النمط الغارق في العتاقة، تميز بمساكن جماعية داخل المدينة العتيقة، تتداخل فيها سلط مختلفة وغير واضحة، ويسيطر على نظامها الاقتصادي طابع “الخيري”، فالطلبة يعتمدون في معيشتهم خلال سنواتهم الطويلة في هذه المدينة (سبع سنوات) على موارد يختلف مصدرها، من إعانات من طرف العائلات الميسورة بالنسبة لبعض الطلبة، وصدقات بعض سكان المدينة والزائرين للمدرسة، أو من خلال تلاوة القرآن في بعض المناسبات العائلية، ويلجأ البعض إلى طرق أخرى لا تكون مقبولة أخلاقيا واجتماعيا وقيميا لخروجها عن الشريعة الإسلامية كأعمال السحر. وهنا لم تظهر السلطة بالمفهوم البيروقراطي، وحتى “مقدم” الطلبة لا يتوفر سوى على سلطة رمزية تنحصر في وساطته لطالبي “السلكة” والطلبة.تتلمذ “عبد الرحمان المنصوري” في جامع اليوسفية على يد مشايخ نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ أبو شعيب الدكالي، والشيخ المختار السوسي والشيخ محمد بن عمر السرغيني ومولاي أحمد العلمي وغيرهم، متأثرا بإرشاداتهم النيرة لسبر غور المعرفة الدينية من جهة، ومصاحبا لهم في لقاءات ومناظرات متعددة سواء داخل المسجد / الجامع أو خارجه من جهة ثانية استكمالا لتكوينه الذاتي.التيمة السادسة: الحقول المعرفية للدراسة المقررة:لم يكن جامع ابن يوسف منفتح بشكل كبير على مجموعة من الإصلاحات التي عرفها المجتمع المغربي إبان الاستعمار الفرنسي، بل كان المشايخ المنتسبين والمترددين على الجامعات متشبثين بشكل قطعي بالمعرفة الثابتة المحصورة في القرآن والسنة مع محاولة بعضهم الانفتاح على بعض المجالات الأدبية والفنية، ولكن في حدود لا يجب أن تمس المقومات الدينية المتأصلة في الهرم الإسلامي الصحيح، مقارنة مع مشايخ جامعة القرويين الذين ارتأوا في عهد الهيمنة الاستعمارية الفرنسية وجوب إدخال اللغة الفرنسية ضمن مقرراتهم الدراسية، لكن الطريف في الأمر هو أن إقحام هذه اللغة الأجنبية ضمن المنهاج الدراسي المعتمد اتخذ شكل ارجوزات قابلة فقط للحفظ وليس للتوظيف التواصلي البين فرداني والجماعي، ويمكن تقديم نموذجا في هذا الإطار:صباح الخير عندهم بونجوروإن أردت دوام الحال فقل توجورالسؤال عن الحال عندهم كومان سافاوالجواب عند الغاية سافا………..هذا التحول في متن القول والشرح والانفتاح على حقول معرفية وضعية خصوصا في أواخر القرن التاسع عشرة وبداية القرن العشرين، لم يكن مؤيدا من طرف بعض المشايخ السلفيين التقليديين حسب وجهة نظر الكاتب، بل شابتها مجموعة من الانتقادات اللاذعة في حق المتفتحين والحداثيين، ونذكر على سبيل المثال “المختار السوسي” الذي اعتبره بعض المتشددين بأنه يحسب نفسه مهديا نسبة إلى “المهدي ابن تومرت” المصلح الديني المعروف، كما استخف به المعارضون بأنه يدرَُّس الطلبة عوضا من الدين شعر الخمر والنساء.التيمة السابعة: الأتراب وأقران الدراسة:يوضح لنا الكاتب على لسان “الحاج عبد الرحمان المنصوري” الدور الذي كانت تلعبه جماعات الأقران والأتراب في تعزيز التعلمات وتحقيق المكتسبات خارج نطاق الدروس النظامية التي كانوا يتلقونها داخل المساجد والجوامع التي تعنى بالتعليم العالي الإسلامي. وهي خاصية لم تعد مألوفة ومعاشة في الظروف الراهنة داخل مجتمعنا المغربي، أمام اكتساح العمل الفرداني الضيق الأفق من الناحية البيداغوجية.فمدرسة المواسين التي كانت تحتوي على غرف للسكن بالنسبة للطلبة الوافدين من الوسط القروي ومن مدن بعيدة عن مدينة مراكش، كانت بالنسبة للطلبة مجالا نفسيا اجتماعيا للتفاعل والتحرر من ثقافة الصمت، وتبادل الخبرات وخلق حلقات دراسية للمناقشة وإبداء الرأي في كل المقتضيات الفكرية والدينية التي كانت تعرض عليهم من طرف مشايخ جامع اليوسفية، وذلك عبر إنشاء حلقات دراسية تكميلية مصغرة غير قارة، خصوصا بعد صلاة المغرب، بهدف الاطلاع على المستجدات الأدبية والفكرية التي تنشرها بعض المجلات الأدبية المغربية مثل مجلة “المغرب” و “مجلة السلام”. الأساسي في هذه الحجة المدرجة في كتاب “ديل أيكلمان” هو الوقوف على الأبعاد النفسية الاجتماعية لمثل هذه الحلقات الدراسية التكميلية على مستوى إزالة الحواجز المعرفية والسوسيو وجدانية بين الطلبة، ومحاولة تدبير الاختلافات المعرفية القائمة افتراضا بينهم نتيجة الفوارق الفردية الموجـودة، وضمان الاكتساب الجمعي للمتن الدينية والفكرية بشكل تشاركي، وتبادل المعارف والمواقف حيال القضايا والإشكالات الفكرية المعروضة عليهم ومواكبة التحولات السياسية التي عرفها المجتمع المغربي بعد صدور ظهير 11 ماي 1930 المعروف لدى الحركة الوطنية ب” الظهير البربري”؛ وهي خاصية جد ايجابية لتوضيح التنافر المعرفي الحاصل في تمثلات الطلبة، وتجاور بطبيعة الحال ثقافة الصمت التي تفرض على الطلبة أثناء تلقي المحاضرات من طرف المشايخ داخل المساجد والجامعات المخصصة للدروس النظامية المتمركزة حول المعارف الثابتة.التيمة الثامنة الأنشطة الطلابية:لم تكن الدروس المقدمة للطلبة حكرا على المشايخ والأساتذة آنذاك وإنما كان يعطى لهم هامش التعبير والتنشيط لبعض الحلقات الترفيهية خارج أوقات الدراسة النظامية، وذلك من اجل تكسير روتين العمل وتفتيق المواهب الموجودة لديهم، وكان يرمز لهذا النشاط بسلطان الطلبة، وهو معترف به رسميا من طرف سلطة القرار السياسي داخل المجتمع المغربي، باعتبارهم مجموعة ذات هوية خاصة. وينظم هذا النشاط خلال فصل الربيع، وقبله يعمد الطلبة إلى تجميع التبرعات من الساكنة والأعيان، وفي هذا المحفل يعمد الطلبة إلى مبايعة واحد منهم ممن يجدون فيه القدوة والحنكة وقوة الشخصية للعب وتمثيل دور السلطان ومحاكاته في عدد كبير من أمور التدبير والتسيير، ويستغرق هذا النشاط ثلاثة أسابيع تعرف بأيام النزهة. غير أن الخاصية المميزة لهذا النشاط تتمثل في الحضور الفعلي للسلطان أثناء إلقاء الخطبة في آخر يوم من أيام النزهة من طرف سلطان الطلبة، وهو محمل صحبة وزرائه بهدايا رمزية. ويلقي السلطان المزور خطبة، اكتسبت صبغة سياسية في عهد الاستعمار؛ تتصف بالتهكم والتحقير من السلطة الاستعمارية وهو ما حدا بهذه الأخيرة منع هذا النشاط في صفوف الطلبة خوفا من نشوب شغب وانتفاضات للجماهير الشعبية على حد قول الكاتب.3.استنتاجات وآراء حول الموضوعبالنظر إلى الغنى المعرفي، والخلاصات الكثيرة التي أوردها ايكلمان في كتابه عن نظام التعليم التقليدي الإسلامي في المغرب، خصوصا في بداية القرن العشرين، والتغيرات التي طرأت عليه، وعلاقتها بالسلطة، في كل تجلياتها المادية والرمزية، فإن ما سجلناه نحن كملاحظات سوف تكون من باب ملاحظات، مكتشف لقارة البحث العلمي من جهة، ومتدرب في ميدان تلمس معالم أحد العلوم الإنسانية التي ارتبطت لمدة كبيرة بشبهة الاستعمار، وهنا ونحن نقرأ الكتاب تزاحمنا هذه الفكرة، نستبعدها مرة، ونحضرها مرات كثيرة، فاكلمان لم يبرر أبدا اختياره البحث في الأنثروبولوجية الثقافية للمغرب، حتى أننا سنكتشف في مثن الكتاب ما يبرر أن هذا الكتاب كان عرضيا، فقد كان الهدف الأساسي لوجود اكلمان بالمغرب هو البحث في “الإسلام المغربي”، فكان أو وجد في الحاج عبد الرحمان معينه في البحث في هذا الموضوع. والملاحظة الأخرى التي إستاثرت باهتمامنا ونحن نغوص في الكتاب هي اختياره لمنطقة قروية لم تكن من الناحية العلمية بمركز معروف ولم يكن لها من الناحية السياسية دور محورا سواء في تاريخ المغرب بشكل عام، أو في تاريخ المغرب القريب المرتبط بمقاومة الاستعمار، والذي دعانا إلى طرح هذه الملاحظة هو عنوان الكتاب نفسه “المعرفة والسلطة”، وما يشفع له في نظرنا لهذا الخيار، هو افتراضنا أن ايكلمان يحصر السلطة التي يتحدث عنها في عنوان الكتاب في تلك السلطة الرمزية التي تعطيها المعرفة امتثالا للمثل الإنجليزي KNOWLEDGE IS POWER (المعرفة سلطة)، وبالفعل فمثن الكتاب يركز بالأساس على جدلية المعرفة والسلطة من خلال حياة الحاج عبد الرحمان، وهنا يمكن أن نستحضر أيضا القراءة المعاكسة أي علاقة السلطة والمعرفة، حيث أن وجاهة عائلة الحاج عبد الرحمان مكنتها من إتمام دراسته العليا، وهيئت له الظروف لتقلد مناصب ذات مكانة رفيعة في مجتمعه الصغير، على عكس التلاميذ (الطلبة) المنحدرين من الأوساط الفقيرة، الذين غالبا ما يغادرون قاعات الدرس أو في أقصى تقدير يصبحون فقهاء الشرط.من الإشكاليات الأخرى التي وقفنا عندها في الكتاب هي العلاقة الملتبسة بين السوسيولوجيا الثقافية، والأنثروبولوجيا الثقافية، ذلك أن ثقافة المغاربة خصوصا في بداية القرن كانت ثقافة الجماعة، وليست ثقافة الفرد، ثقافية يساهم الجميع في إنتاجها واستهلاكها والحفاظ عليها إنها ثقافة على شفى التحول، عن طريق التحولات التي بدأ النظام المدرسي المغربي يعرفها في الربع الثاني من القرن العشرين.يثير دهشتنا أيضا في هذا الكتاب، تغييب لعامل اللغة في تكوين الحاج عبد الرحمان، ولا نحتاج للتدليل على أن اللغة سلطة رمزية مهمة أفرد لها بيير بورديو دراسات مفصلة ضمن طروحاته حول الرأسمال الرمزي للأسرة، والذي تعتبر فيه لغة الأسرة أو النظام المدرسي، أساسية في الرأسمال الرمزي للوريث الذي هو هنا الطالب، وقد سماها بورديو بالطبع في كتابه “الورثة” (Les héritiers) بـ (Habitus)، فتغييب هذا المعطى غير مبرر، خصوصا وأن الحاج عبد الرحمان من أسرة ناطقة بالأمازيغية وقد أشار إلى ذلك أكثر من مرة، لكن هل تشكل هنا لغته الأم لعنة أم مكسب بالنسبة لمساره الدراسي؟ هنا يسكت ايكلمان أو بالأحرى يسكت الحاج عبد الرحمان، هل كانت اللغة حاضرة في حواراتهما أم لا؟ هذا علما أن اللغة أساسية في التحصيل العلمي، نعرف من خلال الكتاب أيضا أن لغة التدريس كانت العربية، بل إن إتقانها كان امتيازا مهما بل ضرورة لا محيد عنها في التحصيل الجامعي في النظام التقليدي الإسلامي موضوع بحث ايكلمان. وهنا أيضا يجب أن نقف عند معطى مهم يتعلق بعدم تمكن ايكلمان من معرفة اللغة الأمازيغية التي هي لغة عائلة الحاج عبد الرحمان، خصوصا وأن من بديهيات العمل الميداني الأنثروبولوجي تعلم لغة المبحوثين.إن النتائج التي كان ينتظرها ايكلمان، من بحثه كانت تتمحور بالدرجة الأولى حول تأثير المعرفة التقليدية الإسلامية، في المجتمع بشكل عام، في كل مستوياته؛ السياسية (علاقات المشاييخ بالسلطة الاستعمارية …)، الاجتماعية (الأدوار والمكانات الاجتماعية لخريجي هذا النمط من التعليم في النسيج المجتمعي في فترة الاستعمار وبعد الاستقلال)، الثقافية (مواقفهم من التعليم الفرنسي بصفة خاصة، والتعليم الحديث بشكل أعم). لكن المهم بالنسبة لإكلمان هو الجانب الإبيستيمولوجي للمعرفة الدينية الإسلامية، وعلاقاتها بما عرف فيما بعد، بالحركات الإسلامية، التي ستظهر مع مرور عقدين من الزمن بعد الحصول على الاستقلال، وما رافق ذلك من إحساس المواطنين بالغبن الاجتماعي من دولة الاستقلال، هذا الإحساس سوف يستثمر كأرضية لإنتاج خطاب “إنتكاسي” ديني يدعو إلى الرجوع إلى النهل من المرجعية الدينية باعتبارها الخلاص من القهر الاجتماعي، وسبيل لتحقيق مجتمع العدالة الاجتماعية المفقودة في الواقع.هذه الملاحظات لم تكن لتنقص من قيمة الكتاب على كل حال، لكنها من وجهة نظرنا، كانت بهدف إغناء تحليلنا بقراءاتنا المختلفة ثقافيا على الأقل عن قراءات ايكلمان، ثم من أجل ممارسة القراءة النقدية الواعية للمثن العلمي، سواء كان من طرف باحثين مغاربة أو أجانب. ونحن نشارك ايكلمان العديد من استنتاجاته، لكننا نحتفظ لأنفسنا بقراءاتنا لنفس الواقع انطلاقا من معطيات نظن أن ايكلمان لبعده الإبيستيمولوجي عن الثقافة المغربية، ولتقنية السيرة التي اعتمدها في بحثه، والتي لها كذلك كغيرها من التقنيات مساوئها، لعل أهمها هي حضور الذاتية لدى الفرد المتكلم، ونحن نطرح افتراض وجود إخفاء متعمد لبعض المعلومات والحقائق، يحضرنا الآن غياب الحديث عن طبيعة العلاقات الحميمية بين الطلبة خصوصا في مسكنهم المشترك، والتي نعرف أن سن الطلبة المتقارب، وكذا الطبيعة العمرية ووضعيتهم الاجتماعية (العزاب) تكون ظروفا لممارسات جنسية، لم يكشف عنها الحاج عبد الرحمان، ولم يسعى ورائها ايكلمان مثل هذه الممارسات كانت معروفة حتى في المدارس القروية. هذا علما أن بعض الأمور الدقيقة تطرق إليها، كأعمال السحر والشعوذة التي تمارس داخل بيوتات هؤلاء.إن المعرفة التي يتحدث عنها ايكلمان في كتابه، ليست تلك المعرفة التي يلهث ورائها مغاربة القرن العشرين، إنها معرفة مهددة في أواخر الستينات بالانقراض، لكن ايكلمان كان يريد أن يعرف المجتمع المغربي العادي، الذي كان في سنوات الستينات لازال مرتبطا وخاضعا ومسيرا بتلك المعرفة، فتحول المجتمع المغربي لم يكن تاما حينها، بل إن السلطة في ذلك الوقت اعتمدت في تصريف سياساتها في كثير من الوقت على المتخرجين من مؤسسات هذه المعرفة، وكم أشبه الأمس باليوم حينما نجد رغم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والدينية، أن السلطة تلجأ إلى المساجد باعتبارها المعاقل الأخيرة لتصريف سياساتها وتستنجد بأئمة هذه المساجد للتوعية من خطر جائحة العصر: أنفولونزا H1N1.إن اكلمان لم يكن مخطئا إذن حينما ذهب إلى مؤسسات يعتقد الكثير من المغاربة أن تأثيرها محدود في المجتمع، فهذا الكتاب إذن يستحق أن يقرأ ثانية، ولكن هذه المرأة ليس لمعرفة علاقات المعرفة بالسلطة، بل لمعرفة تأثير السلطة على نوعية المعرفة الحالية للمجتمع المغربي، خصوصا أننا بصدد مشروع دولتي لإصلاح الشأن الديني، يعتمد على بركات الزوايا والصوفية، هروبا من واقع متأزم لهذا المجتمع، وردا على إسلام حركي بات يهدد مقومات الدولة المغربية الحديثة المبنية على الشرعية الدينية في تصريف الكثير من القرارات السياسية المصيرية، كما هو الشأن بالنسبة لمدونة الأسرة.

قراءة تحليلية لكتاب المعرفة والسلطة في المغرب للأنثروبولوجي ديل ف. ايكلمان

1. مقدمةتم اختيار هذا الكتاب محط دراستنا لعدة إعتبارت، نراها من الأهمية بمكان، خصوصا وأننا بصدد مادة بطبيعتها تفتح المجال للنهل من جميع القضايا المرتبطة بالأنثروبولوجيا، (قضايا أنثروبولوجية)، وإذا تعلق الأمر بقضية من صميم الانتماء إلى هذا الوطن، كما هو الأمر بهذا الكتاب، فإن هذا الأمر يستحق عناء التحليل، ويستوجب أيضا قراءة متأنية، نقدية متفحصة لمثن الكتاب، للوقوف على ما قال وما لم يقله أيضا، إنها رياضة حاولنا ممارستها بوعي منهجي، متسلحين في ذلك بإرادة لمعرفة أحد الموضوعات التي تتقاسمها العلوم الإنسانية، ألا وهو موضوع التعليم بالمغرب، وهو من التيمات التي انشغلت بها السوسيولوجيا المغربية مبكرا، لكن للأسف لم توليها الأنثروبولجوجيا نفس الاهتمام الذي نجده عند السوسيولوجيين، وهذا ما انتبه له الدارسون الغربيون، وخصوصا منهم الأنكلوساكسونيين، واستشهد هنا بكتاب حوارات مغربية لدافيد هارت، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا اليوم.إن موضوع التعليم الإسلامي من المواضيع التي لم تقف عندها ماكينة البحث الأنثروبولوجي كثيرا، وذلك لإعتبارت كثيرة، لمح ايكلمان إلى بعضها أحيانا، ولازال البحث عن أسباب إستكناف الباحثين المغاربة عن هذا الموضوع لم تكشف كلها بعد. إن أهمية الكتاب –في نظرنا- هي تلك النظرة الغيرية لنظامنا التعليمي الذي استمر لقرون عديدة، وساهم في إعادة إنتاج البنيات المجتمعية لمغرب القرن التاسع عشر والقرن العشرين، إنه بحث قيم بالنظر إلى الفترة الحرجة والانتقالية التي يمر بها نظامنا التعليمي، ذلك الانتقال من التعليم الإسلامي التقليدي، بطرقه ومناهجه العتيقة، إلى تعليم آخر من إنتاج الحضارة الغربية، نجدهما يتجاوران في دار الحاج عبد الرحمان المنصوري، بشكل سلسل، يدعو إلى الاستغراب والدهشة، فالحاج عبد الرحمان تلقى تعليمه في إطار النظام التقليدي وعن طريقه اكتسب الرأسمال الرمزي الذي بوئه مكانة مهمة في مجتمعه الصغير، في حين أن أبنائه يتلقون تعليمهم على النمط الأوروبي.ومن وجهة نظر الطالب الباحث عن إمكانات التحليل، والبحث، نجد في هذا الكتاب نموذجا مهما لدراسة المجتمعات التقليدية التي تنعدم فيها التمايزات، الشيء الذي يصعب من إمكان إجراء دراسات كمية لاستخراج المعطيات العلمية، وتفريغها فيما بعد، وهو ما وصل إليه صاحبنا، فكان خياره إذن، هو استعمال المنهج الوصفي التفسيري، مركزا على تقنية السيرة التي طبقها على الحاج عبد الرحمان، فلازمه مدة طويلة، وهذا من عيوبها، لكنها تعطي نتائج مهمة فيما يخص الفهم العميق المتأني للوضع المجتمعي، فكانت معلوماته عن المجتمع المحلي لبزو ونواحيها غنية جدا.هذه إذن بعض من الدوافع التي جعلتنا ننخرط بدون تردد في مشروع الغوص في ثنايا هذا الكتاب، دون أن ننسى أن بعض الكتب أحيانا هي التي تنتقي قرائها، وقد نكون فعلا ضحية سحرها، وكيف لا، ونحن ضيوف في رحاب الدرس الأنثروبولوجي.2. تلخيص وتحليل لتيمات الكتابحتى تكون قراءتنا لهذا الكتاب ممنهجة اعتمدنا كأداة تحليلية له على شبكة تقويمية “لفرنسو رشودو” مع التصرف في بعض وحداتها المسحية حتى تستجيب لأهداف هذه القراءة ولأبعادها التحليلية، كما اقتضى الأمر استعمال طريقة تحليل المحتوى خصوصا التحليل التيماتي كأسلوب منهجي بهدف ضبط التيمات المتكررة والمعبرة بشكل أساسي عن مواقف واتجاهات صاحب الكتاب حول المعرفة والسلطة وطبيعة العلاقة الجدلية القائمة بينهما كما هي مطروحة في تحليله الانتروبولوجي هذا.الوحدة الأولى في القراءة:يحتوي كتاب ” ديل ف ايكلمان” على 298 صفحة، وهو من الحجم المتوسط، ترجم إلى اللغة العربية من طرف الباحث: “محمد أعفيف”، عن دار النشر ملابطا طنجة، سنة 2009، يتضمن كعناوين رئيسية على: تقديم للباحث محمد الشرقاوي؛ ثم تصدير للمؤلف للطبعة الثانية المترجمة لسنة 2009. أما تاريخ صدور الطبعة الأولى باللغة الانجليزية فكان سنة 1985. وقد قسم على الشكل التالي:– مقدمة؛– الفصل الأول:السيرة بوصفها وثيقة اجتماعية؛– الفصل الثاني البدايات؛– الفصل الثالث: التعليم الأصيل بالمغرب؛– الفصل الرابع جامع ابن يوسف ولمحة عن التعليم العالي؛– الفصل الخامس: عالم المثقف القروي؛– الفصل السادس: السياسة والدين؛– الفصل السابع: التحول الكبير: اندثار التعليم الأصيل.بالنسبة للتقديم كتبه الباحث السوسيولوجي المغربي “محمد الشرقاوي” حيث صنف الكتاب ضمن الدراسات الانتروبولوجية الذي تناول من خلاله الكاتب الأمريكي “ايكلمان” السيرة الذاتية لأحد الشخصيات التي تنتمي لمنطقة بزو، ويتعلق الأمر بالقاضي “الحاج عبد الرحمان المنصوري” وهو احد أبناء أعيان المنطقة، والذي استفاد من امتيازات اقتصادية وثقافية خولت له متابعة دراسته في مجال التعليم الأصيل على المدى البعيد، وإن كان “محمد الشرقاوي لا يريد اختزال هذه الدراسة في سيرة ذاتية “للحاج عبد الرحمان” وإنما يرى بأن المؤلف حاول الامتداد بها تحليليا لتوضيح عمق السلطة المخزنية التي كانت سائدة آنذاك سواء في بعدها التاريخي والسوسيوثقافي، وفي علاقاتها الجيو سياسية مع الغرب خصوصا فرنسا، مشيرا في نفس الوقت بان الخطاطة التحليلية التي قدمها الرجل للمشاكل التي واجهتها الثقافة الكلاسيكية التقليدية المسكونة لمعاهد التعليم الأصيل [ابن يوسف والقرويين نموذجين] تعتبر كوثيقة تاريخية لاستبصار طبيعة التحولات التي عرفها المغرب في علاقاته مع الغرب، ومع الثوابت التي تفرضها القيم الإسلامية المنشودة خصوصا في الأوساط القروية مهد انتشار الزوايا [الزاوية الشرقاوية ببالجعد والتي شكلت موضوع هذا الكتاب]، والتعليم الديني بشكل عام، ويضيف “محمد الشرقاوي” بان دراسة “ايكلمان” هي عبارة عن اشراقة فكرية وضاءة تستهدف ضمن مساقها الانتروبولوجي توجيه القارئ للعثور على لوحات فكرية بتعبير “ماكس فير” لفهم الثقافة المتجدرة في الوسط القروي من خلال المسارات التي سلكها “عبد الرحمان المنصوري” [نموذجا] عبر عقود من الزمن عاشها من جهة، كمتعلم وطالب، ومن جهة ثانية كقاضي بالمحكمة الشرعية في نهاية مشواره التاريخي الاجتماعي. كما احتوى الكتاب على تصدير للطبعة الثانية، ومقدمة اتسمت بتحليلها السوسيولوجي لدور المثقف القروي العضوي الممكن والمأمول في المشهد السياسي والثقافي الذي عرفه المجتمع المغربي إبان الحماية الفرنسية، وما طال هذا المشهد من مسوخات حاولت المس بالهوية الوطنية الإسلامية عبر مقاومة المستعمر للتعليم الأصيل والتعليم الحر اللذان كانت تدافع عنهما الحركة الوطنية آنذاك والبورجوازية الوطنية على حد تعبير المؤلف؛ وإن كان ما هو سائد في اعتقاد الكاتب ضمن مسارات هذا التحول، هو انتشار مثقفين تقليديين بلغة “غرامشي” متشبثين بالمعرفة الثابتة الصرفة وبعيدين كل البعد عن القيام بأدوار طلائعية سياسية واضحة المعالم لمواجهة التحديات التي فرضها النظام التعليمي الفرنسي، وذلك لأسباب تعود حسب وجهة نظر الرجل، لغياب موقع واضح لهم ضمن التصورات القائمة حول دور المثقفين في المجتمعات المعاصرة. إن هذه القراءة الوصفية والتحليلية ستركز على محور التعليم الأصيل بالمغرب كما هو مفسر من طرف الكاتب من خلال الاشتعال على مجموعة من التيمات التي يحاول على لسان “عبد الرحمان المنصوري” إبرازها لنا في استقصاءاته لهذا النموذج التعليمي بالمجتمع المغربي في العقود الأولى من القرن الماضي.التيمة الأولى: الحفظ كاختيار بيداغوجي؛وهو مكون أساسي تقليدي اعتمد من طرف الفقهاء لإكساب العلوم الدينية اعتمادا بطبيعة الحال على الذاكرة كمؤشر على كفاءة الطالب في تحقيق التعلم المنتظر منه؛ المبررات المعتمدة في هذا الإقرار تعود حسب الكاتب أولا لضرورته وحتميته في حفظ الآيات القرآنية عن ظهر قلب، ثانيا للمدة الزمنية التي يستغرقها حفظ القرآن في المساجد والكتاتيب القروية والمحددة في ست عشرة سنة حسب وجهة نظر المؤلف، مفندا في نفس الوقت بعض الادعاءات المنتقدة لهذا الاختيار البيداغوجي لكون أصحابها ـ في نظره ـ ليست لديهم فكرة عن تنوع هذه التقاليد وحيويتها في الحياة العلائقية للطلبة، وستكون لنا عودة لهذه النقطة بعد حين لتوضيحها أكثر.واعتمادا على نتائج المقابلات التي أجراها مع الشخصية المحورية في الكتاب واستقصاءاته لفحوى المصادر والوثائق التاريخية المغربية والأجنبية كما هي معروضة في ببليوغرافية الكتاب سواء المكتوبة باللغة العربية أو اللغة الانجليزية، كشف الكاتب عن طبيعة التمدرس في الكتاتيب القرآنية المهد الأول للتعليم الديني، حيث يعمد الفقهاء إلى تنمية ملكة الحفظ لدى الطلبة لكتاب الله وقراءته قراءة سليمة وصحيحة على اعتبار أن الحفظ كمكون بيداغوجي لم يكن حكرا على الثقافة الإسلامية وإنما عرفت حضارات أخرى واعتمدته في التدريس كالرومان والإغريق، فهؤلاء قد استعانوا بأساليب مختلفة لتسهيل عملية الحفـظ. ومصاحبته بهذه الأساليب في نظر الكاتب يدل على أن المعرفة المنقولة عبره تكون أكثر صفاء ونقاء من المعرفة المنقولة عبر الكتابة، وفي التجارب التعليمية الإسلامية خصوصا بالمغرب ـ يشير الكاتب ـ إلى أن أنماط الترتيل والإيقاع المستغلة بصورة منظمة كانت تستعمل كأدوات مساعدة على الحفظ.التيمة الثانية الانضباط والصرامة:وهي سلوكات يفرضها الشيخ على المريدين في إطار العلاقات البين فردانية المؤسسة حتما بينهم، وفي هذا الجانب توصل الباحث إلى أن ممارسة العقاب كانت مقبولة، بل مستحبة لاعتبارات عديدة، فيها ما هو ديني أيضا “فكل مكان في الجسد يتلقى ضربة القفيه لن تمسه نار جهنم”، لكن يستدرك ليؤكد أن هذا العقاب رغم التبريرات المجتمعية والدينية التي تلفه، إلا أنه خاضع لشروط التراتبية المجتمعية، فلكما كان الابن من الأعيان كلما قل الضرب، والعكس صحيح. ويكون هذا العقاب في الحالات التالية؛ عندما يتعذر على احد الطلبة حفظ ما هو مطلوب منه أو الإخلال بالعقود المؤسسة.التيمة الثالثة: الالتزام بالقيم الخلقية التي سنها كتاب الله و سنة رسوله:كانت الوضعية السليمة التي يجب على طالب المعرفة الدينية أن يتمسك بها، تقتضي الالتزام بمجموعة من الضوابط الأخلاقية والدينية المتداولة في خطاب العامة بعد الخاصة، من احترام الشيوخ/ الأساتذة، الالتزام بالآداب الخاصة بالمكان موضع التلقين، ثم إتباع تعاليم الشريعة الإسلامية، وكان اللباس كما أسلفنا أداة وشرطا من شروط الالتزام بهذه التعاليم أيضا، وقد كان كل خروج عن هذه الضوابط يجعل صاحبه مرفوضا من طرف الجماعة، ومرمى لكل عنف رمزي يأخذ أشكال العزل الجماعي، يصل في بعض الأحيان إلى الاحتجاج ضد هذا السلوك.التيمة الرابعة: شرح وتفسير المعرفة الثابتة:في هذه التيمة وجب تجنب الشرح الصريح لما يحفظ من نصوص وأحاديث في البداية، تحقيقا لما يسميه الكاتب بالمعرفة الثابتة التي تعد أساس التعليم الإسلامي الهادف، ذلك لأن عملية التفسير والشرح للمتن القرآني تتطلب عملية اكتسابها سنوات عديدة من الدراسة المتقدمة في هذا العلم. وهذا ما جعل الفقهاء على حد قول الكاتب يعطون الأسبقية والأولوية للحفظ، أما الشرح التفسيري للآيات والأحاديث النبوية فيتم بعد ذلك…أي بعد حفظ القرآن الكريم وأحاديث.التيمة الخامسة: التعليم العالي:انطلق اكلمان في وصفه للتعليم العالي التقليدي، من وصفه لمدينة مراكش التي أثار انتباهه هو التقسيم المجالي إلى مدينتين تعيشان زمنين مختلفين، زمن المغرب العتيق داخل الأسوار الحمراء للمدينة، وزمن جديد دشنه دخول الاستعمار الفرنسي، وتأسيس الحي الجديد بكليز، هذا إضافة إلى هندسة الأزقة المراكشية التي تحتضن مدرسة المواسين مقر الطالب الجديد عبد الرحمان، هذه الأزقة التي وإن تبدوا خارج مجال الدور، إلا أنه امتداد حيوي وعاطفي لمنازل السكان، تستوجب حماية حرماتها من الغريب، لدى فالمرور منها أو الدخول إليها ليس مستحبا بل مثار نظرات تحمل أكثر من معنى.وكان الطبلة القرويون ضيوفا بين أحد هذه الأزقة يعرفون بلباسهم الذي لا يشبه لباس المدن، لباس يوحي بالتقشف والفقر والبساطة، كما يحرصون على تحليق رؤوسهم احتراما لمشايخهم على عادات الطلبة في المدارس التقليدية الإسلامية، وقد كانوا بسبب هذه الهيئة محل تهكم وسخرية من طرف سكان المدينة.ويؤكد ايكلمان هنا على أن حتى أبرز المشاييخ الذين يدرسون في المدرسة اليوسفية بمراكش كانوا من أصل قروي، كما هو الحال بالنسبة إلى أبو شعيب الدكالي، ومحمد المختار السوسي، وكانوا من رواد الحركة الإصلاحية المغربية، فأحس الاستعمار الفرنسي بخطرهم وتأثيرهم، لهذا فقد نفى الشيخ محمد المختار السوسي إلى قبيلته بإليغ في ربوع سوس.لم يغفل اكلمان الحديث عن ظروف ونمط عيش الطلبة بمراكش، هذا النمط الغارق في العتاقة، تميز بمساكن جماعية داخل المدينة العتيقة، تتداخل فيها سلط مختلفة وغير واضحة، ويسيطر على نظامها الاقتصادي طابع “الخيري”، فالطلبة يعتمدون في معيشتهم خلال سنواتهم الطويلة في هذه المدينة (سبع سنوات) على موارد يختلف مصدرها، من إعانات من طرف العائلات الميسورة بالنسبة لبعض الطلبة، وصدقات بعض سكان المدينة والزائرين للمدرسة، أو من خلال تلاوة القرآن في بعض المناسبات العائلية، ويلجأ البعض إلى طرق أخرى لا تكون مقبولة أخلاقيا واجتماعيا وقيميا لخروجها عن الشريعة الإسلامية كأعمال السحر. وهنا لم تظهر السلطة بالمفهوم البيروقراطي، وحتى “مقدم” الطلبة لا يتوفر سوى على سلطة رمزية تنحصر في وساطته لطالبي “السلكة” والطلبة.تتلمذ “عبد الرحمان المنصوري” في جامع اليوسفية على يد مشايخ نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الشيخ أبو شعيب الدكالي، والشيخ المختار السوسي والشيخ محمد بن عمر السرغيني ومولاي أحمد العلمي وغيرهم، متأثرا بإرشاداتهم النيرة لسبر غور المعرفة الدينية من جهة، ومصاحبا لهم في لقاءات ومناظرات متعددة سواء داخل المسجد / الجامع أو خارجه من جهة ثانية استكمالا لتكوينه الذاتي.التيمة السادسة: الحقول المعرفية للدراسة المقررة:لم يكن جامع ابن يوسف منفتح بشكل كبير على مجموعة من الإصلاحات التي عرفها المجتمع المغربي إبان الاستعمار الفرنسي، بل كان المشايخ المنتسبين والمترددين على الجامعات متشبثين بشكل قطعي بالمعرفة الثابتة المحصورة في القرآن والسنة مع محاولة بعضهم الانفتاح على بعض المجالات الأدبية والفنية، ولكن في حدود لا يجب أن تمس المقومات الدينية المتأصلة في الهرم الإسلامي الصحيح، مقارنة مع مشايخ جامعة القرويين الذين ارتأوا في عهد الهيمنة الاستعمارية الفرنسية وجوب إدخال اللغة الفرنسية ضمن مقرراتهم الدراسية، لكن الطريف في الأمر هو أن إقحام هذه اللغة الأجنبية ضمن المنهاج الدراسي المعتمد اتخذ شكل ارجوزات قابلة فقط للحفظ وليس للتوظيف التواصلي البين فرداني والجماعي، ويمكن تقديم نموذجا في هذا الإطار:صباح الخير عندهم بونجوروإن أردت دوام الحال فقل توجورالسؤال عن الحال عندهم كومان سافاوالجواب عند الغاية سافا………..هذا التحول في متن القول والشرح والانفتاح على حقول معرفية وضعية خصوصا في أواخر القرن التاسع عشرة وبداية القرن العشرين، لم يكن مؤيدا من طرف بعض المشايخ السلفيين التقليديين حسب وجهة نظر الكاتب، بل شابتها مجموعة من الانتقادات اللاذعة في حق المتفتحين والحداثيين، ونذكر على سبيل المثال “المختار السوسي” الذي اعتبره بعض المتشددين بأنه يحسب نفسه مهديا نسبة إلى “المهدي ابن تومرت” المصلح الديني المعروف، كما استخف به المعارضون بأنه يدرَُّس الطلبة عوضا من الدين شعر الخمر والنساء.التيمة السابعة: الأتراب وأقران الدراسة:يوضح لنا الكاتب على لسان “الحاج عبد الرحمان المنصوري” الدور الذي كانت تلعبه جماعات الأقران والأتراب في تعزيز التعلمات وتحقيق المكتسبات خارج نطاق الدروس النظامية التي كانوا يتلقونها داخل المساجد والجوامع التي تعنى بالتعليم العالي الإسلامي. وهي خاصية لم تعد مألوفة ومعاشة في الظروف الراهنة داخل مجتمعنا المغربي، أمام اكتساح العمل الفرداني الضيق الأفق من الناحية البيداغوجية.فمدرسة المواسين التي كانت تحتوي على غرف للسكن بالنسبة للطلبة الوافدين من الوسط القروي ومن مدن بعيدة عن مدينة مراكش، كانت بالنسبة للطلبة مجالا نفسيا اجتماعيا للتفاعل والتحرر من ثقافة الصمت، وتبادل الخبرات وخلق حلقات دراسية للمناقشة وإبداء الرأي في كل المقتضيات الفكرية والدينية التي كانت تعرض عليهم من طرف مشايخ جامع اليوسفية، وذلك عبر إنشاء حلقات دراسية تكميلية مصغرة غير قارة، خصوصا بعد صلاة المغرب، بهدف الاطلاع على المستجدات الأدبية والفكرية التي تنشرها بعض المجلات الأدبية المغربية مثل مجلة “المغرب” و “مجلة السلام”. الأساسي في هذه الحجة المدرجة في كتاب “ديل أيكلمان” هو الوقوف على الأبعاد النفسية الاجتماعية لمثل هذه الحلقات الدراسية التكميلية على مستوى إزالة الحواجز المعرفية والسوسيو وجدانية بين الطلبة، ومحاولة تدبير الاختلافات المعرفية القائمة افتراضا بينهم نتيجة الفوارق الفردية الموجـودة، وضمان الاكتساب الجمعي للمتن الدينية والفكرية بشكل تشاركي، وتبادل المعارف والمواقف حيال القضايا والإشكالات الفكرية المعروضة عليهم ومواكبة التحولات السياسية التي عرفها المجتمع المغربي بعد صدور ظهير 11 ماي 1930 المعروف لدى الحركة الوطنية ب” الظهير البربري”؛ وهي خاصية جد ايجابية لتوضيح التنافر المعرفي الحاصل في تمثلات الطلبة، وتجاور بطبيعة الحال ثقافة الصمت التي تفرض على الطلبة أثناء تلقي المحاضرات من طرف المشايخ داخل المساجد والجامعات المخصصة للدروس النظامية المتمركزة حول المعارف الثابتة.التيمة الثامنة الأنشطة الطلابية:لم تكن الدروس المقدمة للطلبة حكرا على المشايخ والأساتذة آنذاك وإنما كان يعطى لهم هامش التعبير والتنشيط لبعض الحلقات الترفيهية خارج أوقات الدراسة النظامية، وذلك من اجل تكسير روتين العمل وتفتيق المواهب الموجودة لديهم، وكان يرمز لهذا النشاط بسلطان الطلبة، وهو معترف به رسميا من طرف سلطة القرار السياسي داخل المجتمع المغربي، باعتبارهم مجموعة ذات هوية خاصة. وينظم هذا النشاط خلال فصل الربيع، وقبله يعمد الطلبة إلى تجميع التبرعات من الساكنة والأعيان، وفي هذا المحفل يعمد الطلبة إلى مبايعة واحد منهم ممن يجدون فيه القدوة والحنكة وقوة الشخصية للعب وتمثيل دور السلطان ومحاكاته في عدد كبير من أمور التدبير والتسيير، ويستغرق هذا النشاط ثلاثة أسابيع تعرف بأيام النزهة. غير أن الخاصية المميزة لهذا النشاط تتمثل في الحضور الفعلي للسلطان أثناء إلقاء الخطبة في آخر يوم من أيام النزهة من طرف سلطان الطلبة، وهو محمل صحبة وزرائه بهدايا رمزية. ويلقي السلطان المزور خطبة، اكتسبت صبغة سياسية في عهد الاستعمار؛ تتصف بالتهكم والتحقير من السلطة الاستعمارية وهو ما حدا بهذه الأخيرة منع هذا النشاط في صفوف الطلبة خوفا من نشوب شغب وانتفاضات للجماهير الشعبية على حد قول الكاتب.3.استنتاجات وآراء حول الموضوعبالنظر إلى الغنى المعرفي، والخلاصات الكثيرة التي أوردها ايكلمان في كتابه عن نظام التعليم التقليدي الإسلامي في المغرب، خصوصا في بداية القرن العشرين، والتغيرات التي طرأت عليه، وعلاقتها بالسلطة، في كل تجلياتها المادية والرمزية، فإن ما سجلناه نحن كملاحظات سوف تكون من باب ملاحظات، مكتشف لقارة البحث العلمي من جهة، ومتدرب في ميدان تلمس معالم أحد العلوم الإنسانية التي ارتبطت لمدة كبيرة بشبهة الاستعمار، وهنا ونحن نقرأ الكتاب تزاحمنا هذه الفكرة، نستبعدها مرة، ونحضرها مرات كثيرة، فاكلمان لم يبرر أبدا اختياره البحث في الأنثروبولوجية الثقافية للمغرب، حتى أننا سنكتشف في مثن الكتاب ما يبرر أن هذا الكتاب كان عرضيا، فقد كان الهدف الأساسي لوجود اكلمان بالمغرب هو البحث في “الإسلام المغربي”، فكان أو وجد في الحاج عبد الرحمان معينه في البحث في هذا الموضوع. والملاحظة الأخرى التي إستاثرت باهتمامنا ونحن نغوص في الكتاب هي اختياره لمنطقة قروية لم تكن من الناحية العلمية بمركز معروف ولم يكن لها من الناحية السياسية دور محورا سواء في تاريخ المغرب بشكل عام، أو في تاريخ المغرب القريب المرتبط بمقاومة الاستعمار، والذي دعانا إلى طرح هذه الملاحظة هو عنوان الكتاب نفسه “المعرفة والسلطة”، وما يشفع له في نظرنا لهذا الخيار، هو افتراضنا أن ايكلمان يحصر السلطة التي يتحدث عنها في عنوان الكتاب في تلك السلطة الرمزية التي تعطيها المعرفة امتثالا للمثل الإنجليزي KNOWLEDGE IS POWER (المعرفة سلطة)، وبالفعل فمثن الكتاب يركز بالأساس على جدلية المعرفة والسلطة من خلال حياة الحاج عبد الرحمان، وهنا يمكن أن نستحضر أيضا القراءة المعاكسة أي علاقة السلطة والمعرفة، حيث أن وجاهة عائلة الحاج عبد الرحمان مكنتها من إتمام دراسته العليا، وهيئت له الظروف لتقلد مناصب ذات مكانة رفيعة في مجتمعه الصغير، على عكس التلاميذ (الطلبة) المنحدرين من الأوساط الفقيرة، الذين غالبا ما يغادرون قاعات الدرس أو في أقصى تقدير يصبحون فقهاء الشرط.من الإشكاليات الأخرى التي وقفنا عندها في الكتاب هي العلاقة الملتبسة بين السوسيولوجيا الثقافية، والأنثروبولوجيا الثقافية، ذلك أن ثقافة المغاربة خصوصا في بداية القرن كانت ثقافة الجماعة، وليست ثقافة الفرد، ثقافية يساهم الجميع في إنتاجها واستهلاكها والحفاظ عليها إنها ثقافة على شفى التحول، عن طريق التحولات التي بدأ النظام المدرسي المغربي يعرفها في الربع الثاني من القرن العشرين.يثير دهشتنا أيضا في هذا الكتاب، تغييب لعامل اللغة في تكوين الحاج عبد الرحمان، ولا نحتاج للتدليل على أن اللغة سلطة رمزية مهمة أفرد لها بيير بورديو دراسات مفصلة ضمن طروحاته حول الرأسمال الرمزي للأسرة، والذي تعتبر فيه لغة الأسرة أو النظام المدرسي، أساسية في الرأسمال الرمزي للوريث الذي هو هنا الطالب، وقد سماها بورديو بالطبع في كتابه “الورثة” (Les héritiers) بـ (Habitus)، فتغييب هذا المعطى غير مبرر، خصوصا وأن الحاج عبد الرحمان من أسرة ناطقة بالأمازيغية وقد أشار إلى ذلك أكثر من مرة، لكن هل تشكل هنا لغته الأم لعنة أم مكسب بالنسبة لمساره الدراسي؟ هنا يسكت ايكلمان أو بالأحرى يسكت الحاج عبد الرحمان، هل كانت اللغة حاضرة في حواراتهما أم لا؟ هذا علما أن اللغة أساسية في التحصيل العلمي، نعرف من خلال الكتاب أيضا أن لغة التدريس كانت العربية، بل إن إتقانها كان امتيازا مهما بل ضرورة لا محيد عنها في التحصيل الجامعي في النظام التقليدي الإسلامي موضوع بحث ايكلمان. وهنا أيضا يجب أن نقف عند معطى مهم يتعلق بعدم تمكن ايكلمان من معرفة اللغة الأمازيغية التي هي لغة عائلة الحاج عبد الرحمان، خصوصا وأن من بديهيات العمل الميداني الأنثروبولوجي تعلم لغة المبحوثين.إن النتائج التي كان ينتظرها ايكلمان، من بحثه كانت تتمحور بالدرجة الأولى حول تأثير المعرفة التقليدية الإسلامية، في المجتمع بشكل عام، في كل مستوياته؛ السياسية (علاقات المشاييخ بالسلطة الاستعمارية …)، الاجتماعية (الأدوار والمكانات الاجتماعية لخريجي هذا النمط من التعليم في النسيج المجتمعي في فترة الاستعمار وبعد الاستقلال)، الثقافية (مواقفهم من التعليم الفرنسي بصفة خاصة، والتعليم الحديث بشكل أعم). لكن المهم بالنسبة لإكلمان هو الجانب الإبيستيمولوجي للمعرفة الدينية الإسلامية، وعلاقاتها بما عرف فيما بعد، بالحركات الإسلامية، التي ستظهر مع مرور عقدين من الزمن بعد الحصول على الاستقلال، وما رافق ذلك من إحساس المواطنين بالغبن الاجتماعي من دولة الاستقلال، هذا الإحساس سوف يستثمر كأرضية لإنتاج خطاب “إنتكاسي” ديني يدعو إلى الرجوع إلى النهل من المرجعية الدينية باعتبارها الخلاص من القهر الاجتماعي، وسبيل لتحقيق مجتمع العدالة الاجتماعية المفقودة في الواقع.هذه الملاحظات لم تكن لتنقص من قيمة الكتاب على كل حال، لكنها من وجهة نظرنا، كانت بهدف إغناء تحليلنا بقراءاتنا المختلفة ثقافيا على الأقل عن قراءات ايكلمان، ثم من أجل ممارسة القراءة النقدية الواعية للمثن العلمي، سواء كان من طرف باحثين مغاربة أو أجانب. ونحن نشارك ايكلمان العديد من استنتاجاته، لكننا نحتفظ لأنفسنا بقراءاتنا لنفس الواقع انطلاقا من معطيات نظن أن ايكلمان لبعده الإبيستيمولوجي عن الثقافة المغربية، ولتقنية السيرة التي اعتمدها في بحثه، والتي لها كذلك كغيرها من التقنيات مساوئها، لعل أهمها هي حضور الذاتية لدى الفرد المتكلم، ونحن نطرح افتراض وجود إخفاء متعمد لبعض المعلومات والحقائق، يحضرنا الآن غياب الحديث عن طبيعة العلاقات الحميمية بين الطلبة خصوصا في مسكنهم المشترك، والتي نعرف أن سن الطلبة المتقارب، وكذا الطبيعة العمرية ووضعيتهم الاجتماعية (العزاب) تكون ظروفا لممارسات جنسية، لم يكشف عنها الحاج عبد الرحمان، ولم يسعى ورائها ايكلمان مثل هذه الممارسات كانت معروفة حتى في المدارس القروية. هذا علما أن بعض الأمور الدقيقة تطرق إليها، كأعمال السحر والشعوذة التي تمارس داخل بيوتات هؤلاء.إن المعرفة التي يتحدث عنها ايكلمان في كتابه، ليست تلك المعرفة التي يلهث ورائها مغاربة القرن العشرين، إنها معرفة مهددة في أواخر الستينات بالانقراض، لكن ايكلمان كان يريد أن يعرف المجتمع المغربي العادي، الذي كان في سنوات الستينات لازال مرتبطا وخاضعا ومسيرا بتلك المعرفة، فتحول المجتمع المغربي لم يكن تاما حينها، بل إن السلطة في ذلك الوقت اعتمدت في تصريف سياساتها في كثير من الوقت على المتخرجين من مؤسسات هذه المعرفة، وكم أشبه الأمس باليوم حينما نجد رغم التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والدينية، أن السلطة تلجأ إلى المساجد باعتبارها المعاقل الأخيرة لتصريف سياساتها وتستنجد بأئمة هذه المساجد للتوعية من خطر جائحة العصر: أنفولونزا H1N1.إن اكلمان لم يكن مخطئا إذن حينما ذهب إلى مؤسسات يعتقد الكثير من المغاربة أن تأثيرها محدود في المجتمع، فهذا الكتاب إذن يستحق أن يقرأ ثانية، ولكن هذه المرأة ليس لمعرفة علاقات المعرفة بالسلطة، بل لمعرفة تأثير السلطة على نوعية المعرفة الحالية للمجتمع المغربي، خصوصا أننا بصدد مشروع دولتي لإصلاح الشأن الديني، يعتمد على بركات الزوايا والصوفية، هروبا من واقع متأزم لهذا المجتمع، وردا على إسلام حركي بات يهدد مقومات الدولة المغربية الحديثة المبنية على الشرعية الدينية في تصريف الكثير من القرارات السياسية المصيرية، كما هو الشأن بالنسبة لمدونة الأسرة.

أنثربولوجيا

 الدراسات الإثنوغرافية والمونوغرافية التي تناولت المجتمع المغربي، وتدخل في الغالب في إطار أهداف إستعمارية، وطموحات للهيمنة على المنطقة، لكن بالرغم من ذلك تعتبر موردا علميا مهما يمكننا من معرفة المجتمع المغربي، وإستحضار بنياته الإجتماعية.تنطلق أغلبية الدراسات الأنتروبولوجية والإجتماعية التي استهدفت المغرب من التساؤل التالي: “كيف لمجتمع عريق الجذور، أن يعيد إنتاج نفسه، ويضبط التوازن داخله في غياب شبه كلي لجهاز مركزي قوي يتحكم في هذا المجتمع ويسهر على ضبط موازينه ؟” فبإستثناء دراسة روبير مونطاني من خلال كتابه “الأمازيغ والمخزن” “Le Makhzen et les Berbères”، في الثلاثينات من القرن الماضي، لم يتم تطعيمه وإستكمال البحث في هذه الإشكالية إلإ بعد خروج المستعمر الفرنسي سنة 1956 بسنوات عديدة. وقد شكلت الدراسات السوسيولوجية المتأخرة للباحثين الأنكلوساكسونيين، من أمثال كلنير وجون واتر بوري، ودافيد هارت وغيرهم زادا معرفيا مهما ألقى بالضوء على مكامن العتمة في مجتمعنا وحاولوا الإجابة عن هذا السؤال من خلال إقتراح مقاربة الإنقسامية والتي سبق توظيفها في دراسة مجتمعات أخرى بإفريقيا.وقد كانت هذه الدراسات محل قراءات متعددة من طرف باحثي العلوم الإجتماعية المغاربة، من أمثال بنسالم، عبد لله حمودي، العروي، وإختلفت هذه القراءات من مساند لهذه المقاربة ، ومنتقد لها جزئيا أو كليا، وقد تم توثيق هذا النقاش في بعض الكتب (أنظر الأنتروبولوجيا والتاريخ) ومجلة (وجهة نظر، عدد مزدوج 36 – 37، صيف 2008)، وقد كان النقاش منصبا على دراسات كل من إرنست كلنير الذي قام بدراسة قبائل الأطلس الكبير (صلحاء الأطلس)، ودافيد هارت من خلال دراسته لقبائل الأطلس الكبير الشرقي، وكذا لمنطقة الريف المغربي.1. المقولة الانقسامية بحث في التضاريسيعتبر دوركاييم أول من استعمل مفهوم الإنقسامية لدراسة المجتمعات وتطورها، وذلك في أطروحته “تقسيم العمل الإجتماعي”، وتتمحور هذه الأطروحة حول فكرة أساسية مفادها أن المجتمعات تنتقل تدريجيا، عبر التطور التاريخي من أشكال التضامن الآلي إلى أشكال التضامن العضوي، أي من تضامن يؤسسه التشابه بين عناصر المكونة للمجتمع إلى تضامن يفرضه الاختلاف والتكامل اللذان يؤدي إليهما تقسيم العمل الملازم للنمو الديموغرافي. ونجد أشكال التضامن العضوي في المجتمعات الأوروبية والأمريكية المعاصرة، في نحن نجد أشكال التضامن الآلي مجسدة في المجتمعات التقليدية من خلال النمط القبلي.يعتبر نموذج القبيلة إذن، العنصر الأساسي الذي بنيت عليه المقاربة الإنقسامية أهم عناصرها، على إعتبار وضوح الإنقسام إلى وحدات صغيرة داخل نفس النسق، ويستمر هذا الإنقسام إلى اصغر وحدة، وهي العائلة. كما أن في داخل هذه البنية يتم تشكيل تكثلات تكبر إلى أن نصل إلى أعلى هرم والذي هو الكونفدراليات القبلية. وكل كثلة تسمى عشيرة لأنها تعبر عن طبيعة مزدوجة: عائلية وسياسية في آن واحد، والواقع أن هناك قرابة دم تجمع بين جل أفراد العشيرة، مما يخلق بينهم شعورا بأواصر القرابة. وتتلخص أهم مميزات هذه المجتمعات في العناصر التالية:– ضعف تقسيم العمل (حسب الجنس وفئات العمر)؛– أشكال جماعية للملكية (مشاع)؛– تمركز الحياة الإجتماعية حول العلاقات العائلية التي تكتسي أهمية قصوى؛– قوة الوعي الجمعي، وإعتناق الجميع لمنظومة قيم موحدة بسبب تشابه العناصر المكونة لهذه المجتمعات، كما أن الدين يقوم بوظيفة الضبط الإجتماعي.يعتبر إفنس بريتشارد أستاذ كلنير هو أول من توسع في المطارحة الإنقسامية الدوركايمية، ووسع فيها، من خلال دراسته لقبائل النوير بالسودان، حيث كان له فضل كبير في بناء منظومة متكاملة تتجاوز ما خطه دوركاييم من قبل، وقد خلص إلى مجموعة من السمات التي تميز المجتمعات الإنقسامية والتي سيطبقها بعده تلميذه كيلنر فيما بعد في دراسته للمجتمع المغربي أواخر السبعينيات من القرن الماضي.تشكل بنية القرابة بنية إجتماعية أساسية (السلالة الأبوية) يعتمد عليها التنظيم السياسي العائلي للمجتمع الإنقسامي، وينتمي الأفراد في المستوى الأول إلى القبيلة، وينتمي الأفراد في مستوى ثاني إلى العشيرة، وأخيرا هناك السلالة لأنهم ينحدرون من جد واحد عبر سلسلة الأنجال الذكور.ويحدد الصراع في هذه البنية من خلال الإنتماء العشائري، فإذا دخلت قبيلة في صراع مع قبيلة أخرى، من نفس الكونفدرالية، فإن التحالف يتم بحسب الإنتماء إلى اللف أو العشيرة من داخل نفس الكونفدرالية، وإذا كان هناك صراع بين فدراليات قبلية فإن العشائر من داخل كل فدرالية تنسى صراعاتها لتتحالف ضد الكونفدرالية الخارجية. فتتكامل بالتالي في هذه العلاقات النزعات الإنقسامية مع النزعات التحالفية في إطار دائري ينتج نفس العلاقات، وهذا ما يؤدي إلى توازن دائم داخل النظام.أمام الفورة التي عرفها النموذج الإنقسامي لدى الباحثين الأنتروبولوجيين، خصوصا لشعوب إفريقيا، وتطبيق هذه النظرية على العديد من هذه الشعوب، إشترط .. مجموعة من العناصر لكي يصح الحديث عن النموذج الإنقسامي لأي بنية إجتماعية موضوع الدراسة الإنتروبولوجية، وهذه العناصر هي:– أن يكون مجتمعا ذا نسب أحادي (أبوي أو أموسي)؛– أن يكون مجتمعا مجزءا (مبدأ الغنشطار)، تخضع فيه كل التقسيمات الأولية لتعادل بنيوي يفترض المساواة في المجالات الإقتصادية، السياسية، الثقافية والإيديولوجية؛– أن يتجسد الإنقسام على مستوى المجال الترابي الذي يعيش فيه المجتمع، غذ لا يمكن إستعمال مفهوم الإنقسام بالنسبة لقبائل الرحل؛– أن تكون العلاقات الإجتماعية ذات نمط إنقسامي، وأن تسوى النزاعات بين الأقرباء بالتراضي؛– مبدأ التعارض والتكامل (الإنصهار، والإنشطار). إذ يشكل التعارض أساس البنية السياسية داخل المجتمع الإنقسامي، وبدون هذا التعارض يتحدر وجود القسمات العليا؛– النسبية البنيوية، فليست الالسلالات كيانات دائمة، فهي لا تظهر للوجود إلا في حالة الصراعات مع فئات مماثلة لها. كما أن دور الرئاسة دور نسبي كذلك، لإن الشخص الذي يتولى الزعامة في فترات النزاع ليس بالضرورة رئيسا في فترات السلم.2. تجليات النموذج الانقسامي في المجتمع المغربي من خلال دراسات كيلنرتكونت بفضل دراسات الأنتروبولوجيين الأنكلوساكسونيين، مجموعة من الدراسات المهمة عن طبيعة المجتمع المغربي، وذلك في إطار المقاربة الإنقسامية، التي حاولوا معتمدين بالأساس على مفاهيم كل من دوركاييم وإفنس برتشارد، وتمت هذه الدراسات بالخصوص في القبائل الناطقة بالأمازيغية بالأطلس. وقد توصل كيلنير إلى تحديد أهم خصائص قبائل الأطلس الكبير كما يلي:– خاصية بنيوية “الإنقسامية”– خاصية تتصل بالموقع: “الهامشية”فبخصوص الخصوصية الأولى، “الإنقسامية”، حيث وجد كيلنير أن مميزات المجتمع الإنقسامي في أماكن أخرى تنطبق على قبائل الأطلس الكبير، وتشكل الخاصية الثانية تطابقا مع ما وجده كيلنر أيضا في هذه القبائل، من الإنتماء إلى نسب أبوي واحد، وفي علاقات هذه القبائل وجد أيضا تقسيمات قبلية على شكل دوائر متحدة المركز، وداخل كل مستوى من التقسيمات لا يستبعد أن تكون هناك صراعات على مصالح معينية. وبالتالي خضوع هذا التنظيم لمبدأي “الإنصهار” و”الإنشطار”، وهما عنصرين مهمين في تحديد المجتمع الإنقسامي.لكن هذا الوضع الذي يتميز بغياب تراتبية إجتماعية لا يعني غيابها الكلي، في شكل “أعيان” يظهرون بالخصوص في فترات الصراع والنزاع، هذا الزعيم يتم إنتخابه في إطار عملية ديموقراطية تتميز بالبنيوية لغياب الوازع الإيديولوجي من ورائها، حيث يتم انتخاب “امغار” في عشيرة ما لترؤس القبيلة بشكل تناوبي بين العشائر المشكلة للقبيلة، على رأس كل سنة، ويشترط هذا التنظيم وجود حكام ووسطاء أجانب للحفاظ على فعاليته. وهنا يبرز دور الدين، وبصورة أدق دور الصلحاء (إكرامن)، ولكون هؤلاء يعيشون في المناطق الفاصلة بين القبائل، فإنهم يتكلفون بضمان أمن الحدود، كما تجري الإنتخابات الدورية لتعيين رؤساء القبائل تحت إشرافهم وعلى أرضهم، إليهم يلجأ القتلة لإلتماس الوساطة، كما يساعدون على تسيير المبادلات داخل القبيلة الواحدة وبين القبائل بإحتضان الأسواق والمواسم على اراضيهم، ويكونون شرفاء من ذرية الرسول، يحضون بالبركة وتتمتع مناطق نفودهم بالحرمة.أما بالنسبة للخاصية الثانية في المجتمعات الإنقسامية (الهامشية)، فيوضحها كيلنر في تمسك القبائل بمسافة من الحرية الثقافية والسياسية إزاء الحكم المركزي، ويساعدها في ذلك تنظيمها الإنقسامي، وإذا كانت القبائل تشارك باقي الشعوب الإسلامية ثقافتهم الإسلامية، فإنها بالرغم من ذلك ترفض الإطار السياسي، وكذلك بعض من النظام الأخلاقي، ومن هنا يتضح إنحسار الحكم المركزي، ودوره قبل الإستعمار.وبالرغم من جمود هذا النظام، فإنه لا يخلو من حركية، تظهر في المواليد والوفيات والهجرة، قد تؤدي إلى نزوح نهائي لبعض الأفراد، وتبني القبائل لأفراد أتوا من مناطق أخرى، وهذا التبني للأجانب الذي يشكلون حسب كلنير في التركيبة القبيلة نسبة 10℅ من مجموع السكان، ورغم ذلك فهذا العامل لا يخل بنمط التنظيم القبلي المبني على القرابة والنسب. فهذا الواقع يتميز بصلابة كبرى، مع أن النظام يتسم في ظاهره بالهشاشة.3. نقد المقاربة الانقساميةعلى الرغم من الإحتياطات الكثيرة التي إتخدها كيلنر في مقاربته الإنقسامية للمجتمع المغربي، فإنه وقع في مزالق منهجية على حد تعبير الذين ناقشوا هذه المقاربة، بل وأنتقدوها بشدة عبد الله الحمودي، وعبد الله العروي، وجاك بيرك، الأول قام بدراسة نفس القبيلة التي درسها كيلنر واستشهد بمشاهداته وملاحظاته لنسف بعض من المقولات التي إعتبرها كيلنير أساسية في وصف المجتمع الإنقسامي، في حين لجأ بيرك إلى تفكيك مفهوم القبيلة لكي يدخل إلى نقد مقولة الإنقسامية لدى كيلنر. أما العروي فقد توجه إلى التاريخ ليستنبط منه حججه في نقذ هذه المقولة، وعاب على الدارسين الأنتروبولوجيين الأنكلوساكسونيين تغييبهم للجانب التاريخي في دراساتهم، كما عاب عليهم تغاضيهم عن مجموعة من المعطيات الموجودة في الواقع المدروس. وسوف ندرس كل واحد على حدة ونبين مقاربته للمقولة الإنقسامية.– عبد الله العروي: يركز الأستاذ العروي على البناء النظري العام، ويعتبره مفرطا في الشكلانية إلى حد تفقد معه القدرة على التفسير، ولا تقدم بالتالي تعريفا حقيقيا للقبيلة، أو أنها تنحصر في مجال خاص على حد التناقض مع نفسها. لقد سقط كيلنير –ودائما مع العروي- في محظور الجمع بين مفاهيم البنيوية والإنقسامية والهامشية، في الوقت الذي يتنافرون فيما بينهم، وقد كان الرغبة في الجمع بين هذه الآليات والمفاهيم، هي التي أدت بكيلنير إلى الوقوع في هذا المحظور، ويتجلى ذلك بكل وضوح عندما يتعلق الأمر بتأويل الأساطير والروايات الشفوية التي تؤكد كلها بدون إستثناء على وجود علاقات مع العالم الخارجي، لكن هذه العلاقة محدودة، ويرغب كيلنير من خلال ذلك إلى إثبات هامشية القبيلة الأمازيغية، لكنه تجاهل بشكل مطلق التاريخ العام للمغرب. وفي مكان آخر وفي حديثه عن علاقات النسب، يؤكد على الدور الحاسم في الإنتماء إلى القبيلة، لكنه في موضع آخر يهمشه، ويقلل من أهميته عندما يستقيم له التفسير البنيوي ويعتمد عليه كلية، في غياب الإنقسامي.إن العروي في إنتقاده للبناء النظري الإنقسامي للمدرسة الأنكلوساكسونية، لا يعدو أن يكون لعبا بالمصطلحات ليس إلا، بإعتبر أن الإنقسامية ما هي إلا إعادة تسمية مصطلح الديموقراطية لدى مونطاني، والهامشية إسم جديد لعملية الإنزواء التاريخي لدى بيرك. لكي يخرج إلى أن الإنقسامية لم تأتي بجديد سوى أنها بدلت المصطلحات بأخرى، وبقيت في المكان الذي وصلت إليه الأبحاث الفركوفونية.– عبد الله حمودي: بنى الحمودي طرحه الإنتقادي على نقطتين أساسيتين بالخصوص من الطرح النظري الإنقسامي؛ الأولى هي علاقات النسب والدمج، والثانية هي مسألة التراتب الإجتماعي والرئاسة في النظام الاقبلي موضوع الدراسة.إذ كانت وظيفة الجد هي تحديد هوية المجموعة، فإنه على ما يبدو يساعد في ذات الوقت في التمييز داخل المجموعة نفسها فيما بين الأسلاف الحقيقيين وغيرهم، أي الغزاة والخاضعين لهم، في هذه الحالة، لا يتم إنتخاب رئيس القبيلة إلا من بين ذرية الجد. وهذا على عكس جمود النظرية الإنقسامية التي لم تؤل جهدا لملاحظة عملية دمج أعداد كثيرة من الأجانب في النظام القبلي، وهو ما نجده في الكتابات التاريخية عن هجرات كثيرة بين القبائل، وكذلك الأعداد الكبيرة التي تستقر بفعل هذه الهجرة في القبائل المستقبلة، بالتالي تشكيلها لأغلبية السكان، غير المنتمين إلى الجد الأعلى، وهذا نفسه يؤدي إلى إعادة طرح طريقة “إنتخاب” زعيم القبيلة.يتضح من هذه الوضعية وجود التراتب بين المجموعات التي يعرفها نفس النسب، تنعكس نتائجه على المستوى العملي. وتتجلى جوانب هذا التراتب في سيادة الأسر الكبرى، وهي الأسر التي تعطي المرشحين للرئاسة وهم المعروفون ب”إخاتارن”، أي زعماء القوم، ويكون سخيا في إعطاء الصدقات والمساعدات، ويتمتع بتقدير ذويه، غير أن جميع هذه الخصال لا تكفي لوحدها إذا لم يكن صاحبها ذا أصل عريق، فلا يطمح في سيادة القوم إذن إلا من يستطيع إثبات اصالة نسبه، أي إنتمائه إلى المجموعة الأصلية التي إلتفت حولها تدريجيا جميع العناصر التي تتكون منها القسمة الإجتماعية.يستمر إنتقاد كيلنير للمقاربة الإنقسامية في مناقشة عنصر الصلحاء أو الأولياء، هذه النظرية التي تضع الأولياء خارج السياق الإجتماعي ذاته، فالنظرية على حد تعبير الحمودي لا تميز بالهامشية المعيارية والهامشية الإجتماعية، ويؤكد أن الأولياء يوجدون –على عكس- مقاربة كيلنير في قلب وهرمية التراتب الإجتماعي، عوض وتصنيفهم في كيان مواز للبنية الإجتماعية.لقد وضح حمودي العلاقات البنيوية بين العناصر التي تشكل بعض القبائل خصوصا العطاوية، حيث يحتل المرابطون قمة الهرم الإجتماعي (يحظى ذوو الأصل الشريف أو من يدعون ذلك بنفوذ خاص). إن هناك تقسيما للعمل يفصل بين هذه الفئات؛ حيث يهتم إحراضن بالفلاحة والحرث، بينما يتولى إمازيغن عملية الإنتجاع التي تحظى بالتقدير، كما يقومون بتدبير أمور السياسة والقتال، ويقوم إكرامن بمهام الدين والكتابة ونشر الشريع وإثبات مشروعية القرارات السياسية التي يتخذها مبدئيا كبار العوام. إن هذه القسمات تعترف بهذه الهرمية الغجتماعية التي تخترق البنية الإنقسامية بكاملها.خاتمة المقال في ما بين كيلنر وغيره من سجالإن النقاش الذي أثارته الأنتروبولوجية الإنقسامية بين الباحثين، لا يحول دون الإعتراف بالمجهود النظري لهذه المقاربة، وكذا القيمة الأكاديمية للنتائج التي توصلوا إليها، وإذا كان هناك من مؤاخذات سجلناها لدى الباحثين الإجتماعيين المغاربة على هذه المقاربة، فإنها تدخل في إغناء البحث العلمي السوسيولوجي والإنتروبولوجي الوطني، الذي ما أحوجنا إلى مراكمة المزيد منه خصوصا وأن العديد من الظواهر الإجتماعية تغزوا واقعنا، سواء في شكل التغييرات البنيوية للهياكل الإجتماعية، أو في السلوكات الجديدة التي تأخذ شكلا جماعيا لا تخطئه العين. وهذه المؤخذات نجملها في كون المقاربة المعتمدة من قبل هؤلاء الباحثين أسقطت على المجتمع المغربي دون أن تنتبه إلى إحتمالات الإختلاف بين البيئات التي كانت موضوعها فيما سبق، ويتعلق الأمر بمجتمع النوير في السودان وما يؤكد ما ذهبنا إليه هو تلك الإنتقادات المشار إليها آنفا والذي تؤكد على الأمر، خصوصا إنتقادات عبد الله العروي في جانبها التاريخي، وإنتقاذ عبد الله حمودي في جانبها المنهجي العلمي.الرباط: 24 دجنبر 2009