Monthly Archives: January 2016

افكار للتعايش السلمي

أفكار رائعة من أجل التعايش الإيجابي حتى لا يفرض فرد رأيه على الآخرين:

1- أنا لستُ أنت.
2- ليس من الضرورة أن تقتنع بما أقتنع به أنا.
3- ليس من الضرورة أن ترى ما أرى.
4- الاختلاف شيء طبيعي في الحياة.
5- يستحيل على الإنسان أن يرى بزاوية 360°.
6- معرفة نمط الناس هو للتعايش الإيجابي معهم وليس لتغييرهم.
7- اختلاف أنماط الناس هو شيء إيجابي تكاملي.
8- ما تصلح له أنت قد لا أصلح له أنا.
9- الموقف والحدث يُغيّر نمط الناس.
10- فهم الآخر لا يعني القناعة بما يقول.
11- ما يُزعجك ليس من الضرورة أن يزعجني.
12- النقاش والحوار هو للتعارف والتعايش لا للإقناع والإلزام.
13- أرجوك ساعدني على توضيح رأي.
14- أرجوك لا تقف على ألفاظي وخذ مقصدي.
15- أرجوك لا تحكم علي من لفظة أوسلوك عابر.
16- أرجوك لا تتصيد عثراتي.
17- أرجوك لا تمارس علي دور الأستاذ.
18- أرجوك ساعدني على أن أفهم وجهة نظرك.
19- اقبلني كما أنا حتى اتقبلك.
20- لا يتفاعل الإنسان غالباً إلا مع المختلف عنه.
21- اختلاف الألوان وتعددها يُعطي جمالاً للّوحة.
22- عاملني بما تحب أن أعاملك به.
23- فاعلية يديك تكمن باختلافهما وتقابلهما.
24- تطور الحياة يقوم على علاقة الثنائية والزوجية.
25- أنت جزء من كُلّ في منظومة الحياة.
26- لعبة كرة القدم لابد لها من فريقين مختلفين متقابلين.
27- الاختلاف استقلال وتميز ضمن المنظومة.
28- ابنك ليس أنت، وزمانه ليس زمانك.
29- زوجتك / زوجك هو الطرف المقابل لك، مثل تقابل اليدين.
30- تسوية الناس بفكر واحد أو سلوك هو قتل للإبداع والتطور.
31- اقتراب الحدود من بعضها وكثرة الضوابط شل لحركة الإنسان.
32- الناس بحاجة للتقدير والتحفيز والشكر.
33- لا تُبخس عمل الآخرين أو حقهم.
34- ابحث عن صوابي لأن الخطأ طبيعي في الإنسان.
35- انظر للجانب الإيجابي في شخصيتي.
36- يغلب على الناس الخير والحب والطيبة.
37- ابتسم في وجوه الناس وانظر إليهم بحب واحترام، وأظهر لهم التقدير.
38- أنا عاجز من دونك.
39- لولا أنك مختلف لما كنت أنامختلف.
40- لا يخلو إنسان من حاجة وضعف.
41- لولا حاجتي وضعفي لما نجحت أنت.
42- أنا لا أرى وجهي؛ أنت تراه.
43- إن حميت ظهري أكون أحمي ظهرك بذات الوقت.
44- أنا وأنت ننجز العمل بأقل جهد وبأسرع وقت.
45- تسع ساحة الحياة الدنيا أنا وأنت وغيرنا.
46- ما يوجد يكفي الجميع.
47- لا تستطيع أن تأكل أكثر من ملء معدتك.
48- كما لك حق فلغيرك حق.
49- تستطيع أن تغير ما بنفسك، ولكن قد لا تستطيع أن تغير أنفس الناس.
50- تقبل اختلاف الآخر عنك، وتعايش معه، واستفد منه في تطوير نفسك.

د. منصور خالد

عندما جوبهت بسؤال عن الموضوع الذي أتمنى إختياَره للحديث عن شهيد الفكر محمود في مئويته، بل في الذكرى الرابعةِ والعشرين لإستشهاده، توقفت مرة بعد مرةً، فمحمودٌ رجلٌ لكل الفصول : (A man for All Seasons)، ذلك وصف أطلقه الفيلسوف الهولندي إيراسموس الملقب بأمير الإنسانويين على شهيد فكر آخر، هو السير توماس مور، رئيس مجلس اللوردات البريطاني في عام 1529م على عهد الملك هنري الثامن. ليس بين الرجلين عُلقةٌ في الفكر، بل تشابهٌ في الصدق مع النفس حتى الموت. وعندما تمنى علىَّ منظمو الحفل أن أتحدثَ عن الفكر السياسي عند محمود إزدَدتُ إحترازاً لأن إقبالَ الأستاذ الشهيد على الفكر السياسي كان مختلفاً جداً عما يُطلِق عليه البعضُ أسم الفكر السياسي في السودان، وهو ليس منه في شئ.

العنوان الذي إخترت للحديث: “محمود محمد طه الذي عرفت” فيه مجالٌ للتوسعة بدلاً عن الحصار والتضييق. و الهدف من الحديث ليس هو شرح او تشريح أفكار الاستاذ، وانما هو القاء اضاءة كاشفة عن تنوع معارفه، وجديته في االإقبال علي القضايا العامة، ثم صدقه مع نفسه في القول و العمل. ولئن سأل سائل: كيف عَرفَتُ الأستاذ، ولماذا حَرَصتُ على معرفته، أجيبُ انني عرفت ذلك المفكر الفهامه أولاً كما ينبغي أن يُعرف المفكرون. المفكر يعرفه الناس من قراءة ما كتب والتملي فيما كتب. والمفكر تشدُ الناسَ اليه نجاعةُ الفكر، وفصاحةُ الأسلوب، وبدائعُ التفسير، ثم البلاغة في تصريف المعاني. كثيرٌ من الذين تصدوا لأفكار الراحل إبتنوا معرفتهم لأفكاره على السماع لم يروموا من ذلك غير غرض واحد هو التشهير. ومن بين أولئك طائفةٌ من المتربصين سارعت إلى قراءةِ ما بين السطور، قبل قراءة السطور، ناهيك عن التمعن فيها، ومن ثَم ذهبت تلك الطائفة إلى إختراص المعاني التي يريدون عبر تلك القراءة الزائفة حتى يُقَدروا عليها الأحكام بالظن، وبعضُ الظن إثم.

سعيتُ من بعد القراءة والتملي فيما قرأتُ إلى لقاء الرجل، ليس فقط رغبة في الحوار معه حول بعضِ أفكاره، وإنما أيضاً لأكتنِه أمرَه: ما الذي كان الأستاذ يبتغي مما يدعو له؟ وعلي أي أساس كان يخاصم ويصطلح؟ وما هو معيارُه في الحكم على البشر، وبخاصة الحواريين من حوله؟ الغاية من ذلك الحوار كانت هي الإدراكُ السليمُ لكيف يستبطنُ المفكرُ الداعيةُ القيمَ التي يدعو لها، أي التعرفَ إلى مخبره قبل مظهره. تعرفت على محمود أيضاً من خلال تجارب اخوة لي لم يكونوا أبداً من بين صحبه وناصريه ولكن شاءت الظروف ان يرافقوا الإستاذ في مرحلة من مراحل حياته فأحبوه، ورأوا فيه من الخصائص والخلال ما لم يروه في غيره من الرجال. هذه هي المداخل التي قادتني للتعرف على رجل هو بكل المعايير رجلُ وَحْدَه.

فمحمودٌ مفكرٌ دينيٌ مجدد ساءه أن يتظنى الأغيار، بل بعضُ المسلمين، ان الإسلام في ازمة، وانه عقبةٌ في سبيل التطور والتحديث. محمود رأي غيرَ ذلك. العقبة في رأيه هي الفهمُ القاصرُ للدين، وليس الدينُ نفسَه. والمأزوم هو المسلمُ المتقاصرُ عن فهم الدين فهما صحيحاً، وليس الإسلام.

محمود أيضاً مثقف موسوعي لم ينبذْ الأفكارَ المعاصرة او يناهضها دون علم و دراية بها، بل ذهب لتقصي إصولها ودارسة تجاربها شأن الباحث المدقق والامين في آن واحد. ذهب لدراسة الماركسية لينفذ الي حسناتها ويبين سيئاتها. من حسناتها في رأيه تحليلها للإقتصاد وإبرازها لدور الإقتصاد في مراحل التطور التاريخي للإنسانية، ومن سيآتها، حسب رأيه، إتخاذ العنف وسيلة للتغيير. كما درس الحضارة الغربية ورأي وجهيها، فحسب قولهَ لتلك الحضارة “وجه حسن مشرق الحسن ووجه دميم”. حسنُها في الكشوف العلمية التي اخصبت الحياة البشرية، ودمامتها في القصور عن التوفيق بين حاجة الفرد وحاجة الجماعة. وهكذا دواليك كان إقترابه من تحليل الليبرالية والفكر القومي، ومناهج الحكم.

هو أيضاً متصوف زاهد إخشوشنت حياتُه بإختياره حتى خَمُص بطنه ورب مخمصةٍ خيرٌ من التُخَم. ورغم مهنيته التي اثرى منها رفاقُه في المهنة إلا انه لم يوظف مهنَته تلك ليوثِنَ (يكثر) في المال، بل ظل يُبقى منه ما يقيم الأود ثم يعفو ما فاض عن حاجته.

هو سياسي حمله جَدْب البيئة السياسية إلى أن يُرَوي بفكره عَزازَ ارضها. وكان له في ذلك قول يعود الي عهد مؤتمر الخريجين عندما قال في السفر الأول : “أول ما يؤخذ علي الحركة الوطنية انصرافها التام عن المذهبية التي تحدد الغاية وترسم الطريقة التي تحقيقها”. ذلك رأي عاد إليه بعد إنتفاضة إكتوبر 1964م فوصفها بأنها فترة إكتملت فيها مرحلة العاطفة السامية التي جمعت الشعب على إرادة التغيير لكن لم تملك بعد فكرة التغيير. من ذلك نستجلي أن الأستاذ كان لا يرى مستقبلاً لأي تطور سياسي إلا أن إهتدى العمل السياسي بفكرة ورؤية. وفي هذا المجال أقبل الاستاذُ على الكتابة في كل ضروب السياسةُ: السياسةُ الحكمية، والسياسة الإجتماعية، والسياسة الثقافية، اي ذهب الي معالجة كل قضايا الناس الحيوية والحياتية وذلك هو لب السياسة. كان ذلك في وقت لم يتجاوز فيه أهل السياسة التفاصح والتداهي بما ليس فيهم، بحيث أصبحت الفصاحة – والتي هي ليست مرادفاً للبلاغة – هدفاً في حد ذاتها.

لمحمودٍ المجدد، إن ابتغينا التفصيل، رأي في الإسلام، هو ان “الإسلام محاصر في سياج دوغماطي مغلق”، وذلك تعبير نقتبسه من المفكر الاسلامي الجزائري محمد اركون. ولا سبيل في رأي محمود لفك مغاليق ذلك السياج الا بقراءة جديدة للإسلام وفق فكرة إبتدعها تقوم على التمييز بين فقه الإصول وفقه الفروع، بين آيات الإصول التي تعبر عن القيم الرفيعة والمبادئ الأساسة التي ما جاء الأسلام إلا لتحقيقها، وبين تلك التي لا تكون فيها التكاليف إلا بوسع الناس على تحملها. وعبر كل ما قرأت للأستاذ المجدد لم أقرأ ما يشي بإنكاره لصلاحية الفقه الموروث في زمانه ومكانه، وإنما إرتأى أن ذلك الفقه والقيم المعيارية الملحقة به لا يصلحان لزمان الناس هذا، لما بين الزمنين من فجوة معرفية وقيمية ومعيارية. فهذا زمان تحكمه عهود دولية حول حقوق الإنسان، وتضبط الحكم فيه والعلاقات بين الأمم على إمتداد العالم مواثيق إرتضتها الدول ولم تنكرها واحدة منها وعلى رأسها ميثاق الأمم المتحدة. تلك المواثيق والعهود فرضت واجبات لا تملك دولة التخلي عنها بدعوى خصوصياتها الثقافية.

أزاء ذلك التناقض الظاهري بين الدين والقيم المعيارية الجديدة إنقسم المسلمون إلى فرق. فريق يقول أن لا مكان للدين في الحياة، ولهذا فالدين غيرُ ذي موضوع بالنسبة للحياة، أو لمنظومة السلوك الدولي الجديدة. وفريق ثانٍ يرى في كل ما إبتدعته الإنسانية بِدعاً ضِليله، وكل ضلالة للنار. بعض من هؤلاء تصاعد في زماننا هذا بتلك الفكرة المدمرة الى تفريق العالم إلى فسطاطين: فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان. وفريق ثالث لا يريد أن يستقيل عن دينه، كما لا يقدر على الإنعزال عن العالم فيلجأ إلى تخريجات مستنبطة من المفاهيم والأحكام الدينية الموروثة، وهي تخريجات تؤكد ولا تنفي دعاوي الذين يقولون بعدم صلاحية الدين للعصر لما في مطاوي تلك التخريجات من تناقض داخلي. و في هذا، هم اما مفكرون قاصرون، أو أدعياء منافقون.

محمود كان من أسبق المفكرين للدعوة لحلول مستمدة من إصول الإسلام، ليس فحسب، ليناهض بها الفكر الموروث الذي لم يعد صالحاً لهذا الزمان، بل ايضاً ليدحض بها الفكر الملتبس أو المتيبس للإسلام حماية للإسلام نفسه، خاصة وهو كله آراء رجال وبالتالي لا قدسية له. بدون قراءة جديدة للمفاهيم والأحكام الدينية السائدة ، يستعصي التكامل بين الدين والحياة. في دعوته تلك، إنطلق الأستاذ من قاعدة إصولية هي ان الإسلام غير معاش على الأرض الآن، لا على مستوى تشريعات الدولة الإسلامية ولا في مستوى أخلاقيات المسلمين.

جاء في الحديث “أن للدين صوى(benchmarks) ومنارات كمنار الطريق”، وعن تلك الصوى كان محمود يبحث. بسبب من ذلك انكر تقديس الاحكام التي لم تعد صالحة لزماننا، وأن صلحت كشريعة لمن قبلنا. انكر أيضاً على المعاصرين من حماة ذلك الفكر المتيبس الدور الوسائطي الذي إفترضوه لأنفسهم بين الأنسان وربه. ذلك كهنوت لا يعرفه الإسلام، بل نعيذ الإسلام منه بذاته وبأسمائه. فكل مسلم في رأي الأستاذ رجل دين. كما ليس في الإسلام وظيفة يطلق عليها وظيفة رجل الدين. ودوننا العراقي أبو حنيفة، وهو من أبرع الأئمة في إستخراج الأحكام الفقهية، كان تاجر خز لم يلهه الإجتهاد عن مهنته.

في عودته للإصول لم ينحُ طه للتجريد وإنما تقفى كل القضايا الحياتية التي شغلت، أو ينبغي أن تشغل، الناس، وعلى رأسهم قياداتهم السياسية. ففي السياسة الحكمية كتب محمود في عام 1955م عن الفيدرالية كأصلح المناهج لنظام الحكم في السودان، في الوقت الذي كان غيرُه يصفُ الفيدراليةَ بأنها ذريعةٌ إستعمارية لتفتيت وحدة السودان وكأنا بهؤلاء لم يكونوا يعرفون كيف وحدتْ الفيدراليةُ دولاً مثل الولايات المتحدة الأمريكية، والهند، وكندا، والبرازيل، والمانيا. وفي السياسةِ الإجتماعية تناول قضيةَ المرأة في وقت لم يكن فيه للمرأةِ مكانٌ إلا أن تكون مستردفةً وراء الرجل حتى بالمعنى الحسي للكلمة، إذ كان بعضُ الرجال يومذاك يستنكف أن تجلس زوجته إلى جواره في السيارة. ما فتئ بعض من هؤلاء ينادي بقوامةِ الرجل على المرأة مهما كان مستوى علمِها ودينِها وخلقها، ولا ضير عندهم إن كانت المرأة هي العالمة مدام كوري الحائزة على جائزة نوبل مرتين، أو الكاتبة البريعة إيملي برونتي، أو شهيدة الحرية بنازير بوتو. كما لا ضيرعندهم ان كان الرجل هو أي فحل جلف ليس له من علم او خلق يتحفل به أمام المرأة التي يطمع في الولاية عليها. هذه النظرة التي تجعل من المرأة ضديداً للرجل نسبها الأستاذ، بحق، إلى الجهل ولهذا كتب: “المرأة ليست عدوة الرجل، الجهل عدوهما، معاً”. لذلك فإن موقف الإستاذ الشهيد من قضية المرأة كان من أعظم فتوحاته الفكرية في الحقل الإجتماعي. وكان الأستاذ ينظر للمرأة كإنسان ينبغي الإنتصاف لحقه، أين كان. ويروي لي الراحل الحبيب الدكتور خليل عثمان، وكان قد صَحبَ الأستاذَ في محبسه، كيف أن الأستاذ ظل يُتابعُ إنتخابات الرئاسة الأمريكية: رونالد ريقان وجورج بوش ضد والتر مونديل وجيرالدين فيرارو، ويجاهر بتمنياته لفيرارو بالإنتصار. سأله خليل: ما الذي تَعرفُ عن هذه السيدة حتى تؤيدَها؟ قال الاستاذ: “أنا لا اعرفُها البتة لكني اتمنى لها الإنتصار لأن إنتصارَ المرأةِ في أمريكا لإحتلال موقعٍ كهذا هو إنتصار للمرأة في كل مكان”. ولعل محموداً قد فطن إلى أن في تحرير المراة تحريراً للمجتمع، وأن في صلاحها صلاحاً للأسرة، فالمرأةُ هي الإنسان كما قال الـروائي الألمــاني المعـروف تومـاس مــــان: “الرجـال هـم الرجـال ولكــــن المـرأةَ هي الإنسـان” (Men are men but woman is man).

كان للأستاذ أيضاً رأي في الحرب والسلام ذهب به إلى جَذر المشكل بعقود من الزمان قبل ان نعترف بذلك في إتفاقية السلام الشامل في يناير 2005م . في تلك الإتفاقية إعترف طرفاها بجذور المشكلة التي ظلت كل القوى السياسية الشمالية تعوص على نفسها الإمور برفضها. بدلاً عن الإعتراف بجذر مشكلة الجنوب إستمرأت تلك القوى البحث عن مشاجب خارجية تُعلق عليها أسباب الخيبة. قال الطرفان في ديباجة بروتوكول ماشكوس: “, وإذ يدركان أن النزاع في السودان هو أطول نزاع في افريقيا، وأنه قد سبب خسائر مريعة في الأرواح، ودمر البنى التحتية للبلاد، وأهدر الموارد الإقتصادية، وتسبب في معاناة لم يسبق لها مثيل، ولا سيما فيما يتعلق بشعب جنوب السودان، وشعوراً منهما بأوجه الظلم والتباين التاريخية في التنمية بين مختلف المناطق في السودان”. في ذلك إعتراف منا بأن لمشكل الجنوب إسباباً متجذرة في الداخل. وحقاً، حين كان السودانُ كلهُ يتلظى بنيرانِ الحرب، كان بعضٌ من أهله لا يُخفي فرحتَه بما حقق من إنتصار وهمي. في ذات الوقت ما انفك الأستاذُ ينظر إلى الصورة المتكاملة ولا يتوه في تفاصيلها، أو يهرب إلى الإمام من واقعها الكالح. كان كلما تباهى المنتصرون بقولهم: “لقد قضينا على مائة من الخوارج وأستشهد منا خمسة”، يعقب بالقول: “أما نحن فنقول أن السودان فقد مائة وخمسة من رجاله”.

بصورة عامة كان محمودٌ في سَرَعَان الناس (أي أسبقهم) إلى إدراك البعد الوطني لما ظللنا نسميه مشكلة الجنوب. كتب في واحدة من رسالاته ازاء الإسراف في الحديث عن مشكلة الجنوب، وكأن هذا الجنوب هو جنوب المريخ: “وللشمال مشكلة أيضاً”. بذلك سبق قول الراحل جون قرنق:”مشكلة الجنوب هي فرع (Subset) من مشكلة السودان”. هذا طرف من قضايا السياسة التي أهَمَت الأستاذ في حين صمت عنها السياسيون اما عجزأً أولا مبالاة. أدهي من ذلك أن اللهاثَ وراءَ السلطة يومذاك كان هو الشغلُ الشاغل لسادة الحكم، دون أي إجتراء من جانبهم على مواجهة النفس ونقد الذات، بل دون أن يقولوا مرة واحدة لمن ولوهم السلطة أو حملوهم الى سدتها، ما الذي يريدون أن يفعلوا بتلك السلطة من أجل قضايا الناس.

وإن كانت نظرةُ الاستاذ الشهيد للمدينة الفاضلة التي قَدرَها وأحب أن يصير إليها السودانُ نظرةً شمولية تكاملية، إلا أنه قَدَر أيضاً ان السودانَ جزءٌ من عالم لا يستطيع السودانُ الإنفكاكَ عنه، كما هو جزء من حضارة إنسانية لا سبيل له للإنخلاع عنها. في ذلك لم يذهبْ مذهبَ الذين يدعون للإنخلاع عن الحضارة المعاصرة بدعوى تناقضها أو تباينها مع خصوصية ثقافية مدعاة، أو نقاء عرقي مزعوم. فهؤلاء مع كل مزاعمهم بفساد تلك الحضارة وجَحدهم لكسبها ومنجزاتها الإنسانية ظلوا يلتهمون نتاجها في المسكن والملبس والمشرب والتواصل والترحال، أي يعيشون كمستهلكي حضارة لا منتجين لها.

شهيد الفكر كان يرمي ببصره بعيدأ ويقول أن الحضارة المعاصرة، حضارة القرن العشرين بلغت نهايات النضج. وان البشرية المعاصرة مجتمع كوكبي إن أصيب جزء منه تداعت لمرضه بقية الأجزاء. هذه النظرة التي جاء بها الأستاذ الشهيد في السبعينات سبقت ما تواصينا عليه بعد عَقد من الزمان في لجنة دولية كان لي شرف المشاركة في رئاستها: اللجنة الدولية للبيئة والتنمية. خرجت تلك اللجنة على الناس بتقرير اصبح هو الميثاق الدولي للبيئة في قمة الارض بريو دي جانيرو. جوهر ذلك الميثاق هو وحدة كوكبِ الأرض بحيثُ ينبغي على كلِ فردٍ في المعمورة ان يفكر عولميا ويعمل محلياً. ثم جاء من بعد فيضان العولمة بخيره وشره، وإنداحت معه الحدود بين البلاد. ولعلني لا اريد أن أتقفى أثر المفكرين المسطحين الذين يحاولون إيجاد نسب لكل فكرة حضارية جديدة، أو ظاهرة علمية مستحدثة بتجارب الدولة الإسلامية وبالقرآن الكريم، ناهيك عن ربطها بأفكار مجتهد معاصر، لا سيما وقد جاء زمان أطل علينا فيه نفر من المتفيقهين الذين لم يستح واحدٌ منهم من أن يفتعل لتخليق النعجة دوللي بالإستنساخ ذِكراً في الكتاب الكريم. كل ما أريد قولَه هو ان الشهيدَ المفكر كان يعالجُ إمور بلاده في محيط كوكبي أرحب لا نملك إلا ان نعيش فيه، ونتفاعل معه، ونؤثر عليه، ونتأثر به، في حين كان غيره لا يبصرون حتى ما تحت أقدامهم بدليل عجزهم عن معالجة أدنى مشاكل الحكم والحياة.

هذه النظرة الكلية لقضايا الإنسان في السودان كانت بارزة أيضاً في ما كتب الأستاذ عن الإقتصاد. من ذلك رسالته حول الضائقة الإقتصادية (1981م). وأمثال تلك الضائقة يتخذها دوماً معارضو الحكم تكأة لتخذيله، أو ذريعة لحمله على الفشل. يفعلون ذلك دون أدنى إهتمام لما لتلك الضائقة من أثر على الوطن والمواطن. في تناوله لتلك الضائقة (والتي نستعرضها كنموذج) تناول الأستاذ البعد الأخلاقي للأزمة: مسئولية الدولة ومسئولية الأفراد؛ الريف والمدينة وأثر إنهيار الإقتصاد الريفي على إنهيار المجتمع الحضري؛ البعد الخارجي: التجارة الدولية، الديون؛ البيئة الطبيعية، الكوارث مثل الجفاف والتصحر. هذه النظرة الموضوعية العلمية لقضايا الناس هي التي يترجاها المواطن من قادته ومفكريه إن كانوا حقاً جادين في تدارس أي أمر ذي بال حتى يصلح حاله وأمره. والا حق قول أبي العلاء بأن الحكم ومذاهبه عند أولئك ليس هو الا وسيلة لجلب الدنيا لسادة الحكم.

إنما هذه المذاهب أسباب لجلب الدنيا إلى الرؤساء

تساءلت ذات مرة عن ما الذي يحول دون هذا المفكر، طالما أهّمَته السياسة، أن ينشئ حزباً سياسياً يتصارع عبره مع الآخرين على الحكم حتى يترجم أفكاره تلك إلى واقع. قال: “غايتنا ليست الحكم هي وإنما خلق المسلم الصالح المتكامل، وبصلاح الناس يصلح المجتمع”. وحقاً لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، وحقاً ايضاً أن لاسراة إذا تسيد الجهل على الناس.

قلت أن الاستاذ المجدد كان يسعى لبناء مدينة فاضلة بخلق النساء والرجال الفاضلين. والرجل الفاضل عنده، فيما تبينت من قوله، هو الإنسان مجدول الخلق الذي يحسن عمله، ويقوم برعاية اهله وذويه، ويؤدي فروض ربه ووطنه. سالته ذات مرة كيف تنتقي ابناءك وبناتك من الجمهوريين، وما الذي تتوخاهُ فيهِم؟ قال: في البدء ان كان ذا مهنةٍ فلابد له من ان يُجود مهنتَه، فالرجلُ الذي لايستجيدُ مهنتَه يفتقدُ القوام الرئيس لقيادة الناس، وقوامُ كلِ شئ هو عِماده. الأمر الثاني هو القدرة على التبليغ، أي نشرالفكرة بين الناس بالتي هي احسن بحيث لايستفزه، عند الحوار، مستفز أو يزعجه مزعج. ثالثاً – وذلك هو بيت القصيد – أن لا يفعل في سره ما يستحي من فعله في علانيته. وكأني بالأستاذ الشهيد أراد ان يجعل من صحبه بشراً يقاربون الأنبياء في سلوكهم. هذا أمر لا أدعي أنني قادر عليه، ولمن قَدِر عليه من صحاب المفكر الشهيد تحية إعجاب.
بُغية الأستاذ المعلم، إذن، كانت هي إعداد بنيه وبناته ليكونوا قدوة صالحة تُكلف نفسها في سبيل الدعوة غاية ما تقدر عليه. هذا امر ليس منه بُد إن كانت الدعوة لدين أساسَه الإستقامةَ والإستواء “وذلك هو دين القيَّمة”. ولعله في هذا ذهب مذهب إبن رشد القرطبي في نظرته للكمال الإنساني. فعند إبن رشد يتميز الإنسان العاقل بما يحصل عليه من عتاد روحي وثقافي ومعارفي وتتكامل عنده الحكمة والشريعة لما بينهما من إتصال.

لمحمود أيضاً رأي في الإنسان أبدع فيه. قال في واحدة من رسائله “الرجالُ عَندنا ثلاثة: الرجلُ الذي يقولُ ولايعمل لأنه يخافُ من مسئوليةِ قوله، وهذا هو العبد. والرجلُ الذي يَحِبُ ان يقولَ وان يعملَ ولكنه يحاولُ أن يهربَ تحت الظلام فلا يواجهُ مسئوليةَ قوله ولاعمله، وهذا هو الفوضوي. والرجل الذي يحب أن يفكرَ وأن يقولَ وأن يعملَ وهو مستعد دائماً لتحمل مسئولية قوله وعمله، وهذا هو الرجلُ الحرّ (الثورة الثقافية)”. هذا حديث حكيم شفيف الباطن. إستذكرت الشاعر الراحل محمود درويش (الجدارية) وانا أعاود قراءة كلمات محمود هذه:
انا لستُ مني لو أتيتُ ولم أصل
انا لستُ مني لو نطقتُ ولم أقل
أنا من تقول له الحروفُ الغامضات
أكتُب تكن
إقرأ تَجِد
وإذا أردتَ القولَ فأفعل ، يتحد
ضداك في المعنى
وباطنُك الشفيف هو القصيد

فللأستاذ، إذن، رؤية سوية للإنسان المثال لا إفراط فيها ولاتفريط، وإن كان هو في خاصة نفسه قد غالى، بمعاييرنا، في قمع نفسه حتى عن اللَمَم وتوافه الملذات . روى لي الدكتور الراحل خليل عثمان إبان محاياته للأستاذ وهما في الحبس إلحَافه على الشهيد أن يتناولَ معه كوباً من الشاي فتأبى الأستاذ، ثم رضخ لإلحاف خليل. وفي اليوم التالي كرر خليلٌ الدعوةَ له وهو يذكره بأنه تناول الشايَ البارحة دون أن يلحقَ به ضُر. قال الأستاذ: “لقد فعلتُها بالأمس إكراماً لك ولكني أعرف أن الشاي منبه وإن تناولتَه المرة بعد الاخرى صار شربُه لي عادة وانا لا اريد أن أكون عبداً لأي عادة”.

قلت ان في مسلك الأستاذ نسكاً وتصوفاً، يستعيد للذاكرة قول الإمام الغزالي في الأحياء حول الزهد: “هو أن تأتي الدنيا للإنسان راغمة صفوا عفوا وهو قادر على التنعيم بها من غير نقصان جاه، وقبح إسم، فيتركها خوفاً من أن يأنس بها فيكون آنسا بغير الله، محبأ لما سواء، ويكون شركاً لما سواه، فيحب الله غيره” لهذا سألته عن رأيه في متصوفة السودان، ولماذا يصب جام غضبه على الإسلاميين المحدثين لا على المتصوفة؟ ذلك سؤال قصدت به الإستفزاز الفكري، لا سيما ورأيي في علماء السودان ومتصوفته رأي إيجابي إذ عشت في رحابهم، وتعلمت إصول ديني من أشياخهم، قال الأستاذ: “المتصوفة والعلماء هم الذين قربوا الإسلام إلى نفوس اهل السودان بالحسنى، وحببوه إليها بتقوى الله ولهفة المظلوم، ولم يتخذ غالبهم الدين طريقاً للدنيا”. أما الطائفيون الذين إتخذوا الدين معبراً للسياسية والمحدثون ممن ينصب أنفسهم دعاة للإسلام فقد أساءوا إلى الإسلام من جانبين: أولاً إحتكار الحقيقة حول الدين بالرغم من سوء فهمهم له؛ وثانياً تبغيض الناس فيه بسبب من الغلواء في الاحكام، لهذا فان مسعاه، كما قال، هو إستنقاذ الاسلام من هؤلاء. هذا الموقف هو ما ظل الأستاذ ثابتاً عليه في كل ما كتب عن الطائفية السياسية، وكان متسامحاً فيما كتب، بمعنى أن الإصرار على الحوار الفكري، لا إغتيال الشخصية وإلغاء الآخر، هو قمة التسامح. ورغم إختلافه مع الطائفيين والإخوان المسلمين والشيوعيين دعا عند المصالحة الوطنية في عهد نميري (أغسطس 1977م) إلى خلق منابر فكربة تتصارع فيها كل هذه القوى السياسية واسماها بأسمائها: لم يستثن منها واحداً. وكان يومها يتمنى أن يُملأ الفراغ السياسي بالفكر. أما الآخرون الذين تداعوا إلى تلك المصالحة فلم يروا لها إلا وجهاً واحداً هو المشاركة في الحكم عبر إئتلاف حزبي أو حكومة وحدة وطنية أو حكومة قومية.

وعوداً على بدء في موضوع مَنسِك الأستاذِ نقول أن نسكه كان ذا طبيعة خاصة به، كان رجلاً من غمار الناس يمارس كل عوائدهم: ياكل الطعام، ويمشي في الاسواق، ويعود المريض، ويواسي الجريح ، ويعزي في الميت، كما لم يك يحسب نفسه منذوراً للبتولة كالمسيح أو أحبار الكنيسة إذ تزوج وانجب كبقية الخلق. لم يذهب أيضاً مذهب المتصوفة في إقصاء المعارف الدنيوية من حياتهم لأنها تلهيهم عن القربى، أي اقتراب السالك من ربه. فجُل المتصوفة لم يبتغوا من قراءة القرآن وتفسيره إستنباط أحكام فقهية أو عقائد كلامية، بل كانوا يريدون بها خلاصاً شخصياً بتعميق تجربتهم الروحية. بخلاف ذلك، إنغمس الأستاذ حتى أخمص قدميه في المعارف الدنيوية يحاور وينتقد، ويقبل ويرفض. ولم يكن إقترابه من التوحيد من وجهة حلولية شأن كل المتصوفة، بل محاولة فلسفية منه للحصول على معارف واقعية تهدي الإنسان في الحياة الدنيا؛ أي أنه “رأي سبيل الرشد فأتخذه سبيلاً”. كما كان سبيله للآخرة هو الإقدام على الفروض والواجبات إقبال رجل يغشى قلبه الوجل من مخافة الله :”إذا ذكر الله وجِلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيماناً” (الأنفال،2). كما كان يدرك أن وراء أداء الشعائر مغزى روحي عميق غير المعنى الظاهري، فتماماً كما أن ليس للصائم من صيامه غير الجوع والعطش، ليس، في حال البعض، للمصلي من صلاته غير القيام والقعود. الدين عند هؤلاء هو حوار أبدي بين الإنسان وخالقه في الليل والنهار حتى يتحقق لهم المقام المحمود: “ومن الليل تتهجد به نافلةً لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً” (الإسراء 79).

ثم جاءت نهاية شهيد الفكر كنهايات أضراب له واشباه من المفكرين الذين قدموا ارواحهم قرابين في محاريب الفكر، كانت نهايتهم على يد طغاة كحال الأستاذ الشهيد وتوماس مور، أو غوغاء كحال سقراط وغاندي. هؤلاء جميعاً لا ذنب لهم غير المجاهدة حتى يصبح الإنسان إنساناً. فمن قبل محمود ذهب سقراط ضحية إتهامه بتلويث عقول الإثينيين ولكنه، رغم إلحاح إفلاطون وزينوفون عليه كي يهرب – وكانوا يعدون للأمر عدته – رفض ذل الهرب من الموت. ذلك مشهد وصفه شوقي فابدع في الوصف:

سقراط أعطى الكأس وهي مليئة شفتي محب يشتهي التقبيلا
عرضوا الحـياة علـيه وهي ذليلة فابى وآثر أن يمـوت نبيلا

أما غاندي الذي لم يعرف للعنف سبيلا فقد مات مغدوراً على يد متطرف هندوكي. بُغضُ غاندي للعنف وحبُه للناس حملاه على أن يقول:”هناك أهداف كثر أنا على إستعداد للموت في سبيل تحقيقها، غير أني لا ارى هدفاً واحداً يمكن أن يدفعني إلى قتل إنسان”. نقل نبأ رحيل غاندي لأهل الهند جواهر لال نهرو وهو يقول:”لقد إنطفأ النور من حولنا، فالظلام يعم كل مكان.” ثم إستدرك قائلاً:”ما كان لي أن أقول هذا. أنتم لن ترونه بعد اليوم، إلا أنه سيبقى بين ظهرانيكم”.

توماس مور، رجل كل الفصـــول، آثر الصـمت عندما قضــي هنري الثامن بإعدامه لرفضه التوقيع على القانون الذي يجعل من هنري رئيساً للكنيسة (Act of supremacy). وعندمىا أقتيد إلى المشــــنقة رفض أن ينبس ببنت شـــــــفه لقاضيه وجــلاده عــدا كلماته الاخـيرة التي صـمت بعــدها: “لا يحق لبشــــر زائل أن يكون رئيســــاً للروحــانية: “No temporal man may be head of spirituality”. ذلك كان موقف الأستاذ الشهيد، إذ ما أبلغ صمته وأجمل سمته أمام المشنقة، فالجلاد وقضاة النار لم يبتغوا من الدعوة لإستتابته إلا كسر نخوته. ومن الحمق ان يظن ظان أن رجلاً تمرس بالشدائد، وصهرته المحن، وعرف الحق، سيفعل آخر الليالي ما لم يفعله في صباه. الشهيد ذو مِرة، وذو الِمرة لا ينكسر أمام الخطوب.

في تلك الايام الحوالك عشت في لندن مع إخوة لي اغلبهم ممن عرف الاستاذ الشهيد من خلال ما كتب: الراحل حسن محمد علي بليل الإقتصادي المعروف، والراحل ابوبكر البشير الوقيع الإداري النابه، والأستاذ التجاني الكارب، ثم الراحل رفيق محمود، الدكتور خليل عثمان. بليل والكارب لم يكونا يبكيان على رجل ، بل كان بكاؤهما على موت ضمير. قالا سوياً:”هذا هو اليوم الوحيد الذي تمنينا فيه ان لا نكون سودانيين”. ما تركنا يومذاك باباً في عواصم العالم الا وطرقناه حتى يُرَد الطاغية عن غيه. ثم ادلهم الظلام وذهب محمود كما يتوقع المرء أن يذهب، مرفوع الرأس كالرواسي الشامخات.

أمثال محمود لا ينتهون بنهاية الوظائف البيولوجية لأجسامهم، وإنما هم باقون بما خلفوا في الرأس وفي الكراس. باقون بما سطروا على الورق، وما تركوا في أدمغة الرجال والنساء. وبهذا يصبح، أو ينبغي أن يصبح، السكون الأبدي لأجسادهم حركة دائبة. لا تهنوا، إذن، أيها الصحاب فأنتم اقوى من أي جلاد جلف، ومن أي قاض ظلوم، ومن أي عالم من أولئك الذين تراكم الصدأ على خلايا عقولهم.

أكَّد مختصون أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي أثَّرت بشكلٍ سلبي في التواصل الأسري والاجتماعي وعلى العلاقات الإنسانية، إلى جانب تأثيرها في مهارات التواصل الاجتماعي المباشر لدى كثير من أفراد المجتمع، موضحين أنَّ بعض الدراسات أشارت إلى أنَّ الاستغراق في استخدام هذه الوسائل يُضعف العلاقات الاجتماعية ويُقلل من التفاعل الاجتماعي في محيط الأسرة، وذلك من خلال قلة الزيارات واللقاءات العائلية، مُشيرين إلى أنَّها تزيد أيضاً من الاغتراب النفسي بين الشباب ومجتمعهم، إلى جانب تأثيرها سلباً في مهارات التواصل الاجتماعي، ما قد يُسبّب عزله اجتماعية، وكذلك سماحها باستيراد نماذج من السلوك لا تتفق مع ثقافة المجتمع الدينية والاجتماعية، حيث فسحت المجال لبناء علاقات بين الجنسين بما يتعارض مع قيم المجتمع ومعاييره.تطوّر محايدوقال د. عادل المكينزي أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود: “إنَّ وسائل التواصل الاجتماعي مؤشر للتطورات الطبيعية للواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي”، مُضيفاً أنَّ المشكلة لا تنحصر في التطور الحاصل في هذه الوسائل أينما كانت، وذلك عندما ظهرت “السينما” والتلفزيون والإذاعة واختتمت بثورة “الإنترنت” وما احدثته، إلى جانب تطور تطبيقات التواصل الاجتماعي، مُبيّناً أنَّ هذا يُعدّ تطورا تقنيا محايدا.وأضاف أنَّ المشكلة تكمن في كيفية تعامل الأفراد مع هذه التقنيات المتوافرة، موضحاً أنَّ البشر ليسوا سواء في الإدراك والمستويات الاجتماعية والثقافية، مُشيراً إلى أنَّ هناك ما يسمى بالفروق الاجتماعية والفردية، مُبيِّناً أنَّ هذه الفروقات ذات تأثير في الإعلام الاجتماعي، لذلك توجد السلبيات والايجابيات في هذا المجال، لافتاً إلى أنَّ الإدمان على هذه البرامج والوسائل من أهم السلبيات، مؤكّداً أنَّ الوقت الذي وفرته التقنية لنا كان من المفترض أن يستثمر في مزيد من الاستثمار في العلاقات الاجتماعية.حارس البوابةوأشار د. المكينزي إلى أنَّ التقنية الحديثة اختطفت هذا الوقت من واقعنا الأسري والاجتماعي والعلاقات الإنسانية من أجل أن يذهب إلى هذه الوسائل، وبالتالي ضعفت العلاقات الاجتماعية والأسرية بشكل عام، كما ضعفت معها مهارات التواصل الاجتماعي المباشر عند كثير من الناس نتيجة للإشباعات التى تحققها هذه الوسائل، موضحاً أنَّ هذه هي إحدى الإشكالات التى تواجه المجتمعات بشكل عام في التعاطي، مُبيِّناً أنَّ هذه الوسائل أسقطت نظرية حارس البوابة.وبيَّن أنَّ وسائل الإعلام التقليدية في السابق كانت تسمح بمرور أو منع المعلومات التى قد تؤدي للعنف أو الجريمة المنافية للأخلاق، إلى جانب وجود نوع من الرقابة والتحكم إلى حدٍ ما، وهذا أمر إيجابي، أمَّا الآن فقد انفتحت وسائل التواصل الاجتماعي وأصبحت بلا رقيب، مُشيراً إلى أنَّه ربَّما كان مع الفروق الفردية استدراج للعنف والجوانب غير الأخلاقية بفعل طبيعة المرحلة العمرية التي يكثر فيها القبول وعدم الوعي الكافي بمخاطرها.تفكك أسريوأوضح أنَّ هذه هي إحدى المنافذ والثغرات التى قد تؤدي بها وسائل التواصل المختلفة، لافتاً إلى أنَّ علماء الاجتماع ومن خلال بعض الوقائع أثبتوا حالات حدوث تفكك أسري وبعض حالات الطلاق بفعل انفتاح هذه الوسائل وعدم نضج بعض المتعاملين معها أو عدم وجود توازن أو غياب ضمير وعدم وجود الرقيب، وبالتالي أصبحت هذه الوسائل منفذاً للمجرمين والإرهابيين وتسمح باستدراج بعض أفراد المجتمع.وأكَّد أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تُعدُّ من أبرز الوسائل التي يستخدمها المجرمون في هذا المجال، مُضيفاً أنَّنا لا نستطيع أن نصدر حكما واحدا على أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي جيدة أو غير جيدة، حيث الأمر يختلف من مجتمع إلى آخر، وبالتالي فإنَّنا نحكم من خلال طريقة تعامل أفراد المجتمعات، داعياً مؤسسات المجتمع المدني إلى أن يكون لها دور في التوازن في هذا الجانب، إلى جانب قراءة هذا الواقع وإعطاء التنبيهات المطلوبة.ولفت إلى أنَّه لابُدَّ من الأخذ في الحسبان أنَّنا لا نريد أن نمنع هذه الحرية، وهي حرية الإنسان أمام فضاء منفتح، بيد أنَّ المشكلة تكمن في أنَّ هذه الوسائل مفتوحة على مصارعيها ولا أحد يريد العنف والانحلال الأخلاقي، مُشدّداً على أهمية تعامل كل مجتمع مع هذه الوسائل تبعاً لغاياته وأهدافه؛ لكي يستطيع أن يُكيّف هذه الوسائل تبعاً لأهدافه.تبادل الخبراتوأوضح د. عبدالله الشعلان أستاذ علم الاجتماع والجريمة المساعد، ورئيس قسم العلوم الاجتماعية بكلية الملك فهد الأمنية أنَّ التكنولوجيا الرقمية تسلَّلت إلى نسق التفاعل الاجتماعي مفسحةً المجال إلى ظهور أنماط جديدة من العلاقات الاجتماعية تتسم بالتلقائية والسطحية والاتساع والتنوع، مُضيفاً أنَّه اصطلح على تسمية هذا الاندماج بين التكنولوجيا والعلاقات الاجتماعية بوسائل التواصل الاجتماعي.وأشار إلى أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي أتاحت التواصل بين الأفراد لتشكيل العلاقات وتبادل الخبرات والاهتمامات، وذلك من خلال الرسائل والملفات والصور في بيئة افتراضية، مُضيفاً أنَّ هذه الوسائل أصبحت جزءًا من حياتنا الاجتماعية، حيث تغلغلت في نسيجنا الاجتماعي وبتنا نعتمد عليها في جميع أوجه أنشطتنا الاجتماعية الرسمية وغير الرسمية، إلاَّ أنَّها تركت آثاراً سلبية في العلاقات الاجتماعية ومستوى التفاعل الاجتماعي.عزلة اجتماعيةوبيَّن د. الشعلان أنَّ بعض الدراسات أشارت إلى أنَّ الاستغراق في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُضعف العلاقات الاجتماعية ويُقلل من التفاعل الاجتماعي في محيط الأسرة، وذلك من خلال قلة الزيارات واللقاءات العائلية، موضحاً أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي تزيد أيضاً من الاغتراب النفسي بين الشباب ومجتمعهم، مُشيراً إلى أنَّ بعض الدراسات أشارت أيضاً إلى أنَّ الإدمان على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يُضعف مهارات التواصل الاجتماعي، ما قد يُسبّب عزله اجتماعية.وأكَّد أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي سمحت باستيراد نماذج من السلوك لا تتفق مع ثقافة المجتمع الدينية والاجتماعية، حيث فسحت المجال لبناء علاقات بين الجنسين بما يتعارض مع قيم ومعايير المجتمع، مُضيفاً أنَّ إحدى الدراسات الخليجية أشارت إلى أنَّ حوالي (39%) من عينة الدراسة تحدوا آليات الضبط الاجتماعي الأسري وعقدوا لقاءات مباشرة مع من تعرفوا إليهم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، غير مبالين بالعواقب المترتبة على مثل هذه اللقاءات المحظورة اجتماعياً.أُطر مرجعيةولفت إلى أنَّ من أبرز الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، ما أنتجته هذه الوسائل من تعددية في الأطر المرجعية للسلوك، هذه الأطر التي يحكم بها الفرد على سلوكه بالقبول أو ضده، فمن أحادية الإطار – الأسرة والمجتمع المحلي – إلى تعددية الأطر – العالمية – ونتيجة لذلك لم يعد معيار القبول والرفض والخطأ والصح للسلوك واضح لدى الشباب، حيث قد يقوم شاب بسلوك يستهجن من قبل مجتمعه المحلي، إلاَّ أنَّه يلقى له صدى وقبولا وتأييدا لدى أطر أو مرجعية أخرى من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.وتساءل: “أيّ إطار أو مرجعية للسلوك سيتخذه الشاب هنا؟”، موضحاً أنَّ هذا يُفسر لنا جزئياً أسباب خروج بعض الأفراد على القيم ومعايير المجتمع، مُضيفاً أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي فتحت نوافذ كثيرة على المجتمعات والثقافات المختلفة نتج عنها آثار ايجابية، ومنها الانفتاح الفكري والثقافي، وتطوير المعرفة والبحث العلمي، كما أنَّها تحقق احتياجات متعددة لمستخدميها من الناحية الوجدانية والمعرفية والتكامل النفسي والاجتماعي.أمن فكريوأضاف د. الشعلان أنَّه يمكن أن يستفاد من وسائل التواصل الاجتماعي في تعزيز الأمن الفكري للمجتمع، وذلك من خلال ما تتميز به هذه الوسائل من خصائص، ومنها: التفاعلية والتزامن والانتقائية والانفتاحية، مُضيفاً: “من خلال ما تتمتع به هذه الوسائل يمكن تشكيل أفكار وقواعد ومبادئ وقيم معتدلة تساعد على تقوية الأمن الفكري وتعزيزه لدى الشباب”، مُشيراً إلى أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تساعد على ضبط الظواهر السلبية في المجتمع، إلى جانب تصحيح المفاهيم الخاطئة، وكذلك التصدي للفكر المتطرف، وذلك إذا استخدمت بالشكل الصحيح.قوانين إلكترونيةوأكَّد د. ناصر العريفي رئيس الدراسات الأكاديمية بكلية الملك فهد الأمنية أنَّ من المستجدات في مجتمعنا الحديث ظهور وسائل التواصل الاجتماعي ووجودها من خلال الشبكة العنكبوتية، مُضيفاً أنَّ لها كثيرا من الايجابيات، كما أنَّها تتعدى قدراتنا على فهم هذه الوسائل ومدى قدرتها على التواصل مع الآخرين، مُشيراً إلى أنَّ من أبرز سلبياتها أنَّ تواصلنا مع الأهل والأصدقاء والأقارب أصبح عن طريقها من دون الرجوع للتواصل المباشر الذي اعتدنا عليه.وأشار إلى أنَّ هذه السلبيات تبقى بسيطة بالمقارنة مع سلبيات أخرى تحدث في مجتمعنا، ومن ذلك: نشر الشائعات الكاذبة أو الهجوم على الآخرين أو نشر الصور واستخدامها في الابتزاز، وبالتالي ظهرت القوانين الإلكترونية التى تُجرِّم هذا النوع من الجرائم، إلى جانب الحد منها، موضحاً أنَّ هناك عقوبات متعددة تُطبَّق بحق المتجاوزين، مُبيّناً أنَّ “هيئة الاتصالات” تعمل على توضيح هذه العقوبات عن طريق إرسال الرسائل النصية للمواطنين. وأضاف أنَّ “هيئة الاتصالات” تسعى من وراء هذا الاجراء إلى التعريف بهذه الجرائم التى حددها نظام الإجراءات الجزائية في “وزارة العدل” وجاري العمل بها، موضحاً أنَّ وسائل التواصل الاجتماعي فتحت لنا آفاقا إيجابية وقدرات كبيرة للتعامل مع الشعوب الأخرى، حيث هناك من تشبَّع من ثقافة بعض المجتمعات نتيجة هذا النوع من التواصل في حياتنا اليومية، مُشيراً إلى أنَّه أصبح لدى أطفالنا وعي فكري عال في استخدام التقنية الحديثة، حيث إنَّنا قد نجهل بعض هذه الاستخدامات.وشدَّد على أهمية توعية الأطفال في هذا الجانب فيما يتعلَّق بكيفية استخدام هذه الوسائل، إلى جانب تحذيرهم بسلبياتها؛ لكي لا يقع شبابنا وفتياتنا ضحيةً لهذه الوسائل، وذلك عن طريق التشهير والابتزاز، مؤكداً أنَّنا فقدنا الخصوصية في هذا الجانب، إلى جانب وجود من أصبح يعيش حالة من التوتر نتيجة غياب هذه الخصوصية.

[08:38, 09/01/2016] ‪+249 91 230 2962‬: هذا جهد مقدر من الكاتب لتوضيح مثل هذا الخلل النظري والذي اقعد بالمعارضه .لانهلا يوجد تغيير ثوري دون نظريه ثوريه.واستكمالا للبناء المنطقي لهذا المقال فان المنتج الايدولوجيحين يكون مصنوعا ليلائم حاله تغببر قصير المدي اي ابدال مجموعه من قوي الثوره المضاده باخري من نفس البضاعه المضروبه والتغيير يكون فوقيا ولصالح قوي خارجيه هي في صراع ثانوي  مثل صراع اسرائيل مع الولايات المتحده في السودان .باختصار اكرر غياب هذا المعامل عن هذا المقال هو ما اردت لفت الانظار له.مع تقديري للكاتب والناقد
[08:38, 09/01/2016] ‪+249 91 230 2962‬:  نقد جدلية المركز والهامش عبر كتابة عقل الأزمة

 

أحمد محمود

المدخل الأساسي لهذا المقال هو التأكيد علي ان الأختلاف حول تشخيص الأزمة السودانية يبدو مشروعا ومنطقيا وبالتالي فان نقد اية رؤية حول هذا الأمر يتم عبر تطوير ميكانيزم الحوار الموضوعي من أجل الوصول لمخرج حقيقي عبر حالة الأنسداد التاريخي التي دخل فيها الوطن نتيجة لفشل النخبة السودانية تاريخيا وعبر الراهن. وفي هذا الخصوص فأن هذا المقال يحاول اختبار جدلية المركز والهامش عبر كتابة دكتور ابكر ادم اسماعيل عبر كتابه الموسوم ( جدلية المركز والهامش، قراءة جديدة في دفتر الصراع في السودان). وهذه القراءة النقدية لا تقلل  من اسهامات وجهد الدكتور أبكر ككاتب وكأديب وكذلك تؤكد علي ضرورة الحوار الفكري بين السودانيين من أجل التأسيس لمرجعية حاكمة في التصورات نحو قضايا الوطن.

اشكالية الكتاب

اشكالية هذا الكتاب هي اشكالية منهجية، فالرؤية التي بدأ بها الدكتور أبكر اطروحته تتصل بتصوره ان جدلية المركز والهامش هي منهجه الخاص في القراءة للواقع و هذا حسب قوله الآتي ( قلنا في تعريفنا لمنهجنا: جدلية المركز والهامش انه منهج متعدد محاور الجدل نحلل بواستطه وضعيات تاريخية معينة، حيث نعاين هذه الوضعيات من خلال ميكانيزمات التمركز والتهميش التي  علي اساسها يدار الصراع علي المستوي السياسي والاقتصادي والاجتماعي في آن واحد ) (صفحة 91).وهذا يطرح سؤالا جوهريا حول ماهية المنهج، فالمنهج هو( عبارة عن مجموعة من التنقنيات والطرق المصممة لفحص الظواهر والمعارف المكتشفة أو المراقبة حديثا أو لتصحيح وتكميل معلومات أو نظريات قديمة تستند هذه الطرق اساسا علي تجميع تأكيدات رصدية وتجريبية ومقياسية تخضع لمباديء الأستنتاج) (وكيبيديا).  ولهذا فان المنهج العلمي يتخطي مجرد وصف المشكلة أو الظاهرة موضوع البحث الي فهمها وتفسيرها وذلك بالتعرف علي مكانها من الاطارالكلي للعلاقات (ويكيبيديا). فجدلية المركز والهامش لم يتم أختبارها علميا لكي تصل الي مستوي قراءة الظواهر وتفسيرها لأنها هي في اطار البحث من أجل اثبات  صحتها وفي نفس هذا الأتجاه فهي ليست نظرية لأنها  ما زالت بين قويسين لأنها تقع في مساحة  ما بين المعرفي والوجودي او الابستمولوجي والأنطلوجي اذ ان الفكرة لا يمكن اختبار صحتها الا في حال تحققها علي أرض الواقع أو الوجود. وهذه الفكرة  التي يطرحها دكتور أبكر قد لا نستطيع أن نقرأ من خلالها المرحلة المشاعية في تجربة البشر مثلا وقد لا نستطيع من خلالها تفسير العلاقات في مجتمعات اشتراكية حقيقية تزول فيها الطبقات وتصبح فيها المركزية الوحيدة هي مركزية الأنسان. اذن تسمية جدلية المركز والهامش بكونها منهج علمي ذو خصائص استقرائية لا تسنده أية دلائل علمية ولهذا فهي وضمن قراءة  بها قليل من التدقيق الحصيف تصبح الفكرة مجرد خطاب  ايدولوجي مشحون بالاسقاط التاريخي علي الأحداث، اذ ان الخطاب هو مقولة الكاتب وأقاويله وهو بناء وجهة  من النظر مصوغة في بناء استدلالي اي استعمال مواد او مفاهيم معينة فالخطاب في هذه الحالة يعبرعن فكرة صاحبه فهو يعكس ايضا قدرته علي البناء (مهبول الوداد) . وهذا ما نلاحظه في الكتاب فبناءه النظري يبدو عميقا ولكن بتفكيكه  تتجلي نقاط ضعف عديدة سنناقشها لاحقا. لكن الأهم ما في الأمر فأن دكتور أبكر لم يقنعه التفسير الماركسي للتاريخ ولكنه وبشكل أو اخر استخدم التحليل الماركسي في قراءة تطور المجتمعات وبمطابقة بينة. كما أنه وعندما أراد أن يتحدث عن تاريخ السودان أستند في كل شهاداته علي كتابة أستاذ تاريخ ماركسي وهومحمد سعيد القدال والذي يقرأ التاريخ قراءة ماركسية بجذر اقتصادي وأجتماعي. لا أقول ان هذا تناقض ولكنه يدلل علي غياب المنهج الذي أفترضه دكتور أبكر لقراءة التاريخ والحاضر. الاشكالية الأخري هي أشكالية المراجع، فالبرغم من المحاولة الموسعة للحديث عن تجربة البشرية ككل الا انه لا توجد مراجع تعبر عن الأفكار الموجودة في هذا الكتاب وبالطبع فان امكانية التوليد في مثل هذه الحالات تبدو مستحيلة وهذا يعكس تأثير فكر الرواية في الكتابة لكن كتابة التاريخ والنتظير للاشكالات الأجتماعية تحتاج الي مرجعيات كبيرة. ولهذا عندما تبحث لهكذا مراجع في نهاية الكتاب لا تجد ما تستند اليه لمراجعة المكتوب. كما وان الكتاب وبحجم صغير اراد له كاتبه ان يكون حاوي لكل شيء من المشاعية وحتي الديمقراطية الليبرالية. أخيرا فان الشهادات كانت طويلة وتكاد تكون مكررة وهي وجهة من الضعف في هذا الكتاب.

قراءة المتن ونقاط الاعتراض:

بالتعمق في هذا الكتاب وبغض النظر عن الملاحظات حول ضعف المراجع الا أن الفصل الأول من الجزء الأول في هذا الكتاب تميز بنوع من التنظير الموضوعي و بالذات فيما يتعلق بالأنسان من الطبيعة الي الثقافة  وقد شرح الكاتب الجدل الثقافي بتأسيس معرفي وبالذات في ثنائية جدل القديم والجديد والجدل الثقافي وميكانيزمات التفاعل الثقافي وكذلك الجزء المتعلق بالأنتقال من الثقافة الي الدولة وطبيعة السلطة و انتشار الثقافة. ووفق رؤية منهجية كان من المفترض ان يكون هذا الجزء مخصص للمقاربات المنهجية والتعريف بها وبالذات في الفصل الاول. وبأنتقال الكاتب للحديث عن مدخلات انتاج الواقع التاريخي في السودان عاد لمناقشة نظرية العقد الأجتماعي ونظرية القانون الطبيعي والعلمانية والماركسية والاشتراكية ولماذا فشل تطبيق الماركسية في كثير من البلدان، وهنا سنلاحظ خلل منهجي في ترتيب الأحداث وتداخل الحقب. فما انتجته اوربا في بداية القرن التاسع عشر من افكار ليس للسودان علاقة به وكان يجب  ان ينحصر النقاش حول دور الاستعمارالبريطاني في السودان وأثره في انتاج الواقع السلبي والذي من ضمنه هذا المركز المتوهم. لأن الأستعمار البريطاني للسودان تم عبر السلاح وليس عبر الأفكار وهذا يفقد الكتاب تماسكه الداخلي. فالأستعمار البريطاني نظر للسودان واستنادا للمركزية الأوربية كمورد للمواد الخام من اجل ان تدور المصانع في انجلترا. وكان يمكن  التأسيس لهذه المفهاهيم عبر  الفصل الأول من خلال مقاربات منهجية ولتكون بين النظام الماركسي بوجهته الأشتراكية والراسمالية بوجهتها الليبرالية. النقاش المهم في هذا الكتاب يتصل بالمقاربة المنهجية لجدلية المركز والهامش.

نقد المقاربة

يعتقد الكاتب أن المركز يشتغل علي الأتي : اعادة الانتاج ،الترميز التضليلي، النفي والأستقطاب والقمع في حين أن الهامش يقوم بالمقاومة السلبية ، الاستشعار والتنظيم ، الحرب ثم الثورة .فالسؤال الأساسي هل المركزهو كتلة صماء متماسكة ضد الهامش. لأن الكاتب يتحدث عن مركز يشتغل علي تحويل محددات الثقافة- الثوابت الي اسلحة ايدولوجية لتبرير الممارسات والمصالح الناجمة/القائمة علي التراتبيةالأجتماعية (ص43). فالحديث عن الثقافة  كمركزية ثابتة وبالتالي بكونها ايدولوجية يغفل أن الثورة تحدث داخل المركز ومن ذات الذين يحملون ذات الثقافة. وقياسا بالسودان وهو مجال اهتمامنا فان كل الثورات التي اندلعت تاريخيا فيه فقد اندلعت داخل هذا المركز ومصطحبة معها قضايا الهامش ومدافعة عنه. هنا يجب أن نقول بضرورة نحت المفاهيم بشكل صحيح ولنتحدث عن ايدلوجية السلطة وليس المركز كثقافة وبشرهم ضحايا السلطة القامعة لطموحاتحم. وهذا التهميش أحدثته النخبة السودانية في ارتكازها علي واقع الاستعمار في السودان اذ يتمدد هذا التهميش في كافة بقاع السودان وقد اتخذ في بعض الحالات تهمشيا ثقافيا لمجموعات بعينها، وهذا التهميش الثقافي لا يجب أن يقرأ خارج السياق العام للتهميش السياسي والاقتصادي لكافة قطاعات المجتمع. لانه وللأنصاف التاريخي لا توجد كتلة متماسكة ثقافيا وتشتغل بشكل مؤسس ضد مجموعات أو مركز ثقافي متوحد حول الاقلال من شأن المختلف ثقافيا. لكن واقع التهميش العام وانعدام حالة التماسك الوطني افرزا واقعا يرتد دوما باتجاه القبيلة والطائفة، وفي هكذا مححدات فان النظرة للآخر تتم من خلال منظور القبيلة والطائفة ومن ثم تتراجع مساحة الوعي فيها لصالح المنتمين الي القبيلة او الطائفة ، والمؤسف ان السلطات الحاكمة استخدمت هذه المححدات لقهر المختلف ثقافيا. ولهذا فان قراءة الواقع السوداني يجب ان يتم وفق متلازمة ثلاثية هي سبب التأزيم المستمر في الواقع السوداني الذي احدثته هذه المتلازمة وفي علاقتها مع النخبة أو السلطة عبر التاريخ وهي المتلازمة العضوية المتمثلة في القبيلة والغنيمة والعقيدة كمفردة اسس لها مثقفون عرب وقايسوا من خلالها الواقع العربي. لانه لوحاولنا تطبيق ذات  جدلية المركز والهامش لقياس ما يحدث في دولة جنوب السودان مثلا فأننا لا نستطيع قراءة ذلك الواقع علميا لأنه لا يوجد مركز بالمفاهيم التي ينظر لها دكتور أبكر والذي يمكن  الاعتماد عليه في التحليل هو علاقة السلطة بالقبيلة ومن ثم السعي الي الغنيمة وفق شروط  خاصة مسكوت عنها. هذه القراءة لا تحاول تبرير القمع ضد الهامش وبالذات المختلف ثقافيا عبر الية السلطة سودانيا ولكن يجب ان لا نحمل المركز ببعده الثقافي كل الذي حدث ضد الهامش تاريخيا واقصد المركز كبشر لديهم ثقافة متقاربة.  فالحرب ضد الجنوب والتي قادتها السلطة ضد الجنوبيين جريمة بكل المقاييس لكن السؤال الأساسي هنا، هل يتحمل المركز كمجموع بشري هذا الذي حدث للجنوبيين وللذي يحدث لاهلنا في دارفور ومناطق الحرب الاخري هل نحن جميعا في الشمال شركاء في جريمة فصل الجنوب؟ هذه أسئلة جوهرية و مهمة لأن المركز هنا ليس مركزا ثقافيا ايدولوجيا ،لكنه مركزا اختطفته النخبة السودانية المرتبط أداءها بمرحلة ما بعد الأستعمار والتي اوصلت الواقع الي هذه الدرجة من التردي وتتحمل هذه النخبة وحدها المآلات الخطيرة التي حدثت في هذا البلد، وآخرها فصل الجنوب عن الشمال. الجانب الاخر يبدو الكاتب ايدولوجيا وهو يتحدث عن العوامل الخارجية التي اثرت في الواقع السوداني مقرنا دور الأستعمارين التركي والبريطاني بحالة دخول العرب للسودان. هذه القراءة تمزج بين حركة الشعوب عبر أزمنة مختلفة والاستعمار كحالة تكونت بعد تبلور الراسمالية ومن ثم حاجة هذه الراسمالية الي المواد الخام التي تساعد في دوران عجلة الراسمالية ومن هنا يتحول الاستعمار الي حالة غير انسانية تنتهك فيه الشعوب وتدمر البلدان من أجل ان يستفيد المستعمر. ونظرا لدخول العرب للسودان ونحن هنا نحتكم للتاريخ فان دخولهم للسودان تم في الغالب كمجموعات بشرية مهاجرة تبحث عن ملازات امنة والحالة الوحيدة التي حاول العرب فيها دخول السودان وعبر السلاح لم تنجح ومن خلال الحملة التي قام بها عبد الله بن ابي السرح. هذا يؤكد ان دخول العرب للسودان تم عبرمراحل كثيرة وضمن هجرات سكانية عادية. واللافت للنظر هنا أن العرب وبدخولهم للسودان لم يعزلوا انفسهم عن الواقع الجديد بل أصبحوا جزاءا اصيلا منه عبر التداخل والتزاوج مع السكان المحليين. هذه الحقيقية لم يتوقف عندها الكاتب كثيرا لانه أصبح محكوما بالفعل اللاحق الذي ارتبط بالأستعمارين التركي والبريطاني والنخب التي ارتبطت بهما من المنتمين للثقافة العربية وحولوا الواقع بعد ذلك الي واقع استغلال وغنيمة،  وهي الرمزية التي  يشير فيها الكاتب اشارة مكررة الي الجلابة. ونحن اذ نقف ضد اشكال الاستغلال الذي تم وما زال يتم فاننا نقول ان هذا الاستغلال لعبت فيه عوامل  خارجية دورا كبيرا مرتبطا ذلك بمصالح النخبة و جشعها وضمن هذه الحالة فاننا ندين كافة الممارسات التي تمت والمتعلقة بتجارة الرقيق تاريخيا ونقول انها شارك فيها البعض والمحسوبون علي الثقافة العربية وشارك فيها زعماء قبائل محليون. ولهذا فليس كل الذين ينتمون للثقافة العربية كانوا شركاء في هذه الممارسة واستناداالي ذلك فان كلمة جلابة وما فيها من جانب تحقيري تجاه مجموعة سكانية يجب ان لا تطلق هكذا لان الغالبية من هؤلاء الناس لم يجلبوا شيئا ويعانون الفقر والتهميش بكل صوره. وبالتالي فأن توصيف كل من انتمي لهذه المجموعة بكونه جلابي فيه بعد عن الموضوعية ويصبح الفاعلين به هم اصحاب الايدولوجيا والتي تشكك حتي في مصداقية من انتموا للحركة الشعبية  من الشماليين وناضلوا في صفوفها ردحا من الزمن. وعودة الي قراءة الظاهرة الأستعمارية فان الكاتب استخدم المقياس التناظري ليوازي بين الثقافة العربية والاستعمار مهملا النقطة الجوهربة في علاقة العرب بالسكان المحليين. فتاريخيا وعندما فكر العرب في انشاء دولة شبه حديثة لم يفكروا بشكل مركزي معزول عن الذين حولهم، ولهذا فان الحلف السناري وفي القرن السادس عشر لم يتم التركيز  عليه  عبر هذا الكتاب من اجل اثبات فرضية ان وجود العرب في السودان يتساوي ووجود الأخرين الذين دخلوه وفق سلطة السلاح. هذا الحلف هو التعبير الاساسي للعلاقة التي تمت وبشكل حضاري بين العرب والسكان المحليين وما تم لاحقا وبعد دخول الأتراك فهذه مرحلة منتزعة من التطور الطبيعي لتلك العلاقة والتي لو كتب لها الاستمرار لأنتجت دولة قائمة علي التسامح واحترام الاخر وهي النقطة التي يجب ان نحاكم من خلالها الثقافة العربية تاريخيا، وليس عبر الذي تم لاحقا عبر الادوار التي رسمها الأستعمار التركي و نظيره البريطاني لمساراتها وتشكيل النخبة النيلية عبر اهداف هذين الأستعمارين. لان التحالف السناري كان يشتغل علي وعي متقدم بضرورة مشاركة المكان ،بالرغم من شكله المتواضع الا انه قد شكل اول ارضية لمفهوم القبول بالاخر والمشاركة في بناء الدولة ونحن اليوم محتاجون لأعادة هذا المفهوم والتأسيس عليه من اجل بناء دولة حديثة يتشارك الجميع في بناءها وفق شروط جديدة وبافق التحالف السناري. وبالرغم من الاتفاق حول دور الظاهرة الاستعمارية في تكوين حدود السودان الحالي الا ان بوادر هذا التكوين قد بدأت تتشكل من خلال الحلف السناري وكما قال الدكتور القدال فان بواكير هذه الوحدة قد بدات تتبلور من خلال دولة الفونج ومن خلال محاولات دار فور لضم كردفان ولهذا فان السودان الحالي ليس تجميعا ميكانيكيا بهذا الاطلاق كما يقول دكتور ابكر ولكن وعبر تلك الفترة بدأت تتشكل معالم الدولة السودانية عبر تطور طبيعي قطعته الطغمة التركية بدخولها للسودان. وحتي لو تماهينا مع رؤية دكتور أبكر في دور الأتراك في تكوين السودان الحالي فان تكوين الدول وفي كثير من الأحوال قد تم عبر الضم والألحاق والنموذج الامريكي يغنينا عن التدليل بنماذج اخري. فالكثير من الولايات الامريكية ضمت الي امريكا عبر الحرب وامريكا نفسها تكونت علي خلفية ابادة شعب باكمله لكي تنشأ دولتها الراهنة، وهذا ليس تبريرا لهذا السلوك وهو مدان قطعا، ولكن طبيعة تكوين الدول وعبر حقب تاريخية مختلفة  قد لعبت فيه عوامل كتيرة وليس من ضمنها الاختيار الشعبي الديمقراطي. واذا كنا قد وجدنا السودان بحدوده الحالية فهل علينا تفكيكيه وأعادته الي الحقبة قبل التركية ام الحفاظ عليه وفق أسس جديدة ضمن واقع يحترم انسانه ويستفيد من كل امكانياته من اجل خدمة وتطوير الناس .

تنميط الثقافة

التذكير بان الثقافات ومهما كانت طبيعتها فانها  تحمل عناصر ايجابية وسلبيةلانها تعبر عن حركة مجتمع والمجتمعات لديها اسقاطاتها احيانا ومحمولاتها السلبية. ولكن يصبح من غير الموضوعي ان نقرأ الثقافة من جانب واحد وبالتركيز علي معاميلها السلبية فحسب. والثقافة العربية كمثلها والثقافات الاخري عرفت عبر تاريخها بعض الممارسات والتي ركز عليها الدكتور ابكر في كتابه مستشهدا بكتابات محمد عابد الجابري وبالذات فيما يتعلق بظاهرة العبيد والموالي داخل حقل الثقافة العربية. ما اورده دكتور ابكر حول هذه الظاهرة صحيح وهي ظاهرة لا انسانية عرفتها الثقافة العربية . ولو نظرنا الي ثقافات اخري عديدة فقد مارست هذه الظاهرة وبشكل لا انساني كذلك . ولكن حتي في هذا الأطار فان الثقافة العربية ليست الموالي او الجواري والعبيد ولكن هي ثقافة فتحت دائرتها تجاه كل العالم عبر رسالة هي نتاج واقعها مفتوحة علي كل الأصعدة الأنسانية وهي كذلك ثقافة المعطيات الكبري في الفكر والفلسفة والأكتشافات العلمية. وحتي لو حصرنا الأمر في مسالة الموالي والعبيد فكان هؤلاء عنصرا اساسيا في بناء الدولة  بل عنصرها الأساسي  داخل مؤسساتها ووصل من هؤلاء العبيد والموالي الي السلطة في مرات عديدة قبلت به هذه الثقافة وحامليها ان يتبوأ اولائك الناس تلك المناصب، بل والأهم من ذلك وحتي اللغة العربية نفسها ومن خلال تجويدها وتدوينها فقد قام بها من غير العرب في ظاهرة فريدة واستثنائية. والتناقض الذي سعي اليه دكتور أبكر بين الاسلام والعروبة بكون العروبة واصلت مكنونها السلبي علي مستوي الوعي القبلي وامتلاك العبيد هذا التناقض يفهم الاسلام خارج نسق الثقافة العربية . فالأسلام ليس دينا مستوردا عندما يتعلق بالثقافة العربية لكنه هو نتاج واقعها اذ ان الرسالة سواء كانت سماوية او غيرها تتطلب الاستعداد الحضاري والمستوي العقلي الذي يشتغل علي وعي يتوازي وهذه الرسالة . فالنص الرسالي اواي نص اخر لا ينفصل عن الواقع الذي نشأ فيه اذ هو في النهاية منتج عبر الواقع و يتداخل معه ولكنه قد لا يتطابق معه. ولهذا فان مقولة حسين مروة الاتية تلخص لنا هذا الجدل وهي (ان الثقافة التي جاءت نتاج العلاقة العضوية-الجدلية بين الحياة العربية والحياة الاسلامية ، بين الفكر العربي والفكر الأسلامي بين اللغة والفكر الذي تعبر عنه اللغة، هي ثقافة عربية- اسلامية، لا انقسام فيها بين ما هو عربي خالص وما هو اسلامي خالص وما هو عربي-اسلامي متداخل، ولا انقسام فيها بين ما هو نتاج مثقفين ومفكرين ذوي اصول عربية وبين مثقفين ومفكرين اسلاميين ذوي اصول غيرعربية. انهم جميعا سواء، لانهم جميعا انطلقوا في تفكيرهم كله من منطق اللغة العربية-اي منطلقهااللغوي والبياني والفكري، ولانهم جميعا انطلقوا في ممارساتهم، باوسع مجالاتها من قضايا معينة لمجتمع معين ومن مشكلات اجتماعية وسياسية وفكرية وهي مشكلات هذا المجتمع نفسها للذين يعيشون جميعا في اطاره ويستمدون نظرتهم الي العالم من خلال واقعه التاريخي ونمط علاقاته الأجتماعية)( حسين مروة- النزعات المادية في الفلسفة العربية.). نقطة اتفاقنا مع دكتور ابكر ان ظاهرة العبيد والموالي هي نقطة ضعف في الثقافة العربية واستمرار ممارستها في السودان  عبر تواريخ مختلفة تقدح في الممارسين لهذه الظاهرة ولكنها تعتبر استثنائية اذا ان الثقافة العربية تخيرت رسالتها لكي تصل الي المستوي الأنساني ولكن المجتمعات احيانا تحكمها بعض المصالح وهذه المصالح هي التي ابقت هذا الظاهرة لفترات طويلة والتي كانت تحتاج الي وعي بنيوي من اجل تجاوزها.

خاتمة القول

ان عنونة هذا المقال وايراد كلمة ازمة العقل فان ذلك لا يشير الي دكتور ابكر وحده بل لنا جميعا، اذ اصبحنا جميعا نفكر داخل هذا العقل نتيجة لتراكم الأزمات.  واشكالية تفكير عقل الأزمة انه احيانا يصبح انحيازيا واستقطابيا اذا لم ننتبه للمأزق الذي نحن فيه جميعا. وللخروج من هذه الأزمة يجب تفكيك متلازمة القبيلة’ والغنيمة والعقيدة  والتي جسدها حكم الأسلاميين بأمتياز. ومن ثم السعي نحو المجتمح المنفتح بعضه علي بعض والوقوف ضد كل المصطلحات المجزئة للمجتمع مثل عبيد، خدم، جلابة، همباتة  بالذات عند المثقفين وبالتالي السعي الي المجتمع المتعافي ، وهذا لن يتم الا بتحويل السلطة للشعب وتجسيد المضامين المتعلقة بالمشاركة لكل فئات الشعب ودون اي تمييز عرقي او ديني او جنسي وبناء وطن متوحد وفق اتفاق حضاري يقلص من مفهوم النخبة واحتكار السلطة  وتحويلها الي الشعب، ونسعي في ذات الوقت من أجل مصالحة أجتماعية تقوم علي اسس العدالة والمساواة وحينها تتفكك العلاقة الجبرية بين السلطة والمواطن  ويصبح كل مواطن هو مركز فاعل داخل وطن حضاري تنتفي فيه  كل التمايزات والاقلال من الاخر. وفي النهاية مودتي وتقديري لدكتور ابكربكونه فتح هذه النافذة لحوار حول اطروحة اختلفنا حولها او اتفقنا فانها تدعو للتفكير والمراجعة وهذا ضروريا في ميكانيزم التطوير والتطور.  

 

سقراط

طفى غلمان:من مفارقات قصة محاكمة سقراط استباقها في الكثير من القضايا الفكرية الكبرى لتفكيك بنية دلالات ومفاهيم سياسية غاية في الأهمية.في جانب مهم من تلك المحاكمة كتب “آي. إف. ستون” فصلا كاملا عن تحيزات سقراط الحكيم. وببداهة فائقة استطاع المفكر الأمريكي ستون أن ينقل القارئ بدهاء فولاذي من القيمة المعرفية لما سماه “الدخول السياسي” إلى تشريح الحالة السياسية للطبقات الاجتماعية الفاعلة.نفسها الوضعية المفهومية التي نستقي فيها دخولنا السياسي باجتزاء قاعدة التفاعل بين ممكنات السياسة المعاصرة وأدوات ووسائل استنفادها، فتكون بذلك الممارسة السياسية مشاركة بالمعنى الرمزي للكلمة.إذا دققنا النظر في المشاركة السياسية سنجد الأمر يتعلق بحق من حقوق المواطنة، حيث المساهمة في عملية صنع القرارات السياسية تتعدى مرحلة تحويل المطالب، خصوصا في ما يتعلق بتكوين المؤسسات وحدود عملها.على أن القضية تأخذ أبعادا تنظيمية أخرى تتعلق بأشكال هذه الممارسات السياسية من قبل المواطنين وتفاعل ذلك مع أجهزة الدولة.ما يجعل السؤال الاستراتيجي قائما : هل يتعلق هذا السلوك بالمشاركة فقط في الإدلاء بالصوت في الانتخابات العامة؟لنتحول إلى تحيزات سقراط في محاكمته الشهيرة، لنرى ما إن كانت البداهة السياسية قائمة بالمشاركة والتدافع لا العزوف والانحلال. فقد نصح سقراط عمه خارميدس بمشاركة حكومة الثلاثين التي ترأسها بأثينا كريتياس، حاثا إياه على الدخول في الحياة العامة، عن طريق الاشتراك في مناظرات المجلس.المفارقة الدالة في كل هذا رفض خارميدس الأمر جملة وتفصيلا.يأتي بعد ذلك سؤال سقراط الذي أثرناه في سياق نقاش المشاركة السياسية:“إذا تراجع رجل عن العمل الرسمي في الدولة رغم قدرته على أداء هذا العمل بما يفيد الدولة ذاتها ويشرفه هو شخصيا ألا يكون من المعقول أن أحسبه جبانا؟”.لم يكن رأي سقراط نهائيا، إذ المعلوم احتقاره أصلا للديمقراطية الأثينية. فشعوره بالكبرياء يدفعه إلى مساءلة خارميدس مرة أخرى:”من هم هؤلاء الناس الذين يجعلونك تحس بالخجل من الحديث معهم؟”.إن تدبير قضية فكرية بحجم “الدخول السياسي” أو “المشاركة السياسية” حديثا يحتاج إلى أكثر من تأويل قانوني أو ثقافي أو اجتماعي. الأمر يتعلق بعملية سياسية تقوم على قواعد تنظيمية دقيقة، من بينها التمهيد والانتقال التدريجي من نسق معين من الحكم وإدارة شؤون السلطة والبلاد إلى نسق آخر، له علاقة بالدستور والمؤسسات السيادية.لكن المثير في المقاربة بين الزمنين الفارقين، زمن سقراط وتحيزاته وزمننا المغربي الراهن، التشابه الغريب بين ممثلي الشعب المنتخبون.يصف سقراط ممثلي عامة الناس بأصحاب الأعمال السوقية، وهم “مبيضوا الأقمشة أو الإسكافية أو البنائين أو الحدادين أو الزراع أو التجار”. ينطق سقراط هذه الأسماء بازدراء شديد، مضيفا “أو باعة البضائع المحضورة في ساحة السوق، الذين لا يفكرون في شيء سوى في الشراء بأرخص الأثمان والبيع بأغلى الأثمان؟..إنك تخجل الحديث مع أناس لم يفكروا البتة في المسائل العامة”.يثير هذا السخط الذي أبداه سقراط تجاه ممثلي عامة الناس إحالة تاريخية وثقافية دالة، كونالهامش الديمقراطي اليوناني مضرب الأمثال محفزا لحرية المشاركة السياسية بكل أبعادها الحقوقية والقانونية والتنظيمية. وهو ما تردى، إن على مستوى الحضور في حياتنا السياسية أو مرجعيتنا الدستورية وما يوائمها من مراحل، لم تكد “المشاركة السياسية” ترى النور أصلا؟لقد تأخر النقاش الديمقراطي حول الأدوار والوظائف التي يجب أن تتأسس عليها طفرتنا السياسية. فتكرس مفهوم الانتقالية، بعد صراعات سياسية حجبت رؤيتنا للسياسة في بعدها البيداغوجي والعقلاني. وسرعان ما انتزعنا من نمطيتنا الموسومة بغير قليل من لبوس التدين والمحافظة، منغلقين في تيه ما سماه العروي بالأخلاقية السياسية. الأخير يطرح الإشكالية قائلا في كتابه المغري “في ديوان السياسة”:” إن الفضيلة تغذي الفضيلة والرذيلة الرذيلة. كيف ينشأ حكم فاسد عن آخر صالح والصالح عن الفاسد؟ هنا فجوة عميقة.كيف نتخطاها؟ الفجوة هي بالطبع بين الانساني والحيواني ،بين العقل والغريزة”.ألا يشكل ذلك فجوة بين الممارسة للسياسة بمذهبها البراغماتي وإعجاب منظريها ـ أي السياسة ـ كعلم وأخلاق، بطهرانيتها وترفها القيمي؟سؤال لا يمكن الإجابة عليه بالتدليل على نص سقراط الفلسفي، حيث التحيزات عواطف سياسية مربوطة بفن الإنقاذ الذي سبق وأعلن خطته بقوله المأثور:”إنني لن أواجه الشر بالشر. ولن أخالف القانون ولو حتى من أجل أن أنقذ نفسي من حكم بالإدانة أراه غير عادل”. بل صعود إلى هاوية انتقالنا الجديد من تذويب صرح علاقتنا بالسياسة كفن وليس تهريبا وكسلوك تدبيري توافقي إلى تشوه وتحجر انتقامي وتعسفي.إن المراهنة على السياسة بمشاركتنا أو تدخلنا في الحياة العامة لا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال نوعا من الطياشة والرعونة السوقية. لا يعكس أيضا جشع الأحزاب السياسية في ضرب كل القيم من أجل الظفر بوظائف عامة. بل إصغاء عميقا للمبادئ الكبرى للديمقراطية من حرية وكرامة وعيش كريم.
http://www.annahar.com/article/301539-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%83%D8%B1%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A6%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%8A%D9%83%D8%B3–%D8%A8%D9%8A%D9%83%D9%88-%D8%A5%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%B1%D8%B3%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%88%D8%AF-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85

فاطمة ناعوت

 الشاعرة فاطمة ناعوت : الميثولوجيا الإغريقية أعادت ترتيب أوراق الوجود في دماغي بواسطة: adminبتاريخ : الأحد 10-06-2012 03:04 مساءحوارها : صبري يوسف شاعرة ومترجمة ولها باع طيّب في مجال النَّقد، ولجَت رحاب الشِّعر من خلالِ شغفها به منذ أن كانت طفلة، أبهرها الحرف، فانهالت عليهِ تقرأ وتكتب بغزارة شفيفة نادرة يرتكز نصّها على النُّزوع التأمّلي العميق، حيث تتأمَّل في محرابها الشعري: الوجود والإنسان، وترسم تدفُّقاتها الشِّعرية وهي تمعن في الوجود، الزَّمن، الحياة، الإنسان، وكأّنها إزاء رؤى فلسفية وجودية ثقافيَّة مفتوحة ومترامية الأطراف على القشرة الأرضيّة، لعلّها تلتقطُ بعضاً من تجلِّياتها الشِّعريّة التي تنهالُ عليها على اِيقاعِ هدوءِ اللَّيلِ الجميل .! ماذا يعني لكِ الشِّعر، هل يحقّق لكِ توازناً داخلياً أم أنّه بمثابة حديقة لإستجمام الرُّوح؟ – الشِّعرُ هو طوق النَّجاة الذي أركض إليه حين يبرحني الأمنُ ويعتمرني الخوفُ من عبثية الوجود. ربَّما هو محاولة لخلق عبثية موازية مضادَّة. nعبرتِ من الهندسة المعماريّة إلى فضاءات الشِّعر تعمِّرين نصّاً شعرياً ينضحُ بأبجديات شعريّة جديدة، كيف عبرتِ عوالم الشِّعر وأنتِ مهندسة معماريّة؟ -الحال أنني ولجتُ عالم الشِّعر قبل عالم العمارة، زمنيًا. كنت وقتها منخرطة في الإبحار في عوالم الميثولوجيا الإغريقية التي أعادت ترتيب أوراق الوجود في دماغي. هذا عن بدء ممارستي الكتابة الشعريّة بمعزل عن قيمة ما كتبت آنذاك. ربَّما لم تكن إلا محض تهويمات تكتبها صبية في الرابعة عشر من عمرها. سوى أن الشِّعر كـ”فكرة” غزتني قبل ذلك بسنوات. حين كنت في الخامسة من عمري ربَّما. كان أبي يُجلسني على ركبتيه ويقرأ لي. أذكر أن مسًّا كهربيًّا غمرني حين حكي لي عن المسيح والعذراء مريم. ما معنى أن يتكلَّم طفل رضيع في المهد ويحاور بني إسرائيل ويحاججهم بالمنطق والحكمة؟! ما معنى أن يحمل هذا الطفل محنةَ بني آدم ويُصلب عن آثامهم. عن آثام لم يرتكبها. ما معنى أن يحمل هذا الفتى الجميل ذنوبَ حتى من سيأتون بعده وبعد لم يرَهم؟ هذا شعر. “فكرة” الشِّعر. هنا فهمت ماذا تعني الميتافيزيقا والماورائيات. أظن وقتها تحوّل نظري لأرى إلى العالم بطريقة مغايرة. كمستقبِلةٍ لا كمرسلة. يعني تعلَّمْت أن أدرك العالم على نحو مغاير. أما الهندسة المعمارية فقد فعلت العكس. الأدقّ أنّها أكملت المعادلة النَّاقصة. فقد علَّمتني أن أعيد ترتيب ذهني على نحو منطقي منتظم كي أكسر هذا المنطق حين أكتب. معنى أنها أدخلتني في دور الفاعل عوضًا عن دور المتلقي. فحاولت من وقتها أن أتصوَّر نموذجًا جديداً للعالم الذي أريده أن يكون. فحوّلت مسار كتاباتي على النحو الذي ترى. n أنتِ مديرة تحرير مجلّة “قوس قزح” المصريّة، أصدرتِ عام 2002 ديوان “نقرة إصبع” عن الهيئة المصريّة للكتاب وأيضاً أصدرتِ بنفس العام ديوان: “على بعد سنتيمتر واحد من الأرض” كيف توفّقين بين إدارة المجلة وأنتِ غائصة في الترجمة وكتابة الشعر والنشر بشكل غزير؟ – مجلة “قوس قزح” هي مجلة خاصة أنشأها الشاعر المصري حلمي سالم وأنا أساعده فيها. ومن ثمَّ فلا عملَ محدداً روتينيَّاً ينتظمني ويستلب وقتي ودماغي. فأنا كائن لا يعرف أن يقتله الرُّوتين والنَّظام والتواقيت. أمّا عن الإنتاج الغزير فطبيعي ذاك أنني تفرغت تماماً للكتابة منذ خمس سنوات. فكلّ يومي هو اشتغال على العقل ولا شيء آخر. لا أشاهد التليفزيون ولا أخرج مع أصدقاء ولا أحضر المحافل الخ. وقد فهمت أسرتي أنني منذورة لهذه الحكاية فأعفوني من التزامات التزاورات الاجتماعية والعائليات وما إليها ممَّا تبدِّد الوقت ـ أصدرتِ في عام 2003 ديوان: “قطاع طولي في الذَّاكرة”، هناك ولوج واضح لأسلوبكِ في العبور في رحاب التجريب، لغتكِ بسيطة، هادئة ومعبّرة، كيف تشكّلت شخصيتكِ n في بناء نصٍّ متميّز في تجديده بعفويّة جامحة لتجسيد ما هو يومي ومعاش بعمق شفيف؟ – هذا سؤال نقدي. يوجه للنقاد. مع ذلك سأقول لك إن الشَّاعر بوجه عام يمتلك عيناً تقدر على رؤية العالم من منظور مغاير، وأذناً بوسعها الإنصات للوجود على نحو مغاير. هو شاعر فقط من أجل ذلك. قال يونج: إن لم تستطع أن تغيِّر العالم فحاول أن تغيِّر من طرائق نظرتك إليه. بوسعك لو دقَّقت النَّظر أن تسمع صوت الكأس والطاولة والقدَّاحة وتتعلم أسرارها. نحن نعتاد على ما حولنا فنقتله بهذا الاعتياد. أحاول أن أقتل هذا الاعتياد كي أعيد إلى الأشياء جمالها الحقيقي الخبيء في داخلها. n ساهمتِ في أنطولوجيا “أحزان حمورابي” بالاشتراك مع مجموعة من الشُّعراء العرب، هل تمَّ إنضمامك إلى هذه الأنطولوجيا من منظور حضوركِ الشعري المتميّز أم أنّ هناك أسباباً أخرى أيضاً دفعت معدّي الانطولوجيا أن يدرجوا إسمكِ إلى قائمة الإنضمام؟ – أصدر هذا الأنطولوجي “مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان” بعد غزو العراق كلون من الشَّجب والمقاومة. وهو أنطولوجي شعريّ يضمُّ الكثير مما كتبه الشُّعراء عن العراق بوجه عام. من الجواهري إلى أدونيس إلى نازك الملائكة إلى غيرهم من شعراء مصر والوطن العربي. وقد أعدّتِ الكتابَ وقدمّت له الناقدة الكبيرة د. فريال غزول الأستاذة بالجامعة الأمريكية في مصر. ولا أعرف المنهج الذي اختاروا على أساسه القصائد أو الشعراء. ربما هو تجميع بانورامي يحاول الجمع بين أجيال عديدة متنوعة. كنت قد نشرت قصيدة اسمها “نصف نوتة”. كتبتها يوم سقوط بغداد. بكيت يومها كثكلى. ثم وجدت قصيدتي ضمن “أحزان حمورابي”. n المكان له دور كبير في قصائدكِ، تواصل بديع أشبه ما يكون بالصداقة الحميمة بينكِ وبين المكان، ما سرّ هذه الحميمية الرهيفة عبر وهاد المكان؟ – المكان. للمكان رائحة. لدي ذاكرة تربط بين الرَّائحة والمكان. ثمة عطور محدَّدة للصابون مثلا تذكِّرني بأمكنة بعينها. عطر Old Spice يذكِّرني بأبي. يكفي أن أفتح زجاجةً منه لأحيا حال نوستالجيا كاملة مع أبي الذي رحل منذ عقود. المكان هو القيمة الوحيدة التي تحمل بصماتنا ولديها دليل على وجودنا. الأثر. أثرنا على الأمكنة وأثر الأمكنة علينا هو لعبتنا مع الحياة ودليل وجودنا. أنا أفكر إذن أنا موجود، المكان دليل آخر على وجودنا. n تكتبين قصيدة النثر بأسلوب التجريب، مبتعدة عن الأنماط المألوفة، هل هذا التوجّه قائم من منظور أنَّكِ تخطِّطين أن يكون لكِ بصمة خاصّة على الخارطة الشعرية الراهنة؟ – أنت حين تكتب لا تخطِّط ولا تراهن. بعض الكتَّاب يفعلون لكنني لست منهم. أنا أكتب رؤيتي للعالم وأطبع إنصاتي له على الورق. فلو جاء مختلفا فبها ونعمت. وإن جاء مكرورًا فبياض الورق ونظافته أولى بأن نحترمه. لا يحتمل الأمر أن نكرر ما قاله الآخرون. البشر كثيرون جداً. وسأسمح لنفسي أن أستعير كلمة المسيح الجميلة بتصرّف: لتقلْ جديدًا، أو لتصمتْ. n هناك نكهة مصريّة عربيّة وإنسانية في شخصيّتكِ الأدبيّة عبر الأسلوب وطريقة نسج خطابك في بناء الرؤية وكأنّكِ مصريّة وعربية وغير عربيّة معاً، واننّي ألمس في أعماق نصوصكِ بعداً تراثيّاً وروحيّاً يتداخل مع الأديان وتغدو هلالات النـزوع الروحي المسيحي متجلّيةً بين متون قصائدكِ بشكلٍ شفيف وحميم، كيف تشكّل لديكِ هذا العناق الروحي النقي مع الأديان؟ – الدين المسيحي تحديدًا هو منهل شعريّ شديد الثراء. قصّة المسيح والعذراء كما أسلفتُ هي التي قذفت بي إلى لُج الشِّعر منذ البدء. انخراطي في العالم الكنسي منذ طفولتي الأولى، حين كنت أتسلل إلى كنيسة مدرستي مع الأطفال المسيحيين، أثرى مكوِّني الروحيّ والشعري. الراهبات علمنني مفهوم المحبة الشاملة للوجود والموجودات. المحبة المطلقة التي نهبها حتى لأعدائنا. أيُّ شعرٍ أرفعُ من هذا! أنا مصرية؟ نعم. وأحب كوني مصريةً. لكنني إنسان. وما معنى أن تكون عربيًّا؟ أن تنتمي لحضارة كانت راقية في وقت قديم وغدت الآن عبئًا على العالم؟ طيب ما العمل ؟ الحل أن أنظر إلى الوراء. وإلى الأمام. في وقت واحد. كما تفعل البومة الجميلة. وأحذر أن أنظر إلى جواري لأنني لن أرى إلا التعاسة. نعم أحب التراث لأنه الإرث الذي أنجزه لنا أسلافنا. كيف لا أقرأ بصماتِهم وأثرَهم فوق الأرض؟ كيف لا أنهل منه وأنحني لهم احتراما؟ n هناك خصوصيّة نادرة تسطع في وهاد شعركِ، فيبدو لي أن لديكِ نزوعاً رهبانيّاً في عوالم تحليقاتكِ الشعرية، مع أننّي أعرف أنّكِ لستِ راهبة لكنّ يخيّل إليّ وأنا أقرأ نصوصكِ ألمس أحياناً أنني على مشارف شاعرة تتقاطع روحانيتها بحفيف أصوات الراهبات، ما هو تعقيبكِ على هذا الانطباع؟ – نعم. انطباعك سليم. وقد أسلفت في إجابة سابقة عن سبب ذلك. أزعم أني لي عينًّا لا تتوقف عن البحث عن الجمال. الراهبة وعالم الراهبات شيء جميل. فكرة أن تهب نفسك لفكرة ما. فكرة نبيلة لا شك. شعر هذا. حين كنت طفلة كنت أعلن لأسرتي أنني سأغدو راهبةً. وكانوا يبتسمون. n الموسيقى، الليل، الحرف، الترجمة، دفء الشَّرق، ماذا توحي لكِ هذه الكلمات؟ – الموسيقى: اللغة التي اخترعها ابن آدم كي يقول للحياة: انظري أحاول أن أحاكيكِ. تبتسم الحياة وتومئ مثلما نفعل مع صغارنا – اللَّيل: محنة الشعراء ومنحتهم – الحرف: أذكى ما اخترع ابن آدم. لا يجوز أن يمرُّ إنسانٌ من هذه الأرض دون أن يترك حرفًا يدل عليه – الترجمة: غَيرةٌ صحيّة من نصٍّ جميل تمنينا أن نكتبه. فنفكر بمكر كيف نتجاور معه على أي نحودفء الشَّرق: اختلاط البرتقالي بالأرجواني بالأزرق في ثوب امرأة سمراء ذات عيون سود وشعر كالليل. هل هي من الهند

اناشيد وردي

شكراً جزيلاً لمرورك النسيم…وعظيم إحترامي لتعليقك الرصين..0 لمحجوب شريف ..حق علينا ودين مستحق.. نحاول؛ (نتاتي) نشرئب علنا نفي..أشكرك على الملاحظة فيماالتأكد من المعلومة.. وهي دين علينا.. وحق أصيل للقاريء الكريم. بيمين شرف الكلمة أن نصدق فيما نكتب0 فيما يخص تنوهيك المقدر؛ حول أناشيد الفنان محمد وردي (رحمه الله)؛ صحيح ما أوردته أنها ليست كلها من نظم أشعار محجوب شريف..وفي مقالي لم أقل ذلك.. قلت العام 1970 تم إستدعاء محجوب شريف ووردي وأروكسترا الإذاعة..مستنداً على إفادة الشاعر الراحل الواردة.. من خلال إستدعاء وزير التربيه والتعليم حينئذ (د. محي الدين صابر)0 صحيح ما تكرمت به محجوب شريف من مواليد 1948..وبالتالي وردي أسبق في محراب الإبداع وهو من مواليد 1932 ـ *وغنى الأستاذ (وردي) أناشيد وطنية للشعراء:محمد مفتاح الفيتوري: يقظة افريقيا «أصبح الصبح» ، عيون وطني « لو لحظة من وسني » ، عرس السودان ، سلام على السودان.وغنى لمحمد المكي ابراهيم: أكتوبر الأخضر ، جيل العطاء ، سلم مفاتيح البلد.وغنى لعلي عبد القيوم: الطلائع «رفقاء الشهداء» ، وش الريح.وغنى لمرسى صالح سراج: يقظة شعب.وغنى لعبد الواحد عبدالله: نشيد الاستقلال. “اليوم نرفع راية إستقلالنا”وغنى لمبارك بشير: عرس الفداء..وغنى للطاهر ابراهيم: شعبك يا بلادي..وغنى لصلاح احمد ابراهيم: ثوار اكتوبر.وغنى للمكاشفي محمد بخيت: ماني خايف..وغنى لمحمد عبد القادر أبوشورة: وطن الشموخ.وغنى من كلماته: نشيد 17 نوفمبر ، نشيد الحرية ، نشيد لوممبا.* كما غنى لشعراء كُثر أغنيات عاطفية.. يضيق المجال لذكرهم0 ثم إلتقي بمحجوب شريف ..بعد (مايو) 1969.. و”شكلا ثنائي رائع” وتغنى بالكثير من أشعاره المعروفة..لهم شبائيب الرحمة والغفران والف رحمة ونور تدثرهم..فائق شكرى وتقديري.. خالص مودتي