Monthly Archives: February 2016

التحرر / السياسة التحررية / سياسة اللاعنف / سياسة ملأ الفراغ / اليبيرالية / الجيوسياسية.

 من طرف GODOF في السبت 10 أكتوبر – 17:50هو مصطلح يستخدم لوصف مختلف الجهود الراميه إلى الحصول على الحقوق السياسية أو المساواة ، وعلى وجه التحديد في كثير من الاحيان لمجموعة محرومه ، أو بشكل اعم في مناقشة مثل هذه الامور. كلمة التحرر كانت في الاستعمال الشائع في الشؤون السياسية في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر في الخطاب السياسي ، كما في الكاثوليكيه أو حركات التحرر اليهودية (انظر الصفحه لتحرير المزيد من الامثله) ، في حين يشكل الحصول على حق التصويت هدفا رئيسيا لحركات تحرر المراه. بين امور أخرى ، ناقش كارل ماركس التحرر السياسي في بلده 1844 ، مقال “حول المساله اليهودية” ، وقد لخص أحد الكتاب آراء ماركس من التحرر السياسي في هذا العمل كما يلي “الوضع المتساوي للمواطنين الافراد فيما يتعلق بالدوله ، والمساواة امام القانون ، بصرف النظر عن الدين ، والملكيه ، او غيرها من الخصائص الفرديه للأشخاص.” التحرر السياسي عبارة اقل شيوعا في الاستعمال الحديث ، وبخاصه خارج الاستعمال الاكاديمي ، . ومع ذلك ، مفاهيم مماثلة يمكن ان يشار اليها من قبل التحرر فعلى سبيل المثال ، في الولايات المتحدة حركة الحقوق المدنيه التي توجت في قانون حقوق التصويت لعام 1965 ، ويمكن اعتبار اعلان الغاء الرق منذ قرن مضى من قبل التحرر. السياسة التحررية تحررية أو ليبرتارية ويسميها البعض “مذهب مؤيدي مبادئ الحرية”، هي المذهب السياسي الفلسفي الذي من أولوياته الحفاظ على الحرية الفردية، ويدعو إلى إزالة القيود المفروضة على الفرد من قبل الدولة وتقليص حجمها قدر المستطاع. يؤمن الليبرتاريون بأن الفرد يملك نفسه تماما وبالتالي فإن لديه الحرية في التصرف فيها وفي ممتلكاته كما يشاء شرط ألا يكون هذه في التصرفات تعد على حريات الآخرين وممتلكاتهم. وفقا لموقع منبر الحرية، المدعوم من قبل مؤسسة أطلس للأبحاث الاقتصادية فإن الليبرتاريين “يعارضون معظم أو كلّ الممارسات الحكومية، حتّى ولو كانت مؤيَّدة بأغلبية ديمقراطية. كما ويعتقدون أنه إذا كان الأفراد لا يمارسون الإكراه ضد الآخرين، فإنه يتعيّن على الحكومة أن تتركهم في طمأنينة وسلامة” كما يعارض الليبرتاريون “تدخّل الحكومة في الاقتصاد (عدا عن منع المؤسسات التجارية أو الصناعية من الاشتراك في الإكراه أو الاحتيال)” وبعضهم يعارض “كافة أنواع الضرائب” إلا أن معظمهم “يؤيدون فقط ما يكفي من الضرائب التي يعتقدون بأنها ضرورية لحماية حريّة الفرد. إن معظمهم يؤيدون وجود حكومة، إلا أنهم يدعون إلى تخفيض حجم ونطاق الحكومة إلى المهام الأساسية لحماية الحريّة الفردية، والملكية الخاصة، والسوق الحرّة.” يختلف الليبرتاريون في تعريف الحرية ومقدار درجة الحرية الممنوحة للشخص، ودور الحكومة في المجتمع (بعضهم لا سلطويين ضد مبدأ وجود حكومة من الأساس І – يتميـز المغـرب بموقـع استراتيجـي مهـم: 1 ـ موقعه بالنسبة للعالم والإحداثيات الجغرافية: يقع المغرب في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، شمال غرب القارة الإفريقية وجنوب القارة الأوربية كما يفصله المحيط الأطلسي عن القارة الأمريكية. يمر خط الإستواء من جنوب البلاد، كما تتواجد حدوده بين دائرة خط العرض 36° شمالا، و 21° جنوبا، وبين خط الطول 1 درجة شرقا و 17° غربا. 2 ـ الموقع البحري والمجموعات الجغرافية: يطل المغرب على البحر المتوسط من الشمال، وعلى المحيط الأطلنتي من الغرب كما أنه ينتمي جغرافيا لمجموعة بلدان البحر الأبيض المتوسط، ولغويا لبلدان العالم العربي ودينيا لمجموعة بلدان العالم الإسلامي وبحكم حدوده مع الدول المجاورة، فهو يعتبر من بلدان المغرب العربي. ІІ – البعد الاستراتيجي لموقع المغرب: تكمن أهمية الموقع الاستراتيجي للمغرب في قصر المسافة الفاصلة بينه وبين أوربا عبر مضيق جبل طارق (15 كلم) من جهة، وارتباطه بالقارة الإفريقية عبر صحرائه الجنوبية وكذلك في انفتاحه عبر موانئ المحيط الأطلنتي على القارة الأمريكية رغم بعد المسافة عنها. خاتمـة: شكل الموقع الاستراتيجي للمغرب عبر التاريخ نقطة التقاء لمختلف الحضارات وساهم في انفتاحه على أوربا وإفريقيا. اتحاد المغرب العربي (ا م ع) (UMA)، اتحاد المغرب العربي تأسس بتاريخ 17 فبراير/فيفري 1989 م بمدينة مراكش بالمغرب، ويتألف من خمس دول تمثل في مجملها الجزء الغربي من مايسمى بالوطن العربي وهي : تونس، الجزائر،ليبيا، المغرب، موريتانيا. وذلك من خلال التوقيع على ما سمي بمعاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي. ظهرت فكرة الاتحاد المغاربي قبل الاستقلال وتبلورت في أول مؤتمر للأحزاب المغاربية الذي عقد في مدينة طنجة بتاريخ 28-30/4/1958 والذي ضم ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية. وبعد الاستقلال كانت هناك محاولات نحو فكرة تعاون وتكامل دول المغرب العربي، مثل إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي عام 1964 لتنشيط الروابط الاقتصادية بين دول المغرب العربي، وبيان جربة الوحدوي بين ليبيا وتونس عام 1974, ومعاهدة مستغانم بين ليبيا والجزائر, ومعاهدة الإخاء والوفاق بين الجزائر وتونس وموريتانيا عام 1983. وأخيرا اجتماع قادة المغرب العربي بمدينة زرالده في الجزائر يوم 10/6/1988, وإصدار بيان زرالده الذي أوضح رغبة القادة في إقامة الاتحاد المغاربي وتكوين لجنة تضبط وسائل تحقيق وحدة المغرب العربي. أعلن عن قيام اتحاد المغرب العربي في 17/2/1989 بمدينة مراكش من قبل خمس دول هي: المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. وفيما يلي تعريف بالاتحاد من خلال المحاور التالية: يهدف الاتحاد المغاربي إلى فتح الحدود بين الدول الخمسة لمنح حرية التنقل الكاملة للأفراد والسلع، والتنسيق الأمني، ونهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها. كذلك من مباديء اتحاد المغرب العربي أنه يهدف إلى: 1- تمتين أواصر الاخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض ؛ تحقيق تقدم رفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها ؛ 2- المساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف ؛ 3- نهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين. 4-العمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها وتهدف السياسة المشتركة المشار إليها أعلاه إلى تحقيق الأغراض التالية: في الميدان الدولي : تحقيق الوفاق بين الدول الأعضاء وإقامة تعاون دبلوماسي وثيق بينها يقوم على أساس الحوار. في ميدان الدفاع : صيانة استقلال كل دولة من الدول الأعضاء. في الميدان الاقتصادي : تحقيق التنمية الصناعية والزراعية والتجارية والاجتماعية للدول الأعضاء واتخاذ ما يلزم اتخاذه من وسائل لهذه الغاية، خصوصا بإنشاء مشروعات مشتركة وإعداد برامج عامة ونوعية في هذا الصدد. في الميدان الثقافي : إقامة تعاون يرمي إلى تنمية التعليم على كافة مستوياته وإلى الحفاظ على القيم الروحية والخلقية والمستمدة من تعاليم الإسلام السمحة وصيانة الهوية القومية العربية واتخاذ ما يلزم اتخاذه من وسائل لبلوغ هذه الأهداف، خصوصا بتبادل الأساتذة والطلبة وإنشاء مؤسسات جامعية وثقافية ومؤسسات متخصصة في البحث تكون مشتركة بين الدول الأعضاء. الإتحاد الأفريقي منظمة تضم 53 دوله أفريقية تأسست في دوربان بجنوب أفريقيا سنة 2000 وقد حلّت مكان منظمة الوحدة الأفريقية. تشتمل المنظمة على جملة مؤسسات هي اللجنة والبرلمان الأفريقي و مجلس الأمن والسلم تم اقرارها خلال قمة مابوتو بموزمبيق سنة 2003. أول من شغل منصب رئيس الإتحاد الأفريقي هو تابو إيمبيكي والذي كان آنذاك رئيس منظمة الوحدة الأفريقية. وعلى غرار الإتحاد الأوروبي يسعى الإتحاد الأفريقي إلى نشر الديمقراطية و ثقافة حقوق الإنسان والتنمية خاصة بتشجيع الإستثمارات الخارجية من خلال برنامج الشراكة من أجل تطوير القارة الأفريقية (NEPAD) والذي يقرر أن السلم والديمقراطية شرطان أساسيان للتنمية المستديمة. من أهداف الإحاد تأسيس بنك مركزي للتنمية. تعريف الامتداد الأبعاد المكانية لمنطقة ما من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب الموقع الجغرافي مكان بلد أو منطقة ما في الخريطة العالمية ومعرفة حدودها السياسية. اتحاد المغرب العربي تأسس اتحاد المغرب العربي بتاريخ 17/02/1989 بمدينة مراكش بالمغرب، ويتألف من دول المملكه المغربيه،والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، والجمهورية التونسية، والجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، والجمهورية الإسلامية الـ موريتانية، وذلك من خلال التوقيع على معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي. يهدف اتحاد المغرب العربي إلى تمتين أواصر الأخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض، وتحقيق تقدم رفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها، والمساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف، ونهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها.تعريف الليبرالية هي مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في السياسة والاقتصاد ، وينادي بالقبول بأفكار الغير وأفعاله ، حتى ولو كانت متعارضة مع أفكار المذهب وأفعاله ، شرط المعاملة بالمثل . والليبرالية السياسية تقوم على التعددية الإيدلوجية والتنظيمية الحزبية . والليبرالية الفكرية تقوم على حرية الاعتقاد ؛ أي حرية الإلحاد ، وحرية السلوك ؛ أي حرية الدعارة والفجور ، وعلى الرغم من مناداة الغرب بالليبرالية والديمقراطية إلا أنهم يتصرفون ضد حريات الأفراد والشعوب في علاقاتهم الدولية والفكرية . وما موقفهم من الكيان اليهودي في فلسطين ، وموقفهم من قيام دول إسلامية تحكم بالشريعة ، ومواقفهم من حقوق المسلمين إلا بعض الأدلة على كذب دعواهم . الموقع الاستراتيجي الموقع الذي يحظى بأهمية اقتصادية أو عسكرية أو سياسية وقد تكون جميعها على المستوى العالمي. تعريف الجيوسياسية العلاقة بين الساسة والجغرافيا والديمغرافيا والاقتصاد وخاصة فيما يتعلق بالساسة والعلاقات الخارجية للأمة بالنسبة لمختلف الأبعاد المحلية والإقليمية والقارية والدولية-(الموقع الجغرافي لمنطقة ما بابعاد سياسية محلية- اقليمية –قارية -دولية). هذا التعبير مشتق من كلمتين ، جيو وهي باليونانية تعني الأرض / وكلمة السياسية وقد صاغه لأول مرة العالم السويدي ” كجلين” للدلالة على دراسة تأثير الجغرافيا على السياسة…بعد ذلك اتخذ معاني مختلفة ويمكن اختزالها في تعريف معجم “لاروسالكبير ” أن الجيو سياسية تجهد بفضل دراسة الوقائع الجغرافية لاعطاء اتجاه للسياسة” – التحرر : هو تمكن شعوب المستعمرات من طرد الاستعمار الأوروبي العسكري المباشر من أراضيها وتحقيق الحرية السياسية لشعوبها . 6- التحرر الشامل : هو التحرر الكامل الذي يشمل كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وهو هدف سامي ما زالت العديد من دول المستعمرات المستقلة سياسيا تناظل من أجل تحقيقه . ا/ تعريف السياسة التحررية : هي تلك الموجة من السخط والغضب التي قامت بها شعوب المستعمرات بعد الحرب العالمية الثانية وكانت تهدف من ورائها إلى نيل الحرية والاستقلال والتخلص من الهيمنة الاستعمارية الأوربية مستغلة في ذلك بعض الظروف الدولية المتغيرة كظهور هيئة الأمم وخروج فرنسا وبريطانيا منهكتا القوى من الحرب العالمية الثانية وتدعيم الاتحاد السوفيتي للحركات التحررية. تعريف الاتحاد الافريقي: الاتحاد الأفريقي منظمة تضم 53 دوله أفريقية تأسست في دوربان بجنوب أفريقيا سنة 2000 وقد حلت مكان منظمة الوحدة الأفريقية. تشتمل المنظمة على جملة مؤسسات هي اللجنة والبرلمان الأفريقي و مجلس الأمن والسلم تم اقرارها خلال قمة مابوتو بموزمبيق سنة 2003. أول من شغل منصب رئيس الاتحاد الأفريقي هو تابو إيمبيكي والذي كان آنذاك رئيس منظمة الوحدة الأفريقية. وعلى غرار الاتحاد الأوروبي يسعى الاتحاد الأفريقي إلى نشر الديمقراطية و ثقافة حقوق الإنسان والتنمية خاصة بتشجيع الاستثمارات الخارجية من خلال برنامج الشراكة من أجل تطوير القارة الأفريقية (NEPAD) والذي يقرر أن السلم والديمقراطية شرطان أساسيان للتنمية المستديمة. من أهداف الاتحاد تأسيس بنك مركزي للتنمية. سياسة اللاعنف عُرف اللاعنف بتعريفات عدة سواءً أكانت في علم السياسة أم في علم الاجتماع، وكل فريق فسره حسب نظرته إلى المصطلح من وجهة نظره هو، فعلماء السياسة تناولوه من جانب سياسي والاجتماع عرفوه من جانب اجتماعي ونادراً ما نجد تعريفاً شاملاً أحاط بالموضوع من بعديه الاجتماعي والسياسي نأخذ مثلاً تعريف اللاعنف الذي جاء في الموسوعة السياسية لمبدأ اللاعنف حيث عُرف على أنه:- (سلوك سياسي لا يمكن فصله عن القدرة الداخلية والروحية على التحكم بالذات وعن المعرفة الصارمة والعميقة للنفس) سياسة ملء الفراغ : هي سياسة استعمارية تبنيها الولايات المتحدة الأمريكية وظفتها بعد انسحاب القوى الاستعمارية التقليدية

 كمنطلق فكري سياسي للمسألة التنظيمية لدى حركة فتح مفهوم التحرر الوطني هو المنطلق الفكري السياسي للمسألة التنظيمية لدى حركة فتح وهو المرشد والإطار لنظريتها السياسية والذي ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر في العملية التنظيمية برمتها، وعليه فإن تحديد مفهوم التحرر الوطني هو المقدمة المنطقية لدراسة المفاهيم النظرية والتطبيقية للمسألة التنظيمية لدى حركة فتح.فما هو مفهوم التحرر الوطني ؟التحرر الوطني هو إزالة التسلط الأجنبي بكل أشكاله، عن الوطن أو أي جزء منه وقع عليه تسلط خارجي، أو عن ثرواته.ولكي يكتمل التحرر الوطني لابد من إقامة السيادة الوطنية المستقلة على كامل تراب الوطن وكامل ثرواته.أما مضمون النضال في مرحلة التحرر الوطني فيتلخص في وحدة القوى الوطنية في النضال ضد العدو الخارجي من أجل استقلال وحرية الوطن أو أجزائه المعتدى عليها أو من أجل استرداد السيطرة الوطنية على ثرواته.ومن هذا المضمون نستطيع أن نستنتج العناصر التالية :أولا : وحدة الحركة الوطنية : إن وحدة القوى الوطنية هي من المستلزمات الهامة والضرورية لإنجاز هدف التحرر الوطني، وهذه الوحدة يجب أن تقوم على أساس الإخلاص الوثيق لبرنامج التحرر الوطني أولا. ثمة اتجاه يحاول ربط بنية النضال في هذه المرحلة بمفاهيم تحكم العلاقات ما بعد إنجاز التحرر الوطني، إلا أنه لا يجوز لهذا الربط أن يكون عائقا في طريق وحدة حركة التحرر الوطني أو على حساب قوتها، ولا يجوز لهذا اربط أن يكون عاملا سلبيا أبدا. إن التحرر الوطني مصلحة حاسمة لمجموع الأمة وصلابة التمسك بالبرنامج الوطني لا تقتصر على طبقة أو فئة في المجتمع. بل غالبا ما تتوقف على درجة الإحساس بالحاجة إلى الوطن وإلى الكرامة الوطنية، أو الإحساس بالحاجة إلى الأرض لذلك نجد الأمثلة الكثيرة في نضال التحرر الوطني على التشبث المستميت للفلاحين بالأرض، أو على التفاني الكامل من قبل مجموعات تنتمي إلى فئات أو طبقات اجتماعية مختلفة. إن الأساس هو وحدة حركة القوى الوطنية، أما مسألة القيادة فيها فشرطها هو توفر الخلاص المطلق لبرنامج التحرر الوطني والقدرة العملية على قيادة تنفيذه، وما هو زيادة على هذا الحد لا يجوز للتباين فيه أن يؤدي إلى تفجير أو تفتيت جبهة التحرر الوطني لأننا بذلك قد نستخدم البرنامج الأصلب – من وجهة نظر ما – لضرب النضال برمته.ثانيا : برنامج التحرر الوطني، هو برنامج التحرير، واستخدام الاستراتيجية المناسبة له، بما تعنيه من تحديد الهدف الاستراتيجي والأسلوب الاستراتيجي والاداة الاستراتيجية، ومن تحديد للعدو الرئيسي واتجاه النضال الرئيسي وسياسة المراحل والتحالفات.ثالثا : تحكم وحدة وبرنامج جبهة أو حركة التحرر الوطني ممارسة النضال ضد العدو الخارجي بأشكال هذا العدو المختلفة وبأشكال النضال المختلفة التي يجب أن يكون الكفاح المسلح أبرزها إذا كان الأمر يتعلق بسيطرة أجنبية على الوطن أو على جزء منه.ان العدو الخارجي في مفهوم التحرر الوطني هو كل جهة تحول او تحاول ان تحول دون تحقيق هدف التحرر الوطني.كما ان مفهوم الصديق هو كل جهة تقف مع تحقيق هذا الهدف بغض النظر عن مستوى هذا الوقوف.وقد يأخذ النضال ضد العدو الخارجي أشكالا مختلفة. وقد يقتضي هذا النضال الاعتماد على أحد هذه الأشكال أكثر من غيره الا أنه يجب ان يستند في الأساس إلى الأسلوبين السياسي والعسكري معا ضمن استراتيجية متكاملة.نضال التحرر الوطني والنضال القوميان باعث وأساس النضال الوطني هو الوطن وثرواته الطبيعية، أما باعث النضال القومي فهو الأمة وحقوقها القومية. ومما لا شك فيه ان الحق في وطن حر مستقل يعود إليه الأمر في ثرواته هو احد الحقوق القومية. ولذا فإن نضال التحرر الوطني جزء خاص في نضال الأمة من أجل ذاتها، أي من أجل حقوقها القومية، إلا أن لهذا النضال أولوية خاصة وطابع خاص من بين نضالات الأمة لنيل حقوقها القومية الأخرى، فواجب النضال من أجل التحرر الوطني يتقدم على واجب النضال من أجل أي حق آخر للأمة فعندما يقع عدوان على أرض الوطن يصبح هو التناقض الرئيسي، ويتوجب وضع كل الاعتبارات في خدمة النضال من أجل حله.أما النضال القومي عموما فهو أوسع وأهم من جزئه الوطني حيث أنه لا يقتصر على النضال الوطني فقط فثمة حقوق أخرى للأمة غير حقها في الوطن وثرواته قد يأخذ النضال في سبيلها طابعا آخر.الا أن المطالب القومية المختلفة عندما يتضمن النضال من أجل تحقيقها نضالا ضد قوى خارجية تصبح في عداد نضال التحرر الوطني، حتى وان كانت القوى الخارجية متوارية وراء قوى محلية أو متعاونة معها. وتصبح بذلك هذه المطالب القومية مرتبطة ارتباطا جدليا بمطلب التحرر الوطني.الأسس النظرية لمفهوم التحرر الوطني :اذا صنفنا المذاهب الفكرية الاجتماعية السياسية إلى :1- المذاهب العنصرية كالتمييز العنصري والفاشية والنازية.2- المذاهب القومية كالاشتراكية القومية والليبرالية القومية.3- المذاهب الأممية كالدينية والشيوعية.فان فكر التحرر الوطني هو فكر عام قد يضم في دوافعه وقد ينضوي تحت لوائه الألوان المختلفة من القومية والأممية.ويرتبط بالمذاهب القومية من حيث فكرة الاستقلال والتحرر وحق تقرير المصير.ويرتبط بالمذاهب الأممية المعادية للظلم الاجتماعي من حيث فكرة العدالة والمساواة الاجتماعية لذلك نجد ان التحرر الوطني هو قاسم مشترك تلتقي عنده الفكرة التقدمية في المذاهب الفكرية المختلفة.وهو درجة من درجات الكفاح ضد العنصرية وضد الاستعمار وضد الاستغلال. وقد أثبتت التجارب الثورية الحديثة ان هذه الدرجة أولية في أي كفاح إلى حد استخلاص ان للثورة مرحلتان :الأولى : مرحلة الثورة الوطنية.الثانية : مرحلة الثورة الاجتماعية.وان الثورة الوطنية تسبق الثورة الاجتماعية.لماذا نحن في فتح حركة تحرر وطني ؟ان طابع مرحلة النضال ليس وليد اجتهاد أو إبداع بل هو وليد عوامل موضوعية، وليد واقع قائم، تقرره ظروف خارجة عن رغبة وطموح الذين يتصدون لمهام النضال، ولا يبقى لارادة أو اجتهاد أو إبداع هؤلاء سوى صحة الاكتشاف والفهم لتقدير وتقرير ما هو طابع مرحلة النضال ثم وضع البرامج العملية المناسبة وتطبيقها وما يتبع ذلك من ضرورات وأوليات.اتن طابع مرحلة النضال يتحدد وفق قوانين، وفق طبيعة الصراع وطبيعة القوى المستفيدة من تحقيق هذه الأهداف.لذلك نحن في فتح عندما حددنا ان طابع المرحلة والى ان يتم تحرير فلسطين هو طابع التحرر الوطني فإنما كنا ننطلق من فهم لمجمل ظروف قضيتنا وصراعنا. وكنا بذلك نرتبط بالهدف : فطابع المرحلة، يحدد – الى حد كبير – طابع النضال.ومن البديهي ان نعتقد ان الفكر النضالي في جزئه الأساسي رد على الفكر العدواني، فالحرية رد على الاستعباد، وتكافؤ الفرص رد على الاحتكار، والاستقلال رد على الاستعمار، بل أن جزءا هاما من التراث النظري النضالي كان يتشكل في سياق الردود التي تدحض حروبا أو وقائع عدوانية أو استغلالية. طبعا هذا لا ينفي ان الحرية مثلا هي الأصل وان الاستعباد هو الطارئ ولكنه يعني ان فكر النضال من أجل الحرية جاء ردا على واقعة انتهاك الحرية، وعليه فان واقعة العدوان بحد ذاتها تصبح معيارا لبعض خصائص النضال ضده. وإذا أردنا ان نعيد صياغة استنتاجنا العام نقول : ان طابع مرحلة النضال يتقرر وفق معايير موضوعية خارجة عن الرغبات والطموح، ولعل من أهمها :أولا : طبيعة الهدف.ثانيا : طبيعة العدو : خارجي أم داخلي.ثالثا : طبيعة القوى المستفيدة من تحقيق الهدف : طبقة أو فئة واحدة من المجتمع مثلا أم معظم فئاته. فعندما يكون الهدف المطلوب تحقيقه مباشرة مرتبطا بحق من حقوق المجتمع كله بكل فئاته وطبقاته في حرية الوطن أو رفع السيطرة الأجنبية عنه أو عن جزء منه ويكون العدو خارجيا، يكون هذا التناقض هو التناقض الرئيسي الذي له الأولوية على التناقضات الأخرى وتكون مرحلة النضال هي مرحلة النضال الوطني.وفقا لهذه المقدمات والمعايير تقرر لنا نحن في فتح ان طابع مرحلة نضالنا الحاسم هو طابع التحرر الوطني وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك في :1- نظرية فتح السياسية وشعاراتها.2- استراتيجية فتح.3- بنية فتح.4- ممارسة فتح.بكل ما يعنيه هذا من تفاصيل.ان مرحلة التحرر الوطني هي مرحلة النضال الذي يحتاج إلى قوى الأمة بأسرها والذي يجب القيام به على ضوء هدف واحد توظف لمصلحته كافة الاعتبارات والعوامل المادية والإنسانية والمعنوية والسياسية.وبرنامج التحرر الوطني هو البرنامج الذي يوضع وفق اعتبارات هذه المرحلة.وهو البرنامج الذي ينعكس في العملية التنظيمية سواءا في جانبها النظري أو التطبيقي، وعليه فإن الروحية والخلفية للعملية التنظيمية في الحركة هي هذا المفهوم للتحرر الوطني حيث أننا وفقا له يمكن ان نصل إلى روح النصوص في العمل التنظيمي وكذلك وفقا له تنطلق المفاهيم النظرية للمسألة التنظيمية في حركتنا على أساس أن العملية التنظيمية هي عملية فكرية سياسية.من طرف bent_falsteen في 2007-0

Advertisements

مساراتـها الإبستيمولوجية ودلالتها الفلسفية

التحولات الفكرية الكبرى للحداثة

مساراتـها الإبستيمولوجية ودلالتها الفلسفية

 

محمد سبيلا

يشكو العديد من الدارسين من غموض معنى الحداثة، ومن تعدد وعدم تحدد مدلولاتـها. وإذا كان هذا الغموض والالتباس يرجع في جزء منه إما إلى غموض ذهني، أو إلى غياب العناء الفكري اللازم أحيانـا، أو إلى سوء نية مسبق ضد الحداثة، فإن أحد أسباب هذا الغموض هو كون هذا المفهوم حضاريا شموليا يطال كافة مستويات الوجود الإنساني حيث يشمل الحداثة التقنية والحداثة الاقتصادية، وأخرى سياسية، وإدارية واجتماعية، وثقافية، وفلسفية الخ…

مفهوم الحداثة هذا أقرب ما يكون إلى مفهوم مجرد أو مثال فكري يلم شتات كل هذه المستويات، ويحدد القاسم المشترك الأكبر بينها جميعا. وبمجرد انتهاج طريق هذا النموذج الفكري المثالي، فإن الدارس يشعر مباشرة بوجود قدر من التعارض بين الحداثة والتحديث. فالمفهوم الأول، يتخذ طابع بنية فكرية جامعة للقسمات المشتركة بين المستويات المذكـورة، منظورا إليها من خلال منظور أقرب ما يكون إلى المنظور البنيوي، بينما يكتسي مفهوم التحديث مدلولا جدليا وتاريخيا منذ البداية من حيث إنه لا يشير إلى القسمات المشتركة بقدر مـا يشير إلى الدينامية التي تقتحم هذه المستويات، وإلى طابعها التحولي.

وعندما يختار المرء الدخول إلى هذا الموضوع من الزاوية الأولى، زاوية الحداثة، فإنه يجد نفسه محكوما بضرورة الاهتمام بالثوابت والقواسم والسمات المشتركة، مهملا الخصوصيات ومظاهر التباين، كما يجد نفسـه مدفوعا إلى عدم التركيز على الوقائع والأحداث والتواريخ والفواصل، موليا الاهتمام الأكبر للمنحنيات العامة في كل مستوى.

في هذه المحاولة سأحاول، قدر الإمكان، التركيز على التحولات الفكرية العامة للحداثة على كافة هذه المستويات، محاولا الجمع بين المنظـور البنيوي الذي يحاول تتبع السمات الأساسية للحداثة، والمنظور التاريخي الذي يحاول متابعة التحولات التدريجية والانفصالية أحيانا، التي تطال هذه السمات نفسها.

كما سأحاول أيضا، من خلال تتبع التحولات الفكرية الكبرى المصاحبة للحداثة، التمييز قدر الإمكان بين مستويين في هذه التحولات الفكرية : المستوى الإبستيمولوجي والمستوى الفلسفي، وذلك على الرغم من تداخل هذين المستويين وتشابكهما إلى حدود كبيرة.

1 ـ في المعرفة

تتميز الحداثة بتطوير طرق وأساليب جديدة في المعرفة قوامها الانتقال التدريجي من “المعرفة” التأملية إلى المعرفة التقنية. فالمعرفة التقليدية تتسم بكونـها معرفة كيفية، ذاتية وانطباعية وقيمية ـ فهي أقرب أشكـال المعرفة إلى النمط الشعري ـ الأسطوري القائم على تملي جماليات الأشياء وتقابلاتـها ومظاهر التناسق الأزلي القائم فيها.

أما المعرفة التقنية فهي نمط من المعرفة قائم على إعمال العقل بمعناه الحسابي، أي معرفة عمادها الملاحظة والتجريب والصياغة الرياضية والتكميم. النموذج الأمثل لـهذه المعرفة هو العلم أو المعرفة العلمية التي أصبحت نموذج كل معرفة. هذا النمط من المعرفة تقني في أساسه، من حيث إن المعرفة العلمية استجابة للتقنية وخضوع لمتطلباتـها. فالتقنية كما أوضح هيدجر ذلك ليست مجرد تطبيق للعلم عبر إرادة الإنسان، بل هي ما يحدد للعلم نمط معرفته المطلوب. فالعلم الحديث علم تقني في جوهره أي خاضع لما تقتضيه التقنية بالدرجة الأولى، أي التكميم منهجا وطريقة والتحكم والسيطرة غاية. ضمن هذا المنظور للمعرفة تكتسب مسألة المنهـج أهمية قصوى. فالمنهج، من حيث هو تنظيم وتحقيب لعملية المعرفـة، وطريقة في التناول تؤدي إلى تحقيق التقدم في المعرفة، وتقود إلى اكتساب القدرة على تملك الأشياء، يقود بالضرورة إلى إضفاء طابع تقني على المعرفة العلمية1.

إن المعرفة الحداثية معرفة علمية بمعنى أنـها معرفة تقنية، أي في خدمة التقنية، وبالتالي فهي معرفة حسابية وكمية وأداتية همها النجاعة والفعالية وغايتها السيطرة، الداخلية والخارجية، على الإنسان وعلى الطبيعـة، أو بعبارة أدق إنها سيطرة على الطبيعة عبر السيطرة على الإنسان. وارتباط المعرفة بالسيطرة والقوة لا يطال الطبيعة والعلوم الطبيعية وحدها، بل يطال الإنسان والعلوم الإنسانية ذاتـها حين يختلط هم المعـرفة والتحرر بـهمِّ السيطرة والتحكم.

عقل الحداثة عقل أداتي والمعرفة الحداثية معرفة تقنية بمعنى أنـها إضفاء للطابع التقني على العلم، لكنها بنفس الوقت ومن حيث هي إضفاء للطابع العلمي على العلوم الإنسانية والاجتماعية على وجه الخصوص، فهـي إضفاء للطابع التقني على الثقافة ككل. في هذا السياق تصبح أشكال المعرفة غير المنطبعة بالطابع العلمي، أي بالطابع التقني، أشكالا دنيا من المعرفة، ومن ثمة الـهجومات المختلفة، ذات النفس الوضعي، التقني، على الفلسفة مثلا، باعتبارها معرفة متجاوزة. فالمعرفة الحقة هي المعرفة العملية الاختبارية لا النظرية التأملية إذ أن الممارسة تحوز الأولوية القيمية والإبستمولوجية على النظرية2.وهذه المعرفة العلمية ـ التقنية لا تكتفي بالحط من قيمة الأنماط المعرفية الأخرى، بل تطال الفضاء الثقافي كله، وتتحول إلى ثقافة وإيديولوجيا بل إلى ميتافيزيقا أيضا. يصبح العلم ـ التقني ثقافة تحل محل الثقافة التقليدية وتكيفها بالتدريج، مؤطرة المجتمع العصري، مزودة إياه بمشاعر الـهوية والانتماء وبمعرفة وأخلاق. كما يتخذ العلم التقني مصدرا للشرعية السياسية أي نواة لإيديولوجيا سياسية. ولعل الديموقراطية، كتكنولوجيا سياسية، هي في أحد أوجهها تعبير عن هذا النوع الجديد، الدنيوي، من المشروعية القائمة على العلم كتقنية. بل إن هذا المركب المعرفي الجديد ينتزع بالتدريج صورة ميتافيزيقا أي تبشيرا بالأمل, ووعدا بالخلاص، ومصدرا واهبا للمعنى.

2 ـ في الطبيعة

الحدث الفكري الأساسي في تاريخ الفكر الغربي الحديث، هو نشوء ما اصطلح على تسميته بالعصر العلمي ـ التقني ابتداء من القرن السابع عشر الميلادي. ويشكل منشأ هذا العصر الجديد تحولا أساسيا في النظر إلى الطبيعة. وقد كانت هذه الأخيرة في العصور الوسطى نظاما متكاملا يتسم بنوع من التناسق الأزلي الذي يعكس الحكمة العلويـة المبثوثة في كافة أرجاء الكون والمحققة لمظاهر كمالاته الروحية.

هذا التحول المفصلي في تاريخ علم الطبيعة تمثل في الانتقال من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس مفتتحا الانتقال الحديث من العالم المغلق إلى الكون اللانـهائي. لكن النقطة الجوهرية في هذا التحول هي النظـر إلى الطبيعة كامتداد كمي هندسي وحسابي، وهو التحول الذي حدث مع غاليلو.

لقد أصبحت الطبيعة امتدادا Rex extensa متجانس العناصر لا فرق ولا تميز بين مكوناتها ولا تخضع لتراتب انطولوجي كما كان الأمر في الفكر القديم والفكر الوسطوي. فالمكان عبارة عن وحدات أو نقط متجانسة، والزمان بدوره آنات متجانسة، مما مهد لقبول التصور الرياضي الميكانيكي للطبيعة، وهو التصور الذي يفرغ الطبيعة من أسرارها لينظر إليها ككم هندسي ممتد قابل للحساب وخاضع لقوانين الرياضة. فنـزع الطابـع الإحيائي السحري عن الطبيعة هو الوجه الآخر في النظر إليها من خلال مفاهيم رياضية تعتبر الطبيعة ـ كما قال غاليلو ـ كتابا مفتوحا بلغة المثلثات والمربعات والأشكال الهندسية.

والعلاقة القائمة بين عناصر الطبيعة هي علاقات ميكانيكية وديناميكية خاضعة لقانون العلية. ويشكل هذا القانون نقلة نوعية في فهم العلاقة بين الظواهر لأنه ينتقل بـها من مستوى التفاعلات العضوية المحملـة بالأسرار والألغاز إلى تفاعلات القوى والكميات القابلة للرصد والحساب، أي من التصور العضوي والغائي إلى التصور الميكانيكي والديناميكي العلّي. والطريف في الأمر هو أن ليبنتس الذي صاغ وطور مبـدأ العلة (مبدأ العقل Principe de raison)، قد طور في نفس الوقت تصورا ديناميا غائيا للمادة والكون حين اعتبر أن طبيعة الأجسام ليسـت هي الامتداد بل القوة أي النـزوع والقدرة على الفعل ورد الفعل، كما ساهم في إرساء التصور الرياضي للطبيعة عندما اعتبر أن الله، وهو يمارس الحساب، يخلق أفضل العوالم الممكنة.

وهكذا حول العلم الحديث الطبيعة إلى معادلات رياضية وأشكال هندسية أي إلى هياكل عظيمة فارغة كما يقول برتراند راسل3،أو إلى مجـرد مخزن للطاقة منذور لأن يتحول إلى موضوعات قابلة للاستهلاك، كما يقـول هيدجر4.

وقد أبدى العلم الحديث منذ البداية تواضعا معرفيا جما إذ رسم لنفسه حدودا في فهمه للطبيعة. فهو لم يدع أبدا أنه يسعى إلى فهم الجواهـر والأشياء في ذاتـها، بل قصر مسعاه منذ البداية على محاولة فهـم الظواهر مركزا على ما هو قابل منها للرصد وللتعبير الكمي. ومن ثمة طغت روح النسبية على أحكامه ونظرياته، بل إن البحث العلمي اتسم في الأغلب الأعم بنـزعة مواضعاتية (conventionnaliste) واضحة.

فالخطوات والاحتياطات المنهجية التي يلجأ إليها العالم هي نوع من الاختيار القبلي للموضوع، اختيار للمجال الذي يجب أن يظهر فيه الموجود، ولزاوية النظر إليه. فالموجود هنا –بلغة هيدجر- لا يظهر من تلقاء ذاته بل يرغم على الظهور وفق الخطاطات والتصميمات المسبقة وشبكات التأويل التي تخضعه لـها وتدرجه في سياقها5.

 

3 ـ في الزمن والتاريخ

إذا كان المسار الطويل الذي تدرجت فيه الحداثة في تصورها للطبيعة هو تبين أن كينونة الطبيعة تتمثل في الدينامية والآلية بدل الغائية، فقد وازى هذا التطور، فيما يخص تصور الزمن والتاريخ، تحول فكري قاد إلى إظهار أن كينونة التاريخ تتمثل في الصيرورة، أو بعبارة أخرى فإن تحول الكينونة إلى فعل وصيرورة ابتدأ في الطبيعة ثم سرى إلى التاريخ. فقد أصبـح التاريخ سيرورة Processus وصيرورة Devenir أي مسارا حتميا تحكمه وتحدده وتفسره عوامل ملموسة كالمناخ والحاجات الاقتصادية للناس، أو حروبـهم وصراعاتـهم من أجل الكسب، وكالصراع العرقـي، أو القبلي، أو المذهبي أو غيره. وبعبارة أخرى فإن غائية التاريخ بدأت تختفي وتتضاءللصالح الميكانيزمات الداخلية والحتميات المختلفـة التي تتدخل في تحديده تحديدا لا تعرف وجهته إلا من خلال مقارنة العوامل الفاعلة فيه. وبعبارة ليوستروس فقد أصبح التاريخ توسطا بين الواقع6والمثال، عبر حركة تطورية مستقيمة الاتجاه. فمثلما نـزع العلم عن الطبيعة طابعها السحري والإحيائي، فقد نـزعت المعرفة والممارسة الطابع الأسطوري عن التاريخ بنفي طابعه الغائي والنظر إليه باعتباره مجرد حركة تطورية مستقيمة تتحكم فيها عوامل داخلية قد تكون هي المحددات الاقتصادية (ماركس) أو التقنية أو السيكولوجية (فرويد) أو غيرها.

وقد قاد ربط تطور التاريخ بعوامل تاريخية محددة وملموسة إلى تطور نـزعة تاريخانية ترجع كل شيء للتاريخ وتشرطه به لدرجة أنه تم وسم الحداثة بكونـها عبادة للتاريخ 7(Idolatrie de l’histoire)الذي أصبح هو المصدر أو المنتج الأساسي للمعنى.

وقد واكب التحول في مفهوم التاريخ تحول آخر طال مفهوم الزمن. فقد تمثلت الحداثة للوعي الفلسفي في القرن الثامن عشر مع هيجل كفترة جديدة جدة راديكالية بالقياس إلى ما سبقها من عصور، وخاصة ابتداء من القرن الخامس عشر والأحداث الثلاث الكبرى التي راوحت حواليه : اكتشاف العالم الجديد، النهضة الأوربية والإصلاح الديني. وقد كان هيجل هو أول من طرح قطيعة الحداثة مع الإلـهامات المعيارية للماضي، التي هي غريبة عنها، طرحا فلسفيا8.

يتميز زمن الحداثة بأنه زمن كثيف، ضاغط، ومتسارع الأحداث، فهو يعاش كمادة فريدة 9 (denréerare) تتمركز حول حاضر مشرئب إلى الآتي. فالحاضر هو اللحظة التي يتم فيها انتظار الانتقال المتسارع لمستقـبل مختلف كلي. وهذا الحاضر، الذي تمثله في نظر هيجل الأنوار والثورة الفرنسية، يمثل “البـزوغ الرائع للشمس” الذي يقطع مع العالم القديم وينشئ عاملا جديدا كليا.

يبدو إذن أن زمن الحداثة زمن متجه نحو المستقبل الذي يكتسب بالتدريج دلالات يوتوبية عبر تجربة تتنامى فيها بالتدريج المسافة بين الحاضر والمنتظر ، وتطغى على قاموسها مصطلحات التطور، والتقدم والتحرر والأزمة10.

عصر الحداثة هو العصر الذي يختل فيه التوازن بين الماضي والمستقبل، فهو العصر الذي يحيا بدلالة المستقبل، وينفتح على الجديد الآتي، وبالتالي لم يعد يستمد قيمته ومعياريته من عصور ماضية، بل يستمد معياريته من ذاته11،وذلك عبر تحقيق قطيعة جذرية مع التراث والتقليد.

إذا كان الزمن التقليدي متمحورا على الماضي فإنه حتى عندما يشرئب إلى المستقبل، فهو ينظر إليه باعتباره استعادة إسقاطية للماضي في المستقبل، إذ أن الزمن في المنظور التقليدي يتميز بالحضور الكثيف للماضـي وبقدرته على تكييف كل الآنات الأخرى. أما زمن الحداثة فيتسم بالفاصل المتزايد بين “فضاء التجربة” و”أفق الانتظار”، وهو الفاصل الذي لا يني يتزايد باستمرار لدرجة تجعل البعد اليوتوبي مطالبا للمفهوم الحداثي للزمن. لكن الانتظارات والآمال التي يحملها زمن الحداثة تحمل بشائر المستقبل المنتظر حدوثه داخل خط الزمان نفسه عبر نقلات كميـة أو نوعية لا تقع خارج أفقه، وبذلك يمارس الوعي التاريخي الحداثي استدماجا مستمرا للانتظارات الكبرى البعيدة المدى، إما عبر التقنية أو من خلال الإيديولوجيات المحملة بالطوبي. ومن ثمة مجاسدة مفهوم التقدم للمفهوم الحداثي للزمن مجاسدة كمية وكيفية في نفس الآن. مما يكسب مفهومي التاريخ والزمن من جديد بعدا غائيا وإن كان تاريخانيا هذه المرة.

يمكن أن نطلق على التصور الجديد للتاريخ والزمن اسم النـزعة التاريخانية وهي النـزعة التي بدأت تطال ـ بموازاة تبلور وتغلغل روح الحداثة ـ كافة مجالات الحياة الإنسانية، وعلى رأسها المجال السياسي الـذي تنطلق داخله دينامية تمايز واستقلال تدريجي عن المجال الديني، وتتبلور فيه شرعية جديدة قوامها استمداد السلطة لشرعيتها من الشعب، وتتطور فيه آليات جديدة للحكم قائمة على فكرة التعاقد، والانتخاب، والمراقبة، وفصل السلط، والمشاركة الواسعة في إدارة الشأن السياسي.

4 ـ في الإنسان

تميز فكر الحداثة، وثقافة الحداثة بإيلاء الإنسان قيمة مركزية نظرية وعملية. ففي مجال المعرفة أصبحت ذاتية العقل الإنساني هي المؤسسة لموضوعية الموضوعات12. وتم إرجاع كل معرفة إلى الذات المفكرة أو الشيء المفكر Res Cogitaus أو الكوجيتو13.

المفارقة الكبرى في تصور فكر الحداثة للإنسان هي أنه عندما يجعل الإنسان مركزا مرجعيا للنظر والعمل، وينسب إليه العقل الشفاف، والإرادة الحرة، والفاعلية في المعرفة وفي التاريخ، فهو بنفس الوقت يكشف بجلاء عن مكوناته التحتية، ومحدداته العضوية الغريزية والسيكولوجية ودوافعه الأولية (الجنس، العدوان، البحث عن الربح، التغذية…)14.

وهكذا تلتقي النظرة الحداثية للإنسان، من حيث هي إضفاء صبغة طبيعة على الإنسان، بإضفاء صبغة تاريخية على الطبيعة، وإضفاء صبغة طبيعية على التاريخ. والفلسفة ومعظم العلوم الطبيعية والاجتماعية تنخرط في هذه الحركة ابتداء من الفيزياء الفلكية إلى الأنتروبولوجيا الإحيائية إلى الماركسية إلى التحليل النفسي إلى العلوم السلوكية المعاصرة.

غير أن هذا التصور العقلاني للإنسان الذي بلوره فكر الحداثة الأوربية سرعان ما تعرض للمراجعة والنقد. فمقابل هذا التصور العقلاني للإنسان كذات مركزية، عاقلة وعارفة، مريدة وفاعلة، بدأ يتبلور خط فكري معاكس قوامه أن الإنسان ذات مشروخة ومشروطة، غير عارفة بذاتـها، وخاضعة لحتمية البنيات المختلفة الاقتصادية والاجتماعية واللسانية والرمزية التي تحددها معا، ذات يداهمها اللاعقل والوهم والمتخيل من كل جانب. لقد أدت الثورات المعرفية الكبرى التي حصلت منذ نهاية القرن الماضي في الفكر الغربي (الثورة اللغوية، الثورة الإبستمولوجية، الثورة البنيوية، الثورة التاريخية) إلى فصل المعنى عن الوعي، والمعرفة عن اليقين، والمعنى عن التمثل، مبينة أن المعاني لا تصدر عن ذات سيكولوجية أو ترسندنتالية، وإنما تتولد في اللغة ومنظومات القرابة ومختلف المنظومات الرمزية، وأن الذات ليست فاعلا بقدر ما هي حصيلة مفاعيل15.وقد أطلق ريكور على هذا التوجه اسم فلسفة الوجس16.

غير أن هذه المراجعات لم تمس جوهر التصور الحداثي للإنسان بل سعت فقط إلى تلطيف وتنسيب عقلانيته ووعيه بذاته وحريته وفاعليته.

الحداثة والفاعل

يمكن أن نميز، فيما يخص فواعل الحداثة بين الفواعل السوسيولوجية، والفواعل الفكرية. الصنف التفسيري الأول نجده لدى ماكس فيبر وكارل ماركس، والصنف الثاني نجد نموذجه لدى بعض الفلاسفة كهيجل وهيدجر.

التفسير السوسيولوجي يرجع نشأة الحداثة إلى الدور الفاعل للمنشأة الرأسمالية والإدارة البيروقراطية كمؤسستين عقلانيتين، عقلنت أولاهما العملية الاقتصادية، وعقلنت الثانية نظام تسيير المجتمع. يرى ماكس فيبر أن هناك علاقة داخلية حميمية بين العقلانية والحداثة. وإذا كانت العقلنة اتخذت طابعا مؤسسيا منظما في الاقتصاد والإدارة، فإنـها مع ذلك عملية شاملة اكتسحت المجتمع الغربي كله. وقد أدت عملية نزع الطابع السحـري عن العالم إلى تفكيك التصورات التقليدية وتولد ثقافة دهرية من طلب المسيحية نفسها. وفي سياق هذه العملية تطورت العلوم التجريبية، واستقلت الفنون، وتشكلت دوائر الثقافة خاضعة لمعايير داخلية خاصة مرتبطة بالممارسة17. وبعبارة أخرى، وأخذا بتأويلات هابرماس لنظرية الحداثة عند فيبر، فإن العقلنة لم تقتصر على إضفاء طابع دنيوي على الثقافة، بل دفعت أساسا إلى تطور المجتمعات الحديثة. لقد تمايزت البنيات الاجتماعية الجديدة، وتباينت المجالات الثقافية متمحورة حول مركزين ناظمين ومنظمين لنمط الحياة الجديدة وهما النشأة الرأسمالية والجهاز البيروقراطي للدولة، اللذين هما مركزان متنافذان من الناحية الوظيفية. وقد اكتسحت الأنشطة العقلانية بالقياس إلى غاياتـها في مجالي الاقتصاد والإدارة الحياة اليومية، وأشكال الحياة التقليدية، تلك التي كانت متمحورة حول التنظيمات الحرفية، وفككتها بالتدريج كبنيات وكثقافة18.ومن ثمة الأهمية القصوى والحاسمة لكل من الاقتصاد والسياسة في المجتمع الحديث.

يربط ماركس نشأة الحداثة بالرأسمالية كنظام اقتصادي، وبالبورجوازية كقوة بشرية تحديثية. ففي “البيان الشيوعي” يكيل ماركس أعظم المدائح للبورجوازية من حيث أنـها “عندما استولت على السلطة وضعت حدا للعلاقات الإقطاعية والبطركية والعاطفية”، وأدخلت تغيرات ثورية على أدوات وعلاقات الإنتاج، “فهذه الانقلابات الثورية المستمـرة في أساليب الإنتاج، وهذا التزعزع غير المنقطع في النظام الاجتماعي بأسـره، وهذا القلق والاضطراب الدائبان، كل ذلك يميز عصـر البورجوازية عن العصور السالفة كلها”. إن سائر العلاقات الاجتماعية المتوارثة، الجامدة المتجلدة، وما تجره وراءها من مواكب الأوهام والأفكار القديمة المبجلة تكنس وتندثر، أما التي تـحل محلها فتشيخ ويتقادم عهدها قبل أن يصلب عودها. فكل ما هو صلب يتبخر، وكل ما هو مقدس، يدنس”. بل إن “البورجوازية تجتاح الكرة الأرضية بأسرها، تحثها الحاجة إلى الأسواق الجديدة دائما”. لقد أخضعت البورجوازية الريف للمدينة، وخلقت مدنا عظيمة، وزادت بصورة مفرطة سكان المدن على حساب سكان الأرياف وبذلك انتـزعت قسما كبيرا من السكان من بلاهة حياة الحقول.

وقد خلقت البورجوازية قوى منتجة أكثر عددا وأعظم جبروتـا كما خلقت سائر الأجيال مجتمعة. فقد قامت بإخضاع قوى الطبيعة والآلات وتطبيق الكيمياء على الصناعة والزراعة والملاحة بالبخار، والسكك الحديدية، والبرق الكهربائي وعمران قارات كاملة، وحفر القنوات للأنهار. وفي عهدها اتحدت مقاطعات بكاملها بمصالحها وقوانينها وحكوماتـها وتعريفاتـها الجمركية المختلفة واجتمعت في أمة واحدة وفي مصلحة وطنية وطبقية واحدة وراء حبل جمركي واحد19.

وعلى وجه العموم فإن المادية التاريخية ترجع التحولات الاجتماعية إلى التناقض بين علاقات الإنتاج القائمة وقوى الإنتاج الجديدة، إلا أن ماركس في هذا النص من “البيان” يسند إلى البورجوازية، بروحها الثورية الإدارية المغامرة، كل التحولات الكبرى التي شهدتـها أوربا بالانتقال من النظام الإقطاعي إلى النظام الرأسمالي، مما يجعل موقف ماركس في هذه المسألة مراوحا بين إيلاء الأولوية في التغيير للعنصر الإرادي البشري أحيانا وللعوامل البنيوية التقنية والاقتصادية أحيانا أخرى.

هناك نموذج آخر للتفسير مختلف كليا نجده لدى كبار الفلاسفة الذين يرجعون التحولات الكبرى في تاريخ المجتمعات، وفي التاريخ البشـري عامة إلى تحولات فكرية وفلسفية, فهيدجر يرى أن المصادر التاريخية لثقافة ما أو لمجتمع ما يحدده مسبقا فهم كل ما يمكن أن يحصل في العالم20،وهو الفهم الذي يلزم ويوجه كل مجموعة بشرية إلزاما وتوجيها ضمنيا أشبه ما يكون بحتيمية قدرية مضمرة. وهذا الفهم المسبق تتضمنه الميتافيزيقا. فهي التي “تؤسس عصرا وتمنحه من خلال تأويل محدد للموجود، ومفهوم معين عن الحقيقة مبدأ تشكله الأساسي”21.وهذا قانون فلسفي يشمل كل العصور ” فكيفما كانت الطريقة التي يتم بـها تأويل الموجـود، سواء كروح بالمعنى الوارد لدى النـزعة الروحية، أو كمادة وقوة بالمعنى الوارد لدى الاتجاه المادي، أو كصيرورة وحياة، أو كتمثـل، أو كإرادة، أو كقوام جوهري (Substance)، أو كذات فاعلة، أو كطاقة، أو كعود أبدى لذات الشيء، فإن الموجود يظهر كموجود على ضوء الوجود”22.وهذه الفكرة نجدها متداولة في الفلسفة الألمانية منذ هيجل الذي كان قد اعتبر تاريخ الفلسفة مفتاحا لفلسفة التاريخ كما أن تاريخ الغرب الحديث حسب هيدجر يجسد أساسه في تاريخ الميتافيزيقا الغربية، التي تشكل “التاريخ المخفي للغرب”23.

وحتى إذا كان من العسير، من خلال المنظور الهيدجري، أن نرجع نشأة الحداثة إلى “فاعل”، لأن الأمر عنده يتعلق بتحولات قدرية في معنى الموجود وتصور الحقيقة، أكثر مما يتعلق بفعل فاعل، فإن ممن الممكن، من باب المجاز، اعتبار ديكارت (وكذا ليبنتس) هو بطل الحداثة ورائدها. علـى الرغم من أن هيدجر يتتبع جذور نشأة العقلانية الحديثة إلى التحول الذي حدث مع أفلاطون، والذي تجسد في الانتقال من الفيزيس إلى الايدوس. ففلسفة ديكارت تجسد هذا التحول الكبير الذي دشن مطلع العصور الحديثة وجعل الذات “مركزا ومرجعا للموجود بما هو كذلك. وذلك لم يكن ممكنا إلا بشروط تحول معنى الوجود كليا (…) إذ أصبح ينظر إلى الموجود في كليته على أنه لا يوجد حقا، ولا يكون موجودا إلا إذا كان محط تمثل وإنتاج (…). وأصبح يُبحث عن وجود الموجود ويعبر عنه في الوجود ـ المتمثل للموجود”24.

يربط هيدجر إذن نشأة الحداثة بالحدث الفلسفي المتمثل في جعل الذات مركزا ومرجعا. لكن مضمون هذه الذات المرجعية هو العقل والإرادة، وهو كونـها عقلا حاسبا وحسابيا بالمعنى اللاتيني لكلمة Ratio. هذا العقل الحسابي ـ الأداتي ـ حسب تسمية رواد مدرسة فرنكفورت، يجد تعبيره في العلم كمنظور حسابي وكمي للأشياء المدركة والقابلة للاستعمال25،وفي التقنية كتحريض للطبيعة وإرغام لـها على أن تسلم طاقتها وتكشف أسرارها.

يبدو من خلال استعراض المواقف المختلفة من مسألة فواعل الحداثة أنه حتى وإن اختلفت الفئات ومن ثمة المؤسسات التي يكل إليها المفكرون دورا مولّدا أو محركا للحداثة (الرأسماليون، الإداريون، المثقفون، الساسة، العسكر…إلخ) فإنه يكاد يكون هناك نوع من الإجماع على تبلور ثقافة عقلانية شكلت الأرضية الفكرية والإيديولوجية الحافزة على انطلاق مخاض الحداثة.

السمات الفلسفية

يربط العديد من الدارسين نشأة الحداثة بمبدأ الذاتية. وهذا المفهوم متعدد الدلالات فهو يشكل مضمون ما سمي بالنـزعة الإنسانية. ومن ثمة فهو يعني مركزية مرجعية الذات الإنسانية وفاعليتها وحريتها وشفافيتها وعقلانيتها. كان هذا المفهوم يحيل لدى هيجل على دلالات أخرى يوجـزها هابرماس في أربع دلالات ملازمة :

1 ـ الفردانية، وتعني أن الفرادة الخاصة جدا هي التي لـها الحق في إعطاء قيمة لادعاءاتـها.

2 ـ الحق في النقد، ويعني أن مبدأ العالم الحديث يتطلب أن على كل فرد أن يتقبل فقط ما يبدو مبررا ومقنعا.

3 ـ استقلالية الفعل، فمن خصائص العصور الحديثة تهيؤها لتقبل ما يفعله الأفراد والاستجابة له.

4 ـ الفلسفة التأملية ذاتـها، فمن خصائص العصور الحديثة كذلك عند هيجل أن الفلسفة تدرك الفكرة التي تجتاز وعيا بذاتـها26.

يرى هيجل أن مبدأ الذاتية هذا بدلالاته المختلفة قد فرضته الأحداث التاريخية الكبرى : الإصلاح الديني، والأنوار، والثورة الفرنسية. فمع الإصلاح البروتستاني لدى لوثر أصبح الإيمان الديني مرتبطا بالتفكير الشخصي، وكأن العالم القدسي قد أصبح واقعا مرتبطا بقرارنا الشخصي. فهذا الإصلاح قام على التأكيد على سيادة الذات، وأبراز قدرتها على التمييز والاختيار باعتباره حقا من حقوقها، في حين كان الإيمان التقليدي قائما على ضرورة الإتباع والخضوع للقوة الآمرة للتراث والتقليد. كما أن الثورة الفرنسية وإعلان مبادئ حقوق الإنسان قد فرضت مبدأ حرية الاختيار، بمقابل الحق التاريخي المفروض، كقاعدة أساسية للدولة27.

هكذا أصبح مبدأ الذاتية محددا في كل مجالات الفعل، ومحددا في كل أشكال الثقافة الحديثة. فالحق والأخلاق أصبحا قائمين على الإرادة الحالية الحاضرة للإنسان في حين أنـها كانت من قبل مدونة ومملاة على الفرد. كما أصبحت الذاتية أساس المعرفة العلمية التي تكشف أسرار الطبيعة بقدر ما تحرر الذات العارفة، فالطبيعة تصبح جملة قوانين شفافة ومعروفة من طرف الذات. وعلى وجه العموم فإن الحياة الدينية، والدولة، والمجتمع، وكذا العلم والأخلاق والفن تبدو جميعا كتجسيد لمبدأ الذاتية. هذا المبدأ الذي يظهر كذاتية مجردة في الكوجيتو الديكارتي أو الوعي الذاتي المطلق لدى كنط28.

ومن زاوية أخرى فإنه يمكن القول بأن الأنشطة المعرفية في مجال العلم والأخلاق والفن كانت قد تمايزت واستقلت معاييرها الداخلية، كما أن دائرة المعرفة كما يقول هيجل، قد تمايزت عن دائرة الإيمان، وكل هذه الدوائر ظلت بمثابة تعبير عن مبدأ الذاتية29.

السمة الأساسية الملازمة للذاتية هي العقلانية بمعنى إخضاع كل شيء لقدرة العقل التي هي بحث دؤوب عن الأسباب والعلل، ومن ثمة الارتباط الحميم لمبدأ السبب أو العلة بمبدأ العقل (Principe de Raison). وهذا المبدأعبرعنه لأول مرة ليبنتس في الصيغة التي تقول لا شيء بدون علة، وبفضله يصبح كل من الواقع الطبيعي والواقع التاريخي معقولا أو عقلانيا (أو قابلا للتفسير) بالنسبة للذات30.هكذا يصبح كل شيء ‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏مفحوصا ‎‎‎‎‎ومفهوما بل ومحكوما من طرف العقل. وعبره يتحقق الإنسان من سيادته النظرية على العالم الذي يغدو شفافا وخاليا من الأسرار31.

هذه العقلانية الحسابية الصارمة أو الأداتية سواء في مجال المعرفة العلمية والتقنية أو في مجال الإدارة والتسيير هي شكل من أشكال السيطرة والقوة، ومن ثمة ارتباط العقلانية بالسيطرة سواء تعلق الأمر بالسيطرة الكوكبية للتقنية المنفلتة من عقالها أو بالنـزعة الكليانية السياسية. إن العقلانية الأداتية سيطرت على الطبيعة عبر السيطرة على الإنسان، وسيطرت على هذا الأخير عبر السيطرة على الطبيعة بواسطة التقنية، فالحداثة في عمقها مشروع تندغم فيه بصورة رفيعة إرادة الهيمنة بإدارة التحرر.

ترتبط بالعقلانية الأداتية وما ينتج عنها من سيطرة، سمة فلسفية أخرى أساسية تسم العصور الحديثة وهي غياب المعنى32،وانتفاء المقاصد الغائية الكبرى التي كانت تشد وتزين العالم التقليدي. فنتيجة اكتساح ثقافة الحداثة لكل القطاعات الاجتماعية، وعقلنتها لكل مستويات الوجود الاجتماعي هي خسوف المعاني الكبرى، أوبتعبير ماكس فيبر افتقاد العالم لسحره (Ent zauberung). ورغم أن هيدجر يستعمل مصطلحا آخر (Ent Gotterung) للتعبير عن نفس الفكرة فإنه يجمل في النهاية هذه السمة في لفظ العدمية، ويعني بـها افتقاد القيم العليا لقيمتها، وغياب الأهداف الكبرى، وانعدام الجواب عن السؤال البسيط: لماذا؟33والعدم المعني هنا حركة تاريخية أصيلة وليست رأيا لهذا الفرد أو ذاك وليس حتى ظاهرة تاريخية بين ظواهر أخرى، بل هو بالأحرى، في جوهره، الحركة الأساسية في تاريخ الغرب الحديث34.وغياب المعنى، الملازم للعصور الحديثة، ليس سمة منعزلـة، بل هو الوجه الآخر لانتصاب الذاتية معيارا، ولظفر العقلانية الأداتية التي تشكل “عالما مروضا”، ولانفلات العلم التقني، وتحوله إلى أداة سيطرة على الطبيعة والإنسان، لدرجة يبدو معها أن “غياب المعنى ناتج عـن الطابع النهائي الحاسم لبداية الميتافيزيقا الحديثة”35.

ولعل النعوت التي تطلق على عصرنا هذا عصر الموضة، عصر الفراغ، عصر التفاهة والهشاشة (la médiocrité, l’ephemère) تعكس صدى هذه السمات المتحدث عنها، والتي وازت في نشأتـها تبلور مفهوم الحداثـة نفسه كما نجد ذلك لدى الشاعر الفرنسي بودلير الذي يعرف “الحداثة بأنها ما هو عابر، وفرار fugitif وعارض contingent..” (بودلير: رسام الحياة الحديثة). إلا أن هذا الفراغ الناتج عن غياب المعـاني الكبرى غالبا ما ” يتم ملؤه باستكشاف تاريخي وسيكولوجي للأساطير”36،وباستثمار أقانيم جديدة كالإيديولوجيات اليوتوبية الكبرى الواعدة بالسعادة والحرية والمساواة، والأبطال الجماهيريين لهذا العصر في مختلف المجالات كأبطال الرياضة والسياسة والسينما والغناء والموضة.

الحداثة ومفعولاتـها

تتميز الحداثة بأنها تحول جذري على كافة المستويات: في المعرفة، في فهم الإنسان، في تصور الطبيعة، وفي التاريخ. إنها بنية فكرية كلية. وهذه البنية عندما تلامس بنية اجتماعية تقليدية فإنـها تصدمها وتكتسحها بالتدريج ممارسة عليها ضربا من التفكيك ورفع القدسية.

تستخدم الحداثة أساليب رهيبة في الانتشار والاكتساح. فهي تنتقل كالجائحة في الفضاءات الثقافية الأخرى إما بالإغراء والإغواء عبر النماذج، والموضة والإعلام، أو عبر الانتقال المباشر من خلال التوسع الاقتصادي أو الاحتلال الاستعماري أو الغزو الإعلامي بمختلـف أشكـاله إلى غير ذلك من القنوات والوسائل.

وعندما تصطدم الحداثة بمنظومة تقليدية فإنـها تولد تمزقات وتخلق تشوهات ذهنية ومعرفية وسلوكية ومؤسسية كبيرة، وتخلق حالة فصام وجداني ومعرفي ووجودي معمم. وذلك بسبب اختلاف وصلابة المنظومتين معا. فللتقليد صلابته، وأساليبه في المقاومة والصمود أمام الانتشار الكاسح للحداثة، وطرائقه في التكيف معها ومحاولة احتوائها ؛ كما أن للحداثة قدراتـها الخاصة على اكتساح وتفكيك المنظومات التقليدية، وأساليبها في ترويض التقليد، ومحاولة احتوائه أو استدماجه أو إفراغه من محتواه. فالصراع بين المنظومتين صراع معقد وشرس بل قاتل. وقد سبـق لي أن تحدثت في مكان آخر عن العلاقة الاستعارية بين التقليد والحداثة. فكثيرا ما يتلبس التقليد لبوس الحداثة ليتمكن من التكيف والاستمرار بينمـا تتلبس الحداثة بالتقليد أحيانا لتتمكن من أن تنفذ وتفرض نفسها. وهذا التزاوج نشهده في كافة مستويات الكل الاجتماعي، نشهده في التلاقح بين منظومتي القيم،وفي المستوى الإدراكي،والسلوك الفردي،في المعرفة،في الاقتصاد وفي السياسة. ففي المجال السياسي مثلا يحصل تمازج بين مصدرين للشرعية السياسية: الشرعية التقليدية المستمدة من الماضي،والتراث والأجداد، وشرعية المؤسسة العصرية القائمة على أن الشعب هـو مصدر السلط. وهذا التمازج والاختلاط يطال الخطاب السياسي والإيديولوجي، والسلوكات السياسية، ويطبع المؤسسات السياسية، والثقافـة السياسية برمتها. وهو على الرغم من كل مظاهر التعايـش تمازج صراعي في عمقه.

هذه الحالة البينية هي حالة طويلة الأمد إذ أنها لا تحسم بتحويل إرادي للمؤسسات أو للمنظومات القانونية بل عبر تحولات بعيدة المدى. وانتقال منظومة ثقافية تقليدية إلى الحداثة هو في الغالب انتقال عسير مليء بالصدمات الكوسمولوجية، والجراح البيولوجية أو الخدوش السيكولوجية للإنسان، وكذا بالتمزقات العقدية لأنه يمر عبر “قناة النار”، أي عبر مطهر العقل الحديث والنقد الحديث.

وكل ثقافة لم تتجشم مثل هذه المعاناة المرة تظل تراوح مكانها على عتبة الحداثة، وفي عدم قدرة على الحكم على نفسها بسبب عدم قدرتها على رؤية ذاتـها من الخارج، وهذه القدرة لا يمكن اكتسابـها إلا بموضعة الذات وإخضاع المسلمات لمحك العقل والنقد، والحد

محمد سبيلا

المشكلة الأساسية التي يعاني منها مصطلح الايديولوجيا هو سعة مدلوله وتنوع استعمالاته، مثله في ذلك مثل العديد من مصطلحات العلوم الإنسانية كالثقافة والاستلاب والوعي وغيرها.وبالاضافة إلى ذلك فهو مصطلح تزاحمه العديد من المصطلحات المقاربة مثل ذهنية، وعقلية وعقيدة، ومذهب، ورأي، وفكر ومنظومة فكرية، وسياسة وثقافة وما ماثلها من المصطلحات (رؤية العالم، رؤية كونية).بل إن معناها ذاته يتراوح بين المعنى الواسع الذي يشمل ما تسميه الأنتروبولوجيا الثقافية بالثقافة أي كل مظاهر النشاط والانتاج الفكري والروحي في المجتمع، وبين المعنى الضيق الذي يستعمل به في سياق علم الاجتماع السياسي أو في علم السياسة وهو جملة الآراء والأفكار والتمثلات المرتبطة بسلطة سياسية.حين نوسع المفهوم بالنظر إلى الايديولوجيا باعتبارها الظاهرة الفكرية والثقافية العامة المؤطرة للمجتمع تصبح الايديولوجيا أقرب ما تكون إلى الثقافة المهيمنة أو الثقافة التلقائية للمجتمع. وهذا المعنى يجعلها تماثل ما يدعوه دوركهايم بالوعي الجماعي.لكننا نستطيع أن نميز داخل تصور الثقافة بين الثقافة كمعارف وخبرات، والثقافة كتوجيهات أخلاقية وسلوكية وكتأطير اجتماعي للفرد. وهذا الشقّ الثاني هو الأقرب إلى مدلول الايديولوجيا أو هو الوجه الايديولوجي للثقافة.ومن ثمة فإن وظيفة الايديولوجيا في هذه الحالة هي تزويد المجتمع والأفراد بهويتهم الجماعية المميزة. الايديولوجيا هنا حكاية تقدم للمجتمع صورة عن نفسه من خلال وعبر مسار تاريخي يعود إلى أصلٍ متدرج عبر تعرجات الزمن. وهذا يصدق بالدرجة الأولى على الايديولوجيات الاجتماعية المحليّة الاثنية (كالوطنية والقومية) أكثر مما يصدق على الايديولوجيات الطوباوية (كالاشتراكية). فالايديولوجيا الأمريكية تعود إلى حرب التحرير وإلى بطولاتها وأبطالها كمنطلق، فهي تشكل الحدث المؤسس المرجعي للدولة الأمريكية الحديثة. والايديولوجيا السوفياتية الحديثة تعود باستمرار إلى الحدث المؤسس للدولة السوفياتية الحديثة وهو الثورة الروسية في 1917 كمرجع رئيسي يكسب كل الأحداث اللاحقة والسابقة معناها ودلالتها ويعيد ترتيبها وتصنيفها. والايدولوجيا الفرنسية هي نوع من العودة الدائمة إلى الحدث المؤسس لفرنسا الحديثة وهو الثورة الفرنسية في 1789 والذي تستلهم كافة القوى السياسية مغازيه ودلالاته. أما بالنسبة لدول العالم الثالث فأغلب إيديولوجياتها ترتكز على المرحلة الفاصلة بين النضال من أجل الاستقلال ولحظة الفوز بالاستقلال. فاللحظة الدينامية لاستقلال هذه الشعوب هي في الأغلب الأعم الحدث المرجعي في الايديولوجيات السياسية لدول العالم الثالث إلا في الحالات التي حدث فيها انقلاب سياسي أدى إلى ضرورة إحلال حدث مؤسس آخر محل هذا الحدث المؤسس الأول .إن ملحمة النضال من أجل الاستقلال بكل بطولاتها وأبطالها وعذاباتها ما تزال هي الحدث المرجعي الأول بالنسبة لمعظم الايديولوجيات السياسية في العالم الثالث.هذا فيما يخص الايديولوجيات السياسية، أما فيما يتعلق بالايديولوجيات الثقافية فلكل أمة حدث ثقافي مؤسس. والمرجع الأساسي للدول العربية الاسلامية كدول وكأمة واحدة هو زمن النبوة الفاصل بين عهدين: عهد الظلام والجهالة، وعهد النور والهدى. وأحداث عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين هي الأحداث المؤسسة بالنسبة لكل دولة على حدة أو للأمة العربية والاسلامية ككل. بل إن كل دولة تجتهد في تكييف حدثها المؤسس اللاحق مع هذا الحدث المؤسس المرجعي المشترك الذي هو ظهور الاسلام.أما بالنسبة للدول الأوربية فالحدث المؤسس المشترك في إيديولوجيتها الثقافية هو ظهور المسيحية ونشوء الدول المسيحية وتوسيعها. إلا أن هذه المرجعية، أخذت في التضاؤل مع تقدم الفصل بين السلطتين الزمنية والروحية في أوربا. وهكذا نجد في تاريخ كل أمة مفاصل أساسية يتم الرجوع إليها بهذه الدرجة أو تلك حسب متطلبات ومقتضيات الحاضر.في كل مجتمع إذن هناك مجموعة أحداث مؤسسة إما ثقافية أو سياسية يتم باستمرار الرجوع إليها والاحالة عليها وإعادة تأويلها في اتجاه تأسيس وترسيخ ذاكرة جماعية مشتركة لأعضاء الجماعة. ووظيفة هذه الايديولوجيا هي تزويد الأفراد، والمجتمع، والأمة ككيان اجتماعي بهوية جماعية مميزة. هذه الايديولوجيا تحدد للفرد من هو وتحدد للأمة من هي، مع ما يترتب عن ذلك من أدوار ورسالة تاريخية وأهداف مستقبلية.وهذا المستوى الاجتماعي للايديولوجيا هو أعمق مستوياتها لأنه يتعلق ببناء المجتمع نفسه حيث تتحول الايديولوجيا إلى أداة صهر وعامل إندماج وتماسك لأعضاء الجماعة. في هذا المستوى تصبح الايديولوجيا بمثابة ملاط أو إسمنت يشد البناء الاجتماعي كله. فصورة الهوية التي تقدمها الايديولوجيا (سواء في صيغتها الثقافية أو في صيغتها السياسية) لا تنقذ الفرد من التيه والضلال، وتجعله يتماسك كذات فقط بل تشده إلى الجماعة ككل بأواصر هي من القوة والصلابة بحيث يتعذر تكسيرها.يرتبط بعملية تزويد المجتمع أو الفئة أو الهيئة بهوية عملية أخرى أساسية هي جعل الفاعلين الاجتماعيين متماثلين ومنصهرين في نفس البوتقة. ومن ثمة تلعب الايديولوجيا _سواء أكانت ثقافية أم سياسية، أم مهنية أم عرقية أم غيرها، وسواء على مستوى المجتمع كله أو على مستوى قطاع واحد من قطاعاته _ دور إسمنت إجتماعي يجعل الجميع يشعر بقوة بالانتماء للمجموعة، وبأن وجوده رهن بها وبأن مصيره متوقف عليها، وأن أهدافه هي أهدافها. وهذا ما دفع ألتوسير إلى القول بأن الايديولوجيا تحول الفرد إلى ذات، أي تحوله من كائن غفل ومن رقم مجهول ضمن الجماعة إلى فرد واعٍ بذاته، معتز بانتمائه للجماعة ومهيأ لتقبل قيمها واختياراتها وأهدافها، أي في النهاية إلى ذوات تعتقد أنها حرة وواعية ومريدة وفعالة وأساسية في الجماعة.الوجه الآخر لعملية تجميل الذات وتمجيدها هو عملية تقبيح الخصوم أو الأعداء أو المغايرين على العموم. ولعل كل إيديولوجيا لا تكتسب صلابتها الذاتية وتحصّن مواقعها إلا على أشلاء الآخر، فهي في حاجة دوماً إلى خصم (إلى آخر) تسقط عليه كل الصور السلبية المترسبة في الذاكرة والوجدان. فكما يتم اجتياف الصور الايجابية وإسقاطها على الذات وعلى الجماعة وعلى النحن، كذلك يتم إخراج وإسقاط الصورة السلبية والتحقيرية على الآخر الخارجي أولاً والداخلي في المقام الثاني. كل إيديولوجيا قائمة في هذا الإطار على أساس عملية بسيطة هي إضفاء صبغة مثالية على الذات وملحقاتها، وإضفاء صبغة شيطانية على الآخر وملحقاته، وذلك بهدف تحقيق التماسك والتلاحم الداخليين.وليس معنى هذه الآلية الفكرية أن الآخر المخالف والمختلف هو الذي يمنحني ذاتيتي كما قد يذهب إلى ذلك التصور الجدلي للعلاقة بين الأنا والآخر، بل إن الايديولوجيا _من حيث أن منطلقها هو منطلق الهوية _تميل إلى القول بأن الآخر آخر لأني أنا هو أنا. فهويتي لا أستمدها من اختلافي وخلافي بل من ذاتيتي، وهي أصل انبثاق ذاتية الآخر وهويته.تلك هي المهمة الأساسية لكل إيديولوجيا، والتي تجعل منها مكوناً أساسياً لكل مجتمع. فالمجتمع أو الرابطة الاجتماعية لا تنشأ من تواجد الناس التلقائي في المكان وانتهائهم إلى صياغة نوع من “العقد الاجتماعي” فيما بينهم كما تميل إلى تأكيد ذلك نظريات الحق الطبيعي، كما أن المجتمع لا ينشأ فقط لأن هنالك سلطة، أو عصبية أو قوة أو تحالفاً بين قوى هو الذي فرض مؤسسات وتنظيمات وعلاقات وأنشأ المجتمع. المجتمع لا ينشأ فقط عن تلقائية المصالح ولا ينشأ عن سيادة سلطة صاهرة وموحدة، بل إن هذه الشروط لا تكتمل وتكتسب قوتها وصلابتها إلا مع نشوء إيديولوجيا جماعية، أي نشوء تمثلات جماعية تهيء النفوس والعقول لتقبل واستساغة الحياة المشتركة. ليست السلطة وحدها هي أساس نشوء واستقرار واستمرار المجتمع، بل هناك شرط ضروري ومكون أساسي لكل مجتمع هو تهيؤ النفوس وطواعية الارادات التي صهرتها الايديولوجيا وهيأتها. وهذا “العنف اللطيف” الذي تمثله الايديولوجيا هو الذي يشكل الاسمنت الأساسي في كل مجتمع، وهو الذي يهيىء له شروط الاستقرار والاستمرار. وغياب الرابطة الايديولوجية معناه غياب عنصر أساسي من عناصر المجتمع، وبدونها يصبح المجتمع ايلاً إلى التفكك أو مشدوداً فقط بقوة سلطوية خارجية لا بانبثاق داخلي للشعور بوحدة الانتماء.وإذا كانت المجتمعات القديمة في أوربا وكثير من مجتمعات العالم الثالث الآن قائمة على إيديولوجيا مستمدة من معطيات دينية بهذا القدر أو ذاك فإن معظم مجتمعات الغرب اليوم قائمة على أساس إيديولوجيات عقلانية أي إيديولوجيات دهرية تستهدف تحقيق جملة أهداف دنيوية كالتقدم والنمو والحريات الملموسة والحقوق وتطوير القدرة الشرائية والعدالة، والتوزيع العادل للثروة والدخل، إيديولوجيا قائمة إما على الوطن أو الدولة أو العرق أو الطبقة أو غيرها. فالمجتمع بدون إيديولوجيا هو عبارة عن مجموعة أو شتات من الناس، والوطن بدون إيديولوجيا عبارة عن أرض. فهي إذن مكون أساسي من مكونات كل مجتمع إذ لا وجود لمجتمع بدون إيديولوجيا.

لماذا هذه التسمية للانتفاضات العربية: «الربيع العربي»؟ فقد شهدت المنطقة انتفاضات عدّة وفي مقدّمها الانتفاضة المصرية في سنة 1977 ضدّ سياسات السادات التقشّفية وما واكبها من رفع أسعار، والتي أطلق عليها السادات تسمية «انتفاضة اللصوص». في حين تم استخدام مصطلح «الربيع» لأوّل مرّة في مصطلح «ربيع الأمم» أو «ربيع الشعوب» للإشارة إلى الثورات الأوروبية في 1848. فإنّ لمصطلح «الربيع» إشارة لأنظمة «ديكتاتورية» تقوم بِـ «لَبْرَلَة» نظامها أميركيًا، وذلك إبّان الحرب الباردة ضدّ الاتحاد السوفياتي (مسعد، 2012). ويقال إن أول من صاغ التعبير الحالي للثورات العربية كانت مجلة «فورين بوليسي» الأميركية بحيث إنه لم يكن مجرّد خيار عشوائي أو فصلي، وإنما إستراتيجية أميركية للسيطرة على أهداف هذه الانتفاضات ومراميها.إذًا ما هو «الربيع العربي»؟ هل هو ثورة؟ ربيع عربي؟ تمرّد وعصيان؟ نهضة عربية؟ انتفاضة؟ أم هو خليط من كلّ ما ورد؟كان واضحًا من الأسابيع الأولى على انطلاقة «الربيع العربي» في تونس ومصر بأن الثورة لا تهدف فقط إلى الإطاحة بالدكتاتور الظالم الحاكم. إنما الثورة كانت تهدف إلى انهيار حكم الطاغية وتدمير حاجز الخوف والرعب المُقام بين الدولة والمواطن. نساء ورجال طالبوا بالعقد الاجتماعي social contract المزمَع تحقيقه في كلّ دولة حرّة مستقلة لها دستور وتؤمن بالعدالة الاجتماعية. ولكن ما ينقصنا كان حجر الأساس إلا وهو الإجماع consensus على تعريف موحَّد للعقد الاجتماعي وعلى جعله مطلبًا محقًّا لتحقيق العدالة الاجتماعية.فـ «الربيع العربي» يحمل في طياته أهدافًا سامية نادت وما زالت تنادي بها الشعوب التي تريد أن تعيش في مجتمع مدني يحكمه عقد اجتماعي عادل. إن غاية المجتمع والحكومة كما يحدّدها جون لوك هو الحفاظ على الحقوق الطبيعية الثلاثة: حق الحياة، وحق الحرية، وحق الملكية لكلّ فرد من أعضاء المجتمع. يرى روسو بالمقابل أن كيان السيادة في المجتمع هو الأهم. في هذا العقد الاجتماعي كلّ فرد هو عضو في كيان السيادة مع بقية الأعضاء وعضو في الدولة أيضًا. إذا إن العقد الذي ينصّ على فريقين أحدهما آمر والآخر مطيع هو عقد غريب ذلك لأن المتعاقدين هم المجتمع والمؤسسة السياسية. لذلك فإن الطاعة تتّخذ معنى جديدًا. الطاعة هنا تعتمد على حاجة فريق إلى الآخر في بناء مجتمع منظم بحيث يصبح القابضون على السلطة التنفذية ليسوا أسياد المجتمع بل هم موظفوه وخدامه (إسماعيل، 2007)إن العقد الاجتماعي ينطلق إذًا من مبدأ الفرد وليس المجتمع. فالأفراد هم الذين يصنعون المجتمع بالتعاقد فيما بينهم. فالمجتمع ليس إلا وسيلة أرادها هؤلاء، إما طلبًا للأمن أو حفاظًا على ما يسمّى بالحقوق الطبيعية عند لوك.انطلاقًا من هذا التعريف، تعرض هذه المقالة ماهية «الربيع العربي» عند أنطون سعادة من خلال نظرته إلى «العقد الاجتماعي ودوره في تنظيم المجتمع وعمل الفرد.الفرد الاجتماعي عند سعادةلقد رفض سعادة ان يكون الفرد ومجموعاته، منطلقًا وأساسًا لنظرته إلى المجتمع. في كتاب شروح في العقيدة (سعادة، 1958)، يركز سعادة على مفهوم «الإنسان الكامل» حيث يرى أن هذا الإنسان هو المجتمع لا الفرد. كما ويخصص سعادة هوية الفرد بإمكانياته في المجتمع. تجدر الإشارة إلى أن كلام سعادة لا يعني أنه ضدّ الفرد، بل هو مع الفرد الواعي لذاته ولذات مجتمعه؛ الفرد المنتمي إلى مجتمعه، وليس الفرد المنسلخ عنه. فسعادة، من خلال العقيدة السورية القومية، ربط في مقدمة كتابه نشوء الأمم الذي وضعه عام 1936 مفهوم «الوجدان القومي» بظهور شخصية الفرد وشخصية الجماعة. إذ اعتبر شخصية الجماعة “أعظم حوادث التطور البشري”. يؤكد سعادة هنا على التواصل الوثيق بين الفرد والمجتمع ويحدد بدقة عناصر هذا الرابط الدقيق واللطيف والأكثر تعقّدًا من خلال هذا التعريف:”إذ أن هذه الشخصية مركّب اجتماعي-اقتصادي- نفساني يتطلّب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته، أمّته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه، وأن يجمع إلى فهمِه نفسَه فهمَه نفسيّة متّحده الاجتماعي، وأن يربط مصالحه بمصالح قومه، وأن يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به ويودّ خيره، كما يودّ الخير لنفسه.” (نشوء الأمم، 1986، ص 7).يطالب سعادة بفرد يؤمن بالعصبية الاجتماعية المستندة على العصبية العضويةorganic solidarity المبنية على الوجدان القومي والتضامني collective conscience. دوركهيم، أحد أبرز علماء الاجتماع، بيّن من خلال نظريته بأن المجتمع بحاجة إلى نظام اجتماعي social order كحجر أساس للتطور ولتطبيق عمله الطبيعي المتكامل والمترابط. شدّد دوركهيم على أهمية الإنسان الفرد المزدوجة؛ فاعتبر أن الإنسان لديه وجهان: إنسان أناني يسعى إلى تأمين حاجته البيولوجية مثل الجوع والعطش، ما يجعله ساعيًا دومًا نحو اهتماماته ومصالحه الخاصة والاجتماعية. وهذا ما يؤخّر اندماجه بمنظومة المجتمع ككلّ بحيث تصبح صعبة وقاسية. أما الوجهة الأخرى للإنسان فهو اهتمامه بالقيم الأخلاقية المرتبطة بدوره في المجتمع. إن دور المجتمع ومؤسساته هو تنمية هذه القيم والعمل عليها لبناء مجتمع أفضل. لقد حدّد جورج عبد المسيح في كتابه البناء الاجتماعي المؤلف من عدة مقالات حول فكر سعادة، إمكانية الفرد الاجتماعية المتوافقة مع واقع متَّحده ومجتمعه. فالفرد هو وليد المجتمع والمجتمع هو “الأفراد في الاستمرار الواعي وليس شيئًا خارجًا عنهم كما إنه ليس شيئًا فيهم. إنه هم. إنه الوجود الحقيقي.” (عبد المسيح، 1993، ص 58). فالوجود كما صوّره سعادة وأعاد تفسيره عبد المسيح هو شمول القيم الإنسانية من خير وحق وجمال في واقع الحياة الاجتماعية المنظِّمة لحياة الفرد في أي مجتمع معيّن. آخذًا بهذه النظرية الاجتماعية، أضحى المجتمع السوري قيمة تجمع كلّ الخير وكلّ الحق وكلّ الجمال، كما وتجمع كلّ العدالة وكلّ المعرفة.نخلص هنا إلى أن الفرد يحمل جينات اجتماعية لا يمكنه التخلي عنها كما وأنه لا يختارها كما لا يختار والديه (سعادة، 1986). الفرد هو وليد المجتمع ويصبح إنسانًا حقيقيًا ومواطنًا عندما يقرّر التخلي عن أنانيته ويبدأ بالصراع الحرّ لتحقيق الأفضل (سعادة، 1986، 1993؛ عبد المسيح، 1993). السؤال المطروح هنا هو: ما هي طبيعة العلاقة بين الإنسان الحقيقي و«العقد الاجتماعي في الأمّة السورية؟ماهية «الربيع العربي» عند سعادةالمجتمع هو وحدة حياة مبنية على التنوّع المنسجم المؤمن بمصير واحد (سعادة، 1993). مجتمعُ مؤسِّس الحزب السوري القومي الاجتماعي هو الأفراد الواعون لحقيقة إمكاناتهم ضمن متّحداتهم. هذا الوعي ليس مصطنعًا وليس محدّدًا بإرادة الأفراد أو بإرادة خارجية كما وليس عقدًا اجتماعيًا، إنه واقع طبيعي. إن الوعي المطلوب تحقيقه في الدولة القومية الاجتماعية يحثّ على «الحرية الصراعية»، و«الواجب الطبيعي»، و«الانضباط»، و«القوة» لخلع النزعة الفردية والترقّي إلى مرتبة مواطن لديه إمكانية اجتماعية فاعلة.صوّر سعادة تطور الـ «أنا» عند الفرد عبر درس دور المؤسسات الاجتماعية social institutions في تربية المواطن. فربط بين الحالة النفسية والاجتماعية للفرد وحاول من خلال عقيدة الحزب السوري القومي الاجتماعي أن ينمي الـ «أنا» The I ضمن مجتمع سليم لتسموا إلى ضمير متكلم متصل بـ «أنا» me يعي وجود الآخر. ولكن قومية سعادة أغفلت، ربما، تأثير جدلية المجتمعات المبنية على أيدي مستعمر وهي الجدلية مع الآخر. بالرغم من إن القومية نشأت ضدّ الاستعمار ولكنها، في معظم المتحدات، كانت مرآة المستعمر. ونعني بمرآة المستعمر أي ما مارست هذه المتحدات من قيم غريبة عن طبيعتها مثل «الديمقراطية» و«العلمانية». بطلت هذه القيم لأنها بعيدة عن الواقع الطبيعي وغير مرتكزة إلى حقيقة، كما وأنها غير منبثقة من حقيقة. عبد المسيح (1993) حدّد مقياس الصحة والخطأ بحسب الواقع الحياتي الذي هو ديمومة المجتمع. إذًا هل العقد الاجتماعي من واقع حياة الأمّة السورية بمعناه القانوني الحالي والمطالَب به اجتماعيًا؟يربط سعادة بين الدولة ونشوئها والحقوق ويعتبر أن تحديد مفهوم الدولة ينطلق من طبيعة الحقوق التي تمنحها للمواطن. ففي مقال نشره سعادة في جريدة «الزوبعة» في عددها 15 سنة 1941 صرّح بأن الثورة الفرنسية انطلقت لسببين وهما: استبداد الطبقة الحاكمة ومطالبة الشعب بالإصلاح. في المقالة نفسها أضاف سعادة في شرحه عن الوضع في الأمّة السورية قائلاً: “النتيجة هي حصول صورة مقابلة، أي معاكسة، لصورة حالة فرنسا…في سورية فساد الحكم هو من فساد الشعب… في سورية المناقب تحوّلت إلى مثالب والأخلاق انحطّت. فالفساد في الشعب والشعب الفاسد الروحيّة يحتاج إلى إصلاح.” (سعادة، 1941، ص 39). تحية إلى سعادة وإلى الأمّة السورية الواعية لوضعها الحالي البعيد عن الواقع الطبيعي وحقيقة المجتمع!لقد كان سعادة واضحًا في تحليله، وحاول من خلال نشر العقيدة السورية القومية الاجتماعية في الداخل أن يبني مجتمعًا يرفض الخنوع للخارج من خلال مناقصات سياسية، اجتماعية، أو اقتصادية. اعتبر سعادة أن «الكمبرادورية» بمعناها الحالي هي خيانة تعلمها الفرد السوري من القوة الاستعمارية. الكمبرادورية تدل على أن دور النخب السياسية والإيديولوجية والثقافية التي اندمجت في النسق السياسي السائد لا تتجاوز كونها خادمة وخاضعة لسياسة القصر ولسياسة القوى الاقتصادية الكمبرادورية وللمصالح الإمبريالية التي يعتمد عليها القصر من أجل التحكّم في الوضع السياسي والاقتصادي لفرض استقرار سياسي هشّ ومزعوم على حساب المصالح الديمقراطية للطبقات الشعبية.الكمبرادورية، بمعنى آخر، تشبه عقلية «نملة المنّ» التي تطعن بالحق والجمال والخير لأمّتنا. وكم من فئة من الشعب التي تعتبر نفسها من النخب تكون بعقلية “نملة المنّ يفرزون حلاوة اللسان لتنمو عليها عواطف الناس وأحاسيسهم وميولهم ليعود الأنانيون لامتصاصها.” (عبد المسيح، 1993، ص 62). إن الأفراد الذين تتمثل بهم «نملة المنّ» يؤمنون بأن المجتمع وُجد من أجل الفرد، ومن واجب هذا الفرد أن يتغذّى وينمو ليعيش ويخدم جماعة نخبوية أخرى. هؤلاء الأفراد يعتبرون الفرد غذاء لمصالحهم الخاصة التي من خلاله سوف تنمو وتصل إلى مبتغاها. إن الفرد الذي «قرّر» أن يغذي هؤلاء الأفراد الذين يعتبرون أنفسهم من «النخب»، فهو يعمل بعقلية النملة النشيطة التي هي في شغل شاغل وتنقّل دائم، ولكن ليس لمصلحة المجتمع بل لتعهّد «المنّ» وتغذيته ليصبح صالحًا لخدمتها ومهيئًا لأن يؤكل. هذا الفرد الأناني ينتمي إلى الطبقة الكمبرادورية التي لا تعبّر عن نفسية الأمّة وتدفع المجتمع بأنانيتها إلى الانحطاط الحضاري. إذًا، الإصلاح يجب أن يكون من الداخل. يجب أن يكون من “فرد انشقّ على فساد المجموع وتغلّب على أهوائه.” (سعادة، 1941، ص 39). يجب أن تؤمّن ضمانات السلطة المطلقة لهذا المُصلح “ليضرب بيد من حديد على أيدي تجار الحقوق القومية والمصالح الشعبية، وليضع حدًا لعبث العابثين بالنظام ولتدجيل المزدرين بكرامة الأمّة وحقوقها، وليمنع الفوض وليعلّم ويدرّب وينشئ المؤسسات الجديدة الصالحة.” (سعادة، 1941، ص 39). سوف يقع على عاتق هذا المصلح دورٌ رياديٌ للتغيير. عليه أن يقترح مشروعًا تنمويًا قوميًا وطنيًا يحقق الخبز والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والحرية في ربيعٍ عمادُه تجديد الوجدان القومي في الأمّة السورية وليس فقط التحرّر الوطني. نخلص إلى القول بأن أي ربيع لأي أمّة يجب أن يزهر من داخل الأمّة، على أسس صاغتها وآمنت بها جميع فئات هذه الأمّة. إن ربيعًا بلون الصراع نحو الأفضل يشمل كلّ الفئات الشعبية ويحفظ كرامة الأمّة هو المطلوب. أي صراع نحو التغيير يجب أن ينبثق من حقيقة المجتمع كقيمة عليا للوصول إلى مجتمع سليم ظافر. استنادًا إلى ما ورد، يمكن الخلوص إلى أن سعادة كان قد وجد عيوبًا جوهرية عدة في «الربيع العربي» بدءًا بهوية هذا الربيع وصولاً إلى آلية تطبيقه ونتائجه. سعادة، صاحب النظرة الشمولية والعقائدية المتينة، وقبل بدء أي فصل في حياة أمّة كان شدّد على ما يلي:أولاً: لقد آن الأوان للقبول بفكرة الأمّة بالدرجة الأولى لأن أية قومية لن تكون غير “التعبير الروحي الشخصي لشخصية الأمّة، فإذا لم تكن هنالك أمّة ولم تكن هنالك نفسية واضحة لم يمكن القيام بنهضة قومية صحيحة.” (سعادة، 1993، ص 159). إن الصراع في سوريا، كما صوّره ناهض حتر (2012)، في مقالته حول «الربيع العربي»، أظهر الترابط العضوي القائم بين سوريا الشام، ولبنان، والأردنّ، وفلسطين، والعراق. هذه الكيانات الخمسة ترتبط ضمن فضاء سياسي واحد يتمثل بالانقسام الحاد الطائفي والطبقي والسياسي الموالي والمعادي لقوى خارجية تمتد طاقتها من الداخل. هذه الفئة السياسية والاجتماعية والاقتصادية الكمبودارية تعلمت كيفية التلاعب بمصير أمّة، بتأمين مصيرها، حياتها، ووسائل تقدمها. أدت هذه الفئة إلى خلق نظام جديد يجعل الحياة في الأمّة أكثر إذلالاً وخنوعًا بعيدًا عمّا هو “أرقى، وأفضل، وأجمل”.ثانيًا: لقد شدد سعادة في كتاب الدليل الى العقيدة (1993) على ما يلي:”من البديهي أن الأمّة التي لا عصبية لها تكفل القيام بنهضتها هي نفسها، ليست بالأمّة التي يُنتظر منها أن تنهض بالأمم الأخرى وتقودها في مراقي الفلاح.” (سعادة، 1993، ص 166). وبقوله هذا يعتبر سعادة أن سياسة «النأي بالنفس» عما يحدث لدى الجيران لا يمكن أن تقود أي ثورة إلى المرامي التي تسعى إليها. للوصول إلى الأهداف المرجوّة للربيع العربي ضمن الدول العربية والأمّة السورية يجب حصول الإدراك الواضح والصريح لحقيقة مجتمعاتنا وتحديد العصبية التي على أساسها يجب أن يتم التغيير: هل هي العصبية المبنية على الانتماء الأولي primary belonging أم هي العصبية المبنية على الحياة القومية المستمدة أهدافها من غاية الحزب السوري القومي كما نص عليها بيان الحزب؟:”غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمّة السورية حيوتها وقوتها، وتنظم حركة تؤدي إلى استقلال الأمّة السورية استقلالاً تامًا وتثبت سيادتها، وتأمين مصالحها ورفع مستوى حياتها، والسعي لإنشاء جبهة عربية.” (سعادة،1993، ص 157)النهضة القومية تحتاج إلى انتماء ثانوي secondary belonging الذي يدفع المواطن والدولة إلى الاعتراف وقبول الآخر ضمن الحدود الطبيعية. فالسوري القومي هو من يردّد ويعمل وفق مبدأ: “مصلحة سورية فوق كلّ مصلحة”، لأنه بذلك يقيد مصالحه الخاصة بمصلحة الأمّة. يدل هذا على أن سعادة قد عمل على إنقاذ المواطن السوري بنقله من واقع بيئته المنغلقة إلى واقع الأمّة. ودفع المواطن إلى التفكير بالحياة والكون والفن والشرف والعزّ والمصير فوق اي اعتبار فردي ومصلحة جزئية. إن الدولة القومية الاجتماعية، بحسب سعادة، هي وحدة قضائية-شرعية تضمن تساوي الجميع أمام القانون. إنها الدولة التي تنقذ الشعب من “كوابيس الخوف، من الرجعية المكبِّلة له والمحقّرة لمفاهيمه، من تراكمات الماضي… من أحقاد الطائفية والعائلية والعشائرية، ومن ذلّ النزعة الفردية التي تشدّ المواطن إلى الإحساس بجلده…” (عبد المسيح، 1993، ص 240).ثالثًا: إن التراث الثقافي السياسي للأمّة السورية الذي تميز عن الصحراء العربية من جهة وعن مصر من جهة أخرى، يؤيد وحدة مصير الأمّة وتحديد العدوّ على انه اليهود وليس الداخل. والجدير بالذكر أن «الربيع العربي»، قد خلق ظاهرة «شجاعة الجبناء» عند فئة من الشباب السوري. وصف عبد المسيح (1993) «شجاعة الجبناء» بأنها ظاهرة تبرز في كلّ مجتمع لم يعِ بعد حقيقته لتحقيق القيم الإنسانية. فالشباب الذي يعيش قيمة «شجاعة الجبناء» هم من “يصيحون صياح الحرب ويحسنون قرع طبول الحرب وتصوير المعارك، ولكنهم عند بوادر الصراع يهربون إلى ظلال كهوفهم وأصدائها يصفقون وينوحون والحقيقة معكوسة عندهم.” (عبد المسيح، 1993، ص 160). في كلّ متَّحَد في الأمّة السورية يوجد عدوّ داخلي، إنه الفردية المعششة في ذوي النفوس الضعيفة المكبّلة بالخوف، وهؤلاء الذين أبوا أن يرتقوا إلى رتبة مواطنين، هم مشروع لسياسة القوى الاقتصادية الكمبرادورية. رابعًا: لقد اتّضح من خلال الثورات العربية بأن العقد الاجتماعي بمفهومه السياسي، والوطني، والقانوني، والمدني، لا يطابق حياة المجتمع السوري. إن فئة كبيرة من شعب هذه الأمّة غير مهيأ لتطبيق هذا العقد باعتباره يتضمن مفاهيم غريبة عن طبيعة المجتمع.سعادة والحلّ يمكن الاقتناع، من خلال ظاهرة «الربيع العربي»، بأن فئة كبيرة من الشباب يقبل الظلم ويعايشه على أنه حقيقة. وما سينتج عن «الربيع العربي» من تبّاعية وسلفية وفوضى مرحّب به على أنه حقيقة. أحد الحلول التي يمكن لسعادة أن يعمل بها هو إعادة نظم الحياة والنظر إلى القيم التي تعلمها المؤسسات الاجتماعية. والوسيلة الوحيدة للتوصل إلى هذا الحلّ هي عن طريق تطبيق “الديكتاتورية العادلة، ديكتاتورية الحاكم”، ذي النظرة العامة، الخبير بنفسية شعبه، المنطلق في عمله من المبادئ القومية الاجتماعية المعبّرة عن مصالح جميع الفئات الشعبية. إنها «دكتاتورية» ضدّ التهميش، والفقر، والكمبرادورية والامتيازات الطبقية، والفساد، والتمويل الأجنبي، والرجعية…لقد برهن «الربيع العربي» عن عمق الجهل في المجتمعات. برهن عن تبعية الشباب وقوقعتهم في دينهم وطوائفهم. إن نتيجة «الربيع العربي» هو تثبيت الفكر الفردي الروحاني والبعد عن الفكر العلمي والاجتماعي. إذًا، نحن أمام جدلية أخرى وهي ما قبل وما بعد «الربيع العربي». فالمواطن الذي لا يعي علاقته بالأمّة والبشرية لن يفهم دوره الفعّال في المجتمع وسوف يقاد كالنعجة إلى أي صراع دون الوعي بوحدة مجتمعه.سعادة والأملإن فكر سعادة يكشف أن أكبر انتفاضاتنا القومية في العالم العربي والأمّة السورية عاقرة غير مجدية إذا كانت مبنية على الفردية. عمل سعادة على تحرير أعضاء حزبه من بيئاتهم وعوامل الرجعية في وطنهم وطالب بالتفافهم وراءه لإنقاذ أمّتهم. لقد قضى على اليأس الذي دبّ في نفوس بعضٍ ممّن كانوا لا يضعون ثقتهم بالأمّة السورية من خلال بناء الحسّ الوطني الموحد. إن عمل سعادة كان هجومًا على معاقل الجهل الذي ما زال متفشيًا لغاية اليوم.إن النهضة السورية القومية، المتجسدة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، هي صراع دائم إلى نهضة نابضة لا على أيدي قوى أجنبية، ولا على أيدي عناصر رجعية في الأمّة، بل على أيدي سورين قوميين حقيقيين. والحقيقيون “هم من آمنوا بشخصية الأمّة الاجتماعية وحقوقها ومصالحها.” (صايغ، 1947). نحن أمّة ترفض الفردية، كما ونرفض أن تكون النهضة حكرًا على قوى دون الأخرى. في خطاب ألقاه سعادة بتاريخ 28 تشرين الثاني 1943، صرح قائلاً: “الأفراد يذهبون ويجيئون ويتبدلون ويتغيرون. أما العقيدة فتبقى راسخة، لا تتبدل ولا تتغير، ولا تتزعزع مع النفوس المتزعزعة، وإذا سقط أفراد، ضعفاء في عزائمهم وإيمانهم، فالعقيدة لا تسقط بسقوطهم، والقضية تبقى قائمة بقيام العقيدة.” (سعادة، 1941، ص 39).«الربيع العربي» بكل مدلولاته الظاهرة هو نهضة ولكن من نوع آخر. هو النهضة المعاكسة التي تتمثل بالشلل الأيديولوجي…إنها “حرب ما بعد الحداثة”. (حتر، 2012). إنها النهضة التي تقبل بالرجعية، والانطوائية، و«الإرهاب»، والعودة إلى التحالف والتضامن الآلي mechanical solidarity كمرجعية للحصول على حياة أفضل للشعوب. فالشعوب تلجأ إلى مرجعية اجتماعية تعتبرها قدوة في حياتها؛ فإذا أصبحت القدوة هي الفئة الكمبرادورية وابتعدت المجتمعات عن تكوين قوى قومية تعمل على التغيير المنظم والمدروس، فعلى الشعوب السلام وأهلاً بالنادي الإمبريالي الهادف إلى تدمير كلّ أمّة تعهدت بوحدة المصير، والانتماء، والتحرر من قيود الخوف وعدم فقدان الثقة بالنفس والقبول بالإرادة الخارجية (سعادة، 1947). عندما قرّر الشعب المصري العودة إلى الأصولية، كان ربيع «أم الدنيا» شتاء شعبها لأن التعصب الديني كان هو المرجع. عندما قرّرت ليبيا الإطاحة بمعمّر القذافي، كان ربيع ليبيا شتاء شعبها لأن الخارج وكمبرادورية النظام كانا المرجع. وعندما قرّر جماعة من الشعب الشامي المطالبة بصنع القرار، كانت الحقيقة التي عرّت الكثيرين وكشفت زيفهم؛ الحقيقة عرّتهم لأنها «وجود ومعرفة». إن «الربيع العربي» أصبح «إيدولوجية» الفوضى والجنون. والالتباس الخبيث غايته تقديم «الربيع العربي» على أنه الخلاص، بعد اغتيال الأمل!قال سعادة في توكومان في الأرجنتين عام 1943: “أنا هنا محارب لا منزوٍ، أنا هنا، وفي كلّ مكان، لأعادي من يعادي نهضة أمّتي ولأسالم من يسالمها ولأود من يودّها.” (محسن، 2000)لقد آن الأوان إلى العمل السياسي والاجتماعي والتربوي المنظّم لإعادة شقّ الاتجاه الصحيح وذلك بالتعبير الصادق والواضح والجريء عما تريده أمّة عريقة، وغنية، وظافرة أبدًا نحو الأفضل… قبل اغتيال الأمل!

عودا علي بدء
تكمن مشكلة القيادات السياسية السودانية  المعارضة للنظام في
١/  الصراع حول من يتصدر المشهد ( في هذا الكل يصترع مع الاخر )
٢ / الخلاف الجزري حول فكرة التغيير  البنيوي (في هياكل الدولة ومراكز القوة داخل المؤسسات) التي يطلبها واقع الحال  وصيرورة حركة التاريخ والمجتمع
٣/  اختلاط مفاهيمي لتفسير العملية  النضالية  (التكاملية ) والعملية السياسية(التنافسية ) لدي كل القيادات السياسية فالكل ينفاس الكل
٤/  الاختلاف في الغرض الرئيس

مفهوم النظام العام.

مفهوم النظام العام
✏✏✏✏✏✏✏✏✏

تعريف النظام العام : لقد تنوعت التعاريف الفقهية للنظام العام تنوعا كثيرا ومرده يعود إلى سببين ، وأول سبب يعود إلى مفهوم النظام العام في بلد معين أو زمن معين ، أو في مجتمع سياسي معين ، وثاني سبب يعود إلى مدى تطبيق أو شمول نطاقه.

ولقد عرفه – جودو ليوري لا مردا ندير- “بأنه مجموعة الشروط اللازمة للأمن والآداب العامة التي لا غنى عنها لقيام علاقات سليمة بين المواطنين بما يناسب علاقاتهم الاقتصادية”.
ويتجه شراح القانون المدني منهم – كابتن بايس- إلى تحديد النظام العام ، على نحو يختلط بالمصلحة العامة والمحافظة على الدولة.

ويتجه فريق من الفقهاء إلى التأكيد على الطابع غير المحدد لفكرة النظام العام ، غير أن الجمهور يتجه إلى القول بأن النظام العام ، يمكن تحديده في عناصر المتمثلة في الأمن العام والسكينة والصحة والآداب ، وأسباب الاختلاف في تعريف النظام العام هو طبيعة في تعريف النظام العام هو طبيعة هذا النظام هل هو حالة واقعية أم فكرة خلقية أو شعورية ، وقد ذهب في هذا الصدد العلامة –هوريو- إلى أن النظام العام حالة فعلية معارضة للفوضى وترتبط بالوقائع وتتقيد مع الظروف ومجمل القول أن النظام العام هو :
مجموعة من القواعد الجوهرية التي يبنى عليها كيان الجماعة سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية أم خلقية.

الجوانب المؤثرة في النظام العام : إن النظام العام الذي يقوم علية كيان الجماعة هو نظام عام يتلاءم مع طبيعة وخصوصيات المجتمع لآن قواعده مستوحاة من حياة الأفراد ومعاملاتهم وتصرفاتهم اليومية ، هذا وقد تؤثر في النظام العام بعض المؤثرات منها :

أ)- الجانب السياسي : إن المجتمعات تختلف باختلاف أنظمتها السياسية التي تحكمها فمنها ذات النظام الديمقراطي الذي يقوم على انتخاب الشعب لممثليه ، ومنها من أخذت بالنظام الملكي القائم على الوراثة ، ومنها من إنتهجت النظام الديكتاتوري الذي يقوم أساسا على من يملك القوة يملك السلطة والحكم.

ب)- الجانب الاقتصادي : تختلف المجتمعات باختلاف أنظمتها الاقتصادية فمنها من انتهجت النظام الاقتصادي الاشتراكي ، وهذا النظام تسيطر فيه الدولة على جميع أوجه حياة النشاطات الاقتصادية حيث تتوسع فيه فكرة النظام العام والقواعد الآمرة والناهية التي تنظم الاقتصاد ، خلافا لما هو عليه في المجتمعات التي أخذت بالنظام الليبرالي الحر الذي يقوم أساسا على حرية الأفراد في التجارة والملكية وتقل فيه

السودان في التاريخ القديم

السودان في نصوص الكتاب المقدس (التوراة والإنجيل) ..

عبد المنعم عجب ألفيا
abdfaya@yahoo.com

للسودان حضور ملحوظ ومؤثر في الكتاب المقدس The Bible(التوراة والإنجيل). وقد قمت بمسح استقصائي فوجدت أن اسم السودان ومشتقاته ورد في العهد القديم ( التوراة) The Old Testament أكثر من خمس وعشرين مرة. وفي العهد الجديد (الإنجيل) The New Testament ورد مرة واحدة.
وهنا لابد من الانتباه إلى أن الكتاب المقدس في نصه الأصلي، العبري والآرامي، يستعمل كلمة Cush “كوش” اسما لبلاد السودان. أما النص الإغريقي واللاتيني المنقول عن النصين، العبري والآرامي، فيترجم كوش إلى “أثيوبيا” Ethiopia للإشارة إلى السودان الحالي.
وكان الإغريق يطلقون على بلاد كوش “أثيوبيا” وهي كلمة إغريقية تعني بلاد ذو الوجوه السوداء أو المحروقة بالشمس. أما الإنجيل، لما كان قد كُتب ابتداء باللغة الإغريقية، فقد استعمل كلمة أثيوبيا للإشارة إلى السودان الحالي على النحو الذين سيأتي ذكره في موضعه هنا.
وتبعا لذلك نجد أن ترجمات الكتاب المقدس، التي أخذت عن النص العبري والآرامي تبقي على كلمة كوش (السودان) كما هي، بينما تلك التي أخذت عن النص الإغريقي واللاتيني فتبقي على كلمة أثيوبيا الإغريقية للدلالة على السودان.
إلا أننا نجد بعض الترجمات المعاصرة غير العربية، تستعمل اسم “السودان” بديلا لكوش وأثيوبيا. ولحسن الحظ أن الترجمتين الانجليزيتين للكتاب المقدس اللتين وجدتهما بمكتبتي واللتين حوزتهما في أزمان مختلفة، يذكران السودان باسمه الحاضر “السودان”.
وبالبحث في الترجمات العربية المبذولة في الشبكة العالمية لم أجد ترجمة عربية استعملت اسم السودان، فكلها تقريبا أبقت على اسمي كوش وأثيوبيا بعضها مصحوب بشروحات تفيد أن المقصود بكوش وأثيوبيا، بلاد السودان الحالية، وأغلبها جاء غفلا من هكذا شروحات. وفي تقديري أن الملايين الذين يقرأون الكتاب المقدس اليوم سوف لن ينتبهوا من تلقاء أنفسهم أن أثيوبيا المذكورة في الكتاب المقدس يقصد بها بلاد السودان وإنما ستنصرف أذهانهم على الفور إلى أثيوبيا الحالية حصرا. والمعلوم أن أثيوبيا الحالية اتخذت هذا الاسم حديثا. واسمها القديم “ابيسينيا Abyssinia والتي ترجمها العرب إلى ” الحبشة” (انظر موسوعة ويكيبيديا الانجليزية مادة أثيوبيا). ولذلك فان ترجمة لفظ كوش أو أثيوبيا في الكتاب المقدس، إلى الحبشة، على النحو الذي نجده في بعض الترجمات العربية للكتاب المقدس، يعد خطأ فادحا.
والحقيقة أن جل الكتابات العربية المعاصرة عن التاريخ القديم، تغفل أما جهلا أو عمدا بيان أن أثيوبيا في التاريخ القديم أول ما تعني السودان الحالي. بل حتى أن كثيرا من المصادر الغربية لا تلقي بالا لهذا التمييز فيحدث الخلط. وهنا يظهر تقصيرنا نحن – السودانيين – في التعريف بمكانة بلادنا في تاريخ الأديان والحضارات القديمة.
وكوش في التوراة، ولد حام ابن نوح، وقد سميت عليه بلاد السودان في الكتاب المقدس. وتذهب بعض المصادر إلى أن الكلمة ذات أصل مصري قديم “كاش” بمعنى ذو البشرة السوداء،استعملها المصريون لوصف سكان بلاد السودان القديم. فأخذتها عنهم شعوب التوراة اسما لهذه البلاد.(انظر موسوعة ويكيبيديا الانجليزية مادة كوش). ومن كوش اشتق اسم اللغات الكوشية وهي فرع من فصيلة اللغات الحامية وتشمل ضمن لغات أخرى لغات النوبيين والبجة والبربر واللغة الصومالية واللغات غير السامية لشعوب الحبشة وغيرها.
وتحدد التوراة السودان القديم بأنها البلاد الواقعة جنوب أسوان وهي حدوده الحاضرة ذاتها. فقد ورد بسفر حزيقال بالعهد القديم من الكتاب المقدس :” وأجعل أرض مصر خرابا مفقرة من مجدل إلى أسوان إلى تخم كوش” سفر حزيقال – الإصحاح 29. والنص بالانجليزية :
I will make all of Egypt an empty waste, from the city of Migdol to the city of Aswan in the south, all the way to the Sudanese boarder.”
وأول ما يرد ذكره عن السودان بالتوراة، نهر النيل، حيث توصف جنة عدن التي كان فيها آدم وحواء، بأنها كانت تشقها أربعة أنهر. أحد هذه الأنهر، يسمى جيحون، وهو نهر النيل. تقول التوراة :” واسم النهر الثاني جيحون وهو المحيط بجميع أرض كوش” – سفر التكوين – الإصحاح الثالث عشر. وقد ورد في الحديث النبوي، أن النيل من أنهار الجنة. وترد الإشارة إلى أنهار السودان في الكتاب المقدس أكثر من مرة.
إلا أن الأمر اللافت للنظر أن التوراة تمجد روحانية شعب كوش وتشيد ببسالتهم في الحروب وتصفهم بأنهم مهابون من كل الشعوب ويثني على طول قاماتهم وجمال بشرتهم الناعمة (الداكنة). ورد ذلك بسفر اشيعاء – الإصحاح الثامن عشر حسب الترجمة الانجليزية التي بحوزتي:
Beyond the rivers of Sudan there is a land where the sound of wings is heard. From that land ambassadors come down the Nile in boats made of reeds. Swift messengers! Take a message back to your land divided by rivers, to your strong and powerful nation, to your tall and smoothed-skinned people, who are feared all over the world.”
وترجمتها :” من وراء أنهار السودان من تلك الأرض التي يسمع منها حفيف الأجنحة، من هنالك جاء الرسل خفافا سراعا في النيل على مراكب من البردي، أيها الرسل الخفاف خذوا هذه الرسالة وعودوا إلى أرضكم التي تجري خلالها الأنهار، إلى قومكم طوال القامة، ذوي البشرة الناعمة، الأقوياء الأشداء المهابين من جميع شعوب الأرض”.
قوله :” الأرض التي يسمع منها حفيف الأجنحة” إشارة إلى الآلهة عند الأولين، وهي عبارة تنم عن المكانة الروحية للسودان لدى الشعوب القديمة. وقد وجدت ما يشير إلى أن قدماء الإغريق يعتقدون أن أرض السودان (كوش) موطن آلهتهم.
وتسجل التوراة بعض الأحداث التي تمجد تاريخ ملوك (كوش) الذين حكموا مصر وهزموا الأشوريين وأخرجوهم من مصر وأورشليم. ومنهم ترهاقا العظيم الذي وردت الإشارة إليه بالاسم مرتين في التوراة. مرة في سفر الملوك الثاني ومرة بسفر اشيعاء. والعبارة المذكورة في السفرين حسب الترجمة الانجليزية هي:
‘Word reached the Assyrians that the Egyptian army, led by king Tirhakah of Sudan, was coming to attack them.”
وترجمتها :”ووصلت رسالة إلى الأشوريين بان ترهاقا ملك السودان جاء يقود جيوش المصريين لمهاجمتهم.” سفر اشيعاء الإصحاح 37
وكان الأشوريون – حكام بابل – على أبواب أورشليم حين دعى اشيعاء الرب أن يحفظ شبعه منهم ويستغيث بملوك كوش ليصدوا عن العبرانيين شر الأشوريين الذين شكلوا خطرا ماحقا آنذاك على دول المنطقة.
ويؤيد التاريخ إشارة التوراة إلى الملك ترهاقا ويخبرنا أن ملوك كوش قد اخضعوا مصر وحكموها وامتد نفوذهم إلى فلسطين وسوريا وأنهم حاربوا الأشوريين وأخرجوهم من مصر والقدس. وأشهر هؤلاء الملوك، بعنخي وترهاقا.( انظر: نعوم شقير – تاريخ السودان).
ولفت نظري أيضا أن موسى عليه السلام قد تزوج بسودانية (كوشية) ورد ذلك بالعهد القديم ( التوراة) سفر العدد – الإصحاح الثاني عشر:
Moses had married a Cushite woman, and Mariam and Aaron criticized him for that.’
وترجمتها:” وتزوج موسى بامرأة كوشية وقد عنفه كل من مريم وهارون على ذلك.”
فهل أن شعيبا الذي يخبرنا القرآن الكريم انه زوج بنته النبي موسى، كان سودانيا؟ وهل مدين المذكورة كانت بأرض السودان (كوش)؟؟
بل أنني وجدت الطبري، المفسر والمؤرخ المسلم المعروف، يصف نبي الله موسى نفسه بقوله:” وكان موسى عليه السلام رجلا آدم أقنى جعدا طوالا”. قصص الأنبياء – دار الفكر ص 290 وآدم صفة تعنى أسمر أو أخضر.
ويبدو أن البشرة السوداء الناعمة التي عدتها التوراة من مميزات السودانيين، كانت من مقاييس الجمال في ذلك الزمان البعيد. فالحسناء التي شاركت في كتابة أشهر قصيدة في العشق وهي أغنية نشيد الإنشاد بالعهد القديم، كانت سودانية البشرة.
نشيد الإنشاد Song of Songs عبارة عن ديالوج بين تلك الحسناء السمراء ورجل لم يسمى في داخل النص. ولكن التوراة تعنون النص : نشيد الإنشاد – أغنية الملك سليمان. وبذلك نستدل أن الرجل الذي يبادل الحسناء عبارات (الحب) هو سليمان. تقول تلك الحسناء والتي لم تسمى أيضا – في مستهل سفر نشيد الإنشاد متباهية بجمالها:
Women of Jerusalem, I am dark but beautiful.., dark as the curtains in Solomon palace. Don’t look down on me because of my color, because the sun has tanned me.,
وترجمتها:” يا نساء أورشليم، إنني داكنة البشرة لكنني جميلة، داكنة كستائر قصر سليمان. لا تنظرن إليّ شزرا لسواد لوني، فالشمس قد شوتني”. وفي ترجمة انجليزية أخرى:
O ye daughters of Jerusalem, I am black but comely.., Look not upon me because I am black, because the sun has looked upon me.
إذن هذه الحسناء أجنبية وليست من جنس سليمان. فهل هي بلقيس؟؟ وهل كانت سودانية؟
نحن نعلم أن هذا التساؤل يصطدم بالاعتقاد الشائع في التراث العربي بأنها يمنية، ولكن الأمور ليس بهذا الحسم الذي يظنه البعض. فإخواننا في الحبشة عندهم إيمان راسخ بان ( بلقيس) حبشية وفق ما هو مقرر بكتابهم المقدس” كبرانقس”.( انظر: مقالنا بلقيس الحبشية). وهنا لا بد من تقرير حقيقة تاريخية في غاية الأهمية وهي أن بلاد كوش أو أثيوبيا القديمة (السودان) تمتد من جنوب أسوان بمصر لتشمل السودان ثم ارتريا والحبشة والصومال واليمن وجنوب جزيرة العرب : اليمن وعسير وساحل عمان.
هذا ما نجده عند مؤرخي الإغريق والرومان. واستنادا على ذلك يقول نعوم شقير:” أثيوبيا هو الاسم الذي أطلقه اليونان على جميع بلاد السود والشديدي السمرة ومعناه الوجه الأسود أو المحرق فهو على إطلاقه يشمل السودان والحبشة والعرب إلا أنه خُص بالبلاد التي فيها كلامنا”. يقصد السودان. ( انظر جغرافية وتاريخ السودان ص 297). ويُحمد لنعوم شقير انه يكتب عن تاريخ السودان القديم تحت اسم أثيوبيا، تأكيدا على أن أثيوبيا في الكتابات القديمة تعني السودان. وهو تقليد لم نجده عند المؤرخين السودانيين أو غيرهم.
أن يشمل السودان القديم جنوب جزيرة العرب أمر مثير للانتباه وللعديد من الأسئلة ومن شانه الإطاحة بكثير من المسلمات. ولكن علينا أن نتذكر هنا الإشارات الواردة في الحديث والسيرة والأشعار وبعض الكتابات والبحوث التاريخية الدالة على أن السواد أصل العرب! وإذا قرأنا ذلك في ضوء الاعتقاد السائد أن اليمن أصل العرب تتكشف لنا الصورة المغيبة. أذكر أن أحد العارفين من الإمارات العربية، ذكر لي مرة في نقاش عابر،أن العرب في أصلهم سود، ولكنهم اختلطوا بالشعوب الأخرى. ( انظر مقالنا: في الزرقة والخضرة والسواد).
هذه بعض الإشارات الواردة بالتوراة (العهد القديم) من الكتاب المقدس، عن السودان. وإذا انتقلنا إلى الإنجيل – العهد الجديد من الكتاب المقدس، نجد إن الإشارة إلى السودان وردت مرة واحدة باسم أثيوبيا. وكما سلف أن الإنجيل كتب أول مرة باللغة الإغريقية وقد رأينا أن الإغريق يطلقون على السودان ( كوش) اسم أثيوبيا. جاء بسفر أعمال الرسل – الإصحاح الثامن:
Now there was an Ethiopian, a court official of the queen Candace, in charge of her entire treasury.,
وترجمتها:” وإذ برجل من إثيوبيا، وزير ببلاط الملكة كنداكه، والمؤتمن على جميع خزائنها”.
والثابت من ذكر الملكة كنداكه أن المقصود بأثيوبيا هنا السودان الحالي. والمعلوم أن ملكات مملكة مروي كان يطلق عليهن لقب كنداكه. ولذلك فانه من الخطأ الفادح أن تترجم كلمة أثيوبيا هنا إلى ” الحبشة كما نجد في بعض الترجمات العربية. وذلك انه إذا كانت أثيوبيا قديما تعني أول ما تعني بلاد السودان، فان الحبشة لا تشمل السودان الحالي. وعلى ذلك يعلق الأب “فانتيني” الايطالي على الترجمة العربية لهذا النص والتي وردت فيها كلمة الحبشة، بقوله:” القنداقة ملكة الحبش- هي ملكة مروي كبوشية لان هنالك عددا من الوثائق يؤكد أن هذا اللقب يختص بملكة مروي كبوشية”. انظر فانتيني- تاريخ المسيحية في الممالك النوبية القديمة ص41.
شكرا لهذه الدراسة الجميلة يا استاذ صابر هل تسمح لي بنقلها ؟
ضياء الدين ميرغني

نص ممتاز

إنشاء الخطاب وتفكيك النصد. عبدالغني عمادـ قراءة نقدية في نصوص الإسلاميين الحزبيينتنطلق منظومة الأفكار المنتجة لمفهوم ((الحاكمية الإلهية)) من بنية معرفية تاريخية، مغايرة لواقع شديد الاختلاف. إنها تكفّر ((الدولة)) بشكل عام، والدولة المعاصرة بشكل خاص، لأنها تعتدي على سلطان الله وحاكميته، وتشاركه أحد صفاته، وهي التشريع، وتجعل نفسها نداً لسلطانه.يكتفي المودودي بتكفير ((الدولة)) ويصف المجتمع بـ ((الجاهلية))، أما سيد قطب فيبني خطاباً يتخطى تكفير الدولة والمجتمع إلى تكفير الأمة، لأنها عندما تطيع الدولة وتخضع لها تكتسب صفة ((الشرك)) وتعود بذلك وثنية ـ جاهلية. يقوم سيد قطب بمزج مفهومي ((الحاكمية)) و ((الجاهلية)) ليؤديا دوراً جديداً يدفع نحو تأسيس مجتمع الدعوة من جديد. فالحاكمية تكفر الدولة، والجاهلية تكفر المجتمع والأمة وتنفي إسلامها لأنها تطيع الدولة وتخضع لها من جهة، ولأنها أصبحت تفتقد المعنى الحقيقي للشهادتين من جهة أخرى.إذن يقوم سيد قطب بـ ((نعي)) المجتمع المسلم الذي يفقد وجوده، ويدعو إلى تأسيس قيامة جديدة له تتحقق على أيدي طليعة مختارة شبيهة بالصحابة الذين رافقوا النبي (ص). لا مفر إذن أمام المسلم من ((الخروج)) على الدولة و ((الهجرة)) من المجتمع و ((تكفير)) الأمة، للمحافظة على إسلامه، على أمل إعادة إنتاج الأمة وتأسيس المجتمع وإطلاق الدعوة من جديد.يتحول مفهوم ((الحاكمية الإلهية)) على يدي سيد قطب إلى ((أيديولوجية)) تقوم بشحن مصطلحات قديمة بدلالات حديثة، معيدة ترتيبها وتصنيفها من جديد، وفق منظومة من المفاهيم، متراصة في تسلسل محكم، قادرة بحد ذاتها على إنتاج وتوليد مفاهيم جديدة مستقاة من مصطلحات قديمة. فالقضية تبدأ بتكفير الأمة والمجتمع، بمقتضاها تتحول ((دار الإسلام)) إلى ((دار حرب))، عندها يموت التاريخ، ليبدأ مشهد جديد يرفض اعتبار المجتمعات القائمة اليوم ((مسلمة))، لأن القبول بهذه التسمية يُستعمل كـ ((فخ)) يراد منه إحداث ممانعة لخطاب الإسلامي الانقلابي التكفيري. إذن نحن أمام مشهد جاهلي جديد، من الخطأ ـ وربما من التآمر ـ تلوينه أو تجميله أو تمويهه.ـ قضاة أم دعاة؟يختصر هذا الخطاب المسألة كلها بافتراض إذا ثُبتت صحته استقامت الفرضية، وهي أن الإسلام قد تم عزله وإقصاؤه عن الواقع وأن الأمة كلها تعيش في الكفر والحرام والضلال. وهذا الخطاب يقوم مستنداً على هذه الفرضية التي يحاول إثباتها بتقديم قراءة مبتسرة، مغرقة في التعميم والأحكام الإطلاقية فيما يختص بواقع المسلمين، وذلك بما يؤدي إلى إعادة إنتاج مفهوم ((المسلم)) من جديد وفق رؤية خاصة تخدم هذه الفرضية. تبدو المسألة بديهية عند الخطاب التكفيري لدرجة أنه لا ينشغل بطرح أي تساؤل عن لماذا وكيف ومتى تم إقصاء الإسلام عن واقع المجتمعات الإسلامية، مع أن هذه التساؤلات هي لبّ المشكلة وأساس الموضوع. وبدون طرح هذه التساؤلات تبقى الفرضية معلقة وما يُبنى عليها يستعصي على القبول، فما يبنى على الغموض يكون أكثر غموضاً.يرتكز إذن الخطاب الإسلامي الحزبي على فرضية تقول إن ((المجتمع كافر)) والأمة تعيش في جاهلية جديدة أظلم من الأولى، وذلك لغياب حاكمية الله. هذه الفرضية التي طرحها سيد قطب مطوراً بذلك مقولات المودودي أثارت فور طرحها ردوداً متباينة وارتاع لها كثير من الحريصين على مستقبل العمل الإسلامي، وهي أثارت نقاشاً واسعاً بين العاملين في الحقل الإسلامي السياسي الذين عمدوا إلى تفكيك هذا الخطاب وتوجيه النقد العميق له. والملفت أن قيادات جماعة ((الإخوان المسلمين)) الذين رافقوا مؤسسها حسن البنا راعهم ما أحدثته هذه الأفكار من بلبلة في الصفوف، وبالتالي لم يستطيعوا تحمل وزر هذا الخطاب الدعوي التكفيري الجديد، فانبرى أغلبهم للتبرؤ منه والرد عليه أن محاول استيعابه والتخفيف من وطأته ومخاطره.كان الاحتكاك الأول مع هذا الخطاب من قلب المؤسسة التي ينتمي إليها سيد قطب: ((جماعة الإخوان المسلمين))، هو الذي يعتبر أحد قيادييها الجدد. فقد انبرى أمين عام الجماعة حسن الهضيبي وهو خليفة المؤسس حسن البنا، إلى خوض حوارات مفتوحة مع سيد قطب والتيار الجديد الذي يمثله داخل السجون وخارجها. ثم أصدر كتابه الشهير (دعاة لا قضاة). وهو عبارة عن بحوث يردّ بها على المودودي صراحةً وعلى غيره ممن تبنوا أفكاره دون أن يسميهم. وهذا الكتاب بقي قيد التداول الداخلي في تلك الفترة إلى أن طبع عام 1977. وهو بطروحاته يدين الخطاب التكفيري ويؤسس لقطيعة مع منظومة الأفكار التي ترتكز عليها ((الحاكمية)) و ((الجاهلية الجديدة)). وأبرز ما جاء في هذا الكتاب:أ ـ إن حكم الناطق بالشهادتين ((أن نعتبره مسلماً تجري عليه أحكام المسلمين، وليس لنا في مدى صدق شهادته إذ إن ذلك أمر لا سبيل للكشف عنه والتثبت فيه)).ب ـ يعتبر الهضيبي ((أن حكم الله أن يُعتبر الشخص مسلماً في اللحظة ذاتها التي ينطق فيها بالشهادتين. ولا يشترط أن تكون أعمال الشخص مصدقة لشهادته حتى يحكم بإسلامه. وأنه في حال نطقه بالشهادتين يلزمنا اعتباره مسلماً ويحرم علينا دمه وماله .. )). ويضيف: ((من تعدى ذلك إلى القول بفساد عقيدة الناس بما يخرجهم من الإسلام قلنا له إنك أنت الذي خرجت عن حكم الله بحكمك هذا الذي حكمت به على عموم الناس)).ج ـ وحول شيوع المعاصي كدليل على أن المجتمع الحالي جاهلي وكافر يقول الهضيبي: (( .. ليست المعالنة بالمعاصي وشيوعها، وليست الظواهر العامة التي ركن إليها دعاة التكفير مما يجيز لهم شرعاً أن يصدروا حكماً على عموم الناس بخروجهم من الإسلام إلى الكفر أو بعدم دخولهم في الإسلام أصلاً رغم النطق بالشهادتين)).د ـ وحول مصطل الحاكمية يقول: (( .. إنه لم يرد بأية آية من الذكر الحكيم ولا في أي حديث، والغالبية التي تنطق بالمصطلح وهي لا تكاد تعرف من حقيقة مراد واضعيه إلا عبارات مبهمة سمعتها عفواً هنا وهناك أو ألقاها إليهم من لا يحسن الفهم ويجيد النقل والتعبير … وهكذا يجعل بعض الناس أساساً لمعتقدهم مصطلحاً لم يرد له نص من كتاب الله أو سنة رسوله .. أساساً من كلام بشر غير معصومين وارد عليهم الخطأ والوهم، وعلمهم بما قالوا في الأغلب الأعم مبتسر مغلوط)).هـ ـ وفي رده على سيد قطب والمودودي حول مسألة اختصاص الله بالتشريع وأن من وضع تشريعاً فقد انتزع لنفسه أحد صفات الله وجعل نفسه نداً لله تعالى خارجاً على سلطانه يقول الهضيبي: ((إن الحكم لله وحده صاحب الأمر والنهي دون سواه، هذه عقيدتنا .. لكن الله عزوجل قد ترك لنا كثيراً من أمور دنيانا ننظمها حسبما تهدينا إليه عقولنا في إطار مقاصد عامة وغايات حددها لنا سبحانه وتعالى وأمرنا بتحقيقها بشرط ألاّ نحلّ حراماً أو نحرّم حلالاً ذلك أن الأفعال في الشريعة إما فرض أو حرام أو مباح .. ولا يجوز لأحد أن يزعم أن تشريعات تنظيم المرور هي من تشريع الله عزوجل … )).و ـ ولمن ربط أو اشترط ((إسلام)) الشخص بضرورة استيعابه لمعنى الشهادتين قال الهضيبي: ((إن المسلمين في عهد الصحابة والتابعين فتحوا بلاد الفرس والبربر والترك والهند والأندلس وأجزاء من البلقان وكلها شعوب لم تكن تعرف العربية. وكان إجماع الصحابة والكافة على قبولهم الإسلام بشهادة ((أن لا إله إلا الله)) وعصمت بها دماؤهم وأموالهم دون أن يطالبوا بشيء مما أتى به المودودي وغيره .. )). استند الهضيبي هنا إلى الحديث النبوي: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله … )) وإلى عتاب النبي لأسامة بن زيد عندما قتل مشركاً نطق بالشهادتين ظناً منه أن أراد بذلك أن يفلت من القتل. حيث قال النبي قولته الشهيرة مستنكراً: هلا شققت على قلبه؟ .. ما تصنع بـ ((لا إله إلا الله))؟ اعتبر الهضيبي بعد استعراض أحاديث وآيات عديدة أن اشتراط استيعاب معنى الشهادة لاعتبار المسلم مسلماً شرط زائد وقال: ((إن من أحدث تلك التفرقة وأتى بذلك الشرط الزائد فقد خالف نص حديث رسول الله، واليقين الثابت من عمله والمعتبر شريعة بلا خلاف، وأتى بشريعة غير شريعة الله مستحدثاً في الدين ما لم يرد فيه نص من كتاب أو سنة)).ز ـ ولمن يعتبر أن المرء يخرج من الإسلام إذا لم يكن عمله مصدقاً لشهادته ـ وهو قول المودودي وسيد قطب ومن تبعهما ـ يقول الأستاذ الهضيبي: ((نقول للذي اشترط أن تكون أعمال الشخص مصدقة لشهادته حتى يحكم بإسلامه: إن فيما قدمناه يثبت فساد ذلك القول, فقد أقمنا الأدلة القاطعة على أن حكم الله تعالى يعتبر الشخص مسلماً في ذات اللحظة التي ينطق فيها بالشهادتين. وأنه في حال نطقه بالشهادتين يلزمنا اعتباره مسلماً ويحرم علينا دمه وماله. فمن أين جاء الشرط الذي يفرض وجوب عمل ما وتعليق حكم إسلام من نطق بالشهادتين، حتى يأتي بعمل يعتبر مصدقاً لشهادته؟)). واستشهد الهضيبي بما جرى وقت احتضار أبي طالب في فراش الموت، عندما جلس الرسول إلى جواره يلحّ عليه في أن ينطق بالشهادتين، ثم تساءل: ((ما جدوى هذه الشهادة وقيمتها، وما الداعي لأن يطلبها الرسول من عمه إن كانت بذاتها لا تُخرج قائلها من الكفر وتدخل به في الإسلام؟)).ثم يوجّه الهضيبي سؤالاً إلى من قال بتعليق حكم إسلام المرء على عمل يؤديه فوق النطق بالشهادتين قال فيه: ((حدد لنا العمل الذي تريد أن تجعله مصدقاً لقول الناطقين بالشهادتين حتى نحكم بإسلامه. وحدد لنا صفة ذلك العمل ومقداره .. ولا سبيل إلى ذلك أبداً، إلا أن تأتي بشريعة من عند ذات نفسك ولم يأذن بها الله تعالى)).ح ـ ويرفض الحكم على الناس بالمظاهر، وخاصة فيما يتعلق بواقع حياة الناس الذين ينهجون في حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مناهج تخالف شريعة الله، فيقول: ((قد يكون الكثيرون منهم عاصين لأوامر الله، ولكن من تعدى ذلك إلى القول بفساد عقيدة الناس بما أخرجهم عن الإسلام قلنا له إنك أنت الذي خرجت على حكم الله بحكمك هذا الذي حكمت به على عموم الناس، وإن استدلالك على فساد عقيدة الناس بما يخرجهم عن الإسلام ظن لا يرقى إلى الجزم اليقين)). ويضيف: ((إننا لا نكفّر مسلماً بمعصية)).كان هذا هو الرد الرسمي للمؤسسة التي خرج منها سيد قطب وتتلمذ على أيدي بعض علمائها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل تتابع سيل الردود من داخل التيار الفكري التنظيمي الذي ينتمي إليه سيد قطب، ومن أبرز هؤلاء الدكتور يوسف القرضاوي، وهو من قادة الإخوان المسلمين الذين غادروا مصر عام 1954 وعاش منذ ذلك الحين في أقطار الخليج وأصبح عميداً لكلية الشريعة في قطر، وعاد إلى مصر في مرحلة الانفتاح ((الساداتي)) ليلعب دوراً هاماً في إعادة تأسيس الانطلاقة.يعرض الدكتور القرضاوي مفاهيم الجاهلية والحاكمية على صفحات جريدة الشعب المصرية، ويناقش ويرد على ما جاء فيها، معتبراً أن المجتمع الذي نعيش فيه الآن ليس شبيهاً بمجتمع مكة الذي واجهه النبي (ص) حين نشأت الدعوة الإسلامية الأولى. فالأول كان وثنياً كافراً لا يؤمن بوحدانية اله ويقول عن القرآن إنه سحر وافتراء وأساطير الأولين، أما مجتمعنا اليوم فهو خليط من الإسلام والجاهلية فيه عناصر إسلامية أصيلة وعناصر جاهلية دخيلة. ويضيف: إن هناك بعض المنافقين يتظاهرون بالإسلام، فلهم حكم المنافقين، أما أكثرية الأمة الساحقة فهي ملتزمة بالإسلام. وجلّ أفرادها متدينون تديناً فردياً يؤدون الشعائر المفروضة .. يخافون الله تعالى ويحبون التوبة .. إلى غير ذلك مما يدل على صحة أصول العقيدة لديهم. يلخص إلى اعتبار أنه من الإسراف والمجازفة الحكم على هؤلاء جميعاً بأنهم جاهليون كأهل مكة الذين واجههم النبي (ص) في فجر الدعوة. فالواقع غير ذلك تماماً، فكثير منهم يصلون ويصومون ويزكون ويحجّون، وكثير ممن قصّر في هذه الفرائض لا ينكرها ولا يستخف بها. فهل كان مجتمع مكة يلتزم شيئاً من هذه الأركان؟مقولات سيد قطب استدعت رداً من المؤسسة الإسلامية الرسمية، وقد جاءت أولى الردود من رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشيخ محمد عبداللطيف السبكي في الكتاب الذي رفعه إلى شيخ الأزهر الشيخ حسن مأمون، وهو رد طويل نختصر منه بعض الأفكار التي يعتبر فيها الشيخ السبكي كتاب (معالم في الطريق) مسرفاً في التشاؤم، فهو ينكر وجود أمة إسلامية منذ قرون طويلة وهذا يعني أن عهود الإسلام الزاهرة وأعلامه وأئمته الكبار كانوا في جاهلية حتى يجيء إلى الدنيا سيد قطب ليهديهم! ويتساءل: ما معنى الحاكمية لله وحده؟ هل يسير الدين على قدمين بين الناس ليمتنع الناس جميعاً عن ولاية الأحكام؟ أو يكون ممثل الله في الحكم هو شخصية هذا المؤلف الداعي الذي ينكر وجود الحكام ويضع المعالم فيا لطريق للخروج على كل حكام الدنيا؟ ويضيف معتبراً أن الإسلام نفسه يعترف بالحكام المسلمين ويفرض لهم حق الطاعة علينا كما يفرض عليهم العدل فينا، والإسلام لا يعتبر الحكام معصومين عن الخطأ بل افترض لهم أخطاء تبدر من بعضهم وناشدهم أن يصححوا أخطاءهم بالرجوع إلى الله وسنة الرسول بالتشاور في الأمر مع أهل الرأي من المسلمين. ويعتبر أنه من المقررات الإسلامية أن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. لذلك لا يجوز أن تقوم طليعة مزعومة لتجريد الحكام جميعاً من سلطانهم؟ فهذا شطط من الخيال يجمح بمؤلف الكتاب إلى الشذوذ عن الأوضاع الصحيحة. ويذهب الشيخ السبكي إلى حد اعتبار مؤلف الكتاب قد شطح بعيداً فزعم لنفسه الهيمنة العليا الإلهية في تنظيم الحياة الدنيا، حيث يقترح أولاً هدم النظم القائمة دون استثناء وطرد الحكام ثم التشريع من جديد لهذا المجتمع الجديد. ويخلص إلى اعتبار الكتاب يخلط بين الحق والباطل ليموّه على الناس .. وهذه هي حيلة إبليس فيما صنعه مع آدم وحواء وفيما يدأب عليه دائماً في فتنة الناس عن دينهم وعن الخير في دنياهم.لقد كانت مقولات سيد قطب بداية لتحولات لا حد لها في صفوف الإخوان المسلمين. فكما تحمّس بعض شباب الإخوان لأفكاره بشدة، تحمس البعض الآخر ضدها، واعتبر أغلب الذين عارضوه أن هذه الأفكار مخالفة للخط الحركي الذي سارت عليه الجماعة من قبل، بل اعتبرها أيضاً صادرة عن جهة غير شرعية بالنسبة لهم. أقام المعارضون لأفكار سيد قطب وتنظيمه ضجة كبرى داخل صفوف الإخوان ووصفوا ما يفعله ((بأنه فتنة ستعصف بالبقية الباقية من الجماعة، وكان أبرز المعارضين: أمين صدقي وعبدالرحمن البنان وعبدالعزيز جلال)). وقد انقسم الإخوان من جديد إلى فريقين، الأول يطالب بضبط النفس والعمل ضمن الوسائل التي يمكن أن يسمح بها النظام، والثاني يطالب بالمواجهة ولا يرى إلا الانقضاض والانقلاب، فريق يسيطر عليه ما تبقى من جيل الحرس القديم، والآخر يسيطر عليه الشباب. كان كل هذا يجري داخل السجن وانطلاقاً من مستشفى سجن ((ليمان طرة)) حيث يقيم سيد قطب بشكل شبه دائم، ويتواصل مع شباب الإخوان، ويكتب ويرسل النشرات المختلفة إلى أعضاء تنظيمه الجديد في الداخل والخارج. بل إن عدداً من المناظرات قد قامت بين التيارين. كان قطب يجري نوعاً من التقييم الشامل لحركة الإخوان المسلمين منذ أيام حسن البنا إلى أيام حسن الهضيبي، ((وكانت نوعاً من محاسبة الذات أيضاً، فهو في مرحلته السابقة رفض اتفاقية الجلاء، وسعى إلى التخلص من حكومة الثورة، وتحالف مع الشيوعيين في أزمة آذار/ مارس 1954 … فكل هذه الأخطاء أدت إلى استغراق حركة الإخوان في مناورات آنية ومحدودة، بينما كان المجتمع يبتعد شيئاً فشيئاً عن فهم مدلول العقيدة الإسلامية. لذلك كان عليه أن يصحح عقيدة الناس مبتدئاً بالطليعة التي أخضعها لبرنامج فكري قدّره البعض بستة شهور والبعض الآخر بستة ونصف. وكانت هذه بداية التحولات في التفكير وفي التنظيم وفي الحركة، وقد امتدت هذه التحولات من مصر إلى العالم العربي.بعد إعدام سيد قطب أخذت مقولاته أبعاداً جذرية، إذ وجد فيها جيل من الشباب نقطة انطلاق لأيديولوجيا التكفير الشامل، وقد راح هؤلاء يكفّرون كل من حولهم، فكل المجتمعات جاهلية كافرة ((ومن لم يكفّر الكافر فهو كافر))، و ((لا انتخابات ولا برلمان ولا ديموقراطية لأنها ليست في القرآن)). ومن هؤلاء من اعتبر ((المساجد القائمة معابد للجاهلية لأن الذين يصلّون فيها ارتدوا عن الإسلام .. والصلاة معهم شهادة لهم بالإيمان مع أنهم كفرة .. )). وتحت شعار تحطيم المجتمع الجاهلي راحت هذه الحركات تتحول إلى العنف المغلّف بشعار ((الجهاد)). بل إن بعضهم يرفض أن يصلي الجمعة حتى في المسجد الحرام.اختلطت مقولات قطب بطروحات إضافية استقاها تلاميذه من المنبت نفسه، معتمدين الطريقة المنهجية ذاتها في التأويل والتعليل. وكما استدعت هذه المقولات ردوداً من داخل المؤسسة والتيار الذي ينتمي إليه هو نفسه، كذلك تصدت لها العديد من الأقلام الحرة والمستقلة والتي تنطلق من مواقع إسلامية معتدلة أو إصلاحية. فالدكتور أحمد كمال أبوالمجد يعتبر: ((أن فكرة الحاكمية وما رتّبوه عليها من نزع سلطة التشريع عن الجماعة .. ومغالاتهم في ذلك مغالاة سقيمة، تنبع من جهل لا حدود له بمصالح العباد ومقاصد الشريعة. والفكرة التي قال بها العلامة المودودي وتابعه فيها قطب وجرت بها آلاف الألسنة من الشباب والأقلام هي كلمة حق أفضت إلى ضرر عظيم وحرّفت عن موضعها وسخّرت لغير ما قيلت له)).أما الكاتب الإسلامي فهمي هويدي فيرد على هذه المقولات قائلاً: ((إن الحكم لله هذا صحيح، ولكنه بالناس وللناس في حقيقة الأمر. إن حق الله مكفول ولا جدال فيه، لكن المشكلة الحقيقية والمهدد بالجور والظلم هو حقوق الناس، وهو ضمان مشاركة الجماهير بالسلطة وتثبيت دورها في تقرير مصائرها. إن تعبير حاكمية الله لا يضيف جديداً، كما أنه لا يتصدى لجوهر مشكلة الحكم. ليس هذا فقط، بل إن باب الضرر من جرّائه مفتوح على مصراعيه. غذ ما أسهل أن يتدثر به حاكم ليعلن علينا أنه يباشر سلطانه باسم الله، وما أسهل أن يلغي دور الجماهير بدعوى أن الحكم هو لله والحاكم هو الله)).وفي محاولة للتخفيف من النقد واستيعاب ردود الفعل التي وجّهت إلى هذا الخطاب التكفيري، ولتبرئة سيد قطب من المنحى الخطير الذي اتخذته طروحاته، انبرى البعض لتبرير مقولة الجاهلية التي خرج من تحت عباءتها سلاح التكفير والاستحلال. ومن هؤلاء محمد قطب صاحب الكتابات الغزيرة وشقيق سيد قطب، الذي أخذ على عاتقه التخفيف من خطورة مقولات شقيقه، فقال إن المقصود بها: ((تعريف المسلمين بما غفلوا عنه من هذه الحقيقة ليتبينوا هم لأنفسهم إن كانوا مستقيمين على طريق الله كما ينبغي أم أنهم بعيدون عن هذا الطريق .. ولقد سمعته بنفسي أكثر من مرة يقول نحن دعاة ولسنا قضاة، إن مهمتنا ليست إصدار الأحكام على الناس .. )). وفي هذا السياق أجهد المستشار سالم البهنساوي نفسه لرد شبهة التكفير عن سيد قطب والمودودي، محاولاً تأويل كلامهما بأنهما أرادا بالجاهلية المعاصرة، جاهلية المعصية وليس جاهلية الكفر والاعتقاد ((حتى ولو لم يفصحا عن ذلك وجب أن نلتزم معهما حسن القصد)).ومن الواضح أن هذه النصوص وغيرها التي حاولت تبرئة سيد قطب والمودودي لم تجد في كتاباتهما نصوصاً تساعد على إثبات البراءة، فكانت الشهادات الشخصية والتأويل والدعوة إلى الالتزام ((بحسن القصد)) هي الوسيلة الوحيدة المتاحة. لا شك أن الدفاع عن المودودي وسيد قطب وتبرئتهما من تهمة ((تكفير المجتمع)) مهمة شاقة وصعبة، فنصوص الرجلين واضحة وصريحة، وليس هناك أكثر وضوحاً وأشد جرأة في تكفير الأمة من نصوص سيد قطب، فعنده الأمة كفرت بالعقيدة وليس بالمعاصي فقط، فهو يقول: (( .. نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم، كل ما حولنا جاهلية .. تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم .. )). وبلهجة حاسمة يكلف أتباعه بإعادة إنشاء هذا الدين فيقول: ((ينبغي أن يكون مفهوماً لأصحاب الدعوة الإسلامية أنهم حين يدعون الناس لإعادة إنشاء هذا الدين، يجب أن يدعوهم أولاً إلى اعتناق العقيدة حتى ولو كانوا يدعون أنفسهم مسلمين وتشهد لهم شهادات الميلاد بأنهم مسلمون .. )). وفي مكان آخر يؤكد: ((إن الناس ليسوا مسلمين كما يدعون وهم يحيون حياة الجاهلية .. ليس هذا إسلاماً وليس هؤلاء مسلمين والدعوة اليوم إنما تقوم لترد هؤلاء الجاهليين إلى الإسلام ولتجعل منهم مسلمين من جديد)).أمام هذه النصوص الصريحة تتضاءل إمكانيات الدفاع ولا يجدي نفعاً الاستشهاد بكتابات سابقة لسيد قطب صدرت قبل كتابه (معالم في الطريق) الذي هو آخر إنتاجه، وفيه انتقد كل المفاهيم والأساليب السابقة متجاوزاً ذاته مطوّراً أفكاره نحو مزيد من الحدّة والتصلب، مقدماً بذلك تعريفاً جديداً لـ ((المسلم)). وهو لم يكتف بتقديم الأفكار بل عمل على تنفيذها بالقوة وباستخدام العنف ضد الدولة والمجتمع والأمة التي اعتقد بكفرها. أما الاحتجاج بالمعاناة والظروف النفسية التي رافقت كتاباته فهو دفاع ضعيف وينطوي على اعتراف ضمني بأن هذه الأفكار خاطئة نظراً للظروف الشخصية التي أحاطت بها، وهي إذ تُعتبر أسباباً تخفيفية، إلا أنها لا تنفي ((الجرم)) بل تدعو لتخفيف ((الحكم)) فحسب.يمكن القول بشكل عام إن الإسلاميين الحزبيين يلجأون إلى النصوص والآيات التي تتصل بمسائل الإيمان والكفر، وهي في غالبيتها وردت في سياق الصراع بين المسلمين في المدينة وقريش المعادية في مكة، فيستخدمونها دون التوقف عند أسباب النزول. كما أنهم لا يستخدمونها كما وردت في إطار صراع المسلمين مع الخارج المعادي، بل يوظفونها في سياق آخر مختلف تماماً، ويحمّلونها دلالات لا تتفق مع بيئتها. وذلك من خلال تطبيقها على الداخل الإسلامي بعد إعلان جاهليته وتكفيره. وفي حال اضطرارهم للتعيين والإيضاح وإيجاد البراهين وإقامة الحجج، لا يجدون إلا في فتاوى ابن تيمية وتلامذته مثل ابن كثير ما يسعفهم وذلك بعد أن يلجأوا إلى تأويل تلك الفتاوى وقولبتها وإخراجها من الزمان والمكان بما يتناسب مع الواقع الراهن.ويلاحظ أن الغالب في نصوص الإسلاميين الحزبيين هو التركيز على العموميات الدينية، أما النادر فهو الطرح السياسي والاجتماعي. ومع أن غايتهم هي الوصول إلى السلطة فإن سلوكهم ليس سلوكاً سياسياً، بل إنه سلوك يتوسل الدين للوصول إلى غايات سياسية. إنه سلوك يغلب عليه الطابع ((الوعظي)) الذي يظهر بأنه لا يستهدف إنقاذ المجتمع والأمة فقط، بل الدين أيضاً. وهم يعتبرون أنفسهم حماة هذا الدين وعليهم تقع مسؤولية ((إنشائه)) من جديد. ومع أنهم يقولون إن للدين رباً يحميه فإنهم يتصرفون وكأنهم منقذون جاؤوا لهداية البشرية بعد ضلالها من جديد، ويطالبون في المقابل بالطاعة والسلطة والحكم.يبدو هذا السلوك هروباً من مواجهة الواقع والتصدي لمشاكله، وهو يؤدي إلى الامتناع عن تقديم برامج يلتزمون بها تتضمن أهدافاً قريبة أو حلولاً مناسبة يسعون لتحقيقها. وهذا أمر لم يخفه سيد قطب حين طالب الإسلاميين الحزبيين برفض ذلك، بل واعتبره مضيعة للوقت ومبرراً للانقسام والفتنة: (( … إن الطليعة ليست مطالبة بتفصيل البرامج والتصورات للدولة الإسلامية التي تسعى لإقامتها. فلم يكن ذلك وارداً في العهد المكي من تاريخ الإسلام الأول .. ففي مكة وعلى امتداد ثلاثة عشر عاماً، كانت المهمة العظمى الأولى والوحيدة، هي تأسيس العقيدة، وتجسيدها بالحركة في الجماعة المؤمنة .. لم تدبج هذه البرامج سلفاً قبل ظهور المشكلات ولا قبل قيام السلطة التي يطلب منها حكم الواقع ومواجهة مشكلاته بالحلول الإسلامية .. فيجب على الجماعة الإسلامية أن لا تقع ((بالفخ)) فتمكن الجاهلية من أن تضغط على أعصاب بعض المخلصين من أصحاب الدعوة الإسلامية، فتجعلهم يتعجلون خطوات المنهج الإسلامي .. أو تحرجهم فتسألهم: أين تفصيلات نظامكم الذي تدعون إليه؟ وماذا أعددتم لتنفيذه من بحوث ومن دراسات ومن فقه مقنن على الأصول الحديثة؟ .. وطالما لم تقم الطليعة بعد المجتمع الذي تحكمه ((الحاكمية الإلهية)) فلا ضرورة لتفصيل البرامج والتصورات لواقع لسنا مسؤولين عنه .. )). واضح من هذا النص أن سيد قطب يعتبر المسلمين اليوم مثل أهل مكة قبل الإسلام، وبالتالي لا يجب أن يعرض عليهم سوى العقيدة. إذن المسلمون اليوم حسب رأي سيد قطب والإسلام الحزبي لا يجب أن يسألوا عن مضمون وتفاصيل الحكم الإسلامي الذي يدعون إليه. الإسلام الحزبي يطالب الناس بالانقياد والطاعة والخضوع بدون مساءلة أصحاب نظرية الحاكمية الإلهية. يتضح من النص أيضاً أن السلط هي الهدف لكن المدخل إليها ليس كسب ثقة الناس من خلال عرض الأهداف والمضامين والبرامج، بل المدخل إلى السلطة هو التعمية بأهداف عامة لا خلاف حولها، على طريقة المطالبة بإقامة حكم الله. أما ماهية هذا الحكم وكيفيته فهذا ما لا نجد له جواباً. علماً بأنه ليس هناك جواب واحد، بل أجوبة متعددة، وهذا هو أساس المشكلة وأصلها الذي يتهربون من مواجهته. قد ظن سيد قطب أن التهرب من وضع برنامج يحدد أهداف الإسلام الحزبي في كيفية بناء الدولة يحمي هذه الطليعة من الانقسام والتشرذم، وهذا ما لم يتحقق عملياً.تقوم نصوص الإسلاميين الحزبيين على قاعدة مرجعية حاسمة وهي اعتبار مسألة السلطة السياسية ـ الحاكمية ـ بمثابة المسألة الأساس في الإسلام كله. فالأمة تعيش في الجاهلية والكفر منذ إلغاء الخلافة العثمانية، أو عند أغلبهم منذ تحول الخلافة إلى ملك عضوض حيث أصبح الحكم لصاحب الشوكة والسلطان. إن هذا الطرح يلخص ويختزل قضية الإسلام كلها في الحاكمية أو السلطة السياسية. وهذا أمر يتناقض مع رحابة الإسلام كدين عالمي وكنظام حياة متكامل، يبدأ بقيام الفرد بالشعائر والعبادات والتزامه بنظام الأخلاق إلى أن يسود العدل بين الناس الذي هو من مقاصد الإسلام الأساسية.إن تغليب المسالة السياسية على ما عداها في الإسلام، هو المرتكز النظري الأساسي للإسلام الحزبي. فمقولة الحاكمية الإلهية استهدفت بشكل أساسي القضاء على تحكم البشر ببعضهم البعض واستعبادهم لبعضهم البعض وذلك من خلال عبودية الجميع لله. إلا أن هذه المقولة أدت عملياً إلى أن يزعم بعض الناس لأنفسهم حق احتكار الفهم والشرح والتفسير والتأويل، وأنهم وحدهم الناقلون عن الله. وخطورة هذا الأمر تكمن في أن حاكمية البشر يمكن مقاومتها وتغييرها بأساليب النضال الإنسانية المختلفة والعمل على استبدالها بأنظمة أكثر عدالة. في حين أن النضال ضد من يحكمون ويمارسون السلطة باسم ((الحاكمية الإلهية)) يوصم منذ البداية بالكفر والزندقة بوصفه نضالاً ضد حكم الله وجحوداً به. لا شك أن هذا النوع من الحكم يصادر إرادة الناس ويفقدهم القدرة على تغيير واقعهم ومواجهة حكامهم الظالمين الذين يدعون القداسة والعصمة. إن هذه الخلاصة تؤسس لقيام نظام تيوقراطي فردي، يستند إلى سلطة دينية تلتمس القداسة من الدين والعصمة من الأنبياء، مما يؤدي إلى إضفاء صفة القداسة على سلطة البشر ويجعلهم خارج دائرة الحساب وفوق الرقابة.ـ في خصوصية النص وعمومية الدلالات:ينطلق النص الإسلامي السياسي الحزبي من أحكام قيمية ومعيارية بالغة الاتساع، وهو يستفيد من تراث ضخم غالباً ما يتم التعامل معه بعقلية انتقائية تشدد على حرفية النصوص حيناً، وتعمد إلى التأويل الواسع حيناً آخر. وهو يرتكز على مقولة مرجعية مفادها: إن التشريع لا يكون لغير الله. وإن التشريع من جانب البشر مشاركة لصفة من صفات الله. وبمعنى آخر مشاركة الله تعالى في حاكميته. وهذا شرك كامل وكفر يفضي بالإنسان إلى الجاهلية. يترتب على هذه الرؤية حصر التفكير ضمن دائرة النصوص وبالتالي الاقتصار على إعادة تفسيرها وإنتاجها مفسرة ومكررة، مما يؤدي إلى محاصرة العقل وتطويقه، وبالتالي تعطيله خارج إطار هذه الدائرة. ويجري اعتماداً على هذه المقولة تضييق مساحة الاجتهاد، بل تجميدها تحت شعار أن ملا نصّ فيه في القرآن والسنة، له شرح وتعليل في مؤلفات السلف من الفقهاء.لقد قامت الأمة على مدى التاريخ بالتشريع لنفسها من خلال الفقهاء والقضاة وذلك على أساس من عموميات ما ورد في القرآن. ومن ثم فإن الفقه الإسلامي، الذي يسميه البعض خطأً بالشريعة الإسلامية، هو تشريع الناس للناس في ضوء الأحكام العامة التي جاء بها الدين. الفقه إذن بخلاصته معطى بشري، غير إلهي، وقد حدثت هذه الإضافات على مدى التاريخ ولم يعترض أحد أو يحتجّ. وليس صحيحاً القول بأن وقف العمل ببعض الأحكام أو الادعاء بظرفيتها ونسبيتها كفر مبين. فمبدأ ((النسخ)) في القرآن معروف، وهو أن يلغي حكم لاحق حكماً سابقاً، وهو مبدأ تكرر مراراً في أحكام المعاملات. وهو بحد ذاته دليل على ظرفية ووقتية بعض الأحكام التي رأى الخالق سبحانه أنها استنفدت غايتها.وليس الأمر مقصوراً على الآيات المنسوخة فقط. فقد أوقف عمر بن الخطاب إعطاء سهم الصدقات للمؤلفة قلوبهم، مع أن الآية القرآنية التي تخصهم بالصدقات (التوبة 9/ 60) لم تُنسخ، وسار النبي (ص) على حكمها حتى توفي وكذلك أبو بكر من بعده. ومع ذلك فلم يدّع أحد أن عمر قد كفر. كذلك أوقف عمر حدّ السرقة في عام المجاعة، وقفاً شاملاً بدون النظر إلى كل حالة على حدة. كذلك فإن أحكام الرق في الإسلام كانت بلا شك أحكاماً وقتية تطبق عند قيام نظام الرق ولا تسري بعد إلغائه. ويقدّم التاريخ الإسلامي وقائع عديدة دون أن يدّعي أحد طوال أربعة عشر قرناً أن ثمة كفراً في ذلك.والمشكلة أن النص الإسلامي السياسي الحزبي يتعامل مع الدين بـ ((عقلية نصوصية))، وهو لا يرى أن الشريعة مقاصد قبل أن تكون نصوصاً، كما يرى كثير من علماء المسلمين والفقهاء الذين يعتبرون أن النصوص والتكاليف كلها ترجع إلى تحقيق مقاصدها. فالنصوص ليست بديلاً عن مقاصد الشريعة. وهناك فرق بين استيعاب النصوص واحترامها، وبين التمسك بحرفيتها وعبادتها كقوالب وصيغ ورموز، فهذا يفضي إلى نوع من الوثنية الجديدة. إن الإسلام حضّ على الاجتهاد، وجعل للمجتهد المخطئ ثواباً حتى على خطئه. وقد كان من نتائج هذا الاجتهاد فقه غني شمل مختلف أوجه الحياة، هو بخلاصته تشريع بشري اعتمد أصولاً مقننة في الاجتهاد، استناداً على القرآن والسنة والقياس والاستحسان والاستصلاح والاستصحاب .. إلخ. وقد بلغت اجتهادات الفقهاء والأئمة حدّ الاختلاف حتى قيل إن في اختلاف الأئمة رحمة للأمة.وقاعدة ((لا اجتهاد في مورد النص)) متفق عليها، وتدفع إلى الاجتهاد في دائرة ((الفراغ)) حيث سكت النص وغاب التشريع. لكن هذه القاعدة لا تلغي دور العقل والاجتهاد في فهم النص نفسه، وبالتالي في فهم مراد الشارع ومقصده، مع ما يترتب على ذلك من تحديد لمدلولات الألفاظ، والترجيح بين النصوص المتعددة التي يوحي ظاهرها بالتعارض. إذن لا يحول دون الاجتهاد وجود نصّ نقلي يحتاج إلى إعمال العقل والتفكر فيه لاكتشاف مدلولاته وأبعاده.فقد اختلف المتكلمون في تحديد المحكم والمتشابه من آيات القرآن الكريم. وينتهي كبار العلماء والمفسرين إلى أن ما تضمنه القرآن ينقسم إلى أربع درجات هي بالترتيب:1 ـ الواضح الذي لا يحمل إلا معنى واحداً.2 ـ الذي يحتمل معنيين لكن أحدهما هو الراجح أو ((الأقوى)). وللآخر معنى مرجوح ((محتمل))، وهذا هو الظاهر.3 ـ الذي يحتمل معنيين كلاهما يساوي الآخر في درجة الاحتمال وهو المجمل.4 ـ الذي يحتمل معنيين غير متساويين في درجة الاحتمال. لكن المعنى الراجح أو ((الأقوى)) ليس هو المعنى القريب ((الظاهر)) كما في الثاني. بل الراجح هو المعنى البعيد، وهذا النوع هو المؤول.يميل النص الإسلامي الحزبي إلى تجاوز ما سبق من ((أصول)) حددها علماء التفسير، فيعمد إلى اقتطاع الآية أو النص عن أسباب التنزيل، بحيث يجري سلخ بعض الآيات القرآنية عن السياق الذي نزلت فيه، وذلك اعتماداً على تبرير فقهي يقول: ((العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)). وهذه القاعدة فقهية، أي أنها بشرية، من إنشاء الفقهاء، وليست قاعدة شرعية وردت في القرآن أو جاءت في السنة. وهي قاعدة تحتفل باللفظ أكثر من احتفائها بالمعنى، وهذه هي طريقة الوعاظ الذين يميلون إلى الاستسهال في التعامل مع النصوص القرآنية. فبين ((عموم اللفظ)) و ((خصوص السبب)) هناك نقاش كبير بين الفقهاء والمتكلمين. وما يورده الزركشي على أنه من العام، يرى السيوطي أنه نماذج من الأحكام الفرعية التي يندر فيها العموم.والمتفق عليه أن النص القرآني تنزل متفرقاً على مدى ثلاثة وعشرين عاماً. حيث كانت كل آية أو مجموعة آيات تتعلق بواقعة بذاتها أو برد على سؤال أو بتحد واجه المسلمين. والمنهج الصحيح لتفسير النصوص القرآنية هو بإعادة ربطها بأسباب التنزيل وفهمها على ضوء خلفية الواقعة التي تنزلت بشأنها. ويقول عبدالله بن عباس أحد كبار العلماء المفسرين: ((إنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيما نزل. فيكون لهم فيه رأي. ثم يختلفون في الآراء. ثم يقتتلون فيما اختلفوا فيه)). وهو قول يعبر عن خوف منهجي واضح عند صاحبه. كذلك ذهب ابن تيمية، الذي يستشهد به الإسلاميون الحزبيون كثيراً، فيقول إن معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية. فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب. وقد أشكل على جماعة من السلف معاني آيات حتى وقفوا على أسباب نزولها فزال عنهم الإشكال.يتجاوز النص الإسلامي الحزبي هذه القواعد ((الأصولية)) أيضاً، فيعمد إلى اجتزاء بعض النصوص ويعزلها عن الظروف التاريخية والبيئية التي أنزلت فيها، ثم يستعملها استعمالاً مطلقاً على أساس التركيب اللفظي والمدلول اللغوي وحده دون أي اعتبار آخر. مع أنه من المسلم به أن القرآن كل متكامل يفسر بعضه بعضاً. واعتماد منهج ((عموم اللفظ)) واستبعاد ((خصوص السبب)) أي أسباب التنزيل يؤدي من الناحية العملية إلى إفقار النص القرآني وتقطيع أوصاله وإلى التباعد بين آياته، بل إنه يؤدي عملياً إلى إظهار بعض النصوص وكأنها في حالة تناقض مع نصوص أخرى.فالنص الإسلامي الحزبي يستخدم بعض الآيات معزولة عن بيئتها. فالآية الشهيرة في سورة المائدة: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون … )، تُستعمل كشعار سياسي وكهتاف حزبي، وهي تُرفع في وجه المسلمين لدفعهم إلى تكفير كل من حولهم. ودراسة أسباب النزول، والسياق الذي نزلت فيه هذه الآية تبين أمرين:ـ إن هذه الآية لم تنزل في المسلمين أصلاً، بل نزلت في أهل الكتاب. وإلى ذلك ذهب معظم مفسري القرآن الكريم.ـ إن هذه الآية لا تعني ما يذهب إليه الإسلاميون الحزبيون، فلفظة ((يحكم)) تحمل البعد السياسي في عصرنا الحاضر، لكنها في المدلول القرآني تعني الفصل في الخصومات والقضاء. والنص القرآني استخدم لفظة ((الأمر)) وليس لفظة ((الحكم)) للدلالة على إدارة الشأن السياسي للأمة. ومن الآيات الدالة على ذلك: (وأمرهم شورى بينهم)، (حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر)، (يقولون هل لنا من الأمر من شيء).وينطبق هذا التفسير على آيتين شهيرتين أيضاً يستخدمهما النص الإسلامي الحزبي سياسياً، وهما: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) النساء/ 65، (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله) النساء/ 105. فهاتان الآيتان خطاب إلى النبي (ص) وحده دون غيره. فالأولى تنفي الإيمان عمن لا يحكم النبي في أي شجار بينه وبين آخر ثم يرتضي حكمه. لكنها لا تنفي صفة الإيمان عمن لا يلجأ إلى بشر آخرين، ولو كانوا يدعون إقامتهم حكم الله، إلا بعد أن يتيقن بنفسه من مطابقة هذا الحكم لأصول الشريعة. فليس لأحد أن يدّعي ولاية خصّ بها الله، النبي (ص) وحده كما هو واضح من معنى الآية وسبب نزولها. والآية الثانية هي أكثر وضوحاً في هذا المجال. إن كلتا الآيتين تختص بفضّ النزاعات والخصومات، أي بالقضاء. وقد ورد في الحديث الشرف ما نصه: ((قد يتخاصم إليّ إثنان منكم ويكون أحدهما ألحن من أخيه. فإن قضيت له بغير حقه، فقد أخذ قطعة من النار)). مما يعني أن أحد المتخاصمين قد يكون متحدثاً وأكثر حجة ومقدرة على التصرف من الآخر صاحب الحق. ويؤدي هذا إلى أن يحكم للأول بغير حق. وهذا الحديث يؤكد على أن الحكم الذي يصدر عن القاضي هو حكم بشري وليس حكم الله. لذلك خاف النبي (ص) أن يتأثر بـ ((لحن)) القول وبيان الحجة والكلام، وحذّر من مغبة ذلك. فأحكام الله واضحة بلا شك، لكن تبيانها وإقامتها من قبل بشر أمر قابل للخطأ والصواب. وليس لأحد أن يدعي لحكم قال به أنه حكم الله.في ضوء هذا الاستطراد الذي يبين مدى خطورة المنهجية التي تعتمد قاعدة ((العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب)). فاللفظ قد يتغير استخدامه، وتتبدل دلالات المعنى الذي يحمله. كما في لفظة ((الحكم)) و ((الأمر)). واعتماد عموم اللفظ بدون معرفة أسباب التنزيل أو خصوص السبب، أمر يؤدي إلى فهم مجتزأ ومزيف. ويؤدي أيضاً إلى تقطيع أوصال النص القرآني، هذا إذا لم ينتج عنه خداع وتضليل في استخدام الألفاظ والدلالات.