Monthly Archives: August 2016

المكارثية هي فكر محافظ تبناه السناتور الجمهوري جوزف مكارثي في الفترة ما بين العام 1947 والعام 1957، وهي الفترة التي شهدت تصاعد الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأميركية والمعسكر الشيوعي بزعامة الاتحاد السوفياتي. فما هي المكارثية؟ وما هي طريقة عملها؟ وما هي الآثار التي تركتها في المجتمع الأميركي؟

يعتبر السناتور جوزف مكارثي الواجهة الأمامية للحزب الجمهوري وجماعة المحافظين الذين ارتبطت أفكارهم برفض التجديد ومبادئ العدالة، ووجدت فيه قوى الضغط والنفوذ ضالتها لمواجهة منافسيها في الداخل والخارج.

أهداف المكارثية:

– مكافحة الشيوعية في المجتمع الأميركي بتبني المعتقدات الآتية:

أ – كثير من المواطنين الأميركيين شيوعيون ومشكوك في ولائهم.

ب – تصنيف كثير من الموظفين في الأجهزة الحكومية بحسب معايير مغلوطة، فهم إما: جواسيس للاتحاد السوفياتي، أو شيوعيون، أو متعاطفون مع الشيوعية. لقد تلبس مكارثي بعقدة الشيوعية فعمل على محاربتها بعدة أساليب منها:

– تشكيل لجان تحقيق لطرد العناصر المشكوك في ولائها من الأجهزة الحكومية.

– استحداث ملفات وإعداد تقارير لتحديد نسبة ولاء الموظفين.

– وعلى المستوى الوطني ارتكزت المكارثية على عقدة الشك، فالمواطن مشكوك في ولائه، لذلك وجب تكثيف أجهزة الرصد وغرس عقدة الخوف من خطر داخلي وخارجي. وامتدت ملاحقاته إلى رجال الكنيسة البروتوستانت متهما إياهم بالشيوعية، وشكل لجان تحقيق لمساءلة كبار ضباط الجيش، متهما وزير الدفاع في عهد ترومان وهو جورج مارشال بالخيانة ومساندة الشيوعية. ومن المعروف أن مارشال قد حاز جائزة نوبل للسلام لكونه مهندس مشروع مارشال الشهير. كما اتهم الرئيس الأميركي هاري ترومان بالتحالف مع الشيوعيين، واتهم الحزب الديمقراطي بالخيانة. وحتى عندما فاز الرئيس الجمهوري آيزنهاور بالرئاسة العام 1952 لم يتورع مكارثي عن اتهام الحكومة بإيواء عناصر غير موالية في أجهزتها.

الأدوات المكارثية لتحقيق الأهداف:

– تضخيم الخطر وصناعة الخوف (SCAREMONGERING):

إن التعاطي مع هذا الأسلوب يؤسس لثقافة الخوف (Fear Culture). ويرجع المختصون أهداف هذه السياسة للتأثير على طريقة تعاطي الأفراد مع بعضهم بعضا، ويعتبرونها سياسة متعمدة ذات أبعاد تاريخية.

يقول نعوم شومسكي إن صناعة الرعب لا تخرج عن نطاق الرغبة في السيطرة على المجتمع باستغلال مصادر المعلومات لتبرير سياسات داخلية وخارجية لتشتيت تفكير الناس عن قضايا ملحة كالفقر والبطالة والتلوث وانتشار الجريمة والفساد. ولنشر ثقافة الخوف، كما يرى الخبراء، عدة أدوات ووسائل منها:

أ‌ – تزوير المعلومات ونشر الشائعات، كالشائعة التي انتشرت لدينا أخيرا عن معسكر للتدريب على أعمال الإرهاب في مزرعة بني جمرة ومخازن الأسلحة في المآتم.

ب‌ – تحويل حادث فردي وتصويره وكأنه وباء اجتماعي (Social Epidemic).

ج‌ – وصم الأقليات أو فئات معينة في المجتمع بصفات غير محببة كنعت فئة من المواطنين بالصفوية أو وصم المسلمين في الولايات المتحدة الأميركية بالإرهاب.

د‌ – تلفيق كامل للحقائق والوقائع كاتهام مكارثي لرجال الكنيسة البروتوستانتية بالشيوعية أو الحديث عن هلال شيعي، أو إطلاق كلمة شهيد على دكتاتور غزا جيرانه وحرق آبار النفط وأطلق الصواريخ على من عاضدوه في وقت الشدة، ونقل بلده إلى العصر الحجري، واعتبار ذلك من إنجازات عهده التي يستحق الثناء عليها.

هـ – احتضان العناصر المحافظة التي ترفض مبادئ التسامح والعدالة وترفض التغيير، وتسهيل أحكام سيطرتها على السلطة التشريعية والمصالح الرئيسية والمؤسسات الحكومية كما فعل مكارثي بتشكيل لجان تحقيق لكبار المسئولين في الإدارة الحكومية المعارضين لسياسته لإزاحتهم وإحلال المحافظين محلهم، وكما عمد المحافظون الجدد في إدارة الرئيس ريجان والرئيس الحالي جورج بوش للسيطرة على الكونغرس والإدارة الحكومية، وتعاون الإدارة الأميركية مع طالبان في أفغانستان إبان الاحتلال السوفياتي. وهناك مؤشرات قوية على تعاونها مع قوى الإرهاب والقتل في العراق.

و ‌- اعتماد أسلوب التشهير بالمعارضين، ووصف الكونغرس حملات التشهير التي اعتمدها مكارثي بالكارثية لأنها دمرت الحياة الوظيفية لكثير من المواطنين حتى تردت الأوضاع في أجهزة الدولة التي تدهور أداؤها وانحدرت معنويات العاملين فيها، وقد وصف مسلسل تلفزيوني وثائقي العام 1954 المكارثية بما يأتي:

صناعة عقدة الشك:

– المعنى اللغوي للعقدة (Complex) هو التداخل العشوائي للأجزاء لدرجة الإرباك وصعوبة متابعتها وفهمها. والشك نقيض للثـقة، والثـقة كما يقول جيري مون في محاضرته بعنوان «الثـقة والشك في الحياة السياسية»، هي رديف للتسامح والمساواة السياسية التي تعتبر ضرورية للحياة لأنها تعطي الفرد الأمل وتجنبه القلق من تهمة عدم الولاء أو الخيانة. فالانغماس في الشك يعني التدقيق المكثف والمستمر في خلفية الغير وخصوصياته قبل الدخول معه في عقد اجتماعية. ويضيف مون أن عقدة الشك مرتبطة بالشعور بالحرمان حين تتمتع مجموعة معينة في المجتمع بمزايا كثيرة تفوق استحقاقاتها، فتشعر الفئة المنقوصة حقوقها بالتهميش لوجود معايير معينة يشجعها رجال السياسة لغرض الحصول على اتباع ومناصرين. من هنا تكون الثـقة سهلة الكسر (Fragile) تحت سطوة السياسين، ويحفز فقدان الثقة الدعوة لنيل المساواة والمطالبة بالحقوق ضمن عقد اجتماعي. ويربط البرفسور مون بين الثـقة والشفافية، فالثـقة تتعزز عندما تتضح الحقائق للرأي العام في حين يتعزز الشك بالغموض وغياب الحقائق. ولولا الشفافية والمكاشفة وحرية التعبير لما انحسر زيف المكارثية. وبالمثل فإن الانفتاح الذي تمخض عنه مشروع الإصلاح في مملكة البحرين أناط اللثام عن كثير من التجاوزات والانتهاكات والملفات الرامية إلى تشطير المجتمع وتخريب نسيجه.

المكارثية الجديدة

على رغم انحسار المكارثية وانحصارها في بلد منشئها لحين من الزمن فإن المحافظين الجدد عملوا على تصديرها إلى دول أخرى مستغلين الفراغ السياسي وفجوات الاختلاف ونزعة التطرف وغياب التسامح لدى البعض، ليجعلوا الجار يغزو جاره لتنفيذ مخططات التقسيم. ويجند المحافظون الجدد مراكز البحوث التي يحلو للبعض منا تقليدها بابتذال وسذاجة. ومن هذه المراكز معهد أميركان انتربرايس والتي ننصح اليائسين والمخدوعين من مواطنينا بالنأي بأنفسهم عنها مهما بلغ بهم اليأس. فدور هذه المعاهد لا يخرج عن أهداف المحافظين في نشر ثقافة الشك والخوف تمهيدا للاحتراب والتقسيم والهيمنة.

إن المكارثية تطل علينا برأسها بين فئة وأخرى وفي كثير من بقاع العالم. ونتائجها واحدة وهي نشر البلبلة والفوضى وثقافة الخوف وتمزيق نسيج المجتمع.

وفي منطقتنا تطل علينا أفكارا وممارسات تلبسها مس من المكارثية ولكن بشكل جديد، فنراها تستحضر الجانب السلبي من تاريخنا وتضخم أخطارا من هنا وهناك وتخرج لنا بتوصيفات جديدة، وتنشر أفكار ومقولات أعداء الأمة على رغم ادعائها محاربتها، وتدعو الله أن تنشب حربا في منطقتنا متقمصة بذلك روح شمشون الجبار، وتتاجر بتقارير تسميها استراتجية وذلك في هلوسة فاقت أفكار وممارسات غلاة المكارثية الأوائل.

لقد هلك مكارثي بعد أن أدمن الخمر وتخلى عنه حلفاؤه ومعاونوه، وبعد أن استنفذ أغراضه. إلا أن عناصر المحافظين الجدد في كل بقعة من بقاع الأرض مازالت تتقمص روحه الشريرة التي تحوم كالأطياف حولنا، وتساعد بجهل على تمزيق أواصرنا وتمكنه من مستقبلنا وحاض

  1. ى رحابة صدر الاستاذ سعيد يقطين لأقول إنّ ما قتل الإبداع العربي وأثار فيه الفوضى هو أقوال مثل قوله (إن غياب النظرية، وعدم الخضوع للقواعد، وتغييب الميثاق الروائي، كل ذلك ساهم بدور كبير جدا في تحول الرواية إلى عالم غير محدد ومضبب وغير دقيق)، الإبداع يا أستاذ سعيدلا يحتاج إلى نظرية لتُصادق على إبداعيته، الإبداع لا يزدهر إلا في عالم غير محدّد ومضبّب وغير دقيق”، بل إن النظرية تأتي بعد الإبداع وتحتاج إليه لتُثبت صدقيتها. وإني أضيف إلى هذا قولي إنّه لئن كان قَدَرُ النصّ الإبداعي ألاّ يُنظر إليه إلاّ من جهة انتمائه إلى جنسٍ أدبيٍّ أو نوع ذي شروط مرسومة سلفا، وهو قَدَرٌ فرضه نُقّادٌ ذوو وعيٍ تجميعيّ مدرساني يحكمه واجب ردّ المفرد إلى الجماعة وتذويبه فيها (وهذه قضية تتجاوز الأدب لتُلقي بظِلالها وضَلالها على مسائل فكرية كثيرة)، فإنّ الجنس الأدبيّ لا يوجد في النص إطلاقًا، ولا توجد فيه القِيَمُ الإنسانية والمعاني التي يتغيّى النص إبلاغها للقارئ، وإنما هو يوجد بالنصِّ، لأنّه كلٌّ مكوَّنٌ من صفات أجزائه، ومن ثمة فلا يوجد في النصّ إلاّ النصُّ الفردُ/نصُّ الفردِ الذي له كينونته الثقافية الخاصّة. وإذا كان يصعب الحديث عن جنسٍ أدبيّ دون نصوصٍ يُبنى عليها وتُردُّ إليه، فإنه من الممكن أن نتحدّث عن نصٍّ دون ردّه إلى جنسٍ مّا، ذلك أنّ أكبر النصوص هي تلك التي اخترقت جدران أجناسها وأنواعها وتحرّرت منها، ذلك أن وظيفة الجنس الأدبيِّ ليست إلاّ تدجينَ النصِّ وتطويقه (الخضوع للقواعد كما يقول الاستاذ سعيد) ، بينما من وظائفِ النصِّ أن يُغني الجنسَ الأدبيَّ وأن يحلم بالتمرّد عليه في الآن نفسه. ووفقا لهذا الأمر وجب على القراءة تخفيف ثِقَلِ نظام الجنس على رعاياه النصوص، بل لعله وجب عليها هدم الأجناس على حدّ قول بارت في حديثه عن نظرية النص، والانصباب على النصّ بحثا فيه عن قِيَم الإنسان في تواصله مع ذاته ومع الآخر بعيدا عن إكراهات التقعيد وشكلياته. شكرا لرحابة صدرك أستاذي.

    Reply

  2. من المصادفات الغريبة أني كنت مع أحد الزملاء في لكلية أمس نتحدث في هذا الموضوع وتفريعاته كما عرضها الدكتور هنا وكنت أهم بكتابة مقال عنه.. جميل ومهم ما يطرحه الدكتور يقطين.

    د. ثائر العذاري

    Reply

  3. مقالة جديرة بالقراءة حقاً : بشكل عام فإنّ النصّ السردي القصصي كنوع من الجنس الأدبي يعني القصّة الشفوية أوالمكتوبة ؛ والتي تقوم بنيتها العامة على سرد حكاية ؛ تقدّم على أنها متخّيلة ؛ أو أنّ أحداثها واقعية…فهوخطاب لغوي مداره على السرد النثري ؛ ووظيفته المرجعية تظلّ هي الغالبة على النصّ…بسبب حركية الشخصيات الرّوائية ضمن سيرورة الزمان والمكان…فهي الأقرب إلى السيرة الذاتية ضمن الميثاق المرجعي.أما الميثاق السردي فهونوع من العلاقة الصريحة أوالضمنية التي تعقد بين المؤلف الكاتب والقاريء الواعي ؛ وبين الرواي والمرويّ له من جهة أخرى.من هنا نفهم الميثاق الرّوائي الذي أشرت إليه سيدي الدكتورسعيد يقطين؛ ففيه تأكيد على انتماء النصوص إلى الرّواية ؛ ورفض اعتبارها سيرة ذاتية…وبالتالي يكون الميثاق الرّوائي غيرمباشرفي تقريريته…ومن هنا أيضاً فإنّ أهمّ مكوّنات الميثاق الرّوائي خلوه تماماً من ( المونولوج ) السردي بصيغة ضميرالمتكلم…والمونولوج على حدّ تعبيرالمدرسة الرّوائية الروسية ؛ هوالصوت الداخلي للرّواية ؛ متى ما استيقظ بنشاط الهمّة ؛ استيقظت جميع الأدوات للعمل السردي ؛ من دون كسل التنابلة.مع التقديرلكاتب المقالة

  4. كتب أحمد ضحية – لا يمكننا – في ظني الخاص- الحديث عن :”ثورة السودان المرتقبة” , دون التعرض لمصدر إلهام أساسي  للثورات السودانية, كالمصدر الذي  مثلته ثورة علي عبد اللطيف ورفاقه , الموسومة ب: اللواء الأبيض أو ثورة 1924,أي بعد ثورة سعد زغلول في مصرعام 1919بخمسة سنوات فقط!.

    وهنا في سيرة مصر ,لابد من الإشارة إلى شعار وحدة وادي النيل, في سياق الحديث العام – الذي سيأتي لاحقا -عن ثورة اللواء الأبيض , إستنادا لرؤية دكتور محمد سعيد القدال في كتابه : “تاريخ السودان الحديث”.

    لكن – إبتداء تجدر الإشارة هنا إلى ما أسترعى إنتباه – دكتورة يوشيكو كوريتا  وهي تتوقف طويلا أمام دلالة اللون الأبيض, وما تمثله بالنسبة لحركة اللواء الأبيض ,التي أتخذته شعارا لها, بما يمثله من إلتباس وتعقيد, لا يقل عن إلتباس وتعقيد شعار”وحدة وادي النيل” .

    في السياق نفسه نؤشر على  دراسة أخرى مفيدة , هي دراسة دكتور الباقر العفيف:”متاهة قوم سود في ثقافة بيضاء”,والتي إهتمت في أحد جوانبها ,بالبحث في النظام الدلالي العربي ,حيث ركز العفيف على دلالتي أبيض وأسود, لفهم  – في التحليل النهائي – طريقة عمل العقل السوداني بمعنى (مجموعة تيارات الفكر  والثقافة الأساسية وروافدها) .

    فثورة اللواء الأبيض بهذا المعنى, هي محاولة للتخلص من أزمة الهوية الوطنية , كما هي الجذر  العميق لثورة أكتوبر 1964وأبريل 1985 , بل ولا نبالغ إذا زعمنا أنها تتصل بظروف السودان الحالية ,التي أفضت إلى إنفصال الجنوب, لذلك يبقى الحديث عن أي ثورة مرتقبة , رهين إستيعاب متناقضات هذا التاريخ الممتد من 1924 حتى الآن , والإجابة عن تساؤل: هل تجاوزنا فعلا كسودانيين متناقضاتنا المتعلقة بالهوية,أم بعد لازلنا نراوح مكاننا؟!.

    فهذا هو الأفق الإستشرافي العام – حسب فهمي – ,لما أشارت إليه الباحثة اليابانية  يوشيكو كوريتا  في كتابها :”علي عبد اللطيف وثورة 1924- بحث في مصادر الثورة السودانية- مركز الدراسات السودانية ,القاهرة,1997″. وهو أفق إستشرافي ,لم يغب عن ورقة الأستاذ عبد العزيز حسين الصاوي “الإنتفاضة المصرية وعيوب معارضتينا القديمة والجديدة” رغم إختلاف المنطلقات ..

    إذن أشارت كوريتا في هذا الكتاب إلى ثلاثة قضايا : 1- مفهوم الوطنية عند علي عبد اللطيف.2- دور العناصر الزنجية المنبتة قبلياً ,في المجتمع السوداني بين عشرينات وأربعينات القرن العشرين .3-  حياة علي عبد اللطيف نفسه.

     ويشير هنا دكتور محمد سعيد القدال في تقديمه لكتاب يوشيكو كوريتا إلى أنه :” يجب أن نبدأ من إدراك تناقض الحركة الوطنية,وليس فقط بتمجيدها, إذا أردنا التفكير بجدية, في مسألة الوطنية”.

    وتشير كوريتا والقدال, أن عناصر حركة اللواء الأبيض , بإعتبارهم: ينحدرون من العناصر الزنجية.. أولئك الذين تحرروا من الرق، والذين تعود جذورهم إلى قبائل جنوب السودان وجبال النوبة – وربما هوامش السودان الأخرى- و استقروا في مجتمع شمال السودان ,بعد أن فقدوا جذورهم القبلية الأصلية ,من طول إغترابهم في الشمال، فلا روابط قبلية, ولا تقاليد ولا مهن يركنون إليها.. تكوّن لديهم حس قومي , ولذلك عندما أحس البريطانيون أن جرثومة القومية السودانية ,موجودة بين تلك العناصر، بينما الإنتماء القبلي بين أهل الشمال يصطدم بشكل مباشر, مع المشاعر القومية، ويقف حجر عثرة, أمام إنصهار أهل السودان في بوتقة الأمة. فأتخذوا على هذه الخلفية – الإنجليز – الكثير من الإجراءات ,التي عقدت مشكل الهوية في السودان,فيما بعد.

    يحاول  القدال أيضا لفت الإنتباه :إلى ما أثار إهتمام الباحثة  اليابانية يوشيكو كوريتا ,بعلي عبد اللطيف ورفاقه. مشيرا إلى ممارسات الإحتلال البريطاني , الذي كان يعاقب بالجلد  كل من “يكتب في شهادة ميلاده أنه “سوداني” ,ومع ذلك لعبت تلك العناصر ذات الأصل الزنجي, دوراً قيادياً وبطولياً في أحداث 1924م، مثل علي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ وزين العابدين عبد التام”.

    تقصت كوريتا إذن دور هؤلاء “المنبتين”, في المجتمع السوداني ,وصولا إلى ظهور الكتلة السوداء ,فى أربعينيات القرن العشرين، وتواصل جهدها إلى إنفجار مشكلة السودان في الجنوب ,بشكلها الدرامي المأساوي!.ليعاد إنتاج نفس المشكلة السودانية في دارفور,لاحقا!

     تكمن أهمية بحث يوشيكو كوريتا في ثورة 1924 في كونها” أخرجت القضية (قضية الزنوج السودانيين,هؤلاء الذين يعج بهم الهامش)من هامشيتها الإجتماعية , الى مركز الصراع الاجتماعي. وكما يشير القدال أنه ليس بالإمكان, أن ينصهر السودان ليصبح أمة، ما لم يتلاش الحاجز ,الذي يطل من فوق أبراجه العالية, أهل الشمال على العناصر الزنجية, بإعتبارهم عبيداً، بينما العبودية عبر التاريخ في مفهومها :”وضع اقتصادي اجتماعي وليست صفة عرقية ملازمة للعناصر الزنجية”.هذا الفهم الإجتماعي الشمالي – بالطبع دون تعميم – المتخلف .هو ما دعا أحد قادة الإسلام السياسي في الخرطوم يقول ما معناه :أنه من الشرف للغرابية أن يغتصبها جعلي – هذا ليس إغتصاب.. عندما أتهمت الحركات المسلحة في دارفور , جيش شمال السودان بإغتصاب النساء , فمرجعية الرجل هنا : ما ملكت إيمانكم ,التي تضرب بجذورها في الوجدان الثقافي العربي, و التي إنبنت على السلب والنهب والغزو,كسلوكيات إجتماعية سابقة للإسلام)

     تحدثت الباحثة  يوشيكو كوريتا أيضا ,عن بروز تيارين بين دعاة الوطنية السودانية الأول : بقيادة الزعماء الدينيين وزعماء القبائل، وهم الذين قوّى البريطانيون من شوكتهم، فملكوا الأرض وارتبطوا بمشاريع القطن، وقالوا بتفويض السودانيين للبريطانيين للتحدث بإسم السودان.

    وقادت جمعية اللواء الأبيض التيار الثاني. ومن أجل فهم هذا التيار، ترى الباحثة اليابانية يوشيكو كوريتا ضرورة تحليل العلاقة بين جمعيتي الاتحاد السوداني واللواء الأبيض. وناقشت في هذا السياق, الأسباب التي أدت إلى إنقسام جمعية الإتحاد السوداني، وبروز جمعية اللواء الأبيض، وإختلاف وجهة نظر الجمعيتين بشأن وحدة وادي النيل. وخرجت من تناولها عن ما كان سائداً حول ذلك الخلاف.

     ثم تناولت مفهوم الوطنية عند علي عبد اللطيف. ولأنه من أصل غير شمالي، فقد كان حريصاً على أن تكون الأمة السودانية موحدة, تضم أهل الشمال والجنوب. وترى أن هذا الفهم يطرح سؤالاً حول قبول علي عبد اللطيف في جمعية الاتحاد السوداني, التي يقودها عبيد حاج الأمين كممثل لتيار عروبة السودان وتوحيده مع مصر,بشكل من الأشكال.

    وقبيل استقلال السودان وجد التعبير السياسي ,لتلك العناصر آخر مظهر له, في جمعية الوحدة السودانية (1942)، ثم خلفتها الكتلة السوداء (1948) وتحولت تلك العناصر بعد ذلك, لتصبح جزءاً من الطبقة الوسطى في المدن.

    ومنذ بداية الخمسينات من القرن العشرين، إنتهى دورهم كقوة مؤثرة سياسياً، وتحوَّل الصراع إلى صراع بين الشمال والجنوب. وتواصل بروز هذه الكتلة السوداء ,خلال الأنيانيا , وغيرها من القوى الجنوبية, وصولا إلى الجيش الشعبي لتحرير السودان.. كما برز أيضا هذا التواصل خلال الحركات الدارفورية : سوني,اللهيب الأحمر ونهضة دارفور, وصولا للحركات الدارفورية الراهنة.. مثلما تواصل مع حركات جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق,إلخ..

    ثورة  اللواء الأبيض إذن: تمثل وعيا جنينيا بالهوية الوطنية والقومية السودانية , التي تطلعت إلى ما فشلت فيه المهدية, كثورة دينية تتسم بضيق الأفق بسبب دعاويها , فبعد إنتصارات الثورة المهدية تحول الجهادية السود, الذين كان قد إسترقهم الأتراك والمصريون, وكونوا منهم قوة عسكرية , إنضم هؤلاء الى الصفوف المقاتلة للثورة المهدية , ولعبوا دوراً حاسماً في حروبها الداخلية والخارجية. لكن مع ذلك ظلت علاقة المهدية بالقبائل الزنجية غائمة ,وتأرجحت بين ما سماه دكتور محمد سعيد القدال : «الإنتماء والإغتراب». (في دراسته عن علاقة الدولة المهدية بجنوب السودان في كتاب “الإنتماء والإغتراب”.

    نلاحظ هنا أن تناقض المهدية, تمت إعادة إنتاجه في العلاقات الداخلية للحركة الإسلامية – مثلما تمت إعادة إنتاجه من قبل في العلاقة ما بين كيان الأنصار وحزب الأمة ,او الختمية والحزب الإتحادي , من جهة الطائفة وكذلك داخل الحزب بأشكال مختلفة – لكن ما يهمنا هو الموقف المعاد إنتاجه في الحركة الإسلامية .. أعني موقف الشماليين داخلها من الدارفوريين ,الذين لعبوا دورا حاسما في حربها ضد الجنوب ,والتمكين لأركان المشروع الحضاري, ومع ذلك ظلت علاقة الشماليين داخل التنظيم وفي أجهزة الدولة, علاقة مرضية يشوبها الكثير من الإستعلاء والتهميش والصلف ,ما ترتب عليه بالنتيجة المفاصلة الشهيرة و قرارات 4 رمضان. ونهوض عدد من الحركات المسلحة في دارفور, التي لأول مرة بعد الحرب الأهلية في  ثمانينيات القرن الماضي تجترح أفقا ثوريا جديدا  يتجاوز أفكار الأهلية والقبلية والإسلام السياسي , كما هو الحال في حركة  داؤود يحى بولاد التي إرتبطت بالحركة الشعبية . كحركة دارفورية ذات وعي مبكر ,يتجاوز أسوار العنصرية والقبلية والإستعلاء,مرورا – لاحقا – بحركة عبد الواحد محمد نور, فخليل إبراهيم .

    ونلاحظ هنا أن تجربتي بولاد وخليل , إنتقلت من خانة الحركة الإسلامية,إلى خانة الحركات المسلحة, إنتقال علي عبد اللطيف من الإتحاد السوداني ,وهي تجارب تتقاطع بدورها مع تجربة الزعيم قرنق ,فهؤلاء جميعهم يشتركون في أفريقيتهم السوداء,المنبنية على الحقيقة والمصالحة,والمشاركة في وطن واحد موحد,تحكمه المواطنة التي تجمع فسيفساء تنوعه , وتعدده , وتباينه في إطار واحد .

    خلاصة القول هنا , يتمثل في أن أي ثورة مرتقبة, مالم تصلب تناقضاتها الذاتية كمشروع ثوري ,يتجاوز سجون القبلية والعرقية والطائفية والمذهبية والإسلام السياسي والحزبية, هي ليست ثورة بقدر ما هي إعادة إنتاج ,لأزمات السودان , في الوقت الذي يتجاوز فيه المجال الثقافي العربي – الذي ينتمي إليه جزء مقدر من شعبنا السوداني  – الآن هزائمه التاريخية , ليتمخض عن روح ثورته العربية القديمة !..

     في تقديري لو أعدنا قراءة تاريخنا منذ ثورة 1924 حتى الآن, ربما سيكون بإمكاننا إنجاز ثورة لا تشوبها أمراض ثوراتنا السابقة , التي كما يؤكد الصاوي نفسه , أن صناعها  – اي صناع أكتوبر وأبريل , وازيد هنا صناع الإستقلال نفسهم – هم من إنقلب على معني الإستقلال ومعنى الثورة .

    ثورتي: أكتوبر 1964- أبريل1985:

    ثورة أكتوبر  لا تختلف كثيرا عن ثورة أبريل, في الأسباب والمآلات  أوالمصائر , فالأولى منذ نشوبها حتى الآن ,ظلت مصدر خلاف كبير في تقييمها , بسبب الإنجازات الإقتصادية للفريق عبود ,وهي إنجازات ينطبق مثلها على حكم النميري , في الوقت الذي تفتقر فيه الحكومات التي ترتبت على ثورة أبريل ,لأي نوع من الإنجازات,بل ساهم خطلها وتآمراتها ومنافساتها, في تعقيد أزمات السودان!..

     وكلتا الثورتين: أكتوبر وأبريل كانتا”حركتين سياسييتين ضد نظامي  17 نوفمبر 1964العسكري الإستبدادي الذي حكمه إبراهيم عبود,و ونظام 25 مايو 1969 العسكري الغاشم  الذي حكمه نميري, الفرق بين أكتوبر وأبريل أنه في أكتوبر سلم الفريق إبراهيم عبود سلطاته لجبهة الهيئات..  لكن في أبريل خلع الشعب الرئيس نميري, الذي كان مسافرا .ولو كان موجودا- لأن المصريون نصحوه بالبقاء في مصر , رغم إصرار الرجل على الرجوع –  لطارد نميري الشعب زنقة زنقة,كما سيفعل البشير لاحقا, فأمثال نميري والبشير وعلي عبد الله صالح والقذافي, الذين إما تربوا على أيدي عبد الناصر,أو تأثروا بتجربته لا يتنحون! .. وكلتا الثورتين رفعتا شعارات : الإضراب السياسي-العصيان المدني-الإنتفاضة الشعبية الشاملة.

    نتج عن ثورة أكتوبر إذن ,قيام حكومة قومية برئاسة سر الختم الخليفة ,قوامها الأحزاب السياسية والنقابات والهيئات, التي أشعلت الثورة ,التي ترتب على نجاحها (ثورة اكتوبر)قيام إنتخابات عامة في البلاد بعد أشهر قليلة,أفضت هذه الإنتخابات إلى فوز القوى الطائفية(الإتحادي والأمة) بشكل رئيسى, ودخل الشيوعيون والأخوان المسلمين البرلمان!.

    وهو الأمر نفسه الذي حدث ,بعد أن سلم المجلس الإنتقالي لسوار الذهب,السلطة للأحزاب ,بعد نجاح ثورة أبريل 1985, إذ ترتب على إنتخابات 1986 فوز القوى الطائفية مرة أخرى, إلى جانب الجبهة الإسلامية القومية , وإنحسار نفوذ اليسار بصورة مريعة,إذ دخل البرلمان على إستحياء!. وهكذا بدأ واضحا للمرة الثانية ,أن شعارات أبريل الثورية التي تدعو للتغيير, ستلحق أمات طه , وأمات طه هن شعارات أكتوبر المجيدة.

     فالطائفية  وقوى الإسلام السياسي ,في كلتا الثورتين(أكتوبر وأبريل) تمكنت من إجهاض روح الثورة , إذ لم تتمكن لا حكومة أكتوبر أو أبريل ,من حل مشكلة الجنوب .فالتمرد الذي كانت ضراوته قد خفت بعد مؤتمر المائدة المستديرة  إبان أكتوبر ,عاد من جديد أشد ضراوة ,حيث لم تستطع القوي السياسية ,التي إستمرت بلجنة الإثني عشر ,أن تضع نهاية سعيدة لمشكلة الجنوب ,رغم تطورها للجنة  تضم كل الأحزاب, فاللجنة القومية للدستور,التي وضعت مشروع دستور 1968 إلى أن  جاء انقلاب 25 مايو1969,وقلب نميري الطاولة ,على رؤوس – الأشهاد – الجميع بدء باليسار مرورا بالطائفية وقوى الإسلام السياسي, وهكذا تم وضع حد ,للتطور السياسي والدستوري السلمى ,مرة أخرى ,فدخلت البلاد من جديد ,فى دوامات أشد تعقيدا من العنف والعنف المضاد,الذي لم يهدأ إلا قليلا إثر إتفاق أديس أبابا 1972, لتفجره قوى الإسلام السياسي والنميري في 1983,مرة أخرى ,وهكذا أصبح  من الواضح (بالتكرار) أن السودان يدور في حلقة مفرغة من ديموقراطية إلى إنقلاب, أو ما أسماه المفكر السياسي الراحل الخاتم عدلان ب”الحلقة الجهنمية” أو “الشريرة” .

    إذن التمرد الذي وعدت قوى أبريل بالتوصل معه لحل جذري ,فشلت في الإيفاء بوعدها. بل أجهضت(بعض قوى أبريل) في إطار التنافس الحزبي كل المبادرات البناءة , وأتهمت قوى كوكادام (أبريل 1994),والتي تمثلت روح أبريل في مؤتمرها ,أتهمتهم الطائفية بالعمالة للغرب(مبارك الفاضل تحديدا بصفته وزيرا للداخلية), فقط لأن إعلان كوكادام قدم رؤية بناءة ضد التمييز والإستعلاء والتهميش ,ما يتعارض مع العقل الإستبدادي المتخلف للقوى السياسية القديمة , التي يمثلها مبارك الفاضل!

    ولم تكتفي طائفية أبريل بالفشل في حل مشكلة الجنوب, بل فتحت حربا جديدة في دارفور,أسهم فيها فضل الله برمة ناصر عن حزب الأمة- وكوزير للدفاع , بتسليح العرب ضد القبائل السوداء, التي “يدلعها” حاج وراق والمؤتمر الوطني بإسم آخر : قبائل الزرقة, كذلك أسهمت ليبيا في هذه الحرب ,التي فقد فيها السودانيون في دارفور- في الحقيقة – أخوتهم وأبناء شعبهم ومساكنيهم. ما فتح البلاد على حروب عديدة, كل منها تلد حربا أشد ضراوة من سابقتها .

    فشل ثورتي  أكتوبر وأبريل في حل مشكلة الجنوب- في تقديري- يعود للمشكلة الأساسية, التي مثلت مصدرا لثورة 1924 ,إذ لم تتحقق أية خطوات ملموسة تجاه الوحدة الوطنية أو الهوية الوطنية, كمدخلين لا غنى عنهما ,في بناء الدولة التي حلمت بها بعض قوى أكتوبر , كخطوة صحيحة ,في إتجاه بناء الدولة السودانية الوطنية القومية .

    بمعنى الدولة التي تتبنى شعارات الثورات الحقيقية ك: الإخاء والمواطنة والحرية والديموقراطية , والتعليم المدني والمساوة والعدالة الإجتماعية والتنمية (لأنه في الحقيقة القوى السياسية الإسلاموية والطائفية ,تستخدم الدين كرأسمال رمزي لأجل مصالحها المادية, هذا كل شيء .. وبطبيعة الحال  تعامل قوى السودان القديمة , مع هذه الأمور بمبدئية سينسف مصالحها , لذلك ما ينبغي عليها فعله في كل مرحلة للحفاظ على مصالحها  هو : تغويض الثورات الحقيقية وإفراغ شعاراتها من محتواها الفعلي كثورات تتطلع لغد أفضل)  كشعارات تقدمية, نقيضة للإستعلاء والتهميش,إذ لم يكن ممكنا ,تحقيق مثل هذه الشعارات لتصبح واقعا ملموسا ,بسبب التوجهات الطائفية العروبية الإسلاموية الصرفة ,على حساب أفارقة السودان ومسيحييه وكجورييه,وعدم إحترام هذه القوى لواقع التعدد والتنوع.

     في تقديري الخاص أن غياب هذه المفاهيم عن القوى الطائفية والإسلاموية – أو تغابيها عنها عمدا – أدى لفشل الوصول إلى حل  لمشكلة الجنوب ,كمشكلة تمثل تعبيرا صارخا عن أزمة الهوية الثقافية والحضارية للسودان,بالتالي سقط المشروع الثوري لأكتوبر ,قبل أن تسقط حكومة أكتوبر نفسها بإنقلاب مايو 1969.ومثله سقطت شعارات ومشروع ثورة أبريل للأسباب نفسها, إلى جانب العوامل الأخرى كالإقتصاد والفساد,إلخ..

    ثم جاءت الجبهة الإسلامية بإنقلاب – بمعنى أن الجبهة الإسلامية هي الطليعة المقاتلة والمتقدمة للرصيد الطائفي والإسلاموي – عسكري في 30 يونيو 1989 ,على أنقاض الديموقراطية الطائفية, لتبلغ المنتهى بأحلام وأوهام وأشواق الطائفية ,وقوى اليمين الأخرى والقوى العروبية الإسلاموية عموما وما تتمثله من مفاهيم إستبدادية وديكتاتورية متخلفة: من إستعلاء وتهميش وفساد,وعدم إحترام لمفهوم الديموقراطية وقيمة المواطنة..

     فأفرجت بذلك عن كل ما هو كامن في الطائفية, وبلغت به أقصى حدوده, فكل ما كان ثاويا في وعي  هذه القوى– أو لا وعيها الثقافي- ولم تصرح به أفرجت عنه – نيابة عنها-الجبهة الإسلامية ,فوصلت بأزمات السودان إلى منتهاها , حيث يبدو الآن ,طريق العودة إلى نقطة البداية صعبا ,مالم تقم ثورة حقيقية -هي الثورة ذاتها التي نأمل أن تكون هي من نترقب!- تتمثل قيم التغيير التي تنطوي عليها الثورات الحقيقية, كالثورة الفرنسية مثلا.. أو مبتدأ لعصر تنوير سوداني كما يدعو أستاذنا الصاوي ..

    نعود إلى الأسئلة التي طرحناها في الحلقة الأولى  من هذه السلسلة, التي أشرفت حلقاتها على الختام ففكرة هذه السلسلة, ترتكز بصورة أساسية على فرضية أن الإنقلابات التي تلت الحقبة الناصرية, لم تتمكن من تغيير نظم الدول – التي أرسيت دعائمها بإستلهام الناصرية – التي عنت  بها هذه السلسلة ممثلة في (تونس التي تأثرت بأساليب البطش الناصري , على الرغم من عدائها للناصرية -,مصر,ليبيا,العراق,والسودان) , بل كانت تلك الإنقلابات بمثابة إعادة الإنتاج لتجربة “الضباط الأحرار” والحقبة الناصرية !..

    وأن الإنهيارات التي تحدث الآن في هذه الدول المشار إليها ,والتي أرتبطت بصورة مباشرة أو غير مباشرة بسطوة الناصرية ,بمثابة الكنس لما تبقى من آثار الناصرية ؟ بمعنى مشابه للإنهيارات التي تخطت حدود الإتحاد السوفيتي, إلى شرق أوروبا,مسقطة لا المعسكر الشرقي فحسب بل هدت حتى جدار برلين على رؤوس مشيديه, معلنة ميلاد نظم سياسية جديدة! في العالم..

     لكن ,ربما يحدث العكس بأن تعترضها ردة إلى الماضي(كما رأينا في الإنقلابات على أكتوبر وأبريل),التي ذرت رياح الديموقراطية والتحرر وأحلام التغيير,بتسويق الطائفية وقوى الإسلام السياسي, للديموقراطية في هياكل النظم القديمة ! مع الإعتناء بتغييرات شكلية ,لا تتمثل جوهر فكرة التغيير والديموقراطية, اللتان تجتاحان المنطقة الآن!.. هذه المنطقة التي تلهث خلف التغيير , غاضة الطرف عن أجندة الغرب

العق​لية  التبريرية والفكر الماركسي


يستحق مقال الأخ حبيب عيسى 

أن يتحول في كل فقرة من فقراته إلى معايير نفهم ونحلل بواسطتها ما تكلم عنه ولم يشر إليه بالإسم .. محاولين الآن فهم الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية العربية كنموذج على ضوء فقرة من مقالة العقلية التبريرية للاستاذ حبيب عيسى ..

اقتباس: يقول الأخ حبيب :

(( لقد كانت النتيجة الأكثر بروزاً لمرحلة الامتحان الصعبة تلك ، أن أغلب المعتقدات الإيديولوجية والمنهجية والنظرية انتقلت من موقع المسلمات المقدسة التي لا يأتيها الباطل ، إلى واقع التساؤل والشك في مصداقيتها ، وإلى أي حد تصلح..؟ وإلى أي حد يمكن التمسك بها كعقيدة ثابتة ، وكمنهج صلب في تفسير الأحداث ؟ ، تلك الأحداث التي بدت في أغلب الأحيان وأنها تفرّ مسرعة من إطار مقدرة تلك المناهج والنظريات على التفسير والفهم بعد أن كان أصحابها يدعوّن إلى وقت قريب جداً أنها قادرة على تفسير كل شيء ، لا في عالم الكرة الأرضية ، وإنما في عوالم الأكوان كلها بمختلف مجراتها ، وربما أبعد من ذلك …! )) انتهى الاقتباس

سنحاول أن نسقط معايير هذه الفقرة على

الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية العربية / نموذجاً

كما نعرف جميعا انطلقت النظرية الماركسية من أن المادة أساس التطور وأنها في إطار القوانين الكلية (الحركة الدائمة والتأثير المتبادل والتغير المستمر) هي العامل الحاسم .. يحدث التناقض بين أدوات الإنتاج وعلاقات الانتاج فيحدث طفرة (تطور جديد) يكون الانسان فيه متلقيا تمر عبره الأوامر لينفذ ويؤسس طورا جديدا من التقدم .. البناء التحتي من أدوات النتاج يصنع البناء الفوقي من علاقات الانتاج بما في ذلك الدين والسياسة والفن والشعر …الخ .. ومن هنا كان التفسير المادي للتاريخ يمر بمراحله الخمس البدائية والرعوية والاقطاعية والصناعية ….. إلى المرحلة الشيوعية .

وحتى لا نغوص كثيرا في النظرية الماركسية ولكي نقترب من العقود القريبة حتى نلامس الواقع الحالي سنبرز طرق التفكير الماركسي الشيوعي في محاولة التصدي لتغيير الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي ..

لقد قدمت المادية نفسها كدين في مقابل كل دين من حيث تدري أو من حيث فسرت أن أساس الكون المادة فنفت وجود الله في مجتمع أغلبه مسلم فكان أول اصطدام لها مع المجتمع .. ثم وصفته بأنه الأسلوب العلمي في التقدم والتطور وفرزت على ضوء ذلك الناس والقوى السياسية بين تقدمي ورجعي يساري ويميني ثم انقسمت قواها بين يسار اليسار ويمين اليسار ويمين اليمين وكثرت التصنيفات بمقدار ما تعددت الآراء بين الماركسيين أنفسهم وبين المختلفين مع أفكارهم .. وكان اصطداما آخر فشل في أن يجد معيارا سليما علميا لمفهوم التقدمية ..

ولما كانت الماركسية تفترض طبقة البروليتاريا العمالية لتصنع التغيير كان لابد لها من نهضة صناعية مفقودة في بلاد جلها زراعي فاصطدمت مرة ثالثة بالواقع من حيث افتقدت أداتها البروليتارية وفق تحليلها فاتكأت على البرجوازية الصغيرة التي هي في رأيها متذبذبة منتفعة مترددة … وكان هذا الاستبدال بسبب غياب معيار الفرز الاجتماعي المبني على المصلحة << المصلحة العليا للأمة التي تتضمن مصلحة الجميع << وكان لهذا أسبابه إذ أن المصلحة القومية العليا لم تكن بعد قد بدأت تتفتح عند البعض بسبب الإنتماء الى أممية الخلاص الماركسي وكان هذا الاصطدام مع القومية العربية ..وهكذا بمقدار ما كانت تصطدم الأفكار الماركسية والأحزاب الشيوعية بالواقع الموضوعي كانت تتفتت فكرا وأحزابا .. إلى أن رأينا أن ادعاء علميتها وجدليتها لم يكن علميا وتحولت من المسلمات الأيديولوجية إلى سلة المهملات وعلى يد معتنقيها ومؤسسيها في الاتحاد السوفياتي سابقا .. بينما بدأت مراجعات جادة تولد عنها انتماء قومي للأمميين سابقا وانتباه شديد للتعامل مع الواقع وفق معطياته الموضوعية بمقدار ما اكتشفت تلك القوى أن منهجها العلمي هو بعيد عن العلمية بمقدار ما ابتعدت عن التبريرية في اسناد منهج خاطئ خذلها في التفسير والتغيير .. إن العقلية التبريرية عند الماركسيين كانت تعتمد على مسلمة (علميا خاطئة ) ويبررونها انتماء لها وتقديسا لفكرة في الأصل ميتافيزيقية

وإن مراجعة سريعة للتشتت الحزبي الماركسي وانقساماته ليلقي الضوء ميدانيا على فشل المنهج الماركسي الذي تم ترقيعه أو تغيير بناه وفق المجتمعات .. و الصين مثلا .. وبدلا من أن يغير الفكر الماركسي الواقع راح الواقع يغير معطيات الفكر الماركسي وشيئا فشيئا وحذفا وإضافة من الإنسان قائد عملية التطور يكاد يتلاشى الفكر الماركسي ليتكون فكر ماركسي جديد المواصفات لكنه محكوم بعقلية تبريرية هذه المرة تتقدم به نحو ايجابية التعامل الأفضل مع الواقع القومي عند بعض القوى الماركسية ..

بل نرصد تغييرا ابداعيا بغض النظر عن حجم اللقاء أو الاتفاق مع هذا الابداع الفكري الجديد الذي لايطرح فقط القومية العربية ملاذا وحلا بل يتناول الاسلام كحقيقة اسلامية يؤسس معها الهوية القومية (مثال ذلك بحوث الأخ الأستاذ زياد هواش) .. لنلاحظ بها من وجهة نظرنا انقلابا في الانتماء الماركسي نحو الإنتماء القومي آخذا بعين الاعتبار مكونات الأمة من جغرافيا وتاريخ ولغة.. إن العقلية التبريرية التي يطرحها حبيب عيسى نراها في بحوث الاستاذ زياد هواش عبارة عن تصحيح ابداعي يستلهم مبرراته فيما نرى من تقييم ناضج لتجارب الماضي وإرساء مفاهيم وقيم يتطلبها الواقع الموضوعي .. القومي والديني والعالمي ….. 

ختاما إن بحث كهذا لا تفي بالتعبير عنه في بضعة سطور لهذا سيظل البحث بحاجة الى مزيد من الدراسة والتحليل لالقاء الضوء على المدى الذي مازالت العقلية التبريرية تتحكم بالأفكار والأفعال سلبا وايجابا…

وإن نقد الفكر الماركسي على هذا الوجه يجب أن لا تخفى عنا نجاحاته حيث انتشر في العالم رغم ما قدمناه من نقد إليه … إنما نحب أن نؤكد أن نجاحات الفكر الماركسي كانت بمقدار الإجتهادات الفردية التي تجاوزته ولكنها بقيت تنشط تحت مظلته وهويته ..

للحديث بقية

حول الأحزاب والقوى السياسية العربية

__________________
… …. ….

ونقسم مرةً أخرى ..
بأن نقبض على التاريخ .. نصنعه .. نخرجه .. نقتاده نحو فجر الشمس .. فيشرق مرة أخرى
نحن العناوين لن تبقى يا وطني بلا عنوان