العق​لية  التبريرية والفكر الماركسي


يستحق مقال الأخ حبيب عيسى 

أن يتحول في كل فقرة من فقراته إلى معايير نفهم ونحلل بواسطتها ما تكلم عنه ولم يشر إليه بالإسم .. محاولين الآن فهم الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية العربية كنموذج على ضوء فقرة من مقالة العقلية التبريرية للاستاذ حبيب عيسى ..

اقتباس: يقول الأخ حبيب :

(( لقد كانت النتيجة الأكثر بروزاً لمرحلة الامتحان الصعبة تلك ، أن أغلب المعتقدات الإيديولوجية والمنهجية والنظرية انتقلت من موقع المسلمات المقدسة التي لا يأتيها الباطل ، إلى واقع التساؤل والشك في مصداقيتها ، وإلى أي حد تصلح..؟ وإلى أي حد يمكن التمسك بها كعقيدة ثابتة ، وكمنهج صلب في تفسير الأحداث ؟ ، تلك الأحداث التي بدت في أغلب الأحيان وأنها تفرّ مسرعة من إطار مقدرة تلك المناهج والنظريات على التفسير والفهم بعد أن كان أصحابها يدعوّن إلى وقت قريب جداً أنها قادرة على تفسير كل شيء ، لا في عالم الكرة الأرضية ، وإنما في عوالم الأكوان كلها بمختلف مجراتها ، وربما أبعد من ذلك …! )) انتهى الاقتباس

سنحاول أن نسقط معايير هذه الفقرة على

الفكر الماركسي والأحزاب الشيوعية العربية / نموذجاً

كما نعرف جميعا انطلقت النظرية الماركسية من أن المادة أساس التطور وأنها في إطار القوانين الكلية (الحركة الدائمة والتأثير المتبادل والتغير المستمر) هي العامل الحاسم .. يحدث التناقض بين أدوات الإنتاج وعلاقات الانتاج فيحدث طفرة (تطور جديد) يكون الانسان فيه متلقيا تمر عبره الأوامر لينفذ ويؤسس طورا جديدا من التقدم .. البناء التحتي من أدوات النتاج يصنع البناء الفوقي من علاقات الانتاج بما في ذلك الدين والسياسة والفن والشعر …الخ .. ومن هنا كان التفسير المادي للتاريخ يمر بمراحله الخمس البدائية والرعوية والاقطاعية والصناعية ….. إلى المرحلة الشيوعية .

وحتى لا نغوص كثيرا في النظرية الماركسية ولكي نقترب من العقود القريبة حتى نلامس الواقع الحالي سنبرز طرق التفكير الماركسي الشيوعي في محاولة التصدي لتغيير الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الوطن العربي ..

لقد قدمت المادية نفسها كدين في مقابل كل دين من حيث تدري أو من حيث فسرت أن أساس الكون المادة فنفت وجود الله في مجتمع أغلبه مسلم فكان أول اصطدام لها مع المجتمع .. ثم وصفته بأنه الأسلوب العلمي في التقدم والتطور وفرزت على ضوء ذلك الناس والقوى السياسية بين تقدمي ورجعي يساري ويميني ثم انقسمت قواها بين يسار اليسار ويمين اليسار ويمين اليمين وكثرت التصنيفات بمقدار ما تعددت الآراء بين الماركسيين أنفسهم وبين المختلفين مع أفكارهم .. وكان اصطداما آخر فشل في أن يجد معيارا سليما علميا لمفهوم التقدمية ..

ولما كانت الماركسية تفترض طبقة البروليتاريا العمالية لتصنع التغيير كان لابد لها من نهضة صناعية مفقودة في بلاد جلها زراعي فاصطدمت مرة ثالثة بالواقع من حيث افتقدت أداتها البروليتارية وفق تحليلها فاتكأت على البرجوازية الصغيرة التي هي في رأيها متذبذبة منتفعة مترددة … وكان هذا الاستبدال بسبب غياب معيار الفرز الاجتماعي المبني على المصلحة << المصلحة العليا للأمة التي تتضمن مصلحة الجميع << وكان لهذا أسبابه إذ أن المصلحة القومية العليا لم تكن بعد قد بدأت تتفتح عند البعض بسبب الإنتماء الى أممية الخلاص الماركسي وكان هذا الاصطدام مع القومية العربية ..وهكذا بمقدار ما كانت تصطدم الأفكار الماركسية والأحزاب الشيوعية بالواقع الموضوعي كانت تتفتت فكرا وأحزابا .. إلى أن رأينا أن ادعاء علميتها وجدليتها لم يكن علميا وتحولت من المسلمات الأيديولوجية إلى سلة المهملات وعلى يد معتنقيها ومؤسسيها في الاتحاد السوفياتي سابقا .. بينما بدأت مراجعات جادة تولد عنها انتماء قومي للأمميين سابقا وانتباه شديد للتعامل مع الواقع وفق معطياته الموضوعية بمقدار ما اكتشفت تلك القوى أن منهجها العلمي هو بعيد عن العلمية بمقدار ما ابتعدت عن التبريرية في اسناد منهج خاطئ خذلها في التفسير والتغيير .. إن العقلية التبريرية عند الماركسيين كانت تعتمد على مسلمة (علميا خاطئة ) ويبررونها انتماء لها وتقديسا لفكرة في الأصل ميتافيزيقية

وإن مراجعة سريعة للتشتت الحزبي الماركسي وانقساماته ليلقي الضوء ميدانيا على فشل المنهج الماركسي الذي تم ترقيعه أو تغيير بناه وفق المجتمعات .. و الصين مثلا .. وبدلا من أن يغير الفكر الماركسي الواقع راح الواقع يغير معطيات الفكر الماركسي وشيئا فشيئا وحذفا وإضافة من الإنسان قائد عملية التطور يكاد يتلاشى الفكر الماركسي ليتكون فكر ماركسي جديد المواصفات لكنه محكوم بعقلية تبريرية هذه المرة تتقدم به نحو ايجابية التعامل الأفضل مع الواقع القومي عند بعض القوى الماركسية ..

بل نرصد تغييرا ابداعيا بغض النظر عن حجم اللقاء أو الاتفاق مع هذا الابداع الفكري الجديد الذي لايطرح فقط القومية العربية ملاذا وحلا بل يتناول الاسلام كحقيقة اسلامية يؤسس معها الهوية القومية (مثال ذلك بحوث الأخ الأستاذ زياد هواش) .. لنلاحظ بها من وجهة نظرنا انقلابا في الانتماء الماركسي نحو الإنتماء القومي آخذا بعين الاعتبار مكونات الأمة من جغرافيا وتاريخ ولغة.. إن العقلية التبريرية التي يطرحها حبيب عيسى نراها في بحوث الاستاذ زياد هواش عبارة عن تصحيح ابداعي يستلهم مبرراته فيما نرى من تقييم ناضج لتجارب الماضي وإرساء مفاهيم وقيم يتطلبها الواقع الموضوعي .. القومي والديني والعالمي ….. 

ختاما إن بحث كهذا لا تفي بالتعبير عنه في بضعة سطور لهذا سيظل البحث بحاجة الى مزيد من الدراسة والتحليل لالقاء الضوء على المدى الذي مازالت العقلية التبريرية تتحكم بالأفكار والأفعال سلبا وايجابا…

وإن نقد الفكر الماركسي على هذا الوجه يجب أن لا تخفى عنا نجاحاته حيث انتشر في العالم رغم ما قدمناه من نقد إليه … إنما نحب أن نؤكد أن نجاحات الفكر الماركسي كانت بمقدار الإجتهادات الفردية التي تجاوزته ولكنها بقيت تنشط تحت مظلته وهويته ..

للحديث بقية

حول الأحزاب والقوى السياسية العربية

__________________
… …. ….

ونقسم مرةً أخرى ..
بأن نقبض على التاريخ .. نصنعه .. نخرجه .. نقتاده نحو فجر الشمس .. فيشرق مرة أخرى
نحن العناوين لن تبقى يا وطني بلا عنوان

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s