Monthly Archives: November 2016

ما يفرق بين التحرير والتمركز حول الأنثي

الذى يتعامل مع المرأة وكأنها كائن خارج المجتمع الإنسانى
ولا توجد بينهما وبين ال

ذاهب فكرية / علمانية

نبذة عن الكتاب:

تحاول هذه الدراسة تناول قضية العلمانية (في جانبيها النظريّ والتطبيقي) من منظورٍ جديد، يقوم على التفرقة بين ما يُسمى «العلمانية الجُزئية» – فصل الدين عن الدولة – ، و«العلمانية الشاملة» وهي لا تعني فصل الدين عن الدولة فحسب وإنما عن الطبيعة وعن حياة الإنسان في جانبيها العام والخاص، أو بعبارة أخرى: فَصْل القِيم الإنسانية والأخلاقية والدينية عن الحياة في جانبيها العامّ والخاصّ، بحيث تنتزع القداسة عن العالم، ويحول إلى مادة استعمالية يمكن توظيفها لصالح الأقوى.

الخلاصة :

تتكون الدراسة من مجلدين منفصلين رغم تداخلهما:
” المجلد الأول: يتناول النظرية والتعريف.
” المجلد الثاني: يتناول التطبيق.
وينقسم كل مجلد بدَوْرِهِ إلى بابين، وكل باب إلى عِدَّة فُصول، والذي نتعرض له هنا هو المجلد الأول.

 الباب الأول

وقد كُرِّسَ البابُ الأول من هذا المجلد لتعريف العلمانية على النحو التالي: 
* الفصل الأول:
تناول فيه إشكالية تعريف العلمانية، والأسباب التي ساهمت في تقلص الحقل الدلالي لكلمة “علمانية”، وأضعفت قيمتها التفسيرية ومنها:
(1) تعريف العلمانية باعتبارها فَصل الدين عن الدولة، وهو ما سَطَّحَ القضية تماما، وقَلَّصَ من نشاطها. حيث يرى المؤلف أن تعريف “العلمانية” باعتبارها فَصل الدين عن الدولة وحسب هو أكثر التعريفات شيوعا للعلمانية في العالم سَواء في الغرب أو في الشرق، والعبارة تعني حَرْفيًّا فَصل المؤسسات الدينية (الكنيسة) عن المؤسسات السياسية (الدولة)، وهي تَحْصُر عمليات العَلْمَنَة في المجال السياسيّ، وربما الاقتصاديّ أيضا، وفي بعض المجالات في رُقعة الحياة العامة، وتستبعد شَتَّى النشاطات الإنسانية، أو تَلزم الصمت بخصوصها، أي أنها تُشير إلى العلمانية الجزئية وحسب. 
وتعريف “العلمانية” على هذا النحو يتجاهل قضية المرجعية، والنموذج الكامن وراء المصطلح؛ إذ لابد أن نسأل عن الإطار المَعْرِفِيّ الكُلِّيّ والنهائي الذي تتم في إطاره عملية الفَصْل، وقد أدَّى هذا إلى خَلَلٍ كبير؛ إذ أن مصطلح “العلمانية” وَفق هذا التصور عُزِلَ عن أية مرجعية نهائية، وأصبح يُشير إلى مجموعة من الإجراءات، وكأن الأمر حُسِمَ بهذه الطريقة مع أن هذه الإجراءات يختلف مدلولها باختلاف مرجعيتها، ولا يتحدد معنى المصطلح إلا بالعودة لها. 
(2) من الأسباب التي أدت إلى تقلص نطاق مُصطلح “العلمانية” تصور البعض أن العلمانية ليست ظاهرة تاريخية وإنما هي ظاهرة محددة تتم من خلال آليات واضحة يمكن تحديدها ببساطة… ولكن تصور العلمانية باعتبارها مجموعة أفكار وممارسات واضحة يظل مع هذا التصور سَاذَجًا، ويُشَكِّلُ اختزالا وتبسيطا لظاهرة العلمانية وتاريخها وللظواهر الاجتماعية على وَجه العموم. 
(3) إشكالية تصور العلمانية باعتبارها فكرة ثابتة لا مُتتالية نماذجية آخذة في التحقق. 
ففي المراحل الأولى من تطور العلمانية يُلاحظ أن الدولة القومية لم تكن قد طورت بعد مؤسساتها الأمنية والتربوية (الإرشادية والتعليمية) فكانت هي نفسها دولة جزئية لا تتسم بالشمولية، ولم تكن وسائل الإعلام قد بلغت بعد ما بلغته من قوة وسطوة، ولم يكن قطاع اللذة (السينما، المجلات الإباحية، الشركات السياحية، صناعة الأزياء) قد بلغ بعد ما بلغه من مقدرة على الإغواء، وهذا يعني أن كثيرا من قِطاعات حياة الإنسان كانت بمنأى عن عمليات العلمانية، إذ كانت في غَالب الأمر محصورة في عَالَمَي الاقتصاد والسياسة.. فالذي حدث في الغرب هو أنَّ بعضَ مجالاتِ الحياة العامة وحسب تمت علمانيتها لبعض الوقت وظلت الحياة الخاصة وعالم القِيَم النهائية (الدائرة الكُبْرَى) حتى عهدٍ قَريبٍ جدًّا محكوم بالقيم النصرانية (المسيحية) أو بالقيم العلمانية التي تستند في واقع الأمر إلى مُطلقات إنسانية أخلاقية أو مُطلقات نصرانية (مسيحية) متخفية. فالفرد في الغَرْب كان بالفعل حُرًّا في حياته الخاصة لا لأن الدولة وكذلك قطاع اللذة قد أحجمت عن التدخل فيها واستعمارها على حد قول هابرماس، وإنما لأن النصرانية (المسيحية) والمطلقات الإنسانية استمرت في وجدانه ولم يكن بوُسع الدولة العلمانية أو وسائل الإعلام وقطاع اللذة التغلغل في هذا المجال ومِنْ ثَمَّ تَمَّتْ إعاقة المتتالية العلمانية عن التحقق لتظل بالأساس علمانية جُزئية، لكن الأمور تغيرت إذ تتابعت حَلْقات المتتالية بخُطًى أَخَذَتْ تتزايد في السرعة، فقد ازدادت الدولة العلمانية قوة وتغوُّلا، وأصبحت الدولة التنين التي تنبأ بها هوبز، وأحكمت بمؤسساتها الأمنية قبضتها على الفرد من الخارج كما أحكمت بمؤسساتها التربوية قبضتها عليه من الداخل يساعدها في ذلك قطاع الإعلام وقطاع اللَّذَّة.

* الفصل الثاني:
تناول إشكالية اختلاط الحقل الدلالي لمصطلح ومفهوم “العلمانية”، وذلك من خلال عَرضه وتحليله للتعريفات الموجودة بالفعل في المُعْجَمَيْن العربي والغربي لكلٍّ من مُصطلح ومفهوم “العلمانية”، وقد عرض في ثنايا ذلك لآراء العلمانيين العرب حول تعريف المصطلح والمفهوم، وهي تعريفات تتأرجح بين العلمانية الجزئية بوصفها إجراءً جُزئيا لا علاقة له بالأمور النهائية، مقابل العلمانية الشاملة بوصفها رُؤية شَاملة للكَون، أي التأرجح بين عِلْمَانِيَّة تقبل المُطْلَق الديني أو الأخلاقيّ أو الإنساني، وأخرى نِسبية تمامًا لا تقبل أي مطلقات أو ماهيات.

* الفصل الثالث:
يرصد بعض المراجعات المهمة التي حدثت بشأن نقد المصطلح من قِبل بعض الباحثين في الشرق والغرب مثل إرفنج كريستولIrving Kristol و أجنيس هيلر Agnes Heller و ماكس فيبر MaxWeber وغيرهم من الغرب، وجلال أمين وفهمي هُوَيْدِيّ وغيرهم من الشرق.

* أما الفصل الرابع والخامس فيحاولان تفكيك مجموعة من المصطلحات والمفاهيم التي استخدمتها العلوم الإنسانية الغَربية لوصف بعض ظواهر المجتمع الغربي الحديثة مثل “التطبيع” و”التحييد” و”التعاقدية” و”العقل الآداتي” و”التسلع” و”التشيؤ” و”الاغتراب” و”نهاية التاريخ” و”الاستنارة المظلمة” و”اللامعنى”. مشيرًا إلى أنها مصطلحات ومفاهيم تنطوي على معالم العلمانية الشاملة. 

* الفصل السادس: 
عرض فيه السمات العامة للحضارة الغربية التي ساهمت في بَلورة الرؤية الواحدية المادية، والعوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية التي ساعدت على هيمنتها على المجتمعات الغربية.

* الفصل السابع: 
حاول تقديم تعريف للعلمانية يتسم بقَدْرٍ من التركيب، ويكون ذا مقدرة تفسيرية عالية يمكنه أن يحيط بأكبر عدد ممكن من الظواهر والأفكار، حيث يفرق بين دائرتين من العلمانية تحتوي الواحدة الأخرى: 
1- العلمانية الجزئية: رؤية جزئية للواقع (برجماتية- إجرائية) لا تتعامل مع أبعاده الكلية والنهائية(المعرفية) ومن ثَمَّ لا تتسم بالشُّمُول. وتذهب هذه الرؤية إلى وُجُوب فَصْل الدِّيْن عن عالم السياسة وربما الاقتصاد، وهو ما يُعَبَّرُ عنه بعبارة فَصل الدين عن الدولة، ومثل هذه الرؤية الجزئية تلتزم الصمت بشأن المجالات الأخرى من الحياة، كما إنها لا تنكر بالضرورة وجود مطلقات وكليات أخلاقية وإنسانية وربما دِينية، أو وُجود “ما ورائِيَّات” و”ميتافيزيقيا”، ولذا لا تتفرع عنها منظومات معرفية أو أخلاقية، كما إنها رؤية محددة للإنسان فهي قد تراه إنسانا طبيعيا ماديًّا في بعض جوانب حياته (رؤية الحياة العامة وحسب) لكنها تلزم الصمت فيما يتصل بالجوانب الأخرى من حياته.
وفيما يتصل بثنائية الوجود الإنساني، ومقدرة الإنسان على التجاوز، لا تسقط العلمانية الجزئية في الواحدية الطبيعية المادية، بل تترك للإنسان حيزه الإنساني يتحرك فيه كيفما يشاء.

2- العلمانية الشاملة: وهي رُؤية شاملة للعالم ذات بُعد معرفيّ (كُليّ ونهائيّ) تحاول بكل صرامة تحديد عَلاقة الدين والمطلقات والماورئيات (الميتافيزيقيا) بكل مَجَالات الحياة، وهي رُؤية عَقلانية مادية تدور في إطار المرجعية الكامنة والواحِدِيَّة المادية التي ترى أنَّ مركز الكَوْن كامن فيه غير مُفَارِق أو مُتَجَاوز له (فالعلمانية الشاملة وحدة وجود مادية) وأنَّ العالَم بأسره مكون أساسًا من مادة واحدة لا قَدَاسَة لها، ولا تحوي أية أسرار، وفي حالة حركة دائمة لا غاية لها، ولا هدف ولا تكترث بالخصوصيات، أو التفرد، أو المُطلقات، أو الثوابت، هذه المادة بحسب هذه الرؤية تشكل كُلا من الإنسان والطبيعة، فهي رؤية واحدية طبيعية مادية وتتفرع عن هذه الرؤية منظومات مَعرفية (الحواسّ والواقع المادي مصدر المعرفة، فالعالم المعطى لحواسنا يحوي داخله ما يكفي لتفسيره والتعامل معه) ، كما تتفرع عنها رؤية أخلاقية (المعرفة المادية المصدر الوحيد للأخلاق) وأخرى تاريخية (التاريخ يتبع مسارا واحدا وإن تبع مسارات مختلفة فإنه يؤدي في نهاية الأمر إلى النقطة النهائية نفسها) ورؤية للإنسان (الإنسان كجزء لا يتجزأ من الطبيعة ليست له حدود مستقلة تفصله عنها ومن ثَمَّ هُو ظاهرة بَسيطة أحادية البُعد، وهو كائن ليس له وَعْيّ مستقل غَير قَادِر على التَّجَاوُز والاختيار الأخلاقيّ الحُرّ).

وقد أكَّدَ المؤلف أن العلمانية الجزئية مرتبطة بالمراحل الأولى لتطور العلمانية الغربية، ولكنها بمرور الزمن ومِن خلال تحقق المتتالية النماذجية العلمانية تراجعت وهُمِّشَتْ؛ إذ تَصاعدت معدلات العَلْمَنَة خاصة في العالم الغَربي، بحيث تَجاوزت مجالات الاقتصاد والسياسة والأيديولوجيا، وأصبحت العَلمنة ظاهرة اجتماعية كاسحة وتحولا بِنيويا عميقا، يتجاوز عملية فصل الدين عن الدولة، وعملية التنظيم الاجتماعي، ويتجاوز أية تعريفات مُعجمية، وأية تصورات فِكرية قاصرة محددة، فلم تعد هناك رُقعة للحياة العامة مُستقلة عن الحياة الخاصة، فالدولة العلمانية والمؤسسات التربوية والترفيهية والإعلامية وصلت إلى وِجدان الإنسان وتغلغلت أحلامه ووَجَّهَت سُلُوكَه وعَلاقاته بأعضاء أُسرته وقَوَّضَت ما تَبَقَّى من أخلاق نصرانية (مسيحية) أو حتى إنسانية.
فالعلمانية ثمرة عمليات كثيرة متداخلة بعضها ظاهر والآخر بنيوي كامن، وهي تشمل كل جوانب الحياة العامة والخاصة والظاهرة والباطنة. وقد تتم عملية العلمنة من خلال الدولة المركزية بمؤسساتها الرسمية أو من خلال قِطاع اللذة من خلال مؤسساته الخاصة أو من خِلال عَشَرَات المؤسسات الأخرى ومنه المؤسسات الدينية ذاتها، أو من المنتجات الحضارية.

 الباب الثاني

تناول فيه بعض تبديات النموذج العلماني على النحو التالي:

* الفصل الأول:
قدم فيه عَرضًا مُوَسَّعًا لبعض المصطلحات التي رأى المؤلف أن لها قيمة تفسيرية عالية مثل المُطْلَق العلماني والنموذج العلماني والمتتالية النماذجية.
(1) المطلق العلماني الشامل.
فإن أي نموذج فلسفي لابد أن يكون له مركز يشكل مطلقه، وركيزة نهائية للنسق. والنماذج الفكرية العلمانية قد تنكر أية نقطة مرجعية تتجاوز هذه الدنيا، إلا أنها تستند إلى رَكيزة أساسية ومَرجعية نهائية كامنة في المادة، وهذا المُطْلَق في أقصى درجات تعميمه هو المبدأ الواحد، وقد يأخذ أشكالا كثيرة، لكنه في التحليل النهائي هو الطبيعة التي نشير إليها عادة (الطبيعة / المادة)، ومن هنا يأتي الحديث عن الإنسان الطبيعي المادي الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة / المادة، ويستمد منها وحدها المعرفة والقِيَم الأخلاقية والجَمَالِيَّة، بحيث أصبحت دَورة الإنسان ثُلاثية: الإنتاج في المصنع، والاستهلاك في السُّوق، واللذة في الملهى (أو أي معادل موضوعي).

(2) اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية.
اللحظة النماذجية هي لحظة تعين النموذج وتبلوره، وهي لحظة يفصح فيها النموذج عن جوهره ووجهه الحقيقي. 
ويشير المؤلف إلى اللحظة العلمانية الشاملة النماذجية باعتبارها لحظة الصفر العلمانية حيث ترد العلمانية أصل الوجود إلى أن العالم وجد بالصدفة المحضة من مادة أولية سائلة غير مشكلة، وتتمثل نقطة النهاية أيضا في سيطرة مفاهيم المادة ومن ثم يصل إلى نقطة نهاية التاريخ وقمة التقدم والفردوس الأرضي.

* الفصل الثاني:
التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع حيث تتسم منظومة العلمانية في مراحلها الأولى بوجود صراع بين عالمين عالم متمركز حَول الذَّات الإنسانية، وآخر متمركز حول الموضوع الطبيعي / المادي، ولإلقاء مزيد من الضَّوْء على عملية الصراع هذه أورد المؤلف معالم كل نموذج وتجلياته، ثم عرض لمجموعة من التقابلات بين ثنائيات متفرعة عن عملية الصراع الرئيسية والتي تتبدى في الحضارة الغربية التي تهيمن عليها الواحدية المادية.

* الفصل الثالث: فكر حركة الاستنارة.
حيث ابتدع العقلُ الغَربيّ صُورة الاستنارة المجازية في القرن الثامن عشر، حينما كان العلم الحديث لا يزال غضًّا وليدا، فقد ساد الوهم لدى العلماء بأن العلم سينير المجهول المظلم ليصبح معلوما منيرا، وأن هذه العملية تدريجية، بمعنى أنَّ رقعة المعلوم ستتزايد على مَرّ الأيام، ورُقعة المجهول ستنكمش إلى أن تصل إلى نقطة تختفي فيها الأسرار، وتتحكم في الواقع و قوانينه، وتصلح البيئة بل ربما النفس البشرية ذاتها..
وبعد أربعة قرون من الاستنارة اكتشف الإنسان الغربي أن الأمور ليست بهذه البساطة .. فإنَّ ثمرة قُرُون طويلة من الاستنارة كانت إلى حَدّ ما مظلمة، ولذا راجع الإنسان الغربي كثيرا من أطروحاته بخصوص الاستنارة بعد أن أدرك بعض جوانبها المظلمة، وتناقضاتها الكامنة وخطورتها على الإنسان والكون. ومع هذا يقوم الفكر العلماني الغربي بنقل أطروحات الاستنارة من الغرب بكفاءة غير عادية دون أن يحور أو يعدل أو ينتقد أو يراجع.
ويحاول هذا الفصل الكشف عن بعض جوانب فكر حركة الاستنارة الغربية وتناقضاته باعتباره الإطار المرجعي النهائي للعلمانية الشاملة، قدم لها ببيان مفهوم مصطلح الاستنارة في الخطاب الفلسفي العربي، أكد فيه أنَّ تعريفات الاستنارة في الأدبيات العَربية تعريفات عامة للغاية تدور حول حق الاجتهاد وحرية العقل بحيث لا يمكن للإنسان أن يختلف معها، فمن ذا الذي يرفض حق الاجتهاد والاختلاف وتحكيم العقل في جميع القضايا ؟! .. فالمشكلة -فيما يرى المؤلف – لا تكمن في استخدام العقل أو عدم استخدامه، وإنما في نوع العقل الذي يستخدم (عقل مادي أداتي أم عقل قادر على تجاوز المادة ؟ وفي الإطار الكلي الذي يتحرك فيه هذا العقل، والمرجعية النهائية التي تصدر عنه) .
ويذهب المؤلف إلى أن فِكر الاستنارة هو الأساس الفلسفي الذي تنطلق منه العلمانية الشاملة، وأن هذا الفكر كان يتحدث عن متتالية العلمانية والتحديث المثالية، ويبشر بثمراتها، وأن ما تشكل في الواقع كان مغايرا إلى حد كبير عما تحدثت عنه البشرى. 
ثم عرض المؤلف لنظرة فِكر الاستنارة الغربية للمحاور الثلاثة التي تقوم عليها أية منظومة فلسفية وهي الإنسان والطبيعة والإله، وفي حالة الاستنارة يحل العقل محل الإنسان في هذا الثالوث.
كما تناول موقف فكر حركة الاستنارة من نظرية المعرفة، والإشكالية الرئيسة التي تطرحها المرجعية المادية الكامنة، وهي إشكالية علاقة العقل الإنساني بالطبيعة / المادة وأيهما هو موضع الكمون. حيث تتبدى الإشكالية في الصراع بين النموذج الواحدي المادي المتمركز حول الذات، والذي يفترض أسبقية الإنسان على الطبيعة / المادة، وبين النموذج الواحدي المادي الطبيعة/ المادة، والذي يفترض أسبقيتها على الإنسان.
وفي إطار هذا الصراع تناول المؤلف النظرية الأخلاقية ، فامتدادا لهذه الأطروحة المادية ظهرت الفلسفة النفعية للتعبير عن هذه النزعة الطبيعية الحسية المادية، وقد أعطت هذه الفلسفة للإحساسات الفيزيائية الأسبقية على المفاهيم الأخلاقية، بل والمفاهيم العقلية والإنسانية، فالأخلاق لا علاقة لها بالفضيلة أو الاحتياجات الروحية، وإنما لها علاقة بالسعادة ( اللذة والمنفعة) وبالتالي عرف الخير والشر تعريفا ماديا كميا، فالخير هو ما يدخل السعادة (اللذة) على أكبر عدد ممكن من البشر، وما يحقق لهم المنفعة، والشر هو عكس ذلك ( أي ما يسبب الألم والضرر) والعواطف الإنسانية إن هي إلا تعبير عن حركة المادة، وليس هناك أسئلة أخلاقية كبرى أو نهائية فكل الأمور مادية نسبية متغيرة.

* الفصل الرابع: التمركز حول الأنثى :
ناقش فيه حركة التمركز حول الأنثى باعتبارها أحد تجليات المتتالية العلمانية في مرحلتها الصلبة، ووضح السياق الفكري والاجتماعي لحركة تحرير المرأة والدفاع عن حقوقها وحركة الفيمينزم (النَّسَوِيَّة)، حيث كانت الأولى تنطلق من الإيمان بتميز الإنسان مطالبة بالمساواة بين البشر، والمرأة في تصور هذه الحركة كائن اجتماعي يضطلع بوظيفة اجتماعية، ولذا فهي حركة تهدف إلى تحقيق قدر من العدالة الحقيقية داخل المجتمع (لا تحقيق عدالة مستحيلة خارجة)، وعادة ما تطالب حركات تحرير المرأة بأن تحصل المرأة على حقوقها كاملة سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية، أما حركات التحرر الجديدة (التمركز حول الأنثى) فجاءت تأكيدا على فكرة الصراع بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتصدر عن رؤية واحدية إمبريالية، وثنائية لا تتقبل الآخر، وكأنه لا توجد مرجعية مشتركة بينهما، فالمرأة متمركزة حول ذاتها، تود اكتشاف ذاتها وتحقيقها خارج أي إطار اجتماعي، وفي حالة صراع كَوني أزليّ مع الرجل المتمركز حول ذاته.
وقد رأى المؤلف أن ثمة تشابها واضحا تعرض لإبرازه بين حركة التمركز حول الأنثى والنظام العالمي الجديد و الإمبريالية النفسية من جهة، وبين الصهيونية من جهة أخرى

يفرق الدكتور عبد الوهاب المسيري بين ( حركات تحرير المرأة ) قديما والتي نشأت من رؤية ” هيومانية ” متمركزة حول الإنسان ، وبين حركة الـ ( fiminism ) التي ظهرت في عصر ما بعد الحداثة ، والتي تتمركز حول الأنثى كموضوع مادي ، تبحث لها عن هوية وانتماء وتضعها في مواجهة مع الرجل ، مما يزيد الهوة بين الرجال والنساء ويلغي الطابع الإنساني للعلاقات بين الطرفين. 
هذا الكتاب فسر لي ما كان ينفرني من نصوص بعض الكاتبات العربيات ، وهو ما يرسمنه عادة من صورة ( الرجل ) الذي يمثل مادة للانتقام و موضوعا للإدانة والكراهية. 

 أن أطروحة المسيري عن النماذج تبتعد عن القولبة أو التنميط أو الكاريكاتورية كما قد اتهمه د.عزيز العظمة ذلك أن من أسس هذه النماذج التفسيرية كلامه عن أن الحياة البشرية أشدّ تعقيدة وتركيبا من أن تختصر إلى نموذج واحد و أن الإنسان يعيش سلوكيّات يومه على عدّة نماذج مركّبة و متداخلة في الموقف نفسه أحيانا , كما أكّد المسيري في بدء الكتاب أنّ على الحوار أن يكون خارج إطار الخطب الشعاراتية و التسفيهية و التخوينية من كلا الطرفين نتيجة عماء المصطلح و هلاميّته .. مما يوجب البحث عن الأرضيّة المشتركة بين الباحثي
 على الدولة في قمعها و قتلها للمخالفين أي نقد من الدكتور .
يبدو د.عزيز العظمة في حديثه و ثنائيّاته الصلبة غير القابلة للمرونة و لا للجدل و لا للحياة مثل التنويري و الظلامي أو العلمانية العلمية و الخرافة الدينية أو الدول العلمانية الحديثة بانية المستقبل مقابل المشروع الإسلامي الموغل نحو التاريخ و التخلّف ,,

كذلك يظهر مواطن الخلل في فهم الآخر , و ما تجرّه المواقف المسبقة التنميطية على الفكر من هزال و ما يجرّ ذلك على المجتمع من صراعات لاسببية و لا نهائيّة .

هو السلطان عبدالفقراء بن السلطان أقرو بن السلطان نيي بن السلطان عبدالرحمن الملقب بعبدالرحمن تبس ،،إلخ ،

لاعادة النظر فيه، لا يمكن باي حال اختزال المجهود الفكري للمسيري في هذا الكتاب بداية من اثباته ان “العلمانية” ليست مرحلة وانما هي موقف من العالم موقف واعي واختياري وليس استثناء وهي في صيروراتها تخلق ظواهر جديدة تعمل ضدها وضد مبادائها التي قامت عليها بداية من التنوير ونهاية بما بعد الحداثة ،،اشكالية العلمانية في العالم العربي والتي نقدها المسيري نقدا رائعا انها تختزل وتسطح مفهوم العلمانية وتقصره علي مرحلة من مراحلها وهي “فصل الدين عن الدولة” مكتفية بذلك ومعتبرة كل ما عدا ذلك مجرد استثناء وهامش ،وذلك لاننا نستورد من الغرب لحظته التاريخية بدون اي فهم لها ودون اي نظر الي اطارها وفلسفتها المحددة والدافعة لتكونها وحركتها، ولذا كان عليه بحث الاطر الفلسفية التي قامت عليها العلمانية والتدليل علي انها في صيرورة دائمة ولا يمكن دراستها عند مرحلة تاريخية ما كما يزعم العلمانيون العرب، هذا ما اراد المسيري قوله في بداية الجزء الاول من العلمانية ..
*ورغم ان المسيري لا يري اية اشكالية في فصل المؤسسة الدينية عن الدولة القومية وهو ما يسميه ب”العلمانية الجزئية” لانها تترك حيزا واسعا للقيم الانسانية والأخلاقية المطلقة بل وللقيم الدينية ما دامت لا تتدخل في عالم السياسة اى انها لا تسقط فى النسبية او العدمية الا انه يشك في ثبات واستقرار هذا الفصل بين مؤسسة الدين والدولة ويقول “هل يمكن ان نكتفي بفصل الدين عن الدولة فقط ولا ندخل في صيرورة العملية العلمانية التى من اهم مرتكزاتها التحديث والتقدم وعبادة اللحظة الانية ؟!! اذا كان من الممكن فالجميع يرحب بهذا وعلى رأسهم المسيري نفسه ولكن حسب دراسته لاسس العلمنة يتحدث المسيري بالاستدلال التاريخى عن استحالة حدوث ذلك او اثباته تاريخيا، وهذا ما اكده اساطين الفكرالغربي بداية من رواد النظرية النقدية “مدرسة فرانكفورت” ونهاية بمدرسة زيجمونت باومان..
*عرف المسيري العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة وحدد الفروق بينهما ويمكن بسهولة الرجوع الى فهرس المصطلحات فى الجزء الثانى، فى الجزء الاول ايضا وفى بنية الكتاب بالكامل يتجلى المفهوم والتحديد للعلمنة وفقا لتعريف المسيرى.
*المسيري فى نقده للعلمانية الجزئية عند المفكرين العرب يرى ان موقفهم هذا بداية لا ينبع عن اصالة داخلية او موقف حضارى داخلى ناتج عن حل لاشكالية المجتمع العربى وانما هو ترديد وتبنى لما يفكر فيه الغرب ،ثم ينبع من عدم فهمهم للخلفية الفلسفية للعلمانية وحصرها وقصرها على مرحلة بعينها وهو ما يجعل تفسير الظاهرة سطحى جدا،اذن هو ليس نقدا للمفهوم بقدر ما هو نقد لطريقة توظيفه وفهمه من قبل العلمانين العرب، ولان المسيري لم يرفض العلمانية الجزئية فى ذاتها فقد كان من دعاة بناء حداثة عربية تكون تعبيرا عن امال المجتمع العربى المهمش وحلا لاشكالاته “ناتجة عن الذات الحضارية”، حداثة تبقي حيزا للقيم الانسانية والدينية يمكن فيها الحديث عن المطلقات .
*اما نقده للعلمانية الشاملة فهو يرفض تماما ما تؤول اليه العلمانية الجزئية المتمركزة حول الانسان الى العلمانية الشاملة المتمركزة حول الطبيعة حيث تفصل كل القيم الدينية والاخلاقية والانسانية عن كل جوانب الحياة العامة والخاصة، نقد المسيري هنا نقد للمفهوم في ذاته ورفضا لصيرورته التى يراها تقويضا للانسان من الداخل والخارج بخلاف نقده للعلمانية الجزئية التى تبقي على اسبقية الانسان على الطبيعة ولا تعمل على تقويضه ..
*اعتقد ان ربط العلمانية بالفاشية والامبريالية والصهيونية….الخ امر طبيعى جدا لم يتحدث عنه المسيري فقط بل هو تيار نشأ مع بداية نشأة العلمنة والتحديث داخل الغرب وهذه نتيجة منطقية لمقدمات لا يمكن الاختلاف عليها، من البديهى ربط الاسس الفلسفية”العلمنة” بظواهرها الناتجة عن تطبيقها لا سيما والرجل وغيره قد ساق ادلة متعددة على ذلك، وهى حتميات للحداثة الغربية كما يقول زيجمونت باومان وليس استثناء ولذلك ربطها المسيري بالاسس الفلسفية التى انتجتها “كتاب الحداثة والهولوكوست ..زيجمونت باومان وكتاب حالة الاستثناء لاغامبين ” …
*هناك خلط بين حركة تحرير المرأة وحركة التمركز حول الانثى جملة وتفصيلا ويمكن تتذكرى فى رحلتى الفكرية لما حكى المسيري عن تقديمه لعضو فى حركة التمركز حول الانثى لناشطة فى حركة تحرير المراة فى مصر وبعد الحديث بينهما قالت الناشطة المصرية”انا مش فاهم الست دى بتقول ايه!” .
والعكس تماما كان من اهم الاهداف التى دعى اليها المسيري فى”كفاية المصرية” هو تفعيل دور المرأة فى المجتمع والمطالبة بحقوقها كاملة، وبجد حرام عليكى يا استاذة اميرة تظلمى المسيري فى النقطة دى smile emoticon
*نقد العلمانية = نقد النموذج الحضارى للغرب ما يعنى نقد التجربة الحضارية القائمة على العلمنة برمتها . 
من ظواهر العلمانية العولمة التى يغرق فيها ما يسمى بالعالم الثالث اميركا الاتينية افريقيا ودول الهامش وبالتالى حين انقد العلمانية فانا انقد كل تجلياتها على الواقع والتى من ضمنها العولمة التى يفرضها الغرب علينا والامبريالية التى يتخذها الغرب وسيلة لنشر ثقافته بالبارود ومحو كل خصوصية لاى حضارة او قيم اخرى غير الحضارة والقيم الغربية اذا كنا سنتحدث عن الحرية فبداية لابد من الحديث عن الخصوصية التى هى بطبيعة الحال ضد العولمة، ولذلك فعندما ينتقد المسيري الغرب فهو ينتقد ما انتجه ذلك الغرب داخل الشرق ايضا من نسبية للقيم الدينية والاخلاقية ومحو للخصوصية الحضارية والثقافية وتهميش لاى حركة اجتماعية تنادى بالتحرر والخروج من فلك الغرب . 
هذا الكائن الذى لايستطيع العيش حتى كحيوان فقد هويته الحضارية وفرديته الذاتية وعلينا البحث عن سر هذا الفقد والاختفاء والذوبان للانسان فى مجتمعنا ..
*يمكننا ان ننتقد المسيرى في انه بكثرة حديثه عن الظواهر العلمانية همش من “فاعلية الفاعل المجتمعى ” سواء كان فردا او جماعة ، واعتقد ان ذلك تاثرا منه بمدرسة فرانكفورت والتحليل الفوكولى الا انه قد اشار الى تجاوزه لذلك بشكل موجز فى الجزء الثانى وتناول هذه النقطة النقدية بالشرح والتفصيل الن هاو فى كتابه”النظرية النقدية ” 
*اخيرا، دمتم بخير

  • 8

ولّى الزمن الذي كان الفكر العربي يتناول فيه المجتمع بكليته، فقد انتقل الى السياسي – الجوهر المطلق حيث الدولة والسلطة والديموقراطية والعلمانية والقانون والمدنية، مقولات مجردة، يمكن البحث بها باستقلالية تامة عن أي مجتمع، فهي صالحة لكل زمان ومكان كما يؤكد لنا علماؤها العرب. فقد عدنا إلى عصر الثنائيات الزجلية من نوع الاستبداد – الحرية، والحرية – الممانعة، والإسلام – العلمانية، من دون البحث في خلفياتها وأسبابها. ابتعد الفكر عما هو ممكن في لحظة تاريخية معينة الى ما هو الأفضل والأجمل والأحسن في “السوق” الفكري العالمي. انتقلت السياسة من علم صراع القوى الاجتماعية الى علم اقتناء سلع المفاهيم السائدة عالمياً. أول ضحايا هذا الانتقال كان الفكر النقدي في العالم العربي.
يتصدّى الفكر السياسوي العربي لمسألتي الدولة والسلطة بدون فهم أساساتهما الاجتماعية الاقتصادية وبما يجعل المثقف “حراً” ليبرالياً وقادراً على إسقاط أوهامه ورغباته على التاريخ البشري فيرى علمانية هنا، وفي حال امتعاض الزبون، مدنية هناك، وفصل سلطات على اليمين، وديموقراطية على الشمال، وعدالة في الوسط وحقوق إنسان من فوق، وكل ما شئت. “ينتقي” أفضل ما درسه في الكتب، “يستذوق” كما لو أن الاجتماع البشري من حوله قد قرأ مثله في الكتاب نفسه. يقفز فوق القرابات من قبائل وعشائر وطوائف من دون إعارتها القليل من اهتمامه المركز على إصلاح الدولة والذي تكفيه الإرادوية لكي يستنبط الحلول من فوق، من عندها، متناسياً غياب أبسط شروط بناء الدولة، اي المواطن الفرد لا الجماعة.
وسواء أعاد ممثلو هذا الفكر أسباب انسداد السياسة في بلادنا وغياب الدولة والديموقراطية الى عوامل ثقافية دينية أو شمولية معاصرة (الأنظمة الاشتراكية) فإن الجميع متفق على أن العلة محصورة في الدولة. وكأني بالجميع ينطلق، بوعي أو عن غير وعي، من فرضية ضمنية تنهض على فكرة استكمال الرأسمالية الغربية هيمنتها على بلادنا. العلة إذاً تكمن في عدم انسجام الدولة مع قاعدتها الاقتصادية الحديثة، في تأخرها وفي عدم التطابق بين البنى الفوقية والبنى التحتية كما كان يقال في “اللغة الخشبية” الماركسية.
عدم التطابق يُسأل عنه السياسي بالمبدأ لذلك حصر الفكر السياسوي همه في هذا الجانب، باحثاً عن العوائق التي تمنع الدولة الشرقية “المريضة” من التفتح والتألق أسوة بشقيقتها في الغرب الديموقراطي. فرضية هيمنة الرأسمالية على عمراننا البشري قادت الى هيمنة شبكة مفاهيم القراءة الرأسمالية الغربية للدولة وبالتالي الى هيمنة القراءة “السياسوية” العصرية. الدولة هي المريضة في بلادنا وكل هم الأطباء، من مفكرين وسياسيين، ينصبّ اليوم على معالجة المرض. والمرض بالتحديد ليس موجوداً في الدولة كمحتوى اجتماعي، إنه أمر محسوم ضمنياً، بل فقط في شكلها الاستبدادي. ومن هنا صعود أسهم الديموقراطية في بورصة الأفكار العربية. دواء الاستبداد الديموقراطية.
لم يعد مهماً معرفة مضمون الاستبداد في بلادنا وبخدمة أي قوى اجتماعية يجري استخدامه، ولم يعد من المهم معرفة ما هي القوى الاجتماعية صاحبة المصلحة بالديموقراطية. المهم أن “الشعب” يريد الديموقراطية، الدواء. التعمية والتعميم صارا من دعائم الفكر العصري، السياسوي. غير أن هذا النوع من التفكير “المختبري”، المتماسك من الداخل، المتفاجئ بالوقائع الاجتماعية والسياسية جعل المشروع الديموقراطي يتكسّر في كل مرة على صخرة البنى الاجتماعية المتقادمة التي سرعان ما تطوف على السطح كي تعيد إنتاج الاستبداد من جديد. ففي كل مرة نحاول إصلاح أعطال الدولة تفوح عِقَدُ الاجتماع من جديد لتذكرنا بقدمها وقراباتها وعصبياتها وغلباتها غير الدولتية. فنعود الى نقطة الصفر.
الاصطدام بالحقائق الاجتماعية العنيدة. لا “بقايا الوعي” كما كان يُظن، يحيل الفكر السياسوي الى أشلاء. فإذا سلمنا جدلاً بان الاقتصاد في بلادنا رأسمالي، فهل يمكن أن يكون اجتماعه قرابياً غير رأسمالي وغير طبقي؟ وطالما أن الاجتماع قرابي فالعلة تطال العمران البشري كذلك ولا تقتصر فقط على السياسي. لكن كيف يمكن للرأسمالية في الاقتصاد ألا تنعكس في الاجتماع؟ ما هو هذا النوع من الرأسمالية؟ أي كيف يمكن أن تهيمن الرأسمالية بدون القضاء على البنى القرابية التي تعيق بناءها وبدون نشوء طبقات اجتماعية على أنقاضها؟
بمعنى أوضح، وبحسب هذا الفكر، صارت بلادنا مركبة من نظام رأسمالي الاقتصاد، قرابي الاجتماع، شمولي السياسة. وبأي حال صار لزاماً عليه في هذه الحالة أن يبرر رأسماليةًً تقوم على الريع، أو على ربح لا تنتجه طبقة، و”قرايب” تسيطر على الاجتماع لكنها تعفُّ عن الاقتصادي، ومستبدين “سياسيين” يقعون في مكان غامض ما بين الطبقة وبين القرابة. بلوغ التناقض الداخلي هذا الحد يدفعنا الى الشك بقدرة فكر كهذا على الإحاطة حتى بالمشهد السياسي.
ولعل السبب الذي جعل من الدولة وأشكالها لدى أصحاب الفكر السياسوي عندنا ليس فقط اساس التخلف والانسداد بل جوهر العلة هو عدم فهم إطارها، العمران البشري الذي يعطيها معناها الحقيقي. الجهل بقوانين الدولة القرابية عندنا جعل الفكر “العصري” يزدريها فلا يرى فيها غير المرض. وبدلاً من أن يقوم بوصفها وتحديدها راح يطلق في استبدادها من الشتائم والنعوت ما يمكن أن يؤلف معجماً مستقلاً كاملاً “في شتم الدولة القرابية”.
لكن البعض ممن تنبّه الى الورطة الفكرية للسياسوية في تناقضاتها وفي قصورها على السياسي سعى إلى ربطها بتاريخها لكن استعمال العدّة النظرية القديمة إياها لم تتح له التقدم كثيراً. وبدلاً من اللجوء الى إعادة فحص الفرضيات الأساسية اكتفى بعمليات رتق نظري بين الواقع المعيوش والواقع الموهوم المتصوّر. يسجل لأصحاب هذه المحاولات، نجاحهم على الأقل في تعيين مكامن العلل وضرورة المعالجة.
الرتق هذا توصّل إلى “مفاهيم” جديدة مثل الإقطاع السياسي والمارونية السياسية والشيعية السياسية والإسلام السياسي والطائفة – الطبقة والعائلات السياسية والبيوتات والبورجوازية الكومبرادورية الخ.. مقولات لفظية بلا محتوى اجتماعي فعلي تشير كلها الى مأزق الفكر السياسوي في فهم طوفان القديم في الحاضر وتمازج القرابة بالـ”زناكيل” (الأغنياء بالدارجة وهي تركية الأصل)، الدين بالسياسة، الطائفة بالدين، الطبقة بالطائفة، والعائلية بالسياسية إلخ. بنى “غريبة عجيبة” استعصت على “العلم” السياسوي المأخوذ بالدولة، الغربية منها على وجه الخصوص. وكلما كانت الظاهرة الاجتماعية عصية على الفهم زادها نعتاً بـ”السياسية” متوهما فك السحر.
المعضلة الحقيقية التي تجاهلها هذا الفكر كلياً بتشديده على شكل الدولة الإستبدادي دون غيره، بالرغم من أهمية ذلك، هي تحديد علاقة هذه الدولة بعمرانها البشري بعد دخول الغرب الرأسمالي الى بلادنا، والتحولات التي أصابت بنية تمثيلها الاجتماعي، وهذا لعمري لا يمكن بدون الجواب أولا على الاشكالية التالية: هل أنهت الرأسمالية فعلاً هيمنتها على أنماط إنتاجنا السابقة بشكل كلي وصار بالإمكان قراءة مجتمعاتنا على اساس “علمها” وادواته سواء كان العلم بورجوازياً ام غير بورجوازي؟ فإما أن الرأسمال الغربي قد نجح في صهر مجتمعنا في نمط انتاج جديد يقوم ناتجه أساساً على مفهوم الربح وإما أن الريع ما يزال هو الشكل الرئيس للغلة وعندها من المشكوك فيه أن يكون قد حصل انتقال من عمران بشري الى آخر. ولا أفضح سراً هنا إذا قلت إن الدولة ليست هي نفسها في الحالتين، لا من حيث التمثيل البشري ولا من حيث الأهداف ولا من حيث التركيب ولا الشكل.
بالطبع لا يطرح الفكر السياسوي على نفسه مثل هذه الأسئلة لأنها لا تدخل في إطاره النظري ولا في حقل اختباراته. ولأن دولته دولة الجوهر الخالص القائم فوق التاريخ، تراه ينهض بمشروع دولة قانون وعدل وحقوق لكن بدون حامل إجتماعي محدد لها. تراه لا يعين قوة أو مجموعة من القوى الاجتماعية لها مصلحة في حمل هذا المشروع. يتوجه به الى الجميع، أي نحو لا أحد. منهج يتناول السياسة كما لو كانت جسماً منفصلاً صالحاً أو “متصالحاً” مع الغرب بلغة اليوم. كما لو كانت عينة في مختبر علمي يقيم عليها التجارب الداخلية من أجل الوصول الى استنتاجات “علمية” محكمة، لكنها غير ممكنة التطبيق لغياب قوى اجتماعية تحملها بسبب من مصلحة بها.
وبعد أن تحلق السياسوية في الاستذواق تصل الى الحل العملي الإجرائي وتجد نفسها بلا أجسام اجتماعية ترتدي أفكارها ومشاريعها فتروح تسقط على قوى المجتمع القرابية، دينية كانت أم رحمية، أحلامها ورغباتها في التغيير الديموقراطي وبناء دولة القانون الرائعة كأن القرابات تهيم بالدولة التي تساوي بين الناس كمواطنين. أليست العاصفة هي ما حصده ويحصده أصحاب هذا الفكر في لبنان الحرب الأهلية الأخيرة وفي العراق وفي اليمن مؤخراً وفي سوريا حالياً والحبل على الجرار.
السياسوية تبشر بأجود ما وجدته في “السوق” العالمية وعندما تفشل، وهذا ما يحصل بالإجمال، تلعن التخلف والمتخلفين، الطائفة والطائفيين، الذين ينأون بأنفسهم عنها وعن خيراتها فيما يستمر المجتمع، هو، في الصراع الفعلي بين قواه الحقيقية ضمن الشروط التاريخية للعمران البشري

ثم كان أن حدثتها قليلاً عن فلسفة الصدامِ في ثنائية ( بلطة الجزار / قطر الندى ) و أقول هنا أن الأديبَ المتميز هو الذي يحمل في قلمه قضية ً يناوء بها يمنةً ويسرةً و لا يقف عند حدود التهويمات الوجدانية و العضلات العاطفية ..و لا يمكن ُ للأديب أن يعف قلمه عن الخوض في أمور العامة لأن الأدب نتاجٌ و صورةٌ صادقة لوجع الأمة و روح القبيلة / المجتمع ، و حس المجموع و تصوراته .. و ما أحب أن أقوله هو أن لا تأخذنا صناعة الكلمة عن سبر القضية بالمسابر الأكثر جدية ، بالرؤية الذهنية التي تتجرد عن مفردات مثل ( قارب / نهر / عين / سحاب / جوى …) إلى تناولٍ أكثر موضوعية ينأى إلى القبض على مهاميز المشكلة ليشرحها و يضع لها أسبابها الفرضية و الأسباب الأكثر احتمالا ً، ثم يشخص الصيرورة الزمنية للمعضلة و كيف تضخمت حتى وصلت لشكلها النهائي ليتمكن من تحديد النقــطة المحددة لهذه الصيرورة و التي مثّلت الخط الفاصل لهذا التضخــم ، في إطار كل المحددات الظرفية , فيتعامل مع هذه النقطة تعاملا ً غائياً استقرائيا ً جاداً …..ثم يضع لها الحل و الحل البديل في تتابع ٍ ذهني عقليٍ صادق الوجهةِ و المقصد ..!

عندما نريدُ أن نصل إلى القضية الأم ، و نتعامل مع أصول نكستنا ، لابد لنا – في تصوري – من أحد أمرين ( الأول / معرفةُ أصول الثوابت المترسخة عندنا على شكل مسلمات لا تقبل الجدل ، من أجل إحداث ثغرةٍ منهجية ٍ للتغيير النسبي في ديناميكية التفكير السطحي الذي نعاني منه كلنا بلا استثناء ، و الثاني : أن نتعامل مع نكساتنا منطلقين من أساسيات الهزيمة

 أقول هنا أن الأديبَ المتميز هو الذي يحمل في قلمه قضية ً يناوء بها يمنةً ويسرةً و لا يقف عند حدود التهويمات الوجدانية و العضلات العاطفية ..و لا يمكن ُ للأديب أن يعف قلمه عن الخوض في أمور العامة لأن الأدب نتاجٌ و صورةٌ صادقة لوجع الأمة و روح القبيلة / المجتمع ، و حس المجموع و تصوراته .. و ما أحب أن أقوله هو أن لا تأخذنا صناعة الكلمة عن سبر القضية بالمسابر الأكثر جدية ، بالرؤية الذهنية التي تتجرد عن مفردات مثل ( قارب / نهر / عين / سحاب / جوى …) إلى تناولٍ أكثر موضوعية ينأى إلى القبض على مهاميز المشكلة ليشرحها و يضع لها أسبابها الفرضية و الأسباب الأكثر احتمالا ً، ثم يشخص الصيرورة الزمنية للمعضلة و كيف تضخمت حتى وصلت لشكلها النهائي ليتمكن من تحديد النقــطة المحددة لهذه الصيرورة و التي مثّلت الخط الفاصل لهذا التضخــم ، في إطار كل المحددات الظرفية , فيتعامل مع هذه النقطة تعاملا ً غائياً استقرائيا ً جاداً …..ثم يضع لها الحل و الحل البديل في تتابع ٍ ذهني عقليٍ صادق الوجهةِ و المقصد ..!

عندما نريدُ أن نصل إلى القضية الأم ، و نتعامل مع أصول نكستنا ، لابد لنا – في تصوري – من أحد أمرين ( الأول / معرفةُ أصول الثوابت المترسخة عندنا على شكل مسلمات لا تقبل الجدل ، من أجل إحداث ثغرةٍ منهجية ٍ للتغيير النسبي في ديناميكية التفكير السطحي الذي نعاني منه كلنا بلا استثناء ، و الثاني : أن نتعامل مع نكساتنا منطلقين من أساسيات الهزيمة … من سقوط دولة الشورى ، و انحطاط المد العلمي الذهني المسلم بسبب الزحف الصوفي الذي تفاقم حتى وصل الذروة في القرن الرابع عشر الميلادي محققا ً أعلى معدل من تغييب الوعي الإسلامي و ذروة التدهور العلمي و الثقافي العربي / الاسلامي معتمدا ً على تسويغ و تزويق ( الكرامة ) على حساب ( الفكرة العلمية ) ، و تهويل مفهوم الخطيئة و العقاب ، و الدعوة إلى نبذ ( هذه الحياة الدنيا ) … ثم نشوء دول الاستعمار على أراضينا ، لتتلوها بعد ردح ٍ غير قصيرٍ من الزمن حركات تحريرية لا تمت ُّ إلى ضمير الأمة بصلة ٍ،و لا تعتمد تصوراً واضحا ً في أدبياتها التحريرية و صورة المجتمع المسلم في عهد ما بعد التحرير .. ثم – بالضرورة – ظهورُ زمن العسكر الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال ( ثم يكون ملكا ً جبريا ً … كما جاء عند السيوطي ) ..