ماركس

أعتقد أن التحولات العالمية التي جرت منذ بداية التسعينات بانهيار المنظومة الاشتراكية ومن ثمَّ الهجوم الرأسمالي الشامل على العالم الذي نلمس بعضاً منه اليوم يفرض العودة إلى الماركسية، لأن انهيار المنظومة الاشتراكية لم يفعل سوى أنه فتح الأفق لهيمنة رأسمالية متوحشة ولحرب ضروس على العالم تقوم بها الولايات المتحدة منذ 1990 حتى اليوم، ولهذا أعتقد أن إعادة وضع الصراع مع النمط الرأسمالي على قدميه يفرض أن نعود إلى الماركسية لكي نبدأ من جديد عملية صراع طويلة سنخوضها حتماً ضد الرأسمالية، سواء في بلداننا أو مع الرأسمالية المتوحشة التي تزحف علينا من الخارج. فإذا سأبدأ من موضوع ما هي الماركسية؟

ربما يكون السؤال مفاجئاً أو حتى نافلاً، لأن اعتقاداً ساد بأننا نعرف ما هي الماركسية، حيث كانت رائجة وكانت «أفكارها» منتشرة كما الهواء، وبالتالي واضحة بسيطة وسهلة، وليست بحاجة إلى قراءة أو دراسة أو بحث لأنها من العاديات. وبالتالي يكون السؤال ما الماركسية نافلاً بما أنها بسيطة وسهلة وواضحة… ولكن انهيار المنظومة الاشتراكية شكك بهذه المسألة وقلب التفكير باتجاهات أخرى، ولهذا سأبدأ بمناقشة هذه المسألة. فلاشك بأن (ماركسية) كانت منتشرة وكانت ككل الوعي العمومي متداولة شفاهة في الغالب، ومعممة عبر أجهزة إعلامية هي في الغالب سوفيتية، وبالتالي كانت تتطابق وما هو محقق في الاتحاد السوفيتي. هذه الماركسية هي التي نعرف ونعتبرها الماركسية، والتي كانت تجعل السؤال عن ما هي الماركسية نافلاً وغير ذي معنى، لهذا كان نادراً ما يشار إلى ماركس أنجلس لينين، أو تعتبر العودة إليهم ضرورية. 
وأنا هنا أتحدث على المستوى، العمومي، على المستوى الذي كان يشكل بيئة للحركة الشيوعية، ويؤسس لاستقطاب أنصار وأعضاء، ولكن كان يؤسس لوعي ومعرفة (بالماركسية) أيضاً، لهذا لم يكن السؤال ما هي الماركسية مطروحاً بل كان موضع سخرية، لأنه سؤال عما هو واضح. هذا الأمر يفرض علينا أن نشير إلى طبيعة الوعي الماركسي ذاته لكي نستطيع الإجابة على هذا السؤال. 
سنلمس أولاً، أن الماركسية السوفيتية هي الماركسية التي راجت وبالتالي فنحن إزاء صيغة للماركسية تبلورت في الاتحاد السوفيتي، على ضوء تشكل النظام الإشتراكي وبدء تبلور البيروقراطية، أي في السنوات ما بعد سنة 1935(1) مما جعلها تطابق وعي هذه الفئة المسيطرة. وهذه مسألة هامة أعتقد أنها مدخل فهمنا للماركسية التي كانت غائبة وأصبحت الآن مجال نقد أو نقض. 
فنحن هنا نلمس تحول الماركسية إلى أيديولوجية معبرة عن مصالح محددة لفئة باتت هي السلطة الحاكمة في الاتحاد السوفييتي، بغض النظر عن تقييمنا لطبيعتها. وبالتالي فهذه الأيديولوجية مؤسِّسة للضباب الضروري لإخفاء مصالح الفئة أو بتحويل هذه المصالح إلى مصالح عامة. وهذا يفرض علينا دراسة هذه الماركسية بدقة شديدة، لأنها ستحمل بعض ما في الماركسية، ولكنه سيوظف باتجاه يخدم فئة معينة. وبالتالي فنحن إزاء اختلاط بنية فكرية تبلورت في حضن الرأسمالية الناشئة مع ماركس وأنجلز، بالارتباط بميراث فكري عظيم عريق هو ما أسمي: مصادر الماركسية، اختلاطها بتكوين فكري وبمصالح، هي التكوين الذي ساد الاتحاد السوفييتي ما قبل الاشتراكية، وهي مصالح تلك الفئات التي أصبحت في السلطة. وهذا في جذر تشكل الماركسية السوفيتية، خصوصاً وأن البيروقراطية المتشكلة هي في الغالب نتاج البيئة الريفية السابقة لنشوء الاشتراكية، أي هي من منتوج الفئات الفلاحية التي أصبحت جزءاً من تكوين الحزب والسلطة (وكذلك تكوين الطبقة العاملة حديثة التشكيل)، والتي اقتحمت الحزب في الغالب من أجل تحقيق مصالح هي خاصة أكثر مما هي مرتبطة بالاشتراكية بالمعنى الذي طرحته الماركسية. والستالينية هي التلخيص والتكثيف لهذه الظاهرة. وهو تكثيف وتلخيص لطبيعة الماركسية المتشكلة وباتخاذها صيغة محددة تتفق مع الماركسية الأصلية وتختلف معها في آن. وربما كانت قد نزعت روحها وأبقت شكلها فقط، وأنها فكفكت مفاهيم الماركسية ووضعتها في سياقات آخرى، أو في بنى مغلقة جامدة، أو في تركيب ميكانيكي. وبالتالي فإن الاشتراكية قدمت صيغة للماركسية هي تلك التي تسود في الاتحاد السوفيتي. بمعنى أنها منظومة المفاهيم التي بدأت تتبلور من قبل الفئات التي أصبحت هي السلطة والتي باتت تصيغ الماركسية في أيديولوجيا معبرة عن مصالح هذه الفئات. رغم أن الماركسية لم تدعِ بلورة تصورٍ متكامل. أعطت هذه الماركسية التاريخ صيغة ستاتيكية كانت لازالت محل نقاش في الماركسية وأقصد هنا نظرية المراحل الخمس للتطور البشري. كما أعطت الواقع صيغة محدّدة مسبقاً، ورسمت المستقيل في «مثال»، لم يكن سوى الواقع المشوّه ذاته.
في هذه الماركسية سنلمس المنطق النصي وهو (الروح) التي حلت محل الروح الماركسية. حيث سنلمس عودة إلى اللحظة السابقة لهيجل، إلى منطق أرسطو إذا حاولنا الحديث عن مستوى عقلي، وإلى المنطق الديني إذا تعاملنا مع المستوى العامي. بمعنى أن هذه الفئات صاغت الماركسية أو بعض مفاهيمها انطلاقاً من مصالحها، في بنية أيديولوجية مغلقة تحولت إلى نص مقدس يجب أن يصبح هو مقياس الواقع، وهو المحدد لصيرورته. وهنا نكون قد عدنا إلى أن الفكرة هي محددة الواقع. ولهذا أصبحت الماركسية هي تطبيق للواقع على النظرية بدلاً من أن تكون النظرية مدخلاً لفهم الواقع وتحليله وفهم آليات تطوره وصيرورته. وهنا يمكن الإشارة إلى مستويين، مستوى يتعلق بالمحاكمة الذهنية عبر الشكل حيث تستمر المحاكمة القائمة على (المانوية) الثنائية (خير شر)، ومستوى تحويل نص محدد، وهو هنا غير محدد تماماً لأنه لم يلخص في كتاب، إلى نص مقدس وبالتالي اعتبار إنه مقياس يقاس الواقع به. وبهذا تحدد التاريخ مسبقاً وكذلك المستقبل، وأصبح البحث في الواقع نافلاً لأن كل هذه المسائل باتت موجودة مسبقاً في كتاب أو مجموعة كتب يمكن أن تحفظ أو تدرس، وتُنقل شفاهة.
هذه الماركسية هي الماركسية التي وصلتنا في الغالب. وبالتالي كانت تجيب على كل شيء، وتحلل كل شيء حتى قبل أن يقع. ومن هذا المنطلق يصبح السؤال ما هي الماركسية نافلاً، لأنها تعتبر أنها كلها إجابة عن الماركسية. 
لكن الماركسية في العالم كانت تعاني من مشكلة تحديد ذاتيتها قبل ذلك، وربما كانت هذه المسألة قد نشأت منذ ماركس، وهو الأمر الذي دفع أنجلس بعد وفاة ماركس إلى محاولة التوضيح والتمييز. وكان في أساس الإشكالية موقع الاقتصاد في مجمل الماركسية. ونحن هنا نلمس إشكالية أخرى حكمت الماركسية، سابقة للإشكالية التي حكمتها بعد انتصار (الماركسية السوفيتية). فقد أشار أنجلس على قول ماركس المتكرر دائماً: أبلغوا هؤلاء أنني لست ماركسياً، حينما لمس الميل نحو الاقتصادوية في الماركسية. لقد دخل في نقاش طويل لتوضيح موقع الاقتصاد في مجمل التكوين الماركسي (البنية الماركسية)، ولجأ إلى التأكيد على أن الاقتصاد هو المحدد في التحليل الأخير، ولكنه ليس المحدِّد وحده. وهذه فكرة هامة وحاسمة وأعتقد أنها مدخل السؤال ما الماركسية. فأنجلز يشير إلى دور الوعي والسياسة والأخلاق والثقافة في الصيرورة الواقعية، ولا يكتفي بالتأكيد على دور الاقتصاد. ولكنه يقول أن الاقتصاد هو المحدِّد في التحليل الأخير بمعنى أن الماركسية تنطلق من كل ذلك وليس من الاقتصاد وحده، رغم أنه المحدِّد في التحليل الأخير.
لذا يصبح طرح السؤال ما الماركسية ذو أهمية وله معنى. فنحن هنا أما هدف يتمثل في تحديد مسافة بين الماركسية السوفيتية، التي أسماها ستالين وعممتها الماركسية السوفيتية ذاتها، بـ(الماركسية اللينينية)، وبين ماركسية ماركس أنجلس وآخرين. كما نحن أمام هدف تحديد ماهية ماركسية ماركس بالذات وماذا أضاف ماركس. وربما هذا المدخل هو الذي يجعلنا نحدد ما الماركسية، لأن إضافة ماركس هي الحاسمة، والتي أسست معلماً مثّل اتجاهاً فكرياً أسمي بالماركسية، وربط جملة مفاهيم بماركس. فماذا أضاف ماركس؟ البحث في الاقتصاد كان قد بدأ فأصبح رائجاً قبل ماركس، من آدم سمث إلى ريكاردو إلى آخرين. فما الذي جعله يتسمّى بماركس؟ لقد نقد ماركس الاقتصاد السياسي، الذي كان إنجليزياً نتيجة اهتمام الإنجليز بهذا البحث تحديداً، وتوصل إلى قوانين أصبحت جزءاً من علم الاقتصاد، حتى غير الماركسي. وبدا نتيجة تركيز ماركس على الاقتصاد بأن الماركسية تساوي الاقتصاد، فاختزلت في قوانين مبسّطة. ومن هنا نشأ التصور القائل بنظرية الانعكاس، بمعنى أن الوعي هو انعكاس الواقع، وبالتالي فالاقتصاد أولاً ومن ثم يأتي الوعي. والحركة الاقتصادية أولاً ومن ثمَّ تأتي الحركة السياسية والاجتماعية العامة. لكن كيف توصّل ماركس إلى نظريته حول فائض القيمة ورؤيته لتشكل النمط الرأسمالي؟ والبحث في الاشتراكية وصراع الطبقات سبق ماركس، من الاشتراكية الطوباوية إلى مجمل الاشتراكية التي نقدها ماركس في البيان الشيوعي. فما الذي حوّل الاشتراكية من طوباوية إلى علم؟ وبالأساس ما الذي جعل ماركس يقول بنهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية؟ ـ فالفلسفة هي بحث في التجريد ووصلت مع هيغل إلى شكلها الأكمل حيث بلور الجدل، وحين أوقف ماركس هيغل على قدميه كما يقول هو، أنهى الفلسفة الكلاسيكية الألمانية كلها، وأسس لتحول الفلسفة إلى أداة تحليل أو منهجية أو طريقة في التفكير، وأقصد هنا الجدل، ليسمى مع ماركس الجدل المادي. لهذا بدأ ماركس كتاب رأس المال بتوضيح هذه المسألة بالذات. فالمقدمة تشير إلى علاقته بهيغل حيث يؤكد فيها أنه أوقف هيغل على قدميه. والجزء الأول من رأس المال يحاكي طريقة هيغل. 
(وهذا يوضح الرابط الذي أريد أن أشير إليه منذ البدء، بين الجدل ومجمل المفاهيم والتصورات التي طرحها ماركس، فماركس لم يستطع أن يصل إلى قانون فائض القيمة أو يحلل النمط الرأسمالي، دون أن يمتلك الجدل. وبالتالي دون أن يخلّص الجدل الهيغلي من مثاليته، ويحّوله إلى جدل مادي. حيث عبره استطاع أن يحلل التكوين الرأسمالي ويسير خلف الفكرة التي كان الاقتصاد السياسي قد بدأها حول البحث في فائض القيمة أو الربح ليصل إلى النتيجة التي وصل إليها. وهو عبر ذلك أيضاً استطاع أن يدرس الميل البشري للعدالة وتأسيس يوتوبيا، وأن يربطها بالسيرورة الواقعية، ليطرح ملامح لانتقال البشرية إلى تكوين جديد، اطلق عليه اسم الاشتراكية. 
(من هنا اعتقد أن البحث في الماركسية يجب أن يبتدىء من البحث في الجدل المادي. ولاشك أن هذه مسألة فلسفية كبيرة، تحتاج إلى دراسة وبحث معمق، ولكننا لا نستطيع أن نؤسس رؤية للواقع، وفهماً لصيرورته، وفهماً للمستقبل، دون أن نصل إلى هذه النقطة بالذات، أو دون أن يصبح الجدل هو الطريق التي تحكم نشاطنا الذهني في فهم الواقع. 
(طبعاً هناك من يعتقد أن الماركسية هي ايديولوجيا الطبقة العاملة(2)، ولا أعتقد أن ما قلته يتنافى مع ذلك، لأن تأسيس رؤية أو وعي لطبقة معينة هي الطبقة العاملة في صراعها من أجل انتصارها، يفترض الاستناد إلى الرؤية الماركسية. وهنا نستطيع التمييز بين الماركسية كأداة للمعرفة، وبالتالي يكون الجدل في عمقها، وبين الماركسية كأيديولوجيا تعبر عن مصالح طبقة محددة في ظرف معين ولحظة معينة. وبالتالي انطلاقاً من الجدل المادي الذي يسمح لنا بفهم الواقع نستطيع أن نؤسس التصورات التي تعبر عن هذه الطبقة في صيرورتها، والذي يسمح لأن يؤسس وعيها بما يجعلها قوة فاعلة في المجتمع. 
(من هذا المنطلق اعتقد أننا بحاجة إلى العودة إلى الماركسية. العودة إلى ماركس أصلاً. أن نعي ما هي الماركسية. أن نعرف ما هو الجدل المادي. وهذا يجعلنا نتجاوز الفهم الذي ساد في السابق والذي ارتبط بالماركسية السوفيتية، التي عملت على تحويل الجدل إلى لحظة تأمل ذهني (إذا تكلمنا بالمعنى النظري)، وإلى كتابات نافلة إذا حاولنا أن نعبر بالمعنى العامي، عبر تأسيس منظومة تجعل الجدل خارج فعله. 
(من هذا المنطلق اعتبر أن الجدل هو الأساس، وأعتقد أن ماركس استناداً إليه توصل إلى قوانين وافتراضات أصبحت مكلمة لهذا المنهج، أو أصبحت جزءاً منه، وأنا هنا لا أنفي أن في الماركسية قوانين علمية (مثل فضل القيمة، البنية التحتية والبنية الفوقية، تقسيم المجتمع إلى بنى اقتصادية اجتماعية سياسية، مفهوم نمط الإنتاج، طبيعة السلطة) . لكن مجمل هذه المنظومات لا يمكن أن تصبح أداة تحليل إلا عبر ربطها بالجدل، فحين أكدت بأن أنجلز حاول أن يربط بين الاقتصاد وبين مجمل المستويات الأخرى في المجتمع، حاولت أن أشير إلى هذه المسألة بالذات. فالجدل يفعل عبر تفاعل كل هذه المستويات. وعبرها كلها نستطيع فهم حركة المجتمع، وليست عبر التركيز على عنصر فيها أو إهمال عنصر آخر.
لهذا حين يطرح السؤال:
ما الذي تبقى من الماركسية؟ أجيب بأن السؤال:
ما الماركسية؟ كان يجيب على هذا السؤال: أعتقد أن الذي تبقى من الماركسية هو الماركسية. ولكن عن أية ماركسية نتحدث؟ هذا السؤال سألته منذ أواسط الثمانينات، وحاولت أن أجيب عليه. وأعتقد أن جوهر ما حاولت قوله سابقاً هو الإجابة على هذا السؤال. فأنا أعتقد أن الماركسية هي في الأساس منهجية في التحليل، هو الجدل المادي. لهذا حاولت أن أشير إلى أن البحث في الاقتصاد، تصور ماركس في الاشتراكية، الصراعات الطبقية، كلها تبلورت عندما مسك ماركس بمنهجية هيغل (الجدل)، وعمل على تحويله من الجدل القائم على الفكرة، إلى الجدل المادي. حركة الصيرورة الواقعية هي التي أعطت الجدل الهيغلي طابعه المثالي لأن هيغل كان يعتبرها نتاج الفكرة. وهنا أعتقد أن ذلك هو الذي يحدّد معنى الكلمة التي قالها ماركس في أنه أوقف هيغل على قدميه، حيث أن ماركس انطلق من الصيرورة الواقعية. لهذا مدح ماركس هيغل وقدّره تقديراً عالياً. لهذا أعتقد أن فهم الماركسية يستند إلى فهم الفكر الحديث، وخصوصاً هيغل لأنها نتاج هذا الفكر، وهي تطوير له، لكنه تطوير يتضمن هذا الفكر.
وحينما أحدد أن الماركسية هي الجدل، أعتقد أن الجدل المادي تبلور مع ماركس وبالتالي فإن نقله نوعية في الفكر البشري كانت قد تحققت. وهنا يجب أن ندرس صيرورة تطور الفلسفة منذ نشوئها، وكيف أنا في هذه اللحظة فقط أصبحت فكراً مادياً. وفي هذه اللحظة تبلور منهج جديد يتجاوز منطق أرسطو الذي حكم العقل البشري منذ أرسطو إلى هيغل، وأسس لأن يصبح هناك آلية في البحث مختلفة عما كان سائداً. هذه المنهجية هي التي أسست كل تصورات الماركسية، هي التي أسست الماركسية. 
ومن هنا نستطيع أن نقول أن ماركس وضع حجر الزاوية كما قال لينين ذات يوم، ولم يبحث في كل شيء ولم يجب على كل شيء، ولم يكن قادراً على أن يكون دقيقاً عندما يجيب على بعض الأشياء.
فالماركسية من هذه الزاوية هي طريقة البحث التي أتت مع ماركس، والتي أسميت الجدل المادي. وهذه باقية مادام العلم لم يتجاوزها. وهنا أعتقد أن التطور العلمي التالي (وربما كان هذا بحاجة لبحث عميق) أكد هذه المنهجية ولم ينفها، ولم أجد في البحث العلمي ما ينفي الصيرورة بمعناها الذي طرح منذ ماركس، وربما يكون قد عزز بعض جوانبها. لينين حاول مثلاً أن يناقش بعض الاتجاهات العملية التي نشأت في بداية القرن العشرين مع نشوء نسبية أنشتاين. أنجلز قبل ذلك أيضاً حاول أن يناقش وأن يبلور المنهجية الماركسية مع نشوء تصورات علمية بدت أنها تنفي الماركسية، ويستطيع كل من يعتقد أن في التطور العلمي ما ينفي الصيرورة بمعناها الماركسي أن يطرح ذلك. ولم ألحظ في متابعاتي إلى الآن من شكك في الجدل المادي. هناك إضافات، توسيعات، نعم. هناك فائدة كبيرة يمكن أن نستفيد منها من البحوث العلمية في فهم الجدل، نعم. ولكن لازال الجدل المادي هو المنهجية التي تحكم التطور، وهو المنهجية العلمية، لهذا لا نلمس أن في البحث الفلسفي الحديث من حاول أن يؤسس منهجية أخرى، عدا المنهجية الوضعية التي أدت إلى التفكيكية وإلى نشوء التخصّص، وبالتالي تفكك البحث، وتجاوزه لطابعه الشمولي إلى الجزئي عبر البحث في كل فرع منفرداً وهذه الفروع كلها استفادت من الماركسية، و«سرقت» منها، عدا ذلك لم تتأسس منهجية أخرى مع الإشارة إلى أن هذه المنهجيات هي منهجيات جزئية، تخصصية، وليست منهجية شاملة (عامة).
هذه المنهجية أعتقد إنها إذاً لازالت تحكم البحث الماركسي، وهي المنهجية العلمية الوحيدة حسب ما أعتقد، لأنها بالأساس تقوم على تحليل الصيرورة ذاتها، تنطلق من فهم الملموس، صيروراته، تناقضاته، حركته، ولا تنطلق من بحث المجرد. 
(الآن حينما نقول أن الماركسية هي هذا، فإننا نتناول الماركسيات الأخرى من زاوية تكييف الماركسية في إطار ظرف معين، لأن الماركسية بمعناها المجرد تتحول إلى وعي بشري في لحظة معينة وهو ما يسمى الأيديولوجيا، وهذا يؤسس لنشوء «ماركسيات»
وبالتالي هنا يمكن أن نلحظ أن الفكر نفسه حين يلامس الواقع يختلط بالوعي الواقعي، وبالمصالح الواقعية. وهذا ما أردت الإشارة إليه في البداية، حيث أردت أن أقول أن هذه الماركسية التي كانت سائدة كانت تعبر عن مصالح فئات حكمت الاتحاد السوفيتي، ولم أكن أهدف إلى القول أن المشكلة كانت في التجربة وليس في النظرية، لأنه في إطار النظرية نفسها كانت هناك خلافات، بمعنى خلافات حول موقع الجدل المادي في هذه النظرية، هل الجدل المادي هو محورها أم أن البحث في الاقتصاد هو أساسها وباقي البحوث هي مكملة لهذا البحث؟ في التجربة الاشتراكية تهمّش الجدل المادي، وبالتالي تلاشت فاعلية الماركسية، وانتهى طابعها النقدي، وأصبحنا إزاء ايديولوجيا، يجب أن تعامل كأيديولوجيا، وإن كانت قد تضمنت بعضاً من المفاهيم الماركسية، وحاولت تحقيق بعض أهدافها كذلك. ولهذا أشرت إلى تجاوز هذه «الايديولوجيا» والعودة إلى ماركس، أي إلى الجدل المادي.

هوامش
1) حينما أشرت إلى الماركسية السوفيتية قلت أنها تبلورت في أواسط الثلاثينات، وأشرت أن ستالين أعطاها تعبير الماركسية اللينينية. وهنا حاولت أن أوضح أنني أتحدث عن الماركسية التي تبلورت فيما بعد لينين في إطار تبلور فئة مسيطرة في الإتحاد السوفيتي. هذا لا يعني أن تصور لينين كان تصوراً صحيحاً بالمطلق، ولكن تصور لينين انبنى على تحقيق الثورة الاشتراكية في روسيا وتوفي لينين قبل أن تتبلور رؤية للفئة المسيطرة الجديدة، وهي المرحلة التي قادها ستالين منذ أواسط العشرينات وحتى أواسط الثلاثينات، حين قام بتصفية قيادة الحزب وأعاد بناء المفاهيم وأعاد بناء الحزب والمجتمع وفق رؤية معينة، تختلف عن لينين وتختلف عن الماركسية في حدود وتتفق معها من حدود، بمعنى أن هذه الفئة التي وصلت إلى السلطة أصبحت معنية بأن تعبر عن مصالحها الجديدة وليس عن مصالح المجتمع، وعن مصالح الطبقة العاملة كما كان الأمر قبل ذلك، فصاغت الماركسية في إطارات جعلتها تتنافى مع الماركسية في الجوهر وحين أنطلق من الجدل المادي أعتقد أن الماركسية السوفيتية عملت على نفي الجدل المادي، أي أن الماركسية لم تعد بالنسبة إليها قوة تغيير، بل أصبحت قوة دفاع عن وضع مستقر. ومن هذا المنطلق بدأت تنتج التصورات التي يسمح بأن تتحول هذه الصيغة من الحكم ومن الهيمنة الطبقية إلى صيغة ماركسية مثالية للاشتراكية، وهذه الصيغة هي التي وصلتنا وانتشرت عندنا، وأيضاً حاولت توضيح أن الماركسية هي هذه التصورات التي صيغت في موضوعات أسميت الجدلية المادية والتاريخية والاقتصاد السياسي والاشتراكية العلمية، ليصبح الجدل المادي صيغة تأملية ليس له علاقة بفهم الواقع، لأن الواقع يفهم إما عبر المادية التاريخية أو عبر الاقتصاد السياسي أو عبر الاشتراكية العلمية.
كما أن الجدل المادي كما طرح عانى من مشكلات عميقة، فستالين أسقط مثلاً مفهوم نفي النفي وهذه واضحة في كتابه المادية الجدلية والمادية التاريخية، لأنه لا يريد أن يقول أن هذا النظام الذي قام يمكن أن ينفى وبالتالي أصبحت المشكلة مشكلة تراكم كمي، فاعتبر أن الاشتراكية مطلقة إلى الأبد وتنمو بشكل مضطرد ولا تعاني من أزمات ومشكلات ويمكن أن تنهار. هذا الجانب هو الذي أعتقد أن النقد يجب أن يوجه إليه لأنه كان يعيد صياغة الماركسية خارج الماركسية، ولتتحول إلى نص مقدس، نص يقاس الواقع به أما لينين فأعتقد أنه أسهم في الماركسية وحاول أن يفهمها، ومن القلائل الذين حاولوا أن يفهموها كونها الجدل المادي. 
ومن يقرأ لينين يلاحظ إصراره على أن الماركسية هي الديالكتيك وأن من لا يفهم الديالكتيك لا يستطيع أن يكون ماركسياً حقيقياً، من هذه الزاوية جاء حكمه على بلخانوف وبوخارين وكاوتسكي وعلى آخرين، وكان دائماً ينطلق من رؤيته للآراء الماركسية الأخرى من هذه الزاوية. ونلاحظ أن غرامشي أيضاً انطلق من هذه الزاوية وهو يحاكم الماركسيين الآخرين، وهو أيضاً يحاول أن يفهم الواقع. فهذا ما بقي من الماركسية، الماركسية ذاتها ولكن ليست الكتابات السوفيتية وليست التصورات التي تبلورت مع آخرين.
2) هذه الفكرة طرحها ماركس. حيث أن الماركسية عبر تحليلها للواقع وصلت إلى نتيجة تقوم على حل ما لإلغاء التناقضات يستند إلى إلغاء الملكية الخاصة. وهذه الفكرة بالتحديد تتوافق مع مصالح الطبقة العاملة فهي لا تملك.
وبالتالي من هذه الزاوية ربط ماركس الماركسية بالطبقة العاملة وحاول أن يبلور تصوراً يطابق مصالح الطبقة العاملة وأهدافها. هنا يمكن أن نطرح أولاً هل هذا التصور لازال صحيحاً؟ وهذا يفرض علينا أن نناقش وضع الطبقة العاملة في أوروبا الآن، هل بقي كما هو أم أنه قد تطور؟ وبالتالي يجب أن ننطلق من الراهن لإعادة بناء التصورات وطرح الأفق الذي يناسب هذا الواقع الجديد. في أوروبا أعتقد أن وضع الطبقة العاملة تطور، ولكن هل مفهوم الطبقة العاملة انتهى؟ لاشك أن نقاشات واسعة بدأت منذ السبعينات، مثلاً حول دور النشاط الذهني، خصوصاً أن الصراع تطور إلى مرحلة جديدة. هذه مسألة لم تحسم في أوروبا حتى الآن. وهناك اتجاهات تعتبر أن الطبقة العاملة مازالت بمعناها القديم وهناك من اعتبر أن كل ذي أجر هو جزء من الطبقة العاملة. 
وبالتالي يمكن الآن أن تناقش الماركسية هذا الموضوع لتصل إلى استنتاجات، وبالتالي أن تبلور تصوراً يعبر عن وضع الطبقة العاملة الأوروبية في هذا الوقت بالذات. وهنا المسألة الأساسية في الماركسية، حيث إنها لا تعطي تصوراً مطلقاً لمصالح طبقات دون أن ترى صيرورة الواقع. لهذا حاول ماركس أن يغير في رؤيته حاول أن يطرح تصورات الطبقة العاملة ثم أن يتجاوزها لرؤى أخرى وفق الصيرورة الواقعية، وتحوّل وضع الطبقة العاملة.
المشكلة التي نشأت في العالم هي أن هذه التصورات أصبحت وكأنها مطلقة، وأصبحت تحكم الصيرورة الواقعية.من هذا المنطلق لم يعد هناك ضرورة للبحث في الواقع لنحدد الآن ما هو وضع هذه الطبقة؟ ما هي مشاكلها؟ ماذا نطرح لكي نعبر عنها؟ وبالأساس غاب البحث في وضع الأمم المخلّفة، ووضع الطبقة العاملة فيها.


https://www.facebook.com/plugins/like.php?action=like&app_id=115811955161901&channel=http%3A%2F%2Fstaticxx.facebook.com%2Fconnect%2Fxd_arbiter.php%3Fversion%3D42%23cb%3Df35a60d9371fb4%26domain%3Dwww.m.ahewar.org%26origin%3Dhttp%253A%252F%252Fwww.m.ahewar.org%252Ff381a4640646de8%26relation%3Dparent.parent&container_width=0&font=arial&height=25&href=http%3A%2F%2Fwww.m.ahewar.org%2Fs.asp%3Faid%3D25660%26r%3D0&layout=button_count&locale=ar_AR&sdk=joey&send=false&share=false&show_faces=false&width=90

http://platform.twitter.com/widgets/tweet_button.b7de008f493a5185d8df1aedd62d77c6.en.html#dnt=false&id=twitter-widget-0&lang=en&original_referer=http%3A%2F%2Fwww.m.ahewar.org%2Fs.asp%3Faid%3D25660%26r%3D0&size=m&text=%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9%20%D9%83%D9%8A%D9%84%D8%A9%20-%20%D9%85%D8%A7%20%D9%87%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83%D8%B3%D9%8A%D8%A9%D8%9F%3A&time=1467310801544&type=share&url=http%3A%2F%2Fwww.m.ahewar.org%2Fs.asp%3Faid%3D25660%26r%3D0%23.V3Viyh1QJ_o.twitter

Advertisements

سلام قولا من رب رحيم 1479

بسم الله الرحمن الرحيم 786

“اللهم يا رب أورثني برهانا يحجبني عن معصيتك في بيتك كل مرغوب كتب الله لا غلبناه أنا و رسلي أن الله قوي عزيز.”7 مرات

يعة الاختزالية للعقل الاداتي: لقد ظهر مفهوم العقل الاداتي في العديد من مؤلفات الفلاسفة والمفكرين السابقين على هابرماس، أهمهم: هوركايمر وادورنوفي “جدل التنوير” وكتاب أفول العقل لهوركيمر وماركيوز في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحدّ” وكلهم يجمعون على أن العقل الاداتي هو منطق في التفكير وأسلوب في الرؤية العامة، أي أن العالم الاجتماعي أصبح له طبيعة ثانية وأصبح كالطبيعة غير قابل للتغيير ومستقل عن أفعالنا.

إنه العقل المهيمن في المجتمعات الرأسمالية الحديثة الذي فقد فيها العقل دوره كملكة فكرية، وتم تقليصه إلى مجرد أداة لتحقيق أهداف معينة ، كما أصبح أداة لتوفير الوسائل.

انطلاقا من كتاب “التقنية والعلم كأيديولوجيا” يرى هابرماس أن العقل الاداتي يعبر عن العقلانية الاداتية والتي لهبت دورا هاما في المجتمع الرأسمالي الحديث.

– سماته:

إن هذا العقل ينظر إلى الطبيعة والواقع من منظور التماثل، ولا يهتم بالخصوصية إنه يحاول تفتيت الواقع إلى أجزاء غير مرتبطة، كما ينظر إلى الإنسان باعتباره جزءا يشبه الأجزاء الطبيعية المادية.

إن هابرماس يقصد من وراء نقده للعقل الاداتي: هدم معطيات هذا العقل وذلك من خلال القضاء على مركزه الفلسفي الوضعي الذي أبرز هذه الرؤية.

* العقل التواصلي:

للخروج من سلبيات العقل الاداتي، يطرح هابر ماس مفهوم العقل التواصلي الذي يعتبره المخرج من هيمنة العقل الاداتي.

فالعقل التواصلي مفهوم صاغه هابرماس لمحاولة تنمية البعد الموضوعي والإنساني للعقل، إنه فاعلية يتجاوز العقل المتمركز حول الذات والعقل الشمولي المنغلق الذي يدعي أنه يتضمن كل شيء، والعقل الاداتي الوضعي الذي يفتت ويجزئ الواقع؛ ويحول كل شيء إلى موضوع جزئي حتى العقل نفسه.

فالعقل التواصلي لم يعد جوهرا أكان هذا الجوهر موضوعا أو ذاتا بل صار معمولا به. لقد أصبح العقل معه وسيلة إذ يرى أنه من الحكمة البحث عن ما هو عقلاني عوضا البحث في مفهوم العقل.

بالإضافة إلى أن هذا العقل متواصل مع غيره، ولا يقوم على الضغط بل على الاتفاق وهدفه بلورة إجماع يعبر عن المساواة داخل فضاء عام ينتزع فيه الفرد جانبا من ذاتيته ويدمجها في المجهود الجماعي الذي يقوم بالتفاهم والتواصل العقلي

ص1            السابق

 

مفهوم الأنا والآخر …

 

محمد عابد الجابري

انتشر في الخطاب العربي خلال العقود الأخيرة استعمال مفاهيم كثيرة  لم تكن متداولة من قبل. وكما يحدث عادة عندما ينتشر مفهوم من المفاهيم لأول مرة ليعبر عن وضعية اجتماعية أو سياسية أو فكرية فإن الناس يتعاملون معه بكثير من التساهل، خصوصا إذا كان مترجما من ثقافة أجنبية ولا “أصل” له في ثقافتهم. لذلك يحسن القيام من حين لآخر بالتذكير بالمضمون الحقيقي لتلك المفاهيم في الخطاب الثقافي/الفلسفي الذي فيه نشأت وإليه تنتمي. خصوصا ونحن ما زلنا نفتقد في العالم العربي أكاديمية عربية واحدة تضبط الأمور في هذا المجال.

لنبدأ بمفهوم “الأنا والآخر” الذي ينتمي أصلا إلى الفكر الأوربي ولنتساءل :  ما هو المعنى الذي يعطيه هذا الفكر لهذا المفهوم؟

ودون الرجوع إلى الفكر اليوناني الذي انبنت رؤيته للعالم على ثنائية الإنسان والطبيعة، باعتبار أن الإنسان مركز الكون، ومقياس الأشياء، وأن حقيقته أنه عقل أو “صورة” في مقابل الطبيعة أو “المادة”، ودون الرجوع كذلك إلى الفكر المسيحي وثنائية الأب والابن، واللاهوت والناسوت الخ… قد يكفي هنا التذكير بأن الفلسفة الأوربية الحديثة هي أساسا فلسفة “الأنا” (“الذات”) : الإنسان ذات في مقابل العالم الذي هو موضوع لها. والفكرة المؤسسة لفلسفة “الذات” هذه هي كوجيتو ديكارت: لقد شك هذا الفيلسوف الفرنسي في كل شيء و”مسح الطاولة” حسب تعبيره (طاولة فكره)، مسحا ولم يبق لديه أي شيء آخر غير كونه يفكر: ومن هنا قولته الشهيرة: “أنا أفكر إذن أنا موجود”. وهذا يقتضي أن وجود “الأنا” سابق ومستقل عن وجود العالم وعن أي وجود آخر. ومن هنا كان كل وجود غير وجود  “الأنا” هو “آخر” بالنسبة لها، وبالتالي فعلاقة التغاير هي علاقة بين الأنا والآخر ابتداء: سواء كان هذا الآخر هو الأشياء المادية المحسوسة التي يتوقف وجودها على يقينه بوجودها، أو كان الشيطان الذي افترض أنه قد يكون هو الذي ضلله فصار يشك في كل شيء، أو كان هو الله الذي اطمأن هذا الفيلسوف  إليه أخيرا باعتبار أنه لا يمكن أن يضلله -لكون فكرة الله في ذهنه تشير إلى كائن منزه من الخداع والتضليل-  ومن ثم جعله ضامنا ليقينه ذاك الخ. وبعبارة عامة إن الشبكة التي يرى “العقل الأوربي” العالم من خلالها وبواسطتها شبكة تهيمن فيها علاقة أساسية هي علاقة “الأنا” و”الآخر”، لا علاقة “آخر” “بآخر”.

***

سيطول بنا الحديث ويتشعب لو أننا أخذنا نتتبع فكرة “الآخر” في الفكر الأوربي. ذلك لأن هذا الفكر يتمحور كله حول هذه الفكرة، من ديكارت إلى هيجل وماركس إلى سارتر إلى الذين جاءوا من بعده. لنقتصر إذن على إشارات مقتضبة، من هنا وهناك، الهدف منها ليس استقصاء الموضوع بل مجرد إثارة الانتباه.

نقرأ في قواميس الفكر الأوربي ومصطلحاته الفلسفية ما يلي: “الآخر: أحد المفاهيم الأساسية للفكر (=كان يجب إضافة: الأوربي) وبالتالي يستحيل تعريفه، ويقال في مقابل الذات Le même” ”  أو “الأنا“. أما هذه الأخيرة (الذات) فلا معنى لها سوى أنها المقابل، لـ”الآخر” Autre تقابُلَ تعارض وتضاد، أو أنها المطابق لنفسه المعبر عنه بـ  identité  وهو ما نترجمه اليوم بلفظ “الهوية” أو “العينية”، أي كون الشيء هو هو: عين نفسه. وإذن فالغيرية في الفكر الأوربي مقولة أساسية مثلها مثل مقولة الهوية. ومما له دلالة في هذا الصدد أن كلمة  altérité أي الغيرية ذات علاقة اشتقاقية بـالفعل  altérer  والاسم  altération وتعنيان تغير الشيء وتحوله إلى الأسوأ (تعكر، استحالة، فساد)، كما ترتبط بالاشتقاق بكلمةalternance التي تفيد التعاقب والتداول. ومعنى ذلك أن مفهوم “الغيرية” altérité في الفكر الأوربي ينطوي على السلب والنفي. بعبارة أخرى: يمكن القول إن ما يؤسس مفهوم الغيرية في الفكر الأوربي ليس مطلق الاختلاف، كما هو الحال في الفكر العربي، بل الغيرية في الفكر الأوربي مقولة تؤسسها فكرة “السلب” أو النفي. La négation،  فـ “الأنا” لا يفهم إلا بوصفه سلبا، أو نفيا، لـ “الآخر”.

وغني عن البيان القول إن لفظ “الأنا” في العربية المعاصرة إنما هو ترجمة لأداء معنىLe même بالفرنسية وego بالإنجليزية والألمانية. وكلمة egoلاتينية تدل على ما تدل عليه كلمة “ذات” في اللغة العربية حينما يقصد بها الشخص المتكلم. ومن هذه الكلمة اشتقت مصطلحات أخرى مثل égocentrisme وهو ما نترجمه اليوم بـ “التمركز حول الذات”. ومنها أيضاégoïsme  بمعنى “الأنانية” في الاستعمال اللغوي العام، أما في الاصطلاح الفلسفي فالكلمة تدل على المذهب الفلسفي الذي يعتبر وجود الكائنات الأخرى، غير “الأنا”، وجودا وهميا، أو موضوع شك على الأقل. ومن هنا المذاهب الفلسفية المثالية idéalismes التي لا تعترف بأي وجود آخر غير تمثلات الأنا : فالعالم هو ما أتمثله وأتصوره وليس هناك وجود آخر.

يقول الفيلسوف اللاهوتي العالم الفرنسي، بليز باسكال : “للأنا خاصيتان، فمن جهة هو في ذاته غير عادل من حيث إنه يجعل من نفسه مركزا لكل شيء، وهو من جهة أخرى مضايق للآخرين من حيث إنه يريد استعبادهم؛ ذلك لأن كل “أنا” هو عدو، ويريد أن يكون المسيطر على الكل”.

من هنا يتضح أن مفهوم “الأنا” مبني على السيطرة، سيطرة الذات على ما تتخذه موضوعا لها، سواء كان هذا الموضوع  أشياء الطبيعة أو أناسا آخرين. وفي هذا المعنى كتب ماكس هوركهيمر يقول: “من الصعب جدا أن يحدد المرء بدقة ما أرادت اللغات الأوربية في وقت من الأوقات أن تقوله وتعنيه من خلال لفظ ego  (الأنا)، إن هذا اللفظ يسبح في تداعيات غامضة قاحلة. فمن حيث أنه مبدأ “الأنا” (الـego  ) الذي يحاول جاهدا كسب المعركة ضد الطبيعة على العموم وضد الآخرين من الناس على الخصوص، كما ضد الدوافع السلوكية التي تحركه، يبدو مرتبطا بوظائف السيطرة والحكم والتنظيم” ، ويضيف قائلا : “ولم يتحرر مفهوم الأنا في أي وقت من حمولاته وشوائبه الأصلية الراجعة  إلى نظام السيطرة الاجتماعية”.

من خلال هذا التصور لـ “الأنا” كمبدأ للسيطرة يتحدد موقع “الآخر” ودلالته ووظيفته في الفكر الأوربي، أي بوصفه موضوعا للسيطرة أو عدوا، أو بوصفه قنطرة تتعرف الذات من خلاله على نفسها. يقول سارتر: “أنا في حاجة إلى توسط الآخر لأكون ما أنا 

لأميركي

* القاهرة ـ أمل عبيد: مناقشة ضافية لمفهوم الحرية واقترانه بالتطور الحضاري لعصر الصناعة، ونشأة المجتمع الاميركي وطبيعة الصراع الاجتماعي الثقافي بين وهم الحرية الفردية وصراع القوى يناقشها الكاتب شوقي جلال في كتابه «العقل الأميركي يفكر من الحرية الفردية إلى مسخ الكائنات» الصادر عن مكتبة مدبولي بالقاهرة.

يفتتح الكاتب بحثه بمقدمة ضرورية، كاجراء منهجي، يتحدث فيها عن عقل الأمة، ليتخذ من ذلك ذريعة لما سيقدمه من تحليل للعقل الأميركي، أو لنقل إنها الخلفية أو القاعدة التي سوف ينطلق منها وإليها في ما يبحثه. ثم ينتقل بنا إلى تحليل بنية العقل الأميركي ومكوناته الأولى. وأخيراً ينهي بحثه بصياغة نقدية لرؤية موضوعية لكيفية التعامل أو الاحتكاك بالفكر الأميركي، الذي يمثل القوة المركزية بالنسبة للعالم أجمع. والعالم الثالث بالأخص.

ويرى الكاتب أن «عقل الأمة» ليس واحدياً أحادياً بل تعددياً في التاريخ وفي الحاضر نظراً لتعدد شرائح ومصالح المجتمع وتغير الفعل والنشاط فكراً وأداة. إلا أنه وبالرغم من هذه التعددية هناك سمات مشتركة هي مكونات الخصوصية المميزة التي تكمن أو تتجلى في أسلوب فهم الناس لحاجاتهم المشتركة، ومهامهم في الحياة وأهدافهم ووسائلهم في تحقيقها، وهذه المكونات تصوغ وعياً اجتماعياً في متصل تاريخي، أي تراث دينامي متطور دائماً.

ثم يقدم بعد ذلك تحليلاً موجزاً لطبيعة العقل الأميركي على الأخص كنتيجة حتمية لطبيعة الشروط البيئية والتاريخية التي نما فيها هذا العقل والتي عملت على تشكيله، ليكون في النهاية فلسفة خاصة به تعبر عن أهدافه وتطلعاته المستقبلية.

وبذلك اصبح هذا العقل المهيمن القوي الذي يفرض نفسه قيماً على أقدار الضعفاء من الأمم حيث السيادة للأقوى، متخذاً من الهيمنة الثقافية على الصعيد العالمي طريقاً لتحقيق الهيمنة الاقتصادية والسياسية والعسكرية وهي هيمنة اطردت واتسع نطاقها حتى باتت الثقافة الأميركية غذاء عالمياً لصناعة العقول والتلاعب بها. وبسبب هذا الحضور المهيمن في العالم «لم يعد مجرد موضوع للدراسة أو مجرد مشكلة خارج الذات مطروحة للبحث بل بات قوة مؤثرة على نسيج خبرات الذات التي هي أداتنا في صناعة عقلنا القومي أو إطارنا المعرفي/القيمي». وطرح لنا الكاتب ثلاث صور لكيفية التعامل مع هذا العقل في صيغ استفهامية هي (هل هي علاقة تفاعل جدلي؟ هل هي عملية رفض وانكفاء على الذات خارج التاريخ؟ أم هو احتواء لنا من جانبه؟». ولأن الحرية أهم عنصر من عناصر الوعي الناقد لذا نجد ان الكاتب جعل المحور الرئيسي لدراسته مفهوم الحرية، والحرية الفردية على الأخص، التي هي محور الصراع ومضمونه الأول، كركن هام من أركان إنسانية الإنسان وأساس وجوده واعتباره كائناً مبدعاً. ويقدم الكاتب في الفصول الخمسة الأولى نبذة تاريخية موجزة لأهم التحولات أو القفزات الكيفية والطفرات النوعية في الفكر الانساني الغربي وأثر ذلك على صورة الانسان ومفهوم حريته. ورصد صورة مكثفة لما آلت اليه الحرية منذ مطلع القرن العشرين طغت الثقافة الأميركية في تزامن مع تحول ميزان القوى العالمي الغربي إلى الغرب الأقصى (من أوروبا إلى الولايات المتحدة الأميركية) اذ شاعت منذ ذلك الوقت رموز الثقافة الأميركية والمظاهر المادية لمستوى المعيشة وأسلوب الحياة في المأكل والملبس والحياة الاجتماعية والعادات الاستهلاكية واستثمار وقت الفراغ والنظرة إلى الحياة. واستطاع المجتمع الأميركي بعد أن اكتملت عناصره ونما شعوره (باستقلاليته الذاتية ومصيره المميز وتكامل عناصر بنيته واستقطاب هذه العناصر وتحديد معالم العلاقات بينها) تكوين «نظرة شمولية أو كونية تحدد رؤية المجتمع وتعبر عن خصوصيته»، أو قل فلسفة خاصة به تفيد توجهه وطموحه، وتحصن المجتمع وتحافظ على النظام وتكسبه مناعة وقدرة على الاستمرار.

وهو ماسلط الكاتب عليه الضوء على اعتبار أنها الفلسفة التي تختفي وراءها أهداف السيطرة الأميركية. واختار أهم المفكرين الغربيين ممن كانت لهم سمة التأثير الفكري المباشر على العقلية الغربية أو من كان لهم الدور الأعظم في تشكيل الفكر الغربي في صورته النهائية وما صاغه من مفاهيم جديدة وما أبطله من مفاهيم قديمة لا تتفق والنهج الأمريكي والسياسة الأميركية، وهو نهج براجماتي، حيث الغاية والنجاح هما الحكم والفيصل في السياسة والحياة.
خطاب الشعبويعدل

معاني الشعبوية متضاربةٌ، تتراوح بين الرومانسية الثورية والدُّونِيّة السياسية، لكن ما يجمع معظم دُعاة الشعبوية: مقاربتهم التبسيطية في استخدامهم لمفردة “الشعب”، وادعاؤهم أنهم صوت وصدى وضمير هذا “الشعب”، فضلاً عن احتكارهم لتمثيله من دون مراعاة مفاهيم التفويض والتعاقد السليم، وتركيزهم على خطابٍ عاطفيٍّ يفتقر للرؤى الواضحة، مع ترويجهم، المباشر أو غير المباشر،لعداء الفكر .

والخطاب الشعبوي هو خطابٌ مُبْهَمٌ وعاطفي، لا يعتمد الأفكار والرؤى، بل يميل إلى إثارة الحماس وإلهاب المشاعر، ليتماشى تماماً أو يتطابق مع المزاج السائد أو يختاره صُنّاع الخطاب ليبدو على أنه سائد، من دون أن يفيد، من ناحيةٍ أخرى، في التعامل الجدّي والمسؤول مع المشاكل الواقعية. ويُكْثِرُ الخطاب الشعبوي من التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور في شكلٍ مسرحيٍّ كرنفاليٍّ، مع الإحالة إلى التاريخ الذي يتم استحضاره واستخدامه كوسيلةٍ إيديولوجيةٍ ذات عمقٍ انفعالي.[13]

ويرى الباحث الفرنسي بيير أندريه تاغييف أنه من الخطأ مساواة الشعبوية مع الديماغوجية. فالديماغوجي يهدف إلى تضليل الآخرين بينما الشعبوي يبدأ بتضليل نفسه. ويقول الباحث بأن للشعبوية عددا من الخصائص الأولية. أولها أنها تمثل ثورة ضد النخبة. وهي تزعم أن السياسة هي شيء سهل ويمكن إدراكها بالنسبة للجميع وأن اعتبارها معقدة يعود إلى مكيدة وضعها النخبويون لإبقاء المواطنين العاديين خارج عملية صنع القرار. ويرى تاغييف أن معظم جمهور الخطاب الشعبوي من الأميين والفقراء خصوصا في المناطق الحضرية، وهي الشريحة التي وصفها كارل ماركس بنبرته النخبوية المترفعة بـ «البروليتاريا الرثة» أو بقاع المجتمع.[14]

انظر أيضا

بقلم : د.محمد جلال أحمد هاشم

 

 

مقدمة

جاء في الأخبار مؤخراً أن مجموعة من بنات وأولاد الجاليات السودانية (في بريطانيا تحديداً) قد انتهى بهم الأمر إلى هجرة جماعية صوب معسكرات حركة داعش. قد يجوز القول بأن مجموعة الشباب هؤلاء ربما تلقوا أفضل تعليم يمكن أن يحظى به سوداني، فضلاً عن أجود تربية واهتمام أبوعي لا يمكن أن يحظى به إلا المحظوظون فعلاً. 

 ثم جاءت الصدمة الكبرى بعد ذلك عندما توالت الأخبار تنقل خبر خبر مقتل بعضهم، ثم جاء أنّ ابناً للأخوين الصديقين مها الجزولي وراشد سيد أحمد (بالمملكة البريطانية) قد قُتل بالعراق، بينما هناك أخ شقيق له قد انضمّ لداعش بسوريا. بدءاً أحرّ التعازي لمها وراشد ولكلا الأسرتين الكبيرتين ثم لجميع الجاليات السودانية التي ولجت باب الهجرة إلى الغرب وهي كمن دخل الصحراء وهو لا يملك من زاد سوى جرعة عابرة اجترعها وهو يزمع الخروج إلى وجهةٍ غير معلومٍ مدى سفرِها. لقد دخل السودانيون إلى جحيم الهجرة إلى دول الغرب وهم غير مجهّزين البتّة لمواجهة ما ينتظرهم هناك. فقد جاؤوا أول أمرهم في غالبهم الأعمّ وهم فرادى في مقتبل العمر ريثما يتزوجون أو وهم حديثي عهد بالزواج، لهم طفل أو طفلين. وقد عاشوا في غالبهم الأعمّ منذ لحظاتهم الأولى في زهو ووهم أنهم قد تخلصوا من جحيم سودانهم وأنهم الآن قد أصبحوا يرفلون في نعيم الحياة الغربية، فضلاً عن الزهو بأن أطفالهم قد أصبحوا يتحدثون اللغات الغربية التي لا يقدرون عليها بنفس الطلاقة، طلاقة من نشأ عليها وما شابه ذلك من أوهام لا يمكن أن تتلبّس إلا ذوي الأحلام العصافيرية.

الحياة في عالم الأوهام

ولكن أكبر الأوهام التي عاشوا عليها وربما لا يزالون يعيشون عليها هي أن إقامتهم بالغرب سوف تكون لها نهاية قريبة بعدها يعودون للسودان. في هذا يحكي لنا تاريخ الهجرة مطلقاً أن المهاجرين قلما يعودون إلى البلدان التي صدؤوا منها أول أمرهم. فبدلاً من أن يبدأوا حياتهم في دول المهجر الغربية بوعي تام بموضوع الهجرة وكيف أن هذه المهاجر سوف تصبح وطنهم االجديد إلى ما لا نهاية، تلبّسهم الوهم بأن إقامتهم هناك لفترة قصيرة. وقد جعلهم هذا الوهم يعيشون في دول الغرب ليس دون أن ينتموا إليها فحسب، بل دون أن يخططوا المصير الذي يريدون أبناءهم أن يعيشوه من حيث مكانتهم في مواطنهم الجديدة، وبالتالي تهيئتهم لجملة التحيزات المنبثّة عميقاً داخل بنية هذه المجتمعات الغربية ضد الأفارقة والعرب والمسلمين بوجه خاص ثم ضد أي غريب بصورة عامة. لقد سيطرت على غالبهم الأعم عِماية ثقافية وفكرية ماحقة مؤدّاها أنهم بمجرد استلام الجواز الغربي سوف يعودون للسودان لحسم معركتهم ضد الإنقاذ. وما دروا أن فاقد الشيء لا يعطيه؛ فمن يعتمد على سيادة وسلطة دولة أخرى سوف يكون أعجز عن أن يجترح المكرمات ما لم تقم هذه الدول الغربية بتنفيذ برنامجه بالنيابة عنه. وهكذا مرت السنوات تعقبُها السنوات حصل فيها أغلبُهم على الجواز دون أن يقدروا على تحقيق حلم العودة الذي نأت به الليالي كما لو كان قمراً بعيداً قد دخل في المحاق ولم يعد له وجود.

وهكذا بُذرت البذور الأولى لمجتمع مأزوم ومنفصم تتجاذبه رياح عاتيات في خضمّ أعاصير الحضارات. مجتمع ينكفئ فيه الأبوان على قنوات أراب سات ونايل سات بالأسفل بينما يعتزلهما الأطفال بالأعلى، منكبّين على قنوات البلد الذي نشأوا فيه حيث يعيشون وهْم طفولتهم الذي سيدفعون ثمنه غالياً عندما يكبرون، وهْم أنهم فعلاً ينتمون للهوية الغربية والثقافة الغربية ثم للبلد الغربي الذي وجدوا أنفسهم فيه. فالأبوان يتحدثان مع الأطفال في أحسن الأحوال بالعربية بينما الأطفال يردّون باللغة الغربية التي نشأوا عليها. ولكن نفس هؤلاء الأطفال سوف يكتشفون مجموعة التناقضات التي تنتظرهم عندما يشبون عن الطوق. فهم قد نشأوا متحوصلين داخل حوصلات ثقافية غربية صغيرة بينما يتظاهرون للأبوين أنهم ينتمون إلى الثقافات التي صدر منها الوالدان وهي خدعة لم تنطلِ على الوالدين ولو عاشا بموجب تصديقها. لم ينخدع الوالدان لسبب بسيط وهي أنهما هما اللذان صنعا تلك الكذبة وظلا يعيشان عليها بوصفها سيجارة بنقو نفسية تجعلهما يحتملان حقيقة ما يعيشانه، أي حقيقة افتراق الخط الثقافي بينهما من ناحية وبين أطفالهما من ناحية أخرى. فالسودان والثقافة السودانية (بحسب تنزّلها إقليمياً وفق الخلفية الإثنية والجغرافية للأبوين) وكل ما من شأنه أن يمتّ بصلة لمجتمع الوالدين الحقيقيين بالنسبة لهؤلاء الأطفال ليس سوى تركة أبوية ثقيلة عليهم تحملها حباً للوالدين ريثما يتحرران منها في يومٍ قريب. فلأكثرهم ليس السودان سوى شيء هربت منه أسرهم هرب السليم من الأجرب. ثم هناك سيجارة بنقو أخرى تقوم الجالية في مجملها بممارسة تدخينها جماعياً، ألا وهي ما يسمى المدرسة العربية يوم السبت. وهي أشبه بواجب أضعف الإيمان، أي كما لو أنهم “خلاص” قد قاموا بالواجب وبالتالي قد أعفوا أنفسهم من مسئولية “التغريب” الممنهج الذي ورّطوا فلذات أكبادهم فيه. كل هذا داخل مجتمع مأزوم أصلاً في هويته ومنفصم ما بين عروبته وأفريقيته. ولا غرو أن ظلت الجاليات السودانية في الغرب تعيش في هامش الجاليات العربية في كل شيء تأكيداً لهامشية السودان للمركز العربي الكبير. فهو مجتمع هارب من جحيم الدولة الإسلامية، بينما هو أشد مراقبةً لنفسه من حيث التطبيق الذاتي لنفس أحكام الشريعة التي هربوا منها. فالرجال والنساء الذين يشربون الخمر لا يفعلون ذلك إلا سراً، كما لو كانوا يتخفون من بوليس الآداب والكشّة ومحاكم النظام العام. هذا يحدث في قلب العواصم الأوربية. والبنات الشابات اللائي جئن إلى أوربا وهم يعيشون وهم أنهم بصدد أن يعيشوا حياةً متحررة من ربقة وقيود التقاليد الصارمة التي كانت تكبلهم في المجتمع السوداني، فأقاموا علاقات من رصفائهم الشبّان السودانيين على غرار الحياة الغربية المنفتحة، اكتشفوا أنه قد تم تصنيفهم على أنهم عواهر ومن ثم ظلوا يدفعون ثمناً باهظاً دفع بهم إما إلى التسليم بأنهم فعلاً هكذا، أو انزووا بعيداً من الحياة العامة. فمنهن من عادت رويداً، رويداً لحظيرة ثقافتها المتحيزة نوعياً ضدها سعياً منها لراحة بالها ولكن هيهات؛ فمثل هذه المجتمعات الموغلة في المحافظة لا تعرف المسامحة والغفران. ومنهنّ من داومنّ على مزاولة حياتهنّ وهنّ يستبطنّ انهزاماً داخلياً جرّاء تسليمهنّ بذات المعايير الأخلاقية المتحيزة نوعياً ضدهنّ. ثمّ هناك من كفرن بهذا المجتمع وبقيمه فاعتزلنه، كافرين بمجتمعهم المهجري الصغير وبمجتمعهم الكبير في الوطن المهجور. هذا والرجال في غيِّهم القديم سادرون لا يلوون على شيء، متمسكين بجملة الامتيازات الذكورية التي احتقبوها من ذات مجتمعاتهم التي هربوا منها. وهكذا انتهى الأمر بهذه الجاليات السودانية الهشّة فيما يتعلق بكبارها دون صغارها إلى أن تصبح أكثر محافظةً وتقليديةً من المجتمع الذي صدروا منه أول أمرهم.

ولكن ماذا عن الجيل الثاني من المهاجرين؟

ولكن كلّ هذا ليس سوى نُذُر العاصفة، فعين العاصفة تنتظر في الواقع أطفالهم ما إن يشبّون عن الطوق. أولاً ينشأ هؤلاء الشبّان والشّابات وهم على وعي تام بحالة الخواء الفكري والحضاري والثقافي التي تعيش فيها أسرهم ممثلة في الوالدين، كما ينشأون وهم على وعي تام بحالة الزيف التي انطوت عليها حياتُهم من حيث التظاهر والتمثيل لأسرهم بأنهم فعلاً نفس الأطفال المهذّبين والمؤدّبين ثمّ البريئين في حالة البنات. لكن الصدمة الكبرى التي تنتظر هؤلاء الأطفال حالما يكبرون هو أن المجتمع والثقافة التي نشأوا وهم يعتقدون اعتقاداً جازماً لا يخالجه الشكّ أنهم ينتمون إليه وهم منه وهو منهم بمثل علاقة التفاحة وقشرتها، ليس سوى وهم كبييييييير. فهذا المجتمع لا يقبلهم وهم في حقيقة أمرهم يعيشون وهماً انزرع فيهم بموجب براءة (تُقرأ: جهالة) الطفولة وأنه عليهم الآن واجب أن يستيقظوا من هذا الوهم. عندها وعندها فقط تشرع الغالبية العظمى من هؤلاء الضحايا الأبرياء الذي يُذبحون على النطع، نطع داعش الحضارة الغربية، في تدشين رحلة خاسرة بكل المعايير، ألا وهي رحلة الرُّجعى والعودة إلى هويّتهم الحقّة، ولكن هيهات! عادةً ما تبدأ أولى الخطى في رحلة العودة الخائبة هذه بطلب زيارة إلى السودان. وهذه ستكون بداية اكتشافات وخيبات أمل أخرى، إذ إنّ الراجح أنهم يكتشفون انبتات الجذور لدرجة تجعلهم غرباء في وطن الوالدين بأكثر من غربتهم في وطنهم الغربي الذي نبذهم، وهو الوطن الذي يملكون جميع مفاتيحه الاجتماعية والثقافية والفكرية واللغوية، لكنه يرفضهم. فهم في الوطن الأمّ لوالديهم مقبولون، نعم، لكنهم لا يملكون مفاتيحه ويعيشون فيه كما يعيش الضيف الغريب. وفي سبيل أن يمتلكوا هذه المفاتيح مطلوب منهم أن يعيشوا فيه لفترة كافية لتفكيك شفرته ومن ثمّ امتلاك مفاتيحه الثقافية والفكرية والاجتماعية. وأولى هذه العقبات صعوبة الانتقال من المستوى الحضاري والتقني السياسي في الغرب والعيش في الوضع المتدني لبلد أفريقي يعتبر أحد أفقر وأفسد بلدان العالم اقتصادياً وسياسياً. ثم هناك عقبة اللغة، دع عنك عقبة القيم الثقافية وتناقضاتها. أوليس هذا هو نفسه المجتمع صاحب تلك القيم البالية التي تحملوها في والديهم بإحسان ريثما يكبرون؟ فكيف يتسنى لهم التصالح مع هذا؟ هيهات! وهكذا يدخلون في رحلة رُجعى خائبة أخرى إلى الوطن الذي لا يقبلهم.

ولكن لا بد من صنعا ولو طال السفر! لا بد من خلاص! ولكن كيف الخلاص؟ وأين هو؟ آااااه! إنه الله!

هنا يتجه هؤلاء الشباب إلى الله ـــ بمباركة الوالدين وفرحتهما الكبيرة غالباً. فالوالدان في غالب الأحوال قد ظلا طيلة حياة أطفالهما يعكسان للأطفال أن الإسلام والعروبة جزء أصيل لا يتجزأ من مكونات الثقافة السودانية التي ليست سوى إسلامية عربية في جوهرها. أرأيتم لماذا ابتعدت مجتمعات أهلنا من جنوب السودان واعتزلت الجاليات السودانية الشمالية بدول المهجر لسنوات قبل بروز الدعوة للانفصال! ذلك لتكريس الجاليات السودانية الخاضعة للأيديولوجيا الإسلاموعروبية من تقليديتها وعلى رأسها تكريس تهميشها بوصفهم أفارقة مستعربين إزاء العرب العاربة، وأول هذا التكريس الاستغراق في تكريس التقليدية القائمة على الأيديولوجيا الإسلاموعروبية التي تتدثر خارجياً بدثار العروبة والإسلام. لقد فعلت هذه الجاليات هذا باتحادييهم وحزب أمتهم وبعثييهم ومستقلينهم وشيوعيينهم وناصريينهم، أي بصرف النظر عن العباءات الفكرية الخارجية، أيميناً كانوا أم يساراً أم وسطاً. فهنا في الغربة لا تبقى غير المواقع الأيديولوجية الحقيقية. فلتنظروا في المصادر الأيديولوجية لفصل الجنوب قبل أن تنظروا في نظام الإنقاذ الذي قام بإنفاذه سياسياً وعملياً. واليوم بينما تحارب الدولة شعب دارفور وجبال النوبة وجنوب النيل الأزرق، ها هي نفس هذه المجتمعات المهاجرة تعتزل أبناء وبنات هذه الأقاليم، كما لو كانت تتساوق خطواتها مع ما يقوم به نظام الإنقاذ، كما لو كان هذا تمهيداً لفصل هذه الأقاليم بشنّ الحرب الاجتماعية والثقافية ضدها في الوقت التي تشنّ فيه دولة الإنقاذ الحرب العسكرية ضدها. فهل بعد هذا يمكن أن نسمي هذه المجتمعات المهاجرة بأنها معارضة لنظام الإنقاذ؟ إنهم جميعاً أكثر إنقاذيةً من التنظيم الذي دشّن نظام الإنقاذ، ذلك لأنهم طبقوا الإنقاذ في خاصة أنفسهم انصياعاً منهم لحقيقة انتمائهم الأيديولوجي الإسلاموعروبي وهم ليسوا في الغرب فقط، بل وهم يعيشون حالة الوهم التي جعلتهم يظنون أنهم إنما خرجوا من وطنهم رفضاً ومحاربةً لنظام الإنقاذ، فإذا بهم في خاتمة أمرهم يبيضون فلا يفرخون غير دواعش، أي نفس نسخة الإنقاذ لكن بصدق شدييييد. إذ ليس هناك اختلاف فقهي بين الإنقاذ وداعش إلا في كون الداعشيين أكثر صدقاً مع أنفسهم من أهيل الإنقاذ. ومع كل هذا تبقى كلمة لا خير فينا إن لم نقلها، ألا وهي أن المنابع الرئيسية لهذه الأيديولوجيا الإسلاموعروبية إنما تصدر من تلقاء الوطن. فهذه المجتمعات المهاجرة إنما حملت معها من داخل وطنها فيروس فصل أي إقليم يستعصي على عملية الأسلمة والاستعراب في صيغتها الأيديولوجية.

فلتبحثوا عن الله في نفوسكم قبل البحث عنه في المساجد..

بالعودة إلى شباب المهاجر في بحثهم الخائب عن الله، سنجد أنهم أول ما يبحثون عن الله يبحثون عنه في الجامع بدلاً من أن يبحثوا عنه في أنفسهم أولاً، فالله أقرب إليهم من حبل الوريد. هذا بجانب أن الله قلما يتواجد في المساجد هذه الأيام لغربة المساجد نفسها عن الله. فالمسجد بدون الله ليس سوى جدران. فماذا يجدون داخل هذه المساجد؟ إنهم يجدون الإرهابي، والإرهابي ليس انتحارياً بالمرة. إنه “نفساني” خبير بالنفوس الضائعة التي يتبدى ضياعُها أول ما يتبدى في نظراتها الحيرى التي تفتش عن الله كما لو كانت تفتش عن إبرة داخل كومة من القش، هذا بينما الله موجود في كلّ مكان وأول هذه الأماكن في داخل نفوسهم لو أنهم دخلوا إلى باحة الإيمان على أنه حالة من حالات البحث عن الكمال وليس مجرد قشة واهية يتعلق بها الغريق.

علينا أن نفرّق بين الإرهابي من جهة وبين الانتحاري من جهة وبين إمام الكراهية الذي يبث الكراهية ضد الغرب وطريقة حياة الغرب. أولا، كما قلنا، الإرهابي ليس انتحاريّاً، كما هو ليس نفسه إمام الكراهية. إمام الكراهية لا علاقة له ببث الكراهية لأنه لا يُنتجها، بل هو نفسُه ناتج لها. بمعنى آخر، عدم امتلاك المجتمعات الغربية لبرنامج ثقافي اجتماعي عبره يمكن تأسيس أرضية واقعية وقوية لتكامل المسلمين الوافدين الذين ينالون جنسية البلدان الغربية بما من شأنه ألاّ يجعلهم يغتربون عن ثقافاتهم ومعتقدهم بنفس الدرجة التي من شأنها أن يجعلهم قادرين على التعايش بطريقة بناءة في المجتمعات الغربية ــــ عدم امتلاك هذه المجتمعات الغربية لبرنامج تقبلي accommodation programme هو الذي يخلق الكراهية وسط المسلمين الذين يعيشون في هذه المجتمعات الغربية.

بالنسبة لأئمة المساجد في الغرب يبقى أمامهم الخيار: إما أن يقل عدد المصلّين خلفهم إذا ما التزموا الحياد إزاء هذه القضية، أو خيار امتلاء صفوف المصلين خلفهم إذا استجابوا لهذه الظاهرة العامرة بالكراهية ومن ثمّ شرعوا في تدبيج خطب الكراهية استجابةً لها ومن ثمّ حثّاً لها. وبالطبع، تعكس خطب الكراهية فقر الفكر والفقه السنّي بنفس الدرجة التي ظهرت بها جماعة داعش من حيث حوشيّتها ومفارقتها لروح العصر كما لو نزلوا علينا من السماء، بما يجعل المرء يصرغ متسائلاً (باقتباس كلمات الطيب صالح)، “من أين جاء هؤلاء”؟ ولنلاحظ كيف تتسق العبارة في كلا حالتي الإنقاذ في السودان وداعش حيثما وُجدوا. فالأهدى أن يظهر فقه سنى جديد من شأنه أن يجعل المنتمين إليه يتواءمون مع روح العصر وهو شيء وإن لاحت بوادره إلاّ أنّ شمسه لم تتنفّس بعد. ولنا في هذا رفد وإن يكن بمثابة جهد المقلّ إلاّ أنّه ما أتاحه لنا المولى من فهم وعمل.

الإرهابي المتخفي في المساجد

الإرهابي لا يُظهر نفسه إلا لضحاياه الذين يفترض فيهم أن يكونوا قد أصبحوا ذات نفسية انتحارية قبل وصولهم إلى الجامع بمثلما ينتهي إليه أمر الكثير من الأشخاص الذي يعجزون عن أن يتواءموا مع متطلبات الحياة، أكان هذا في المجتمعات الغربية (على كثرتهم) أو أي مجتمع آخر. يكمن دور الإرهابي في إعلاء sublimation الحالة النفسية الانتحارية لدى الشاب أو الشابة الذين يلجأون إلى المسجد بحثاً عن الله بطريقة مرَضَية تجعل من الله شيئاً أشبه بالشخص المتعيّن زماناً ومكاناً، وهذا بالضبط ما ينتظره الإرهابي، إذ إنه، بوصفه نفسانيّاً ضليعاً بنفوس ذوي النزعات الانتحارية، يعرف تماماً كيف يتقمص حالة الله المستأنس هذا، فيبدأ في نفخ هذه النفس المريضة إعلاءً لدوافعها الانتحارية بحيث يشفي غليلها أولاً في الانتقام، ذلك بإلحاق أكبر قدر من الأذى بالآخرين ــ أي آخرين إطلاقاً ثم بالآخرين تحديداً وفقما تُتيحه الظروف الراهنة من استقطابات. ثم ثانياً أن يكون في الانتحار ما يكفّر تأنيب الضمير بحكم أن هذا الانتحار فيه، أولاً، حياة أخرى أكثر استدامةً وأكثر ثواباً، ثانياً، لما في هذا الانتحار من مرضاةٍ لله (تُقرأ: للإرهابي المتوشّح بثوب الله المتسأنس).

من هو صانع الإرهاب الحقيقي؟

بخصوص الحكومات الغربية، فإنها أشدّ سوءاً من الإرهابي. فهي أولاً تعرف أنها هي المسئولة عن تحويل هؤلاء الشباب إلى انتحاريين، بمثلما تعلم أن الإرهابي شيء وإمام الكراهية شيء آخر وبمثلما تعلم أن الانتحاري شيء آخر. لكنها تتعمّد الجمع بينهم جميعاً بما يجعلها تعقّد الأمور بحيث لا تقع يدُها على الإرهابي المنزوي دائماً بينما تقع يدُها دائماً على إمام الكراهية بتحميله مسئولية خلق الكراهية بوصف هذه الكراهية هي المسئولة عن خلق الحالة الانتحارية. أي بعكس الأمور تماماً! لماذا؟ أولاً لأنها أقوى من جميع حالات الإرهاب التي يمكن أن تأتيها من قبل المجتمعات المسلمة. فقد جربت أوربا الإرهاب باسم الدين والهوس الديني. وفي هذا تقف حالة الهوس الديني الإسلامي كما لو كانت إحدى لعب الأطفال إذا ما قيست بما مرت به أوربا. فنفس أوربا التي أشاحت بوجهها اشمئزازاً من حرق الطيار الأردني كانت وإلى وقت قريب تستفرد بجائزة أكبر محارق حية لحرق المعارضين سياسياً ودينياً وعرقياً بينما الناس يتحلقون وهم يباركون هذه المحارق. ثم كانت آخر المخازي بمحارق النازية لليهود التي حصدت الملايين قبل ما يزيد عن نصف قرن من الزمان بعقد أو عقدين. فالأيديولوجيا المركزية الأوربية لا تعبأ لمصلحة مسلميها بأكثر مما تعبأ لتنميطهم جميعاً في قالب الإنسان صاحب العقيدة غير الحضارية التي لا تنتمي لهذا العصر. وهذا شيء له علاقة بعدائها للسامية التي سامت بحرّاها وبمحارقها يهود أوربا. ولنلاحظ أن المسلمين والعرب لا علاقة لهم بعداء السامية. لقد اضطهدت أوربا اليهود بأيديولوجيا عداء السامية إلى أن بلغت الغاية في هذا بحرقهم جماعياً خلال الحكم النازي في ألمانيا. وقد بلغ عداء السامية قمته في حرق اليهود عبر عدة مراحل بدأت بطردهم من دولة إلى أخرى في أوربا ثم بتحجيم إقامتهم في القيتوهات المعروفة إلى أن بلغت الغاية بأن عمدت أوربا إلى التخلص منهم نهائياً بحرقهم. في هذا جاءت النازية بوصفها (ربما في كل صورها) تعبيراً ختامياً للمركزية الأوربية بصورة عامة وتتويجاً لحملة عداء السامية تحديداً. ولكن اليهود صمدوا برغم كل هذا، فما كان من أوربا إلاّ أن أعادت تكتيكاتها دون أن تتخلى عن عدائها للسامية. وقد تمثّل كلّ هذا فيما أسميتُه “عداء السامية المحدثة” Neo-Anti Semitism، حيث تمّ إبدال العرب والمسلمين باليهود، بل أكثر من ذلك تمّ فيها استخدام قطاع كبير من اليهود كأدة لممارسة عادء السامية المحدثة، وليس ما يحدث بفلسطين سوى عداء السامية المحدثة يمارسه الآن من مورس عليهم عداء السامية القديمة. ولهذا نرى أغلب من ينضمّون إلى حركات الهوس الديني الإسلامي السنّي ممّن وُلد في الغرب أو عاش طفولته وكبر عن الطوق بوصفه ينتمي للدولة الغربية المعنيّة. وهذا ما تتحمّله الدول الغربية بنفس الدرجة التي يتحمل فيها المسلمون السنّة المسئولية كونهم تركوا دينهم نهباً لفقه قديم وبالي لا يصلح لهذا العصر في أغلب وجوهه.

هذا جانب من المشكلة ربما ليس كثير التعقيد. لكن الجانب الأكثر تعقيداً هو أن أي ظاهرة عندما تدوم ممارستها لفترة قد تحقق استقلاليتها. وهذا ما أخشى أن يكون عليه حال داعش. فقد تنامى الهوس الديني السنّي وبلغ درجة من التماسك ربما دفعته إلى أن يستقلّ عن عوامل وطرق تشكّله الأولى. فاليوم تبدو داعش كما لو كانت غير محتاجة لنفس آليّة إفراز الانتحاريّين التي شرحتُها أعلاه. فقد أصبح هناك جنس genre للشباب الذي يعيشون حالة الضياع هذي ويريدون أن يتمرّدوا على واقعهم بطريقة لا تغيره بل بطريقة من شأنها التنفيس عن كوامن الحقد والكراهية التي تُعتمل في دواخلهم. هذا دون أن ننفي استمراراية نفس العوامل أعلاه في إفراز المهووسين والانتحاريين. الآن فلتنظروا معي إلى أتون هذه المعركة التي دخلت فيها الجاليات السودانية التي هربت من جحيم الإنقاذ ليس لتقع في هذا الجحيم فحسب، بل لينتهي بها أمرُها وهي لا تنتمي لشيء في عمق فقهها الذي تدين به كما تدين لداعش.

هل داعش نبت شيطاني؟

كثيرون يقولون إنّ ما تقوم به داعش ممّا تشمئزّ منه النفوس وتأباه الفطرة، مثل جزّ الرؤوس، والتعذيب والحرق، ثم مفارقة الروح الحضارية بتدميرهم للمواقع الأثرية .. إلخ. لكن علينا أن نتذكر أن جزّ الرؤوس ظل يمارس في ظلّ الإسلام منذ عهد الرسول إلى يومنا هذا وليست السعودية ببعيدة. فقد قال الرسول لأهل مكة: “إنما جيئكم بالذبح”. ولنلاحظ أن كثيراً من المهاجرين السودانيين إلى أوروبا قد جاؤوا بدءاً من السعودية ليزعموا بأنهم إنما هربوا من قهر الإنقاذ واضطهادهم. فمن يأبى جزّ الرؤوس عليه أن يكون شجاعاً فيرفضه في صدوره التاريخي منذ عهد الرسول ثم يرفضه كحالة راهنة في السعودية. ثمّ هناك الحرق وقد حكم به أبو بكر وبعده علي بن أبي طالب إلى إعدام عبدالله بن المقفع حرقاً بالنار وبعد ذلك كثير من الأمثلة؛ فمن يرفضه في داعش عليه أن يرفضه في صدوره التاريخي عند خليفة رسوال الله أبي بكر الصديق ثم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ثمّ هناك التعذيب وجاء في الأثر أن النبي محمّد أمر الزبير بن العوّام بتعذيب كنانة بن الربيع، كبير يهود بني النّضير، حتى يعترف بمكان كنوزه، ثم قتله بعد ذلك. فمن يرفض التّعذيب الآن في سبيل الحصول على اعترافات، عليه أن يرفض هذا في تاريخيته عندما تمت بأمر النبي محمد، ذلك حتى لا تبقى سنّةً يتأسّاها الناس. وللعلم، كانت حادثة التعذيب المنسوبة للنبي محمد إحدى الحجج التي تحجج بها بعض زبانية التعذيب في بيوت الأشباح أوائل حكم الإنقاذ. ومن يرفض ويستنكر تدمير داعش وقبلها حركة طالبان للمواقع الأثرية عليه أن يرفض هذا في صدوره التاريخي عندما أمر عمر بن الخطاب بهدم إيوان كسرى فما انصرفوا عنه إلا لاستعصائه على الهدم بالأدوات اليدوية. فلو أنهم ملكوا الديناميت، لما بقي منه أثر. وكذا الحال بخصوص الأهرامات وأبي الهول ومجمل المواقع الأثرية التي وقع عليها المسلمون الأوائل عندما غزوا ما حولهم من بلدان شهد ماضيها وحاضرها آنئذٍ بحضارات راقية.

هربوا من الضباع ليقعوا في حضن التماسيح

إن قدوم السودانيين لدول الغرب الذي بدأ بحكم الإنقاذ قد جرى في ظل غيبوبة فكرية ماحقة من قبل هؤلاء المهاجرين الذي فروا كحُمرٍ مستنفرة لتقع في حضن الأسد (القسورة) بمجيئها للغرب. لقد هربوا من ضباع الديكتاتورية ليجدوا أنه قد انتهى بهم المقام في حضن التمساح! وكلنا يعلم أن هجرتها لدول الغرب التي كان المفترض فيها أن تكون خطوة في سبيل الدفع للتخلص من نظام الإنقاذ الإسلامي قد انطوت على تناقض خطير وماحق. فهي هجرة في غالبها الأعم إنما استثمرت مجيء حكم الإنقاذ كيما تنال رخصة الإقامة الدائمة بالغرب ولاحقاً نيل جنسية البلاد التي وفدوا إليها بالغرب. وهذا يكشف جانب من جوانب التناقض في بنية هذه الجاليات الهشة هشاشة الصفوة السودانية بإجمال. إن عدم قدرة هؤلاء في رسم نوع المستقبل الذي يريدونه ورضاءهم بأن يعيشوا في هامش المجتمعات الغربية من جانب وهامش المجتمعات العربية بالغرب من جهة أخرى يكشف عن عجزهم الماحق في أن يبنوا مستقبلاً يُعتدُّ به. وما هو المستقبل إن لم يكن يتمثّل فيما سينتهي إليه الجيل الثاني ــ أي نفس هذا الجيل الذي تتجه بوصلتُه الآن نحو معسكرات داعش. إنه مجتمع هش لا يملك من أمر نفسه رشدا؛ فهو مجتمع ليست لديه أندية رياضية أو اجتماعية أو سياسية؛ كما ليست له مكتبات تعرض فيها إنتاجه الفكري ليس لأنه ليس لديه إنتاج فكري (وهو فعلاً ليس له إنتاج فكري) بل لأنه مجتمع عاجز في الأساس عن الإتيان بخطوة كهذي. ثم هي مجتمع يتمتع بأنه دون باقي المجتمعات الأخرى (ربما على مستوى العالم) الذي يمتلك أطباق تفوق السبعين لأطعمة شعبية، هذا بينما لا يملك مطعماً واحداً حتى عندما تتواجد منه جالية ضخمة في عواصم بعينها … وإلخ هذه القصة التي تحكي عن خيبة السودانيين عندما عجزوا عن أن يستلهموا مكامن الحضارة الضاربة في القدم انكفاءً منهم على تقليديتهم العرجاء التي لا أصالة فيها، أكانوا بالداخل أم بالخارج. هذا هو السودان القديم بكل سوءاته وخيباته. واليوم نحن في المرحلة بين المرحلتين؛ فلا نحن قد بنينا سوداننا الجديد ولا نحن قد تخلصنا من سوداننا القديم. وفي هذا لدينا حديث بسطنا محاجّاته في بعض كتيبات اختططناها ولا نزال عليها عاكفين وعلى الله القصد. ولا أختم إلا بقولي: قلبي على وطني!

خاتمة: ما العمل؟

في رأيي لا بد من مواجهة شجاعة تعقبها عملية تصحيح للواقع أشبه ما تكون بالعملية الجراحية. ففي مقدور سودانيي المهاجر أن يجردوا الواقع بالنظر إلى اللوحة الوطنية من على البعد، بدلاً من أن ينظروا إليها من داخلها. عليهم أن يدركوا هاشميتهم المزدوجة والمتعددة، فيعلموا على تحقيق استقلاليتهم فلا يعيشون في هامش الجاليات العربية بالغرب ثم لا يعيشون في هامش المجتمعات الغربية نفسها. وفي الظّنِّ أن المدخل  لتحقيق هذا يكون في اكتشاف ذواتنا بوصفنا أفارقة سود ينتمون إلى بلد ظل اسمه يتعلق بسواد اللون منذ فجر التاريخ وإلى اليوم. علينا أن نعي بذواتنا لا بوصفنا عرباً بل بوصفنا أفارقة سوداً في نفس الوقت الذي نحن فيه عربفونيون Arabophone، أي ناطقون بالعربية. ففي أفريقيا لدينا شعوب سوداء بأكملها لم تفقد هويتها الأفريقية بالرغم من أن ثلث أفريقيا فرانكوفونيون Francophone والثلث الآخر آنقلوفونيون Anglophone. بالطبع تعود جرثومة أزمة الهوية هذي إلى داخل السودان بأكثر مما هي في خارجه. لكن الثمن الذي يدفعه المهاجرون أكبر ومباشر من قبيل ما رأينا. بعد هذا يمكنهم أن يتصالحوا مع حقيقة أنهم لن يعودوا إلى السودان للاستقرار به أبداً، ولو توالت زياراتهم له. من شأن هذا أن يجعلهم يفكرون في تحديد موقعهم في مواطنهم الجديدة بمثل ما فعلت جدّة الرئيس باراك أوباما عندما هيئته وجعلته مستعداً لمواجهة التحيزات للمركزية البيضاء White Supremacy ضد الأفارقة. لقد فعلت ذلك ومنصب رئيس الولايات المتحدة نصب عينيها حتى يكون جفيدُها أول رئيس أسود على أكبر دولة في العالم. من المؤكد أن طريقاً ناهجاً كهذا سوف يقودهم لتكون لهم أنديتهم ومحالهم التجارية، بل شوارع بأكملها يجدون فيها أنفسهم بمعزل عن العرب العاربة والبيض. هذا دون أن يعني قولُنا هذا صرم العلائق وقطعها بينهم وبين العرب أو البيض أو باقي شعوب المعمورة. ما نعنيه أن يأتي تفاعلهم مع هذه الشعوب من منطلق التكامل وليس الاستيعاب أو الاستتباع.

كما لا يمكنهم أن ينجحوا في كل هذا إذا لم يراجعوا فقههم الديني كيما يتخلصوا من ربقة الفقه السني الذي أُثر عن ابن تيمية ومحمد عبد الوهاب. وفي الإسلام الشعبي الذي دشنه الصوفية مندوحة، دون أن يعني قولنا هذا اصطفافهم خلف شيوخ الصوفية الذين قد يستغلون هذا في سبيل أمور دنيوية بحتة عبرها يحوذون على المال والسلطة الدنيوية، مستغلين موالاة الناس العمياء لهم. ولا يعني قولنا هذا بأي حال من الأحوال إصدار شهادة براءة للمذهب الشيعي أو الصوفي مقابل المذهب السني. ففي رأينا لم تعد هذه المذاهب مؤهلة كفايةً لهداية المسلمين في عصر العولمة وما بعد الحداثة. إن المسلمين اليوم في أشد الحاجة لمراجعة دينهم حتى يخلصوا من كل ذلك بفقه يسمح لهم بأن يعيشوا في انسجام مع مرحلة ما بعد الحداثة، ذلك كيما يقوموا بلعب دورهم التاريخي في صنع الحضارة كما كانوا صانعيها من قبل.

*لاهاي ـــ هولندا/ 13 أبريل 

الدعوة التي تقدم بها الاستاذ ادم سوني في مقال له بحق الطلاب بعنوان الطلاب و السياسة غريبة و هو فيها يدعو الي تجميد الطلاب سياسيا و نزع حقهم في التعبير و المشاركة في المجتمع الا بعد التخرج و هي منافية للطبيعة البشرية و التاريخ السياسي في السودان و العالم
حركة الطلاب تنطلق من المؤسسات التعليمية و هي الخلية الاساسية لحركة التنوير و العلم و البحث و الانطلاق في تكوين و تبلور  الشخصية و الطلاب و كالعادة يعبرون عن انفسهم سلميا و هو حق يجب ان يكون مكفول و ليس خطاهم ان يقتلوا و يستشهدوا فداء للوطن لكنها جريمة الانظمة السياسيية الخائفة و البشعه كنظام التطهير العرقي و الابادة الجماعية في السودان الذي لم يستثني احدا من الموت في دارفور و جبال النوبة و النيل الازرق و الشرق و اقصي الشمال و عمل المجازر في كل السودان طال حتي الرضع و الامهات و الاطفال و كبار السن
ما يحدث في السودان استثناء و معادي للانسانية و لا يصلح للتنظير حوله و اعتباره كاساس لا للطلاب و لا لغيرهم
ما يجب ان يثار حقيقة هو ازالة هذا النظام القاتل و ليس الدعوة الي السكوت
الطلاب الذين تتحدث عنهم ليس فراغا بل هم ابناء الاسر السودانية و عندما نتحدث عن الاسرة لا يمكننا الفصل القسري بين الفرد و الاسرة و المجتمع و الاسرة في نظام جائر  يسعي كل افرادها لتحقيق العدالة الاجتماعية و الكرامة الانسانية و الحريات العامة و الشخصية و تحقيق الرفاه الاجتماعي هذا فعل طبيعي لتحقيق الذات و ليس عمل ترفي علي سبيل النزهه
هل تتحقق هذه المقولة ؟؟
((من الأفضل للشعب السودانى أن يمر بتجربة حكم جماعة الهوس الدينى .. وسوف تكون تجربة مفيدة للغاية – إذ إنها بلا شك سوف تكشف مدى زيف شعارات هذه الجماعة ..وسوف تسيطر هذه الجماعة على السودان سياسيا واقتصاديا حتى لو بالوسائل العسكرية – وسوف تذيق الشعب الأمرين . وسوف يدخلون البلاد فى فتنة تحيل نهارها إلي ليل – وسوف تنتهى بهم فيما بينهم – وسوف يقتلعون من ارض السودان إقتلاعاً …)))

الاستاذ : محمود محمد طه 1977م
الرئيسيةالنسخة الكاملة للصحيفة المنتديات الأربعاء 4 مايو 2016

في توسيع مفهوم الخيانة: تجنيد الطلاب
في توسيع مفهوم الخيانة: تجنيد الطلاب

04-27-2016 04:53 AM | تعليقات : 21 | زيارات : 14553 |
د. صديق امبده

تتعدد انواع الخيانة والمعني واحد ، وهو “عدم الوفاء بالعهود” او عدم الوفاء بتأدية الامانة التي حملها الشخص . خيانة الزوجين لبعضهما البعض عدم وفاء بالعهد ، وعدم توصيل امانة مالية للجهة المرسلة اليها كذلك. كما أن عدم اداء الواجب بالصورة المتفق عليها بين المسئول والدولة هو ايضا عدم أوخيانة امانة ، وتدخل في ذلك المحسوبية (علي المستوي الشخصي) في تفضيل شخص او اشخاص علي آخرين في تولي الوظائف العامة بسبب القربي او الحزب أو الدناءة (مثلما تتعرض له الفتيات اللاتي تجبرهن الظروف). كل ذلك عدم امانة حتي قبل ان يتحول ذلك الي سلوك أو سياسة عليا فيما اصطلح علي تسميته بالتمكين. الفرنجة يطلقون علي مثل هذا النمط من السلوك خيانة ثقة (Betrayal of trust) .

استرعي انتباهي منذ مدة في حوارات الصحف مع وزراء الانقاذ ، حكاويهم عن كيفية انضمامهم الي الحركة الاسلامية أو “الاخوان المسلمين” كما كان الاسم السائد حينها. وفي كل تلك الحوارات –الا فيما ندر- يذكر المتحدث “او يبوح” بان الذي جنده للتنظيم هو استاذ فلان في المرحلة المتوسطة أو الثانوية (المدرسة المتوسطة -كما في العهدالمايوي- او المدرسة الوسطي ،كما كانت قبل مايو، هي فصول خامسة الي ثامنة من مرحلة الاساس الحالية). والمراحل المذكورة هي التي تتشكل فيها شخصية الطفل إذ تشمل أهم سنوات العمر11-14 و 15-18 وهي سنوات التكوين. وقد كان المعروف لدي الكافة أن التنظيمات العقائدية (الشيوعيين والاخوان اساسا) تقوم بتجنيد طلاب المدارس بواسطة منسوبيها من المعلمين ، وهو –للغرابة- شئ لم يجد الاستنكار من المجتمع ، أو صفوته من المتعلمين ، بحكم أن ذلك ليس من حق المعلمين او من صميم واجباتهم ،وفيه تعدي واضح علي حقوق الاطفال واسرهم الذين تقع عليهم مسئولية تربيتهم العقائدية. وبالمثل لم ينتبه الي ذلك ايضا الجزء الاكبر من المجتمع (بما في ذلك البيوتات الدينية الكبيرة مثل الانصار والختمية وبقية الطرق الصوفية)، وهو الخاسر الاكبر من ذلك التجريف.

إن الشيوعية في السودان قد أفل نجمها منذ زمن وبدأ انحسارمدها، واليسار عموما، منذ انقلاب هاشم العطا في 1971وضرب الحزب الشيوعي الذي كتب عنه الصحفي اللبناني فؤاد مطر كتابه “الحزب الشيوعي: نحروه ام انتحر” ، وانتهاء بسقوط حائط برلين 1990 علي المستوي العالمي. ولذلك سيكون تركيزي علي تنظيم الاخوان المسلمين “بمسمياته المختلفة” لتناميه المنتظم ونجاحه في بناء قاعدة أساسها الكوادر المتعلمة التي استثمر فيها جهده وماله بدءا بعمل منتسبه من المعلمين في تجنيد الطلاب.
من المسموع ،أو المتداول ،أن تنظيم الاخوان المسلمين ،ومن اجل بناء قاعدته الحزبية، كان يشجع منسوبيه علي الذهاب كمعلمين ،خاصة للاماكن النائية ،ويتم تكليفهم بمهام تجنيد الطلاب، مع وعود بالانتداب للعمل في دول الخليج (قبل غيرهم) ،خاصة بعدما تبوأ عدد كبير من اعضاء التنظيم مناصب قيادية في وزارة التربية والتعليم ، أو عن طريق القنوات الحزبية الاخري. ووفقا لافادات موثوق بها فقد تم ،علي سبيل المثال ،تسهيل انتداب المعلمين المنظَّمين لليمن، بسبب انتماء مديري المعاهد والمراكز التعليمية في اليمن للحركة الاسلامية ،إذ كانوا يطلبون ممن يثقون فيهم ترشيح اشخاص لهم فيستجيب التنظيم بترشيح منسوبيه لتلك الوظائف، وكذا الحال بالنسبة للسعودية إذ كان المندوبين من السعودية ،لاغراض الاختيارواجراء المعاينات للمعلمين ، يكون أغلبهم من الاسلاميين فيطلبون هم ويقوم التنظيم بالترشيح ،وهوما ساعد علي بناء التنظيم وتعظيم موارده المالية. هذا غيرتسهيل العمل في المنظمات الاسلامية الوليدة الذي كانت حكرا عليهم ومؤخرا الشركات والمصارف والمؤسسات الاسلامية.

تتم عملية التجنيد في الغالب بواسطة المعلمين ،بداية بدعوة التلاميذ لأداء الصلاة بصورة إجبارية، باعتبارهم آباء لهؤلاء التلاميذ ومن حقهم تقويم سلوكهم الديني، وعن طريق الاشراف علي الجمعيات المدرسية والداخليات والمسجد، ثم تبدأ الدروس الدينية اليومية بتركيز علي أفكار الامام حسن البنا ووصاياه وكتبه التربوية مثل كتاب “طريق الجنة” كما ذكر مؤخرا الشيخ حسن ابو سبيب في حوار له مع جريدة “الصيحة” السودانية (أعيد نشره في صحيفة الراكوبة الالكترونية بتاريخ 16 سبتمبر 2015) وفيه يقول “وفي السنة الرابعة بالمعهد العلمي سنة 1949 تم تجنيدنا بواسطة الشيخ صادق عبد الله عبد الماجد في منزلهم بحي الدومة بأم درمان، …..وتم تجنيدي مع محمد الزمزمي وحامد عمر الإمام ،وكان شيخ صادق يتبع معنا أسلوب حسن البنا الذي يعتمد على الرسائل القصيرة والمبسطة (رسالة النور والشباب) ويقدم لنا محاضرات عن سيد قطب وعبد القادر عودة ” .و يقول الاسلامي عمار محمد ادم في مقال له في صحيفة التياربعنوان “الوطنية ليست جزءا من فكر الاسلاميين اوثقافتهم” ، “يتخيرون فى التجنيد المتفوقين اكاديميا او الملتزمين سلوكيا من الاشخاص المهذبين مثل اولئك الذين يمنحون جائزة الطالب المثالى ويتجنبون (الشفوت والتفاتيح)”. كما كانوا يستهدفون أيضا ابناء الاسر الكبيرة أبناء الزعماء .

وبالعمل الدءوب في هذا المجال (التجنيد) –باستغلال عامل الدين- علي مدي سنوات طويلة تمكن التنظيم من بناء قاعدة طلابية كبيرة مكنته من ان يكون القوة الضاربة وسط الطلاب وتمكن من كسب حتي اتحادات الطلاب السودانيين في دول مثل مصروبعض دول المعسكر الشرقي (الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية الاخري-كما كانت تسمي)، لكن تلك قصة أخري. القصة الاساسية هنا هي مشروعية دخول تنظيم عقائدي للتجنيد من باب الاطفال وسرقتهم/ضمهم الي مشروعه في ذلك العمر الغض ودون علم اولياء امورهم.

إن الاسرتقوم بارسال ابنائها وبناتها للمدرسة ليتلقوا العلم ومبادئ السلوك القويم وليتشربوا قيم مجتمعهم وموروثاتهم الثقافية والتاريخية التي صهرتهم وساهمت في تفردهم فاصبحوا سودانيين مثلا اوتنزانيين او فرنسيين أو غيرذلك، ولا ترسلهم لمدارس كادر لتتم ادلجتهم وصبهم في قالب ديني او سياسي معين قد لايتفق ورغبة اسرهم. كذلك فإن للطفل حقوق طورتها ووافقت عليها كل الدول ،تحت مظلة الامم المتحدة ،وهي حقوق لايجوز المساس بها ،حفاظا علي مصلحة الطفل.
و تأكيدا لعدم التعدي علي حقوق الطفل فقد نصت المادة 14 من “اتفاقية حقوق الطفل” المجازة بواسطة الجمعية العامة للامم المتحدة في العام 1989 علي الاتي: “1. تحترم الدول الاطراف حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين; 2. تحترم الدول الاطراف حقوق وواجبات الوالدين في توجيه الطفل في ممارسة حقه بطريقة تنسجم مع قدرات الطفل المتطورة” . كما نصت المادة 29 من نفس الاتفاقية والخاصة بحقوق الطفل في التعليم علي الاتي” توافق الدول الأطراف على أن يكون تعليم الطفل موجها نحو:(أ) تنمية شخصية الطفل ومواهبه وقدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها، (ب) تنمية احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والمبادئ المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة، (ج) تنمية احترام ذوى الطفل وهويته الثقافية ولغته وقيمه الخاصة، والقيم الوطنية للبلد الذي يعيش فيه الطفل والبلد الذي نشأ فيه في الأصل والحضارات المختلفة عن حضارته”. وتنص المادة 7 فى “إعلان حقوق الطفل” الذي اعتمدته الجمعية العامة في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1959 والمعترف به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ما يلي: “المصلحة العليا للطفل هي التي تشكل المبدأ الاساسي الموجه لتعليم الطفل وتربيته ، وتلك المسئولية تقع في المقام الاول علي والديه”.

وعليه فإنه ووفقا لمواثيق الامم المتحدة المذكورة اعلاه فإن لا يجوز للمعلم أو الدولة فرض رؤية مختَلَف حولها (حزبية) علي الطفل بغير علم او إذن والديه. وبينما يؤكد “إعلان حقوق الطفل” علي أن مسئولية التربية هي في المقام الاول للوالدين – كما هومعلوم بالضرورة- توجب “اتفاقية حقوق الطفل” علي الدول الموقعة عليها مراعاة حقوقه والتي تشمل تنمية شخصيته واحترام حقوق والديه في توجيهه و تنشئته. وربما لم يخطر علي بال كتاب مسودة تلك الاتفاقية ، أنه يمكن للافراد المؤتمنين علي الاطفال أن يحنثو بعهدهم ، وان يستغل بعضهم (مدعوما بحزبه) وجوده كمربي ليقوم “بتجنيد” الاطفال لآرائه هو والتي قد لا تتفق وآراء ذويهم. ولو خطر ببالهم ذلك لنصُّوا علي تجريمه. وقد نبَّه الي هذا ايضا كلا من الدكتور النورحمد والاستاذ خلف الله عبود في كتابهما(حكومة الانقاذ وادلجة التعليم 2012 :23) بقولهما ” إن الدولة لايحق لها أن تتغول او تصادر حقوق الاسر في تربية و تشكيل عقيدة ابنائها لان المسلمين انفسهم لايتبعون مذهبا واحدا ، كما أن المفاهيم الدينية تتعارض تماما بين طالب ينتمي الي اسرة صوفية مثلا وطالب ينتمي الي اسرة وهابية ،….هذا غير ان الاسرة شرعا ودينا واخلاقا وعرفا وقانونا هي ولية امر ابنائها”. والنتيجة الطبيعية لمثل هذا التدخل في صياغة عقل الطفل في هذا العمر هي تشويش علي الطفل وزعزعة عقيدته ووضعه بين شد وجذب و شكوك في عقائد اسرته وممارستاها الدينية مما قد يفقده احترام والديه ويغير في نظرته اليهما. فكيف يوفق بين هذا وقوله تعالي” وقضي ربك الا تعبدوا الا إياه وبالوالدين احسانا ، فإما يبلغن عندك الكبر احدهما او كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما . واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغير”(الاسراء 23-24).

بناء علي ماسبق ، خاصة من أن المسلمين انفسهم لايتبعون مذهبا واحدا ، فما هي سمات هذا التنظيم (الحركة الاسلامية/الاخوان المسلمين سابقا)؟ وهل يتوافق مع القناعات الدينية لأسر هؤلاء الاطفال؟ تشير الادلة المتوفرة الي أن تنظيم “الاخوان المسلمين” لا يولي فكرة الوطن كبير اعتبار. ففي حوار مع القيادي الاسلامي مبارك الكودة- (التيار 9/8/2015) يقول “لقد ربتنا الحركة الاسلامية واخضعتنا لدراسات كثيفة لم يكن للوطن نصيب منها، فالاخ المسلم يرتبط باخيه المسلم في أي بقعة من الارض- ربما يكون اكثر من اخيه غير المسلم في الوطن”. ويؤكد علي ذلك اسلامي أخر هو الاستاذ عمار محمد ادم في مقاله سالف الذكر، يقول “كل الاناشيد كل الكتب كل المحاضرات تتحدث عن المسلمين فى العالم ، سيد قطب يقول عقيدة المسلم جنسيته، وكذا في كتابات ابو الاعلى المودودى او ابو الحسن الندوى …لاقيمة للرموز الوطنية فى فكرهم (الاسلاميين) اوحتى للتاكا او الاماتونج اوجبل مرة او المهدية اوسنار “. و يؤكد ذلك ايضا ما جاء علي لسان مرشد الاخوان في مصر محمد مهدي عاكف الذي نقل عنه أنه قال “طُز في مصر” في حوار له مع احدي الصحف المصرية في حوالي عام 2009. ورغم أننا كسودانيين لا نستنكر–للاسف- قول “يلعن ابو دي بلد” أو ” ابو السودان” ، لكن و حسب ما اعلم لا يمكن أن تسمع مصريا يسب مصر، فما بالك برئيس حزب مصري يفعل ذلك،. وقد ذهل المصريون من ذلك الاستخفاف بمصر ، إذ كيف يمكن أن تكون مصرلا اسبقية لها في اجندة الاخوان بتلك الدرجة.

تشمل حقوق الطفل كما رأينان في المواد اعلاه ، بالاضافة الي احترام اسرته ، تنمية القيم الوطنية لبلده والبلد الذي يعيش فيه إذا اختلف عن وطنه الام. فكيف إذا تم تجنيده لتنظيم يقوم باقناعة بافكارتختلف مع قناعات والديه وهو ما يشكِّل بذرة خلاف مع اقرب الاقربين كما اشرنا اليه اعلاه. تنظيم لا يزرع فيه حب الوطن وهو اوجب واول اهداف التربية الوطنية ناهيك عن نص المادة 29 من حقوق الطفل . تنظيم يستبدل فكرة الوطن – السودان- بحدوده المعروفة ، بأولوية الانتماء الي “الامة الاسلامية” وهو مفهوم اشكالي علي اقل تقدير، لانه بالاضافة الي تشويشه علي الطفل ، ينطوي علي عدم احترام للحدود الدولية المعترف بها ،وهو عين ما يدعواليه تنظيم داعش حاليا، مما يجعل التلميذ الذي يتشبع بمثل هذا المفهوم قابلا للتجنيد لتنظيمات مثل داعش والتنظيمات الاصولية الاخري.

هناك سمة اخري خلافية ايضا. يشير الاستاذ بابكر فيصل بابكر (المختص في شئون الاسلاميين) في مقاله “مُراجعات الكودة : وهو المطلوب” (صحيفة السوداني وسودانايل الالكترونية) بتاريخ 21 أبريل 2016 الي اثنتين من اهم سمات فكر الاخوان وهما نهج الاقصاء واستخدام العنف . وهما ينبعان مباشرة من خاصية عدم احتمال الرأي الاخرفي فكر الاخوان ، لأن الاخير يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة.وكدليل علي استنتاجه ذاك يورد ما جاء في إفتتاحية العدد الأول من مجلة “النذير” لسان حال جماعة الأخوان المسلمين في مصر بقلم والد الإمام المؤسس “حسن البنا” . تقول الافتتاحية ” فإذا الأمة أبت فأوثقوا يديها بالقيود وأثقلوا ظهرها بالحديد ، وجرِّعوها الدواء بالقوة ، وإن وجدتم في جسمها عضواً خبيثاً فاقطعوهُ ، أو سرطاناً خطيراً فأزيلوهُ . فكثيرٌ من أبناء هذا الشعب في آذانهم وقرٌ ، وفي عيونهم عمىً). أي أن المجلة الرسمية للتنظيم، وفي أول عدد لها تدعو أعضاء الجماعة (التنظيم) لإستخدام القوة في فرض رسالتهم ،إذا إمتنع الناس عن التجاوب معهم، بما في ذلك القطع والبتر. ولعل في سلوك منسوبي الاتجاه الاسلامي منذ هجومهم علي المسرح في رقصة العجكو في 1968 في جامعة الخرطوم الي السنوات الاخيرة واستخدامهم للعنف في حسم الصراعات السياسية في الجامعات الدليل الكافي علي أن تلك السمة هي من المبادئ الاساسية للتنظيم.

أما عن الاعتقاد بامتلاك الحقيقة ،المطلقة فإن فكرة التمكين التي سادت منذ استيلاء الجبهة الاسلامية علي الحكم هي المثال الحي للاعتقاد الراسخ بأن اعضاء التنظيم هم (الوحيدون) علي صحيح الدين ،وأنهم يقفون علي منصة اخلاقية اعلي من غيرهم ،وبالتالي فتمكينهم هو تمكين للدين. يقول عمارمحمد ادم في مقاله سالف الذكر”|إن سيكلوجية الاخ المسلم ليس فيها الاحساس بالاخرين اصلا الا ان يكونوا منهم ، ولا احد منهم مطلقا يفكر فى الناس ، وليست لديهم رؤية فكرية تجاه ذلك ،فهم منغمسون فى ذواتهم ومنشغلون بمجتمعاتهم المغلقة ويجدون مبررا لذلك لان تمكين الدين (المتمثل فيهم) هو الاصل “.

ويؤكد الاستاذ بابكر فيصل في مقاله المذكور اعلاه “أن أعضاء الجماعة (كما يرون انفسهم) ليسوا مسلمين عاديين” بل هم طليعة من “الرساليين” الذين امتلكوا “الحقيقة المطلقة” ويعملون على فرضها على “المجتمع الجاهلي”. وكترجمة عملية لذلك الاعتقاد فعندما استولي الاخوان/الحركة الاسلامية علي الدولة جعلوا منها ملكا خاصا للحزب وجعلوا من اول اهدافهم إعادة صياغة انسانها وصبه في قالب الحزب بادلجة التعليم ،وتنظيف الخدمة المدنية ومؤسسات الدولة الاخري من كل من لا ينتسب للتنظيم، واستعمال يد الدولة الباطشة لاحلال شرائح تجارية حزبية جديدة محل الرأسمالية التقليدية القديمة، ثم أحتكار الاعلام وتوظيفه لتغبيش الوعي بطمس الحقائق وتلوينها بالوان الكذب الزاهية وفق ما يري التنظيم ،لأن كل ذلك يدخل في باب”هي لله”. تطورذلك عمليا فيما بعد الي استرخاص منح الجنسية السودانية والجواز السوداني لعدد من أعضاء الجماعات الاسلامية المعارضة في بلدانها دون اي معيار سوي معيار الانتماء الي الحركة الاسلامية مما عزز من حجج وضع السودان كدولة راعية للارهاب ،وجعل من الجواز السوداني مشكلة في السفرلأن حامله مشتبه فيه (كإرهابي محتمل) حتي لو كان طفلا ،كما تسبب في فقدان كثير من فرص العمل للسودانيين لصعوبة حصولهم علي التأشيرة لأي بلد لأن ذلك يعني تعطيل للعمل.

إن إهتمام الحركة الاسلايمة (بتنظيماتها ومسمياتها المختلفة) بالنظام التعليمي والسيطرة عليه ،والاهتمام بالنشء عموما (أنظر نظام فرق الجوالة الذي ابتدعه الامام حسن البنا وتطورالي مليشيات وتدريبات عسكرية حتي حادث الجيب في المقطم في نهاية الاربعينات) هو اهتمام استراتيجي طبًّقته الحركة في كل الدول التي استهدفت وجودا فاعلا فيها، لأن التعليم ،كما هو معلوم، اهم اضلاع السيطرة الثلاث علي المجتمع والسياسة، (التعليم والاعلام والمال) . ويؤكد ذلك ما جاء في مقال لزين العابدين صالح عبد القادرفي صحيفة الجريدة بتاريخ 30/3/2016 يستعرض فيه كتاب “اختراق التعليم مدخل الاخوان المسلمين للسيطرة علي الخليج” لمؤلفه خالد العبيد المقيم في استراليا بقوله “… الاخوان المسلمون يستهدفون وزارتي التربية والتعليم والاعلام في كل دولة يتواجدون فيها للسيطرة علي عقول الامة وخداع الشباب الصغير عن طريق المشاعر الدينية الفياضة والشعارات البراقة…..” . كما يشير الي أن الكتاب قد ذكر بأن الاخوان استطاعوا تركيز تواجدهم في المؤسسات التعليمية والمصرفية في الخليج.

نعود الي الموضوع. إن تجنيد الاطفال في هذه السن المبكرة وصياغة عقولهم ،لا يعدو كونه سرقة هؤلاء الاطفال من اسرهم أو سطو علي عقولهم الغضة وتعدي علي حقوقهم مما جميعه. بدأ ذلك بالمعلمين ثم عندما استلم التنظيم الدولة تحول الي تجنيد مؤسسي باليد الثقيلة للسلطة بتغيير المناهج وكل ما يبتع ذلك. وحيث أنه لا يمكن للحكومة السيطرة علي كل شيئ ،وكنتيجة طبيعية لما زُرع منذ سنين ف”الكلام دخل الحوش” أكثرعندما تطور التجنيد من معلمي الاخوان الي المعلمين الدواعش بمفاهيمهم الدخيلة علي اسلام الشعب السوداني الذي دخله الاسلام بواسطة التجاروالقوافل والفقرا “ج فقير”، دخله كالهواء العليل وكالماء ينسرب من نبع في هدوء ليروي ظمأ الروح. دخله بالقدوة الحسنة ولم يدخله بحد السيف، اسلام متسامح ،هذب السلوك وشذب العادات في وطنه الجديد بما يتواءم ومقاصده المغروسة في مكارم الاخلاق والمعاملة الحسنة. اسلام الاباء والجدود اسلام حسن حتي يمكن للقائل أن يقول “جئني بمثلهم” . أنظر الي فهم السيد عبدالرحمن المهدي للاسلام في شعار حزب الامة في الاربعينات “الدين لله والوطن للجميع”.

ينخدع الاباء والامهات بسلوك ابنائهم التلاميذ الديني (المظهري) القويم معتقدين بانهم فقط متدينين. وحين يبدأ هؤلاء في إغلاق التلفزيون وفرض وجهة نظرهم الجديدة علي اخواتهم في المنزل وتكشيرة الوجه حتي تجاه سلوك الاب أولبس الام تفيق الاسرة الي حقيقة انهم في ضفة اخري و أن الاوان قد فات علي النقاش.
السؤال الذي لم يتم طرحه وبالتالي لم يجد حظه من الاجابة هو هل استغلال المعلمين للطلاب في ذلك العمر الغض و تجنيدهم أوتلقينهم أراء دينية أو سياسية بعينها يمكن اعتباره نوعا من خيانة الامانة أوالعهد؟
لتكون في الحالة الذهنية الملائمة للإجابة علي هذا السؤال تخيل نفسك أم لأحد هؤلاء الشباب الذين يختفون فجأة. ضع نفسك في مكان ماجدة أو نفيسة أو نور. يخدعك إبنك بالقول بأنه ذاهب إلي صديق وأنه ربما يتأخر ،ثم لا يأتي في وقته المتوقع ولا بعده حتي تأتيك رسالة بأنه في سوريا أو ليبيا أوغيرها.تعيش الساعات والايام والشهور لا تنام ،محروق/محروقة الحشا والفؤاد، ولا تدري أحيٌ هو أم ميت. ويبقي سؤالك من هو الذي استدرجه وجنَّده وزيَّن له هذا ؟ وهل ذهب هو ايضا أم بقي مع اطفالة وارسل ابنك ليموت ؟(أنظر كتاب عبدلله الازرق عن داعش).

كل ما سبق يثير أسئلة اساسية أُخري حول سياسات التعليم. هل هي مسئولية دولة الحزب الواحد أم مسئولية المجمتع العريض ، وليس الحزب سوي واحد من مكوناته؟ هل يصح للحزب ، سواء استولي علي السلطة بالقوة الجبرية أو باغلبية مطلقة في انتخابات حرة ونزيهة، أن يقوم بأدلجة التعليم وفق رؤاه الحزبية ، وتجييره لمصلحته أم أن هناك اصحاب مصلحة أخرون يهمهم أمر التعليم ولهم حق اصيل في المشاركة في وضع سياساته والسلَّم التعليمي المصاحب لها؟ لقد آن الاوان لإعادة حكومة الإنقاذ النظرفي وضع السياسات التعليمية بمشاركة اكبر عدد من المختصين وممثلي المجتمع المدني لتكون سياسات قومية بحق ولكل السودانيين. في رأي كان تغليب المصالح الشخصية والحزبية الضيِّقة علي المصلحة الوطنية علي طول الزمن هو الديدن وهو ما أوردنا موارد الهلاك هذه وما نحن فيه ، وها نحن نجني ما صنعه قادتنا –الذين لم نشارك في إختيار أغلبهم- في هوسهم بتحقيق تلك المصالح الصغيرة، ضعُف الطالب والمطلوب.
صديق امبده
26 ابريل 2016
sumbadda@gmail.com

التعليقات
#1451981 [الحق أبلج]
1.00/5 (1 صوت)

04-28-2016 10:01 AM
كل ما قلته عن سوء الاخوان واساليب التجنيد الملتويه التى يستدرجون بها التلاميذ والطلاب الى تنظيمهم المنحل .
لكننى اسألك يا دكتور ام بده ، اليست المحصله النهائيه لكل ما قام به الكيزان طوال الخمسين عاما هى هذا الفشل الذريع والمخجل . اليست هى كل هذا الكم من الفساد والتخبط باسم الدين ومحاولة تسويق سلعه غير مرغوبه ؟
اليست هى هذا التفريط فى الارض والعرض بحيث اصبحنا مضحكة العالم ومثار احتقاره ؟
اليست محصلتهم هى هذا العور الصارخ والفشل فى تقديم اى شئ للشعب الذى سلطهم الله عليه ليجردهم امام العالم حتى من ورقة التوت التى تسترهم ؟
نعم هى كل ذلك الانهزام واكثر فان الباطل سيظل باطلا ولن يتحول الى حق مهما كان سعيه .

الرد على [الحق أبلج]

#1451808 [كعكول في مرق عنقريب]
1.00/5 (1 صوت)

04-28-2016 03:55 AM
صدقت ياأخي ولكن إحالة القارئ إلى المرجع:(أنظر نظام فرق الجوالة الذي ابتدعه الامام حسن البنا وتطورالي مليشيات وتدريبات عسكرية حتي حادث الجيب في المقطم في نهاية الاربعينات) …. لن يتم على الوجه الأكمل إلا إذا ذكَّرت القارئ بأن تاريخ إنشاء هذا التنظيم الذي تطور موازياً مع سقوط الخلافة في تركيا مع صعود الفاشية والنازية في أوروبا. وسر عداوة البرطانيين للأخوان المسلمين في مصر لم يكن الإسلام أو الأزهر أو قضية الفلسطينيين أو حماية المقدسات حول المسجد الأقصى كما يزعمون الآن ولكن لأن البريطانيين الذين كانوا حينها يسيطرون على أجهزة الأمن المصرية لديهم من الوثائق مايربط حسن البنا ومن حوله وجذور حركته وجناحها العسكري بالقوات البريطانية في معسكرات تهم كممونين وممولين. وقد سلم البريطانيون فعلاًالكثير من هذه الوثائق لعبد الناصر في بداية ثورة يوليو ثم توقفوا بعد حين. ولذلك فقد كانوا يكرهون الرجل وقد حاولوا اغتياله عدة مرات.

تنظيم الإخوان المسلمين تنظيم نازي فاشستي شكلاً وموضوعاً ولا علاقة له بالإسلام في تكوين خلاياه العسكرية أو شبه العسكرية واستورد للشرق الأوسط منذ ما يقرب من ال 90 عاماً وبتشجيع بريطانيا التي كانت تعاني هي داخلها من وجود المنظمات الفاشية والنازية ولكنها ظنت بأن في إمكانها بواسطة التمويل والوعود والمعلومات تدجين هذه الحركة لمصلحة بريطانيا ودول التحالف الغربي الأطلسي في وقت كانوا يتهيئون لتغيير خارطة الشرق الاوسط ببتروله وموارده وموقعه الاستراتيجي – ولكن الرياح تغيرت فنقض أعوان حسن البنا ومنظرو حركته فيما بعد الحرب العالمية الثانية عهودهم لبريطانيا لأنهم رأوا فرصة الحكم أقرب إليهم بدون بريطانيا فأفشلوا المخطط وكأي “مافيا” عملوا لحسابهم الخاص. ومن هنا جاءت خصائص الإنتهازية والخيانة والنفاق والكذب وطعن الخصوم والأصدقاء في الظهر التي اشتهر بها الكيزان إلى يوم الناس هذا – فسالت دماء الأبرياء- وليس هناك حرمة – حتى بين أعتى المجرمين – أكبر من حرمة دما الأبرياء.

الرد على [كعكول في مرق عنقريب]

#1451593 [منصور المهذب]
3.00/5 (2 صوت)

04-27-2016 05:52 PM
لماذا لم يذكر كاتب المقال ، اهم نشاط كان يقوم به الاخوان المسلمين بين صغار التلاميذ ، الا وهو اقامة معسكرات للتلاميذ خارج مراقبة اولاياء امورهم و بقية المدرسين. و يختارون اماكن بعيدة ، يظل الطفل بها عدة ايام بلياليها ليامرس فيه الشذوذ ، بشهود او صور يهدد بها اذا باح بمل يجري في تلك المعسكرات و ذلك لضمان عدم خروجه على الجماعة بقية عمره.

الرد على [منصور المهذب]

#1451571 European Union [Anwar Moh.]
1.00/5 (1 صوت)

04-27-2016 05:14 PM
حقيقة الموضوع مسكوت عنه رغم شناعة الفعل، ان تجنيد الاطفال للسياسة لا يقل بشاعة عن تجنيدهم للقتال ان لم يفوقه، فالحرب تؤثر علي نفس الصغير و جسده لكن السياسة تستلب عقله ولن يستطيع الاختصاصيين النفسيين علاج تشوهاتها مستقبلا لدي من تم تجنيدهم اطفال.

الرد على [Anwar Moh.]

#1451480 [Kamal]
2.00/5 (3 صوت)

04-27-2016 02:24 PM
للاسف القوى المعارضة في البلدان الاسلامية هي التي روضت وتروض النظام لينتهج منهجا رادكاليا متطرفا قمعيا تجاه شعبه وهي التي تجبره اي المعارضة بان ينشغل بتامين وحماية نفسه بدلا من الانشغال برعاية مصالح شعبه وهي التي تجبره باسلوبها ومنهجها العميل في الارتماء في احضان الاعداء بالشعور بعدم الامان يلازمه لذك يجنح للغلظة في مواجة الراي العام المخالف هذا الامر ليس في سوداننا فحسب بل في كل العالم الاسلامي على وجه الخصوص فالمعارضة لها اذا اثر سئ وشريك اصيل في تدمير البلدان وما اليمن ورئيسه المخلوع علي عبدالله صالح عنا ببعيد وكذلك نظام بشار فجميعهم انتحي وانتهج سياسة شمشون والارض المحروقة علي وعلى اعدائي انتقاما لمناجزة شعوبهم لهم على الكرسي لذلك نجد الاسلام حرم الخروج على الحاكم وقال نبينا عليه الصلاة والسلام ادوا الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم في التعامل مع الحكام الجورة وقال اسمع واطع وإن ضرب ظهرك وإن اخذ مالك . فالحاكم متى ما أمن شر شعبه وتربصه به واطمأن اليهم سنجده تلقائيا انشغل بالتنمية بدلا من الصرف البذخي على اجهزته الامنية لحماية نفسه بدلا من ان تذهب لخدمة رعاياه فالعالم الاسلامي محصن بقيم دينه الحنيف بان ينتهج حكامه منحا بربريا كما حدث مع شعوب الامم الغير مسلمة الاخرى مادامت الشعوب المتمسكة ابهداب دينها الحنيف فكما نكون يولى علينا فالسنا كالغرب ولم تمر بنا حقب مأساوية في تاريخنا الإسلامي على إمتداد تاريخه كماسي حقب اضطهاد الكنيسة لشعوب الغرب التي راح ضحيتها الملايين من شعوب اوروبا كذلك ماسي اليكتاتوريات المجنونة والبلهاء التي اجتاحت دول الغرب في العصور الحديثة كل هذا السلام التي ينعم بها العالم الاسلامي كل ذلك ببركة هدي وتعاليم الاسلام فلا تلتفتوا لشنشنهم السخيفة حول الاسلام بانه دين ارهاب ان لم يكونوا هم من دعموه بالسر على قلته فالارهاب الذي عايشه الغرب من بني جلتهم على مر العصور والقرون إلى العصر الحديث لا يستطيع كائن وصف هوله فداحته وإلى الان ترتعد فرئصهم منه ومن هول ذلك التاريخ المرعب ويخشون عودته فنسب وعوامل احتمال عودة تلك الحقب المرعبة كبيرة جدا وسطهم فبدائلهم التي تحول دون رجوعها من انظمة سياسية ضعيفة وهشة فهاهي العنصرية بدات في الزمجرة والزئير وسطهم من جديد فالرعب من الماضي وحده هو الدافع الوحيد الذي يجعلهم متمسكين بالانظمة الديمقراطية البالية التي هي ايضا تجرهم الى الوراء لكن بنمط بطئ نوعا ما فلا نجاة لهم الا باعتناق الاسلام ‏ ‏kamalomer10@gmail.com
مقال جدير بالقرأة👇
مقال لجان عزيز

من إنجازات الأيام الأخيرة من العام المنصرم، صدور كتاب للفيلسوف الكندي ألان دونو عنوانه: «Mediocratie»، أو نظام التفاهة. كتاب طار حول العالم محمولاً بأقلام الغرب ونقاده، بحثاً عن الأسباب التي جعلت التافهين يمسكون بمواقع القرار في العالم، سياسياً، واقتصادياً، وأكثر… كلمات رائعة قيلت في الكتاب وعنه، تستحق أن يقال أكثر منها عن شرقنا ومحيطنا وعنا.

يؤكد ابن كيبيك أن التافهين قد حسموا المعركة. من دون اجتياح الباستيل (إشارة إلى الثورة الفرنسية) ولا حريق الرايخشتاغ (إشارة إلى صعود هتلر في ألمانيا) ولا رصاصة واحدة من معركة «الفجر» (إشارة إلى المعركة الأسطورية بين بونتا وبراكمار)، ربح التافهون الحرب وسيطروا على عالمنا وباتوا يحكمونه.
يعطي أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية نصيحة فجّة لناس هذا العصر: «لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً. فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة. فستكون عرضة للنقد. لا تحمل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخ شفتيك، فكر بميوعة وكن كذلك. عليك أن تكون قابلاً للتعليب. لقد تغير الزمن. فالتافهون قد أمسكوا بالسلطة»!
وحين يسأل عن أسباب هذا التحول، يعيد ذلك إلى عاملين اثنين، في السوسيولوجيا والاقتصاد، كما في السياسة والشأن العام الدولتي.
السبب الأول يعزوه دونو إلى تطور مفهوم العمل في المجتمعات. يقول إن «المهنة» صارت «وظيفة». صار شاغلها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير. يمكن أن تعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، وأنت لا تجيد إصلاح عطل بسيط في سيارتك. يمكن أن تنتج غذاء لا تقدر على شرائه. أو تبيع كتباً ومجلات وأنت لا تقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل إلى «المتوسط». وصار أشخاصه «متوسطين»، بالمعنى السلبي للكلمة. صار العمل مجرد أنماط. شيء ما من رؤيوية شابلن في «الأزمنة الحديثة» أو فريتز لانغ في رائعة «متروبوليس».
السبب الثاني مرتبط وفق دونو بعالم السياسة ومجال الدولة والشأن العام. هنا بدأت سيطرة التافهين يقول، أو ولدت جذور حكم التفاهة مع عهد مارغريت تاتشر. يقول انه يومها جاء التكنوقراط إلى الحكم. استبدلوا السياسة بمفهوم «الحوكمة»، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم «المقبولية المجتمعية»، والمواطن بمقولة «الشريك». في النهاية صار الشأن العام تقنية «إدارة»، لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عليا. وصارت الدولة مجرد شركة خاصة. صارت المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموع المصالح الخاصة للأفراد. وصار السياسي تلك الصورة السخيفة لمجرد الناشط اللوبي لمصلحة «زمرته».
من هذين المنطلقين، تنميط العمل وتسليعه وتشييئه، وتفريغ السياسة والشأن العام، صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم. وصارت قاعدة النجاح فيها أن «تلعب اللعبة». حتى المفردة معبرة جداً وذات دلالة. لم يعد الأمر شأناً إنسانياً ولا مسألة بشرية. هي مجرد «لعبة». حتى أن العبارة نفسها راجت في كل لغات عالم التفاهة: «أن تلعب اللعبة». وهي قاعدة غير مكتوبة ولا نص لها. لكن يعرفها الجميع: انتماء أعمى إلى جسم ما، يقوم على شكليات السهرات والغداءات والانتقامات. بعدها يصير الجسم فاسداً بشكل بنيوي قاطع. حتى أنه ينسى علة وجوده ومبادئ تأسيسه ولماذا كان أصلاً ولأية أهداف… أفضل تجسيد لنظام التفاهة، يقول دونو، صورة «الخبير». هو ممثل «السلطة»، المستعد لبيع عقله لها. في مقابل «المثقف»، الذي يحمل الالتزام تجاه قيم ومثل. جامعات اليوم، التي تموّلها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء، لا للمثقفين! حتى أن رئيس جامعة كبرى قال مرة ان «على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات». لا مكان للعقل النقدي ولا لحسه. أو كما قال رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية الضخمة، من أن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. صار كل شيء، والأهم أن الإنسان صار لاكتفاء، أو حتى لإرضاء حاجات «السوق».
هكذا يرى دونو أنه تم خلق نظام حكم التافهين. نظام يضع ثمانين في المئة من أنظمة الأرض البيئية عرضة لأخطار نظام استهلاكهم. ويسمح لخمسين في المئة من خيرات كوكبنا بأن تكون حكراً على واحد في المئة من أثريائه. كل ذلك وفق نهج نزع السياسة عن الشأن العام وعن التزام الإنسان.
كيف يمكن مواجهة حكم التافهين هذا؟ يجيب دونو: ما من وصفة سحرية. الحرب على الإرهاب أدت خدمة لنظام التافهين. جعلت الشعوب تستسلم لإرادات مجموعات، أو حتى لأشخاص، كأنهم يملكون عناية فوقية. بدل أن تكون تلك الحرب فرصة لتستعيد الشعوب قرارها. إنه خطر «ثورة تخديرية» جديدة، غرضها تركيز حكم التفاهة. المطلوب أن نقاوم التجربة والإغراء وكل ما لا يشدنا إلى فوق. ألا نترك لغة الإدارة الفارغة تقودنا. بل المفاهيم الكبرى. أن نعيد معاني الكلمات إلى مفاهيم مثل المواطنة، الشعب، النزاع، الجدال، الحقوق الجمعية، الخدمة العامة والقطاع العام والخير العام… وأن نعيد التلازم بين أن نفكر وأن نعمل. فلا فصل بينهما. الأساس أن نقاوم!

مقال للكادر السابق  الذي هتف في إعدام الشهيد محمود محمد طه ( سقط هبل )
   الوطنية ليست جزء من فكر الاسلاميين اوثقافتهم

عمار محمد ادم
_______________________________

كل الاناشيد كل الكتب كل المحاضرات تتحدث عن المسلمين فى العالم سيد قطب يقول عقيدة المسلم جنسيته كتابات ابو الاعلى المودودى او ابو الحسن الندوى …لاقيمة للرموز الوطنية فى فكرهم اوحتى للتاكا او الاماتونج اوجبل مرة او المهدية الاسنار باعتبارها كانت دولة اسلامية اثرت الجبهة الوطنية فى بعضهم وتوزعوا بين مجموعات ذات ثقافة عروبية يمثلها على عثمان واخرى غربية يمثلها الترابى وامريكية يمثلها عدد من المبعوثين مثل سيد الخطيب والكرنكى واكثر من مئة وخمسين من الكوادر المهمة وكنا نمثل الجموعة الايرانية واخرى مصرية..وحينما حكموا كان المحك الذى ابرز ازمة الوطنية عند الاسلاميين وهذا هو ماتوصلت اليه بحمد الله نتيجة تفكير اكثر من عقد من الزمان وكنت اسال لماذا حدث هذا وهو ماعبر عنه الطيب صالح من اين اتى هؤلاء؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
اذن فان اصل الفكرة لا يعترف بالحدود الجغرافية ومن هنا فان فصل الجنوب يعتبر استراتيجية للاسلاميين حتى لا يشكل عقية امام قيام دولة اسلامية فى الشمال لذلك لا بد ان يفكر الناس فى الكيفية التى يفكر بها الاسلاميين واحتلال حلايب لا يعنى عندهم شىْ اذن فنحن امام خلل اساسى فى طريقة التفكير ومن ثم التحليل والوصول الى نتائج .
لم يدر بخلد الاسلاميين ابدا ان يصلوا الى السلطة بمثل هذه السهولة لذلك فان الطريقة التى وصلوا بها الى السلطة جعلتهم فى وضع اشبه بالاستهتار فى تعاملهم معها بل وفكروا فى التوسع الاستراتيجى الذى اصبح من بعد وبالا عليهم اذن فان طريقة الوصول الى السلطة هى التى حددت كيفية الاستمرار فيها ودون اى مقدمات وجدوا انفسهم يقررون فى اكبر الامور واخطرها ولا احد يعترض عليهم لذلك استسهلوا الامور واصبحوا فى وضع اشيه بالاستباحة للبلاد و يبدو ان الاخرين قد الجمتهم المفاجاة كذلك فوقفوا مشدوهين لا يحركون ساكناتجاه ما يحدث ومما زاد الامر سوء خروج المعارضة والتى اصيبحت تلعب خارج الحلبة واصبح السودان منتهك باشخاص ما كان الواحد منهم يحلم بدخول ذلك المبنى ناهيك ان يكون مديرا عليه وبجرة قلم يتخذ القرارات فى الامور العظام ولديه مكتب فخم وسكرتيرة وحرس وسيارة وسائق والاموال تجرى بين يديه ولاتسأل ماذا كان هذا الشخص قبل ذلك.
ذلك الشخص ليس مهووسا دينيا كما يعتقد البعض ولكنه محروما اجتماعيا وبعضهم قد يكون منبوذا اجتماعيا ويجعل من التنظيم هوية له ومصدر رزق وانتمائه للتنظيم تمنحه شرعية اجتماعية ما كان يحلم بها تجعله فى مستوى اجتماعى غير حقيقى ويترتب على ذلك تبعات اخرى وقد ينبت عن اصله وينقطع عن اهله ويعيش حالة من الانفصام ما بين واقعه وحقيقته ويظهر هذا الانفصام فى محكات المال والسلطة والزواج.
غالبا ما يتم تجنيد الاخ المسلم فى فترة مبكرة من العمر ويوضع فى قالب تنظيمى يشكل شخصيته ويحجبه عن اى مؤثرات اخرى فيتحقق العقل الجمعى او قل سلوك القطيع فيكون رد فعلهم تجاه الاشياء واحد يضحكهم امر واحد ويحزنهم كذلك امر واحد يعطون شرعية داخلية لفعل ما بغض النظر عن المقاييس العامة الاخرى يعظمون الزنا مثلا وشرب الخمر واليسر ولكنهم فى قضايا المال الامر مختلف وحتى فى التعامل مع الاجنبى مثل ذلك المهم ان يكون ضد اعدائهم التقليديين حتى وان كان ضد الوطن!!
يتخيرون فى التجنيد المتفوقين اكاديميا او الملتزمين سلوكيا من الاشخاص المهذبين مثل اولئك الذين يمنحون جائزة الطالب المثالى ويتجنبون الشفوت والتفاتيح والراسطات واغلبهم لا علاقة لهم بكرة القدم وعالمها او السينما والمسرح وعامة الفنون ولربما يكون لهم موقف دينى من التشكيل والغناء وما الى ذلك وتحول ذلك بمرور الايام الى موقف نفسى حتى من بعد ان جاءت فتاوى تبيح ذلك ولكن لايمكن ان يقف اخ مسلم ليغنى فى المسرح ولكنه قد يفتتح الحفل بايات من الذكر الحكيم.
لذلك حينما جاءوا الى السلطة كانوا اشخاصا منغلقين على انفسهم لا يعرفون الناس ولايعرفهم الناس ولايدركون جوانب الحياة المختلفة وقد واجهوا عزلة اجتماعية كاملة جعلتهم يزدادون انغلاقا على انفسهم وحاولوا ان يدخلوا الحياة كلها فى التنظيم ويحولون مؤسسات الدولة الى مكاتب تنظيمية حتى يستطيعون ان يتعاملوا معها فهم لا يعرفون غير طريقة واحدة فى التعامل مع الاشياء وقد يريحون انفسهم بعض الشىْ بذلك ولكنهم اذوا الناس ايذاء شديدا واتعبوهم تعبا لا حد له( وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا)
الاسلامى يعتقد انه وكيل الله فى الارض هو لايقول ذلك ولكنه فى قرارة نفسه مقتنع به وينظر الى الاخرين انهم على ضلال حتى وان بدا فى تعامله معهم على غير ذلك لذلك فانه يظهر ما لايبطن ويحس باستعلاء زائف يعطيه الاحساس انه متميز لذلك تبدوا الابتسامات الصفراء المتكلفه وطريقة السلام المصطنعة والتكلف فى كل شى ويبدوا الاسلاميين لبعضهم البعض فى احسن صورة ولا يظهرون عيوبهم ونقاط ضعفهم لبعضهم البعض ويتحدثون بشكل يزينون لبعضهم ما يفعلون ويتجنبون ويحذرون نقاط
الخلاف ويستخدمون العبارات الدينية اثناء الحديث.
بعد المصالحة الوطنية تم سحب الاسلاميين من الحياة العامة وحشروا فى المؤسسات الاسلامية كانوا معلمين وعمال وموظفين ومهندسين فظهر بنك فيصل اولا ثم المركز الاسلامى الافريقى ومنظمة الدعوة الاسلامية وتوابعها دانفوديو والوكالة الاسلامية الافريقية للاغاثة ولجنة مسلمى افريقيا والامومة والطفولة ثم مدارس المجلس الافريقى ثم جاء بنك التضامن والشمال والشركات التابعة لبنك فيصل العقارية والشركة الاسلامية للاستثمار والوصيد ثم شركة التنمية الاسلامية ولجنة مسلمى افربقبا الكويتية وهلم جرا كل ذلك قبل الدولة فاصبح الاخ المسلم يعمل فى مؤسسة اسلامية وبيته بقرض منها وسيارته وحتى زوجته من الاخوات المسلمات وابنائه فى المدارس الاسلامية لذلك فلابد ان يكون اخا مسلما كل الحياة وكنت قد نسيت ان اذكر شركات التامين الاسلامية وبنك البركة وكل الافرع فى الولايات ودول الجوار.وهكذا تمت تعبئة الاسلاميين فى تلك المؤسسات دون ان توضع لهم مواد حافظة فتخمروا وتخمرت الحياة بهم من بعد. هنا لابد ان اذكر ان الاسلاميين فى الجيش لهم خصوصيتهم .
سيكلوجية الاخ المسلم ليس فيها الاحساس بالاخرين اصلا الا ان يكون منهم ولا احد منهم مطلقا يفكر فى الناس وليست لديهم رؤية فكرية تجاه ذلك فهم منغمسون فى ذواتهم ومنشغلون بمجتمعاتهم المغلقة ويجدون مبررا لذلك ان تمكين الدين هو الاصل ويركزون على مظاهر التدين كالصلوات الجماعية فى الوزارات او صيام الخميس والاثنين او التلاوة الجماعية او الزواج الجماعى ولكن كيف تدار امور البلاد والعباد ومصالح الناس وحقوقهم فان ذلك لا يدخل فى دائلرة اهتمامهم مطلقا ويهتمون كذلك جدا بمظاهر السلطة والمواسم والبرتكول والحشم والسيارات وعربات النجدة معتقدين ان ذلك ضرورة لتحقيق هيبة السلطة والتى ان لم تتحق بذلك فلابد ان تتحقق بالقوة والترهيب والترغيب لذلك فانهم لا يتورعون اصلا فى المال العام يبذلونه فى الداخل والخارج يسدون به نقصا فى الاحترام والتقدير والمحبة لايجدونه .
مفهوم السلطة بمعناها الحقيقى لم يتوفر لدى نفسية الاخ المسلم فهو يمارس السلطة وكانها امر تنظيمى ويعتقد ان الذى يحكم هو التنظيم والتنظيم وجود هلامى غير محدد يتحثون عنه بقدسية واحترام فيقولون التنظيم قرر كذا وكذا واذا سالتهم من اوما هو التنظيم لا يكلفون انفسهم مجرد عناء التفكير لذلك فان الجميع يعتبرون انفسهم خدام للتنظيم والذى كان سابقا مؤسسة تتكون من مجلس شورى منتخب من المؤتمر العام وقد انتخب قيادة تنفيذية الا ان هذا الوجود تم حله فى اجتماع شهير فى منزل عبد الله سليمان العوض حينما دعا الترابى مجلس اشورى الذى يتكون من تسعين شخصا كلهم من العاصمة لدواعى التامين والسرية اجتمعوا حتى وقت متاخر من الليل واقنعهم الترابى وجماعته بحل التنظيم لخصوصية المرحلة الجديدة من بعد الانقلاب العسكرى وذلك لتكوين تنظيم جديد واسع يضم الذين جاءت بهم الانقاذ وقام مجلس الشورى بالفعل بحل التنظيم واعطى الترابى تفويضا لانشاء التنظيم وقد وزعت لهم المصاحف وانصرفوا واستمر الترابى بذاك التفويض ما شاء الله له ان يستمر الا ان ان اعضاء مجلس الشورى المنحل لما طال بهم الانتظار ولم يتم تكوين التنظيم الجديد اجتمعوا مرة اخرى الا ان الترابى رفض المجىْ اليهم الا بعد الحاح وجاءهم ليقول لهم باى صفة تجتمعون فقد قمتم بحل التنظيم واعطيتمونى تفويض لم تحددوا مداه وقد اقبلوا على بعضهم يتسالون اذا كنا قد حللنا التنظيم فهل من حقنا اعادته واخرون يقولون انه ليس من حقنا فى مجلس الشورى حل انفسنا وانما ذلك من صلاحيات المؤتمر العام الذى اتى بنا وتركهم الترابى فى هذا الجدال البيزنطى وانصرف ليعلن بعد مدة عن قيام الحركة الاسلامية السودانية والتى كان دكتور مصطفى ادريس وغازى صلاح الدين بعض من وضعوها واصبح احمد عبد الحليم سفير السودان فى مصر رئيسا لمجلس الشورى العام والفريق عباس مدنى رئيس مجلس شورى العاصمة!!!!!!!!
وهكذا ظل الاسلاميون يعكفون على صنم لهم اسمه التنظيم ياتمرون باوامره وينتهون بنواهيه يقدمون ارواحهم فداء له وهم لايدركون ماذا يدور فى الدهاليز ويصمت الذين يعرفون خوفا من الفتنة ويظل الولاء للتنظيم على حساب الولاء للاسرة والمجتمع فكل العمر للتنظيم اعتقادا منهم انه يقودهم الى الجنة حتى الذين يعملون فى الادوار القذرة مثل التجسس وغيره يعتقدون انهم يتقربون بذلك الى الله تعالى ولديهم من النصوص ما يبررون به ذلك لاوهنالك ثقافة الفتوى التى تصدر من اشخاص معينين منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا!!وبالتعود والتراكم اصبح هنالك وضع ثابت (system)تتحرك فيه الاشياء بالية كاملة لا يتاثر بمن بقى او ذهب حتى ان كان الامين العام والذين يحاولون العمل خارجه يلوصون ويعرضون خارج الدارة.

هذا الوجود الذى اسمه التنظيم الذى لا يعرف له راس من قعر لم  يستطيع المؤتمر الوطنى ان يلغيه ولا الحركة الاسلامية السودانية التى اسسها الترابى

.
.
يقول العالم والفيلسوف العربي ابن رشد…..التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردت التحكم في جاهل، عليك أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني.

التحرر / السياسة التحررية / سياسة اللاعنف / سياسة ملأ الفراغ / اليبيرالية / الجيوسياسية.

 من طرف GODOF في السبت 10 أكتوبر – 17:50هو مصطلح يستخدم لوصف مختلف الجهود الراميه إلى الحصول على الحقوق السياسية أو المساواة ، وعلى وجه التحديد في كثير من الاحيان لمجموعة محرومه ، أو بشكل اعم في مناقشة مثل هذه الامور. كلمة التحرر كانت في الاستعمال الشائع في الشؤون السياسية في القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر في الخطاب السياسي ، كما في الكاثوليكيه أو حركات التحرر اليهودية (انظر الصفحه لتحرير المزيد من الامثله) ، في حين يشكل الحصول على حق التصويت هدفا رئيسيا لحركات تحرر المراه. بين امور أخرى ، ناقش كارل ماركس التحرر السياسي في بلده 1844 ، مقال “حول المساله اليهودية” ، وقد لخص أحد الكتاب آراء ماركس من التحرر السياسي في هذا العمل كما يلي “الوضع المتساوي للمواطنين الافراد فيما يتعلق بالدوله ، والمساواة امام القانون ، بصرف النظر عن الدين ، والملكيه ، او غيرها من الخصائص الفرديه للأشخاص.” التحرر السياسي عبارة اقل شيوعا في الاستعمال الحديث ، وبخاصه خارج الاستعمال الاكاديمي ، . ومع ذلك ، مفاهيم مماثلة يمكن ان يشار اليها من قبل التحرر فعلى سبيل المثال ، في الولايات المتحدة حركة الحقوق المدنيه التي توجت في قانون حقوق التصويت لعام 1965 ، ويمكن اعتبار اعلان الغاء الرق منذ قرن مضى من قبل التحرر. السياسة التحررية تحررية أو ليبرتارية ويسميها البعض “مذهب مؤيدي مبادئ الحرية”، هي المذهب السياسي الفلسفي الذي من أولوياته الحفاظ على الحرية الفردية، ويدعو إلى إزالة القيود المفروضة على الفرد من قبل الدولة وتقليص حجمها قدر المستطاع. يؤمن الليبرتاريون بأن الفرد يملك نفسه تماما وبالتالي فإن لديه الحرية في التصرف فيها وفي ممتلكاته كما يشاء شرط ألا يكون هذه في التصرفات تعد على حريات الآخرين وممتلكاتهم. وفقا لموقع منبر الحرية، المدعوم من قبل مؤسسة أطلس للأبحاث الاقتصادية فإن الليبرتاريين “يعارضون معظم أو كلّ الممارسات الحكومية، حتّى ولو كانت مؤيَّدة بأغلبية ديمقراطية. كما ويعتقدون أنه إذا كان الأفراد لا يمارسون الإكراه ضد الآخرين، فإنه يتعيّن على الحكومة أن تتركهم في طمأنينة وسلامة” كما يعارض الليبرتاريون “تدخّل الحكومة في الاقتصاد (عدا عن منع المؤسسات التجارية أو الصناعية من الاشتراك في الإكراه أو الاحتيال)” وبعضهم يعارض “كافة أنواع الضرائب” إلا أن معظمهم “يؤيدون فقط ما يكفي من الضرائب التي يعتقدون بأنها ضرورية لحماية حريّة الفرد. إن معظمهم يؤيدون وجود حكومة، إلا أنهم يدعون إلى تخفيض حجم ونطاق الحكومة إلى المهام الأساسية لحماية الحريّة الفردية، والملكية الخاصة، والسوق الحرّة.” يختلف الليبرتاريون في تعريف الحرية ومقدار درجة الحرية الممنوحة للشخص، ودور الحكومة في المجتمع (بعضهم لا سلطويين ضد مبدأ وجود حكومة من الأساس І – يتميـز المغـرب بموقـع استراتيجـي مهـم: 1 ـ موقعه بالنسبة للعالم والإحداثيات الجغرافية: يقع المغرب في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، شمال غرب القارة الإفريقية وجنوب القارة الأوربية كما يفصله المحيط الأطلسي عن القارة الأمريكية. يمر خط الإستواء من جنوب البلاد، كما تتواجد حدوده بين دائرة خط العرض 36° شمالا، و 21° جنوبا، وبين خط الطول 1 درجة شرقا و 17° غربا. 2 ـ الموقع البحري والمجموعات الجغرافية: يطل المغرب على البحر المتوسط من الشمال، وعلى المحيط الأطلنتي من الغرب كما أنه ينتمي جغرافيا لمجموعة بلدان البحر الأبيض المتوسط، ولغويا لبلدان العالم العربي ودينيا لمجموعة بلدان العالم الإسلامي وبحكم حدوده مع الدول المجاورة، فهو يعتبر من بلدان المغرب العربي. ІІ – البعد الاستراتيجي لموقع المغرب: تكمن أهمية الموقع الاستراتيجي للمغرب في قصر المسافة الفاصلة بينه وبين أوربا عبر مضيق جبل طارق (15 كلم) من جهة، وارتباطه بالقارة الإفريقية عبر صحرائه الجنوبية وكذلك في انفتاحه عبر موانئ المحيط الأطلنتي على القارة الأمريكية رغم بعد المسافة عنها. خاتمـة: شكل الموقع الاستراتيجي للمغرب عبر التاريخ نقطة التقاء لمختلف الحضارات وساهم في انفتاحه على أوربا وإفريقيا. اتحاد المغرب العربي (ا م ع) (UMA)، اتحاد المغرب العربي تأسس بتاريخ 17 فبراير/فيفري 1989 م بمدينة مراكش بالمغرب، ويتألف من خمس دول تمثل في مجملها الجزء الغربي من مايسمى بالوطن العربي وهي : تونس، الجزائر،ليبيا، المغرب، موريتانيا. وذلك من خلال التوقيع على ما سمي بمعاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي. ظهرت فكرة الاتحاد المغاربي قبل الاستقلال وتبلورت في أول مؤتمر للأحزاب المغاربية الذي عقد في مدينة طنجة بتاريخ 28-30/4/1958 والذي ضم ممثلين عن حزب الاستقلال المغربي والحزب الدستوري التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية. وبعد الاستقلال كانت هناك محاولات نحو فكرة تعاون وتكامل دول المغرب العربي، مثل إنشاء اللجنة الاستشارية للمغرب العربي عام 1964 لتنشيط الروابط الاقتصادية بين دول المغرب العربي، وبيان جربة الوحدوي بين ليبيا وتونس عام 1974, ومعاهدة مستغانم بين ليبيا والجزائر, ومعاهدة الإخاء والوفاق بين الجزائر وتونس وموريتانيا عام 1983. وأخيرا اجتماع قادة المغرب العربي بمدينة زرالده في الجزائر يوم 10/6/1988, وإصدار بيان زرالده الذي أوضح رغبة القادة في إقامة الاتحاد المغاربي وتكوين لجنة تضبط وسائل تحقيق وحدة المغرب العربي. أعلن عن قيام اتحاد المغرب العربي في 17/2/1989 بمدينة مراكش من قبل خمس دول هي: المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا. وفيما يلي تعريف بالاتحاد من خلال المحاور التالية: يهدف الاتحاد المغاربي إلى فتح الحدود بين الدول الخمسة لمنح حرية التنقل الكاملة للأفراد والسلع، والتنسيق الأمني، ونهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها. كذلك من مباديء اتحاد المغرب العربي أنه يهدف إلى: 1- تمتين أواصر الاخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض ؛ تحقيق تقدم رفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها ؛ 2- المساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف ؛ 3- نهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين. 4-العمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها وتهدف السياسة المشتركة المشار إليها أعلاه إلى تحقيق الأغراض التالية: في الميدان الدولي : تحقيق الوفاق بين الدول الأعضاء وإقامة تعاون دبلوماسي وثيق بينها يقوم على أساس الحوار. في ميدان الدفاع : صيانة استقلال كل دولة من الدول الأعضاء. في الميدان الاقتصادي : تحقيق التنمية الصناعية والزراعية والتجارية والاجتماعية للدول الأعضاء واتخاذ ما يلزم اتخاذه من وسائل لهذه الغاية، خصوصا بإنشاء مشروعات مشتركة وإعداد برامج عامة ونوعية في هذا الصدد. في الميدان الثقافي : إقامة تعاون يرمي إلى تنمية التعليم على كافة مستوياته وإلى الحفاظ على القيم الروحية والخلقية والمستمدة من تعاليم الإسلام السمحة وصيانة الهوية القومية العربية واتخاذ ما يلزم اتخاذه من وسائل لبلوغ هذه الأهداف، خصوصا بتبادل الأساتذة والطلبة وإنشاء مؤسسات جامعية وثقافية ومؤسسات متخصصة في البحث تكون مشتركة بين الدول الأعضاء. الإتحاد الأفريقي منظمة تضم 53 دوله أفريقية تأسست في دوربان بجنوب أفريقيا سنة 2000 وقد حلّت مكان منظمة الوحدة الأفريقية. تشتمل المنظمة على جملة مؤسسات هي اللجنة والبرلمان الأفريقي و مجلس الأمن والسلم تم اقرارها خلال قمة مابوتو بموزمبيق سنة 2003. أول من شغل منصب رئيس الإتحاد الأفريقي هو تابو إيمبيكي والذي كان آنذاك رئيس منظمة الوحدة الأفريقية. وعلى غرار الإتحاد الأوروبي يسعى الإتحاد الأفريقي إلى نشر الديمقراطية و ثقافة حقوق الإنسان والتنمية خاصة بتشجيع الإستثمارات الخارجية من خلال برنامج الشراكة من أجل تطوير القارة الأفريقية (NEPAD) والذي يقرر أن السلم والديمقراطية شرطان أساسيان للتنمية المستديمة. من أهداف الإحاد تأسيس بنك مركزي للتنمية. تعريف الامتداد الأبعاد المكانية لمنطقة ما من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب الموقع الجغرافي مكان بلد أو منطقة ما في الخريطة العالمية ومعرفة حدودها السياسية. اتحاد المغرب العربي تأسس اتحاد المغرب العربي بتاريخ 17/02/1989 بمدينة مراكش بالمغرب، ويتألف من دول المملكه المغربيه،والجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، والجمهورية التونسية، والجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى، والجمهورية الإسلامية الـ موريتانية، وذلك من خلال التوقيع على معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي. يهدف اتحاد المغرب العربي إلى تمتين أواصر الأخوة التي تربط الدول الأعضاء وشعوبها بعضها ببعض، وتحقيق تقدم رفاهية مجتمعاتها والدفاع عن حقوقها، والمساهمة في صيانة السلام القائم على العدل والإنصاف، ونهج سياسة مشتركة في مختلف الميادين، والعمل تدريجيا على تحقيق حرية تنقل الأشخاص وانتقال الخدمات والسلع ورؤوس الأموال فيما بينها.تعريف الليبرالية هي مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في السياسة والاقتصاد ، وينادي بالقبول بأفكار الغير وأفعاله ، حتى ولو كانت متعارضة مع أفكار المذهب وأفعاله ، شرط المعاملة بالمثل . والليبرالية السياسية تقوم على التعددية الإيدلوجية والتنظيمية الحزبية . والليبرالية الفكرية تقوم على حرية الاعتقاد ؛ أي حرية الإلحاد ، وحرية السلوك ؛ أي حرية الدعارة والفجور ، وعلى الرغم من مناداة الغرب بالليبرالية والديمقراطية إلا أنهم يتصرفون ضد حريات الأفراد والشعوب في علاقاتهم الدولية والفكرية . وما موقفهم من الكيان اليهودي في فلسطين ، وموقفهم من قيام دول إسلامية تحكم بالشريعة ، ومواقفهم من حقوق المسلمين إلا بعض الأدلة على كذب دعواهم . الموقع الاستراتيجي الموقع الذي يحظى بأهمية اقتصادية أو عسكرية أو سياسية وقد تكون جميعها على المستوى العالمي. تعريف الجيوسياسية العلاقة بين الساسة والجغرافيا والديمغرافيا والاقتصاد وخاصة فيما يتعلق بالساسة والعلاقات الخارجية للأمة بالنسبة لمختلف الأبعاد المحلية والإقليمية والقارية والدولية-(الموقع الجغرافي لمنطقة ما بابعاد سياسية محلية- اقليمية –قارية -دولية). هذا التعبير مشتق من كلمتين ، جيو وهي باليونانية تعني الأرض / وكلمة السياسية وقد صاغه لأول مرة العالم السويدي ” كجلين” للدلالة على دراسة تأثير الجغرافيا على السياسة…بعد ذلك اتخذ معاني مختلفة ويمكن اختزالها في تعريف معجم “لاروسالكبير ” أن الجيو سياسية تجهد بفضل دراسة الوقائع الجغرافية لاعطاء اتجاه للسياسة” – التحرر : هو تمكن شعوب المستعمرات من طرد الاستعمار الأوروبي العسكري المباشر من أراضيها وتحقيق الحرية السياسية لشعوبها . 6- التحرر الشامل : هو التحرر الكامل الذي يشمل كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية . وهو هدف سامي ما زالت العديد من دول المستعمرات المستقلة سياسيا تناظل من أجل تحقيقه . ا/ تعريف السياسة التحررية : هي تلك الموجة من السخط والغضب التي قامت بها شعوب المستعمرات بعد الحرب العالمية الثانية وكانت تهدف من ورائها إلى نيل الحرية والاستقلال والتخلص من الهيمنة الاستعمارية الأوربية مستغلة في ذلك بعض الظروف الدولية المتغيرة كظهور هيئة الأمم وخروج فرنسا وبريطانيا منهكتا القوى من الحرب العالمية الثانية وتدعيم الاتحاد السوفيتي للحركات التحررية. تعريف الاتحاد الافريقي: الاتحاد الأفريقي منظمة تضم 53 دوله أفريقية تأسست في دوربان بجنوب أفريقيا سنة 2000 وقد حلت مكان منظمة الوحدة الأفريقية. تشتمل المنظمة على جملة مؤسسات هي اللجنة والبرلمان الأفريقي و مجلس الأمن والسلم تم اقرارها خلال قمة مابوتو بموزمبيق سنة 2003. أول من شغل منصب رئيس الاتحاد الأفريقي هو تابو إيمبيكي والذي كان آنذاك رئيس منظمة الوحدة الأفريقية. وعلى غرار الاتحاد الأوروبي يسعى الاتحاد الأفريقي إلى نشر الديمقراطية و ثقافة حقوق الإنسان والتنمية خاصة بتشجيع الاستثمارات الخارجية من خلال برنامج الشراكة من أجل تطوير القارة الأفريقية (NEPAD) والذي يقرر أن السلم والديمقراطية شرطان أساسيان للتنمية المستديمة. من أهداف الاتحاد تأسيس بنك مركزي للتنمية. سياسة اللاعنف عُرف اللاعنف بتعريفات عدة سواءً أكانت في علم السياسة أم في علم الاجتماع، وكل فريق فسره حسب نظرته إلى المصطلح من وجهة نظره هو، فعلماء السياسة تناولوه من جانب سياسي والاجتماع عرفوه من جانب اجتماعي ونادراً ما نجد تعريفاً شاملاً أحاط بالموضوع من بعديه الاجتماعي والسياسي نأخذ مثلاً تعريف اللاعنف الذي جاء في الموسوعة السياسية لمبدأ اللاعنف حيث عُرف على أنه:- (سلوك سياسي لا يمكن فصله عن القدرة الداخلية والروحية على التحكم بالذات وعن المعرفة الصارمة والعميقة للنفس) سياسة ملء الفراغ : هي سياسة استعمارية تبنيها الولايات المتحدة الأمريكية وظفتها بعد انسحاب القوى الاستعمارية التقليدية

 كمنطلق فكري سياسي للمسألة التنظيمية لدى حركة فتح مفهوم التحرر الوطني هو المنطلق الفكري السياسي للمسألة التنظيمية لدى حركة فتح وهو المرشد والإطار لنظريتها السياسية والذي ينعكس بشكل مباشر أو غير مباشر في العملية التنظيمية برمتها، وعليه فإن تحديد مفهوم التحرر الوطني هو المقدمة المنطقية لدراسة المفاهيم النظرية والتطبيقية للمسألة التنظيمية لدى حركة فتح.فما هو مفهوم التحرر الوطني ؟التحرر الوطني هو إزالة التسلط الأجنبي بكل أشكاله، عن الوطن أو أي جزء منه وقع عليه تسلط خارجي، أو عن ثرواته.ولكي يكتمل التحرر الوطني لابد من إقامة السيادة الوطنية المستقلة على كامل تراب الوطن وكامل ثرواته.أما مضمون النضال في مرحلة التحرر الوطني فيتلخص في وحدة القوى الوطنية في النضال ضد العدو الخارجي من أجل استقلال وحرية الوطن أو أجزائه المعتدى عليها أو من أجل استرداد السيطرة الوطنية على ثرواته.ومن هذا المضمون نستطيع أن نستنتج العناصر التالية :أولا : وحدة الحركة الوطنية : إن وحدة القوى الوطنية هي من المستلزمات الهامة والضرورية لإنجاز هدف التحرر الوطني، وهذه الوحدة يجب أن تقوم على أساس الإخلاص الوثيق لبرنامج التحرر الوطني أولا. ثمة اتجاه يحاول ربط بنية النضال في هذه المرحلة بمفاهيم تحكم العلاقات ما بعد إنجاز التحرر الوطني، إلا أنه لا يجوز لهذا الربط أن يكون عائقا في طريق وحدة حركة التحرر الوطني أو على حساب قوتها، ولا يجوز لهذا اربط أن يكون عاملا سلبيا أبدا. إن التحرر الوطني مصلحة حاسمة لمجموع الأمة وصلابة التمسك بالبرنامج الوطني لا تقتصر على طبقة أو فئة في المجتمع. بل غالبا ما تتوقف على درجة الإحساس بالحاجة إلى الوطن وإلى الكرامة الوطنية، أو الإحساس بالحاجة إلى الأرض لذلك نجد الأمثلة الكثيرة في نضال التحرر الوطني على التشبث المستميت للفلاحين بالأرض، أو على التفاني الكامل من قبل مجموعات تنتمي إلى فئات أو طبقات اجتماعية مختلفة. إن الأساس هو وحدة حركة القوى الوطنية، أما مسألة القيادة فيها فشرطها هو توفر الخلاص المطلق لبرنامج التحرر الوطني والقدرة العملية على قيادة تنفيذه، وما هو زيادة على هذا الحد لا يجوز للتباين فيه أن يؤدي إلى تفجير أو تفتيت جبهة التحرر الوطني لأننا بذلك قد نستخدم البرنامج الأصلب – من وجهة نظر ما – لضرب النضال برمته.ثانيا : برنامج التحرر الوطني، هو برنامج التحرير، واستخدام الاستراتيجية المناسبة له، بما تعنيه من تحديد الهدف الاستراتيجي والأسلوب الاستراتيجي والاداة الاستراتيجية، ومن تحديد للعدو الرئيسي واتجاه النضال الرئيسي وسياسة المراحل والتحالفات.ثالثا : تحكم وحدة وبرنامج جبهة أو حركة التحرر الوطني ممارسة النضال ضد العدو الخارجي بأشكال هذا العدو المختلفة وبأشكال النضال المختلفة التي يجب أن يكون الكفاح المسلح أبرزها إذا كان الأمر يتعلق بسيطرة أجنبية على الوطن أو على جزء منه.ان العدو الخارجي في مفهوم التحرر الوطني هو كل جهة تحول او تحاول ان تحول دون تحقيق هدف التحرر الوطني.كما ان مفهوم الصديق هو كل جهة تقف مع تحقيق هذا الهدف بغض النظر عن مستوى هذا الوقوف.وقد يأخذ النضال ضد العدو الخارجي أشكالا مختلفة. وقد يقتضي هذا النضال الاعتماد على أحد هذه الأشكال أكثر من غيره الا أنه يجب ان يستند في الأساس إلى الأسلوبين السياسي والعسكري معا ضمن استراتيجية متكاملة.نضال التحرر الوطني والنضال القوميان باعث وأساس النضال الوطني هو الوطن وثرواته الطبيعية، أما باعث النضال القومي فهو الأمة وحقوقها القومية. ومما لا شك فيه ان الحق في وطن حر مستقل يعود إليه الأمر في ثرواته هو احد الحقوق القومية. ولذا فإن نضال التحرر الوطني جزء خاص في نضال الأمة من أجل ذاتها، أي من أجل حقوقها القومية، إلا أن لهذا النضال أولوية خاصة وطابع خاص من بين نضالات الأمة لنيل حقوقها القومية الأخرى، فواجب النضال من أجل التحرر الوطني يتقدم على واجب النضال من أجل أي حق آخر للأمة فعندما يقع عدوان على أرض الوطن يصبح هو التناقض الرئيسي، ويتوجب وضع كل الاعتبارات في خدمة النضال من أجل حله.أما النضال القومي عموما فهو أوسع وأهم من جزئه الوطني حيث أنه لا يقتصر على النضال الوطني فقط فثمة حقوق أخرى للأمة غير حقها في الوطن وثرواته قد يأخذ النضال في سبيلها طابعا آخر.الا أن المطالب القومية المختلفة عندما يتضمن النضال من أجل تحقيقها نضالا ضد قوى خارجية تصبح في عداد نضال التحرر الوطني، حتى وان كانت القوى الخارجية متوارية وراء قوى محلية أو متعاونة معها. وتصبح بذلك هذه المطالب القومية مرتبطة ارتباطا جدليا بمطلب التحرر الوطني.الأسس النظرية لمفهوم التحرر الوطني :اذا صنفنا المذاهب الفكرية الاجتماعية السياسية إلى :1- المذاهب العنصرية كالتمييز العنصري والفاشية والنازية.2- المذاهب القومية كالاشتراكية القومية والليبرالية القومية.3- المذاهب الأممية كالدينية والشيوعية.فان فكر التحرر الوطني هو فكر عام قد يضم في دوافعه وقد ينضوي تحت لوائه الألوان المختلفة من القومية والأممية.ويرتبط بالمذاهب القومية من حيث فكرة الاستقلال والتحرر وحق تقرير المصير.ويرتبط بالمذاهب الأممية المعادية للظلم الاجتماعي من حيث فكرة العدالة والمساواة الاجتماعية لذلك نجد ان التحرر الوطني هو قاسم مشترك تلتقي عنده الفكرة التقدمية في المذاهب الفكرية المختلفة.وهو درجة من درجات الكفاح ضد العنصرية وضد الاستعمار وضد الاستغلال. وقد أثبتت التجارب الثورية الحديثة ان هذه الدرجة أولية في أي كفاح إلى حد استخلاص ان للثورة مرحلتان :الأولى : مرحلة الثورة الوطنية.الثانية : مرحلة الثورة الاجتماعية.وان الثورة الوطنية تسبق الثورة الاجتماعية.لماذا نحن في فتح حركة تحرر وطني ؟ان طابع مرحلة النضال ليس وليد اجتهاد أو إبداع بل هو وليد عوامل موضوعية، وليد واقع قائم، تقرره ظروف خارجة عن رغبة وطموح الذين يتصدون لمهام النضال، ولا يبقى لارادة أو اجتهاد أو إبداع هؤلاء سوى صحة الاكتشاف والفهم لتقدير وتقرير ما هو طابع مرحلة النضال ثم وضع البرامج العملية المناسبة وتطبيقها وما يتبع ذلك من ضرورات وأوليات.اتن طابع مرحلة النضال يتحدد وفق قوانين، وفق طبيعة الصراع وطبيعة القوى المستفيدة من تحقيق هذه الأهداف.لذلك نحن في فتح عندما حددنا ان طابع المرحلة والى ان يتم تحرير فلسطين هو طابع التحرر الوطني فإنما كنا ننطلق من فهم لمجمل ظروف قضيتنا وصراعنا. وكنا بذلك نرتبط بالهدف : فطابع المرحلة، يحدد – الى حد كبير – طابع النضال.ومن البديهي ان نعتقد ان الفكر النضالي في جزئه الأساسي رد على الفكر العدواني، فالحرية رد على الاستعباد، وتكافؤ الفرص رد على الاحتكار، والاستقلال رد على الاستعمار، بل أن جزءا هاما من التراث النظري النضالي كان يتشكل في سياق الردود التي تدحض حروبا أو وقائع عدوانية أو استغلالية. طبعا هذا لا ينفي ان الحرية مثلا هي الأصل وان الاستعباد هو الطارئ ولكنه يعني ان فكر النضال من أجل الحرية جاء ردا على واقعة انتهاك الحرية، وعليه فان واقعة العدوان بحد ذاتها تصبح معيارا لبعض خصائص النضال ضده. وإذا أردنا ان نعيد صياغة استنتاجنا العام نقول : ان طابع مرحلة النضال يتقرر وفق معايير موضوعية خارجة عن الرغبات والطموح، ولعل من أهمها :أولا : طبيعة الهدف.ثانيا : طبيعة العدو : خارجي أم داخلي.ثالثا : طبيعة القوى المستفيدة من تحقيق الهدف : طبقة أو فئة واحدة من المجتمع مثلا أم معظم فئاته. فعندما يكون الهدف المطلوب تحقيقه مباشرة مرتبطا بحق من حقوق المجتمع كله بكل فئاته وطبقاته في حرية الوطن أو رفع السيطرة الأجنبية عنه أو عن جزء منه ويكون العدو خارجيا، يكون هذا التناقض هو التناقض الرئيسي الذي له الأولوية على التناقضات الأخرى وتكون مرحلة النضال هي مرحلة النضال الوطني.وفقا لهذه المقدمات والمعايير تقرر لنا نحن في فتح ان طابع مرحلة نضالنا الحاسم هو طابع التحرر الوطني وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك في :1- نظرية فتح السياسية وشعاراتها.2- استراتيجية فتح.3- بنية فتح.4- ممارسة فتح.بكل ما يعنيه هذا من تفاصيل.ان مرحلة التحرر الوطني هي مرحلة النضال الذي يحتاج إلى قوى الأمة بأسرها والذي يجب القيام به على ضوء هدف واحد توظف لمصلحته كافة الاعتبارات والعوامل المادية والإنسانية والمعنوية والسياسية.وبرنامج التحرر الوطني هو البرنامج الذي يوضع وفق اعتبارات هذه المرحلة.وهو البرنامج الذي ينعكس في العملية التنظيمية سواءا في جانبها النظري أو التطبيقي، وعليه فإن الروحية والخلفية للعملية التنظيمية في الحركة هي هذا المفهوم للتحرر الوطني حيث أننا وفقا له يمكن ان نصل إلى روح النصوص في العمل التنظيمي وكذلك وفقا له تنطلق المفاهيم النظرية للمسألة التنظيمية في حركتنا على أساس أن العملية التنظيمية هي عملية فكرية سياسية.من طرف bent_falsteen في 2007-0